islamaumaroc

الروح والإيمان

  دعوة الحق

177 العدد

تبدأ الروح وجودها في فكر الله الخالق.
وهي خالدة خلودا أبديا(1).
وترتبط أبدية خلودها بأزلية الله الخالق وسرمديته.
وبأمر الكينونة من الله الخالق تكون الروح روحا، وتحيا كما قضى عليها وقدر لها.
وهي رسوله(2) الإلهي الغيبي المباشر في أعماق كل إنسان، كائن من كان، في أي مكان وفي أي زمان.
ولهذا فهي الواسطة الغيبية المباشرة التي تنقل الإشعاع الإلهي إلى الإنسان ليشرق في أعماقه بأنوار الإيمان، والهدى، والرشد والخير، والمعرفة، والحكمة.
والله الخالق هو المؤمن الأزلي السرمدي ذو الإيمان الدائم اللانهائي اللامحدود.
إنه سبحانه وتعالى يؤمن بنفسه، ويؤمن بوجوده، ويؤمن بكل من وما أوجد من مخلوقات وموجودات.
وهو يحب الإيمان لكل إنسان كائن من كان، في أي مكان وفي أي زمان كان.
والأصل في الروح التي يتعلق وجودها بوجود الله الخالق، وبأمره وترتبط أبدية خلودها بأزليته وسرمديته، وتبدأ فكرة إيجادية في فكره الإلهي المؤمن أن تؤمن بالله، وتكون روحا مؤمنة.
ان هذا الإيمان فرض عليها لأنها تبدأ في الفكر المؤمن لله الخالق المؤمن من الأزلي السرمدي ذي الإيمان المطلق اللانهائي اللامحدود.
ويعني كل هذا أن للروح علاقة وثيقة بالإيمان! فهي تبدأ في الفكر المؤمن لله الخالق المؤمن!
وهي بالإيمان وجدت وخلقت.
وهي في مراحل وجودها وحياتها تتعلق بالإيمان الإلهي.
وإذن، فالأصل في الروح أنها تبدأ وجودها بداية إيمانية أصيلة وتكون في بدايتها هذه مؤمنة!
والمفروض أنها يجب أن تستمر بعد بدايتها هذه في طريق الإيمان وتظل مؤمنة، وتخلد مؤمنة!
وإما أن تكون مؤمنة وتكون مؤمنة، أو لا تؤمن، وتكون غير مؤمنة فتلك قضية تتعلق بالظروف البئوية السائدة في المجتمع الذي ينتمي إليه الإنسان، وبجميع ما فيه من عقائد، وطقوس واديولوجيات وأعراف، وتقاليد، وغيرها، وتتعلق أيضا باختيار الإنسان نفسه!
والروح المؤمنة في الإنسان المؤمن تعرف أنه يوجد الله الخالق، الذي خلق الوجود والحياة والكون، وخلقها لتتمتع بالوجود والحياة والخلود، وتؤمن به!
وإيمانها هذا إيمان مباشر بالله الخالق.
أما في حالة عدم إيمانها بالله الخالق إيمانا مباشرا، في حالة الإنسان الذي لا يؤمن فإن الإيمان يمكن أن يكون موجودا، بأية صورة غير مباشرة، يمكن أن تعوض الإيمان المباشر بالله كالإيمان بالوجود اللانهائي اللامحدود، والإيمان بخلود الروح، والإيمان بوجود مبرر على مطلق لوجود الوجود والكون والحياة.
والإيمان المبرر العلي المطلق للوجود هو نفسه الإيمان بالله ولكن بشكل آخر، بشكل ضمني فيه احتياط أو حذر، أو فيه مرونة وتهرب واع ذكي من الإيمان المباشر بالله وما يترتب عليه من مسؤوليات.
ويمكن اعتبار الإنسان الذي وصلت إلى أعماقه إحساسات إيقانية بوجود حياة بعد الموت وبخلود الروح بأية صورة تأويلية من الصور الفلسفية هو إنسان مؤمن بالله الخالق بصورة غير مباشرة شعوريا أو لا شعوريا.
وإن الإنسان عندما يرفع عينيه إلى السماء يتأمل كواكبها ونجومها، وسحبها وغيومها وزرقتها اللانهائية فإنما يتأمل في الله الخالق تأملا لا شعوريا إن كان لا يدري شيئا عن الخالق وعن الإيمان به، أو تأملا شعوريا إن كان يعرف عنه سبحانه وعن الإيمان به أشياء كثيرة، ولقد اكتسب هذا التأمل في السماء زرقتها اللازوردية نوعا من القداسة، فأصبح اللون الأزرق محبوبا لأنه يذكر الإنسان بالامتدادات السماوية البعيدة حيث يوجد الله الخالق، وحيث توجد الجنة،  حيث حياة الخلود الأبدي، وحيث يوجد الهناء والصفاء، وبهذا صار اللون الأزرق معاد لا للون الأبيض.
ولله الخالق في كل لغة من اللغات، وفي كل لهجة من اللغات، وفي كل لهجة من اللهجات اسم أعظم وأسماء حسنى.
ومنذ القديم عرف الإنسان الله الخالق معرفة واضحة مباشرة.
ومنذ القديم أيضا عرفه معرفة رمزية غير مباشرة لأسباب بئوية ومجتمعية وسياسية وطقوسية عديدة.
وكثيرا ما كانت الرموز تغطية اضطرارية للحقيقة الإلهية خوفا من العذاب والاضطهاد والهلاك.
إن في لاش عور كل إنسان كما في وجدانه (ضميره) إيمانا بالله الخالق بصورة مباشرة أو بصورة غير مباشرة.
ومهما استطاعت قوة التأثيرات البئوية والمجتمعية والسياسية والطقوسية والاديولوجية المتنوعة أن تسيطر توجيهيا على الإنسان وتمنعه من التدين بصورة ظاهرية فإنها لن تستطيع أن تدخل أعماقه ووجدانه (ضميره) أو لا شعوره لتبعده عن الله الخالق أو لتمنعه من الإيمان به باطنيا.
إن الإنسان حر داخل أعماقه، وهو يستطيع أن يستبطن إيمانه بالله الخالق استطانا ذكيا ويتمه في لا شعوره مثلما يكتم جميع ذكريات حياته، وبإمكانه أيضا أن يصونه في وجدانه (ضميره) صيانة لائقة أربة(3).
وإزاء قوة التأثيرات البئوية والمجتمعية والسياسية والطقوسية المتنوعة والاديولوجية لا يجد الإنسان من مفر إلا أن يتخذ لنفسه قناعا يستر به أعماق لا شعوره ووجدانه (ضميره)!
وحقيقة الإيمان(4) في اللاشعور والوجدان تختلف عنها في الواقع الحياتي الظاهر كما تبدو في القناع الاصطناعي الذي وضعه الشعور ليتقي به عقاب قوة التأثيرات البئوية والمجتمعية والسياسية والطقوسية والاديولوجية المتنوعة.
ولا ينبغي أن يحار القارئ في هذا فالروح من أمر الله، وهي رسوله الغيبي المباشر في أعماق كل إنسان كائن من كان، في أي مكان وفي أي زمان.
وإذا كانت قوة التأثيرات البئوية والمجتمعية والسياسية والطقوسية والايديولوجية المتنوعة تستطيع أن تحكم على ما هو إنساني فإنها لن تستطيع أبدا أن تنال بأي حكم من أحكامها ما هو إلاهي.
وعندما يموت الإنسان يبقى القناع الذي تقنع به في الواقع الحياتي الظاهر مجرد ذكرى دنيوية ويدفن جسمه في التراب ويتلاشى، أما روحه فإنها وحدها التي تبقى خالدة لا يعلم ما كانت تخفيه وتكتمه إلا خالقها!
وعندما يستقر الإيمان في اللاشعور استقرارا مكينا فإنه يسمو بوعي الإنسان ويرقى بوجدانه.
وأن أصدق وأوفى من وما يثق به الإنسان هي أعماقه الذاتية.
وهذه الأعماق تريد أن تقتنع اقتناعا ذاتيا عن طريق الدراسات التآملية الباطنية الواعية الهادئة الصامتى لتعرف معرفة حقة وتؤمن إيمانا حقا.
وليس الوجدان (الضمير) ألا يقظة اللاشعور وتفتحه للشعور (الوعي) من جديد تفتحا واعيا إيجابيا وملتزما.
ـ وهل يوجد إنسان لا يحمل في لا شعوره شيئا ولو قليلا جدا من المعرفة بالله، والإيمان به، وبالدين، وبالمقدسات، وبالطقوس الخاصة بالعبادات؟
والجواب على هذا السؤال هو:
ـ كلا! ولا ينبغي أن يكذب الإنسان على نفسه أبدا!
ويعرف الإيمان، ويهتدي إلى الدين إن لم يكن يعرفه.
فبواسطة الروح يعرف الإنسان الله الخالق،
وإذا أراد الإنسان ألا يعرف أي شيء ولو لاشعوريا عن الله الخالق فليبعد الروح عنه إن استطاع!
عن الروح كرسول غيبي مباشر لله في كل إنسان وجابهاأن تعرفه بالله، وبالإيمان به.
وفي حالة الإنسان المؤمن فإن الإيمان بالله يوجد في اللاشعور، والشعور، والوجدان وجودا متجليا في كل آن.
أما في حالة الإنسان غير المؤمن فإن إدراك وجود الله يوجد في اللاشعور، ولكن ذلك الإنسان لم يرد أن يهتدي إليه ولم يرغب أن يؤمن به، لهذا لم يتجل في شعوره وفي وجدانه تجليا حقيقيا ظاهرا في كل حين.
وعلى ضوء هذا نستطيع أن نفهم كثيرا من الحالات النادرة عن الصوفيين الفلاسفة، وعند الفلاسفة الصوفيين.
وفي هذا يقول الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم:
«ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد»(5).
«وفي أنفسكم أفلا تبصرون»(6).
«وهو معكم أين ما كنتم»(7).
إذا كان الله الخالق يعلن في هذه الآيات قربه من الإنسان المخلوق فهل من المنطق أن ينكره الإنسان؟
ولنتأمل الآيات البينات السابقة تأملا عميقا لنعرف عظمة الروح التي يشعر بها كل إنسان منا في أعماقه، ولا يعلم من حقيقتها شيئا، ولا حول له ولا قوة في أي أمر من أمورها، لأنها من أمر الله الخالق وحده!
ولنتأمل أيضا فضل الله الخالق الذي هو أقرب إلى كل إنسان منا من حبل الوريد في عنقه والذي هو مع كل منا أين ما كان، وفي كل آن!
عن حبل الوريد في عنق كل إنسان ليس روحا، ولذا فهو ليس واسطة الاتصال بالله الخالق.
والروح شيء آخر غير حبل الوريد، وهي الرسول الغيبي الذاتي المباشر لله الخالق في كل إنسان كائن من كان في كل مكان وفي كل زمان، ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى قريب إلينا بواسطة الروح التي في أعماقنا، والتي تبعث الحياة في الدماء الحارة المتدفقة في حبل الوريد بالعنق!
هذه النفس، أو الروح، عندما تؤمن، وتتزكى، وتبلغ ذروة صفائها واطمئنانها تفيض عليها نعم الله الخالق، وعندئذ يشعر الإنسان أنه قريب جدا جدا من الله اللطيف الخبير!
ومن أقوال الصوفيين المشهورة: «من عرف نفسه عرف ربه»!
وقديما وجد الفيلسوف سقراط الاثينى هذه العبارة الشهيرة: «اعرف نفسك» مكتوبة على باب معبد دلفى، واتخذها شعارا لفلسفته ودعوته.
وتعد الآية «وفي أنفسكم أفلا تبصرون» بالنسبة للإنسان المسلم بصفة خاصة ولكل إنسان بصفة عامة أمرا إلاهيا صريحا بوجوب التأمل في النفس، ودراستها ودراسة ما يجري في أعماقها، ومعرفتها المتيقن من فضل الله الخالق والإيمان به.
حقا، إن الإنسان لا يستطيع أن يتوصل إلى معرفة سر الروح، ولكنه يتمكن من دراسة تجلياتها، ومظاهر نشاطاتها المتنوعة وتحليلها والإحاطة بها علما والاستفادة منها في فهم وجوده وحياته.
وعليه، فإن التأمل في النفس، والنظر في شؤونها، ودراستها واجب علينا أمرنا الله به!
ولنتأمل في نعمة من النعم الكبرى التي وهبها الله الخالق لكل إنسان وهي معبته عز وجل له.
فالله الخالق لكل إنسان وهي معيته عز وجل له.
فالله سبحانه وتعالى مع كل إنسان كائن من كان في كل مكان وفي كل زمان، يرى، ويسمع ويهب، ويرحم، ويتوب، ويغفر!
والروح التي يشعر كل إنسان بها في أعماقه هي واسطة هذه المعية الإلهية العظيمة.
أفلا يجب على الإنسان الذي في أعماقه هذه الروح التي تبدأ وجودها في الفكر المؤمن لله المؤمن الأزلي السرمدي، والتي هي من أمره، وسر من أسراره الإلهية، والتي بفضلها يتمتع الإنسان بمعية الله الخالق الأبدية الدائمة أن يؤمن به سبحانه وتعالى، ويكون مسلما حنيفا.
أو ليس من المنطق والمعقول أنه أولى بالروح التي تبدأ وجودها بداية مؤمنة في الفكر المؤمن لله المؤمن الأزلي السرمدي أن تحيا كل مراحل وجودها وحياتها مؤمنة، وتخلد مؤمنة؟
أو ليس من واجب الروح التي تتمتع بمعية الله الخالق أن تكون مؤمنة وتخلد مؤمنة لتحافظ على هذه النعمة العظمى؟
وإذا كان الله الخالق مؤمنا إيمانا أزليا سرمديا أفليس من واجب المخلوق أن يكون مؤمنا إيمانا أبديا؟!
لقد بدأت الروح بالإيمان!
ويجب عليها أن تستمر مؤمنة في طريق الإيمان.
ولا مناص لها من الإيمان إذا أرادت أن تخلد خلودا أبديا منعمة في الحنان!
لقد آمن الإنسان منذ بداية الوجود الإنساني بالروح وبالمادة في كل مكان وزمان، وميز بينهما.
فالروح عنده ليست المادة.
والمادة ليست الروح.
الروح روح والمادة مادة.
وهذا أمر عند الإنسان معروف، وواضح، وصريح لا يقبل الشك أو الجدل.
ورغم أن الروح روح والمادة مادة فإنهما تتصلان، وتتلاقيان، وتتكاملان بل وتتدخلان، لأن المادة لا تتحرك بدون روح، وتظل جامدة هامدة ساكنة حتى تتصل بها الروح فينبعث فيها الوجود وتندفع فيها الحياة.
ويدل هذا على توأمتهما، ووجوبه وضروته ليتكامل الوجود للإنسان وتستقيم حياته.
وهذا أمر عند الإنسان معروف أيضا.
وإذا كان الإنسان لا يعرف سر الروح فإنه يعرف اليوم الكثير من مظاهر نشاطاتها السلوكية كنفس.
ورغم وجود المادة في متناول الإنسان وتقدمه في الإحاطة علما بشؤونها فإنه لا يعرف من أمرها أيضا إلا القليل.
ومهما بلغ من تشيع الماديين للمادة وأيمانهم بها فإنهم لا يستطيعون نكران الروح ولا جحود فضلها فإنهم يؤمنون بها إيمانا ضمنيا بل إيمانا حقيقيا.
وما داموا يعرفونها كرابط غيبي مباشر بين الله الخالق وبين الإنسان المخلوق فإنهم، إذن، يؤمنون ضمنيا بالله إن لم يكن في مستطاعهم أن يؤمنوا به حقيقة.
والإيمان الضمني تمهيد للإيمان الصريح العلني!
والفرق بين إيمان صريح علني وبين إيمان ضمني مستتر هو الإعلان فقط!
والله الخالق العليم مطلع على الإيمانين معا.
ومن المهم جدا أن يعرف الإنسان المؤمن ضمنيا وتستريا أن الله الخالق عالم بإيمانه المكتوم، وان روحه رسول إلاهي غيبي مباشر في أعماقه يصله بخالقه.
والدعوات الروحية تؤكد وجود الروح، وهي بالتالي تؤكد وجود الله، وتؤكد الإيمان به!
وهذه وحدها خدمة جليلة للإيمان بالله.
وأمام دعوات مادية طاغية تقف الدعوات الروحية سدا منيعا يؤكد وجود الروح، ووجود الله والإيمان به، ويضحد دعواها وزعومها.
وهذه أيضا خدمات أخرى مهمة جدا للإيمان.
ويكفي هذا فقط بالنسبة لموضوع هذا المقال!
إن الإيمان بخلود روح الإنسان يؤكد خلود الله خالق الروح!
وإذن، فإن الإنسان الذي يؤمن بروحه، وبخلودها يؤمن بالله الخالق وأزليته وسرمديته!
وهذه هي النتيجة المطلوبة.
والآن وقد وصلنا إلى هنا إلى هذه النتيجة يحسن بنا أن نعود ثانية لنتذكر قول الله الخالق العظيم في القرآن الكريم: «وفي أنفسكم أفلا تبصرون».
لقد اتضح لنا الآن عظمة أمر الله الخالق لنا بالتأمل والنظر في أنفسنا، دراستها وأهميته وقيمته.
واتضحت لنا أيضا قيمة الدراسات الروحية والنفسية وأهميتها.
ولهذا يجدر بنا أن نستجيب لأمر الله الخالق، ونجعله عنوانا وشعارا لجميع دراساتنا الروحية والنفسية.
وللدراسات الروحية والنفسية، كما هو معلوم، قيمة كبرى بالنسبة لحياة الإنسان في الدنيا على الكوكب الأرض وحياته الأخرى بعد الموت. وإذن، هذه الروح المجهولة كروح يجب أن نعرف من أمرها ما نستطيع معرفته.
وهذه الروح المعروفة كنفس يجب أيضا أن نعرف من أمرها الكثير الذي نستطيعه.
ـ ولماذا؟
والجواب هو أن هذه المعرفة تفيدنا فائدتين مهمتين:
أولاهما: تتعلق بشخصياتنا، فكلما عرفنا شيئا عن الروح كنفس قومنا سلوكنا، وهذبنا أخلاقنا، وقوينا شخصيتنا، والشخصية القوية قلما تعتريها اضطرابات نفسية أو عقلية، وتحيا حياة هادئة إيجابية جيدة، وتعود إلى الله الخالق راضية مطمئنة.
هذا بالنسبة للروح.
وبالنسبة للروح.
وبالنسبة للمادة، فإنه يجدر بنا أن نلاحظ أنها تدل دلالة واضحة أيضا على وجود الله الخالق وارتباطها به، وهي كالروح من أمره الإلهي.
فإذا كانت الروح التي هي أرقى من المادة من أمر الله، وترتبط به ارتباطا غيبيا لدرجة أنها تصبح رسوله الإلهي في أعماق كل إنسان، فما بالنا بالمادة التي هي موجود أدنى من الروح أو ليست هي الأخرى في أمس الحاجة إلى خلق؟!
وإذا كانت الروح الراقية تحتاج إلى الخالق بإيقان الجميع، وشهادتهم، وإيمانهم فإن المادة، دونما شك، تحتاج هي الأخرى إلى الخالق سبحانه وتعالى وبإيقان الجميع أيضا وشهادتهم، وإيمانهم!
والمنطق، كل منطق في كل مكان وفي كل زمان، يؤكد هذا.
وعليه، فالروح والمادة من أمر الله، ويرتبطان به.
وهكذا يتضح لنا أن الدعوات المادية لا أساس متينا لها، وإنما هي دعوات ضالة تقوم فقط من أجل الإلحاد للإلحاد لا غير.
وهي دعوات جاهلية كتلك التي كانت في الجاهلية العربية قبل بعثة الرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالإسلام والتي بينها الله تعالى في القرآن الكريم في هذه الآية:
«وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون»(8).
ولهذا فإن هذه المادة التي تبهر العقول، والتي نصنع أنواعا منها صنعا في المعامل والمصانع لا يجب أن تغري الإنسان بالابتعاد عن الإيمان بالله.
فلا ينبغي أن يغتر الإنسان بما يكتشفه، وما يصنعه فيخرج عن سبيل الحق والهدى والرشد والإيمان.
فمهما استطاع الإنسان أن يكتشف وبصنع من أنواع المادة ما يشأ، ولأي غرض يشاء فإنه لن يستطيع أبدا أن يخلق روحا بل وحتى ذرة صغيرة من المادة!
إن ما يستطيع الإنسان أن يصنعه ما هو مادي خاص بالمادة، فهل من المنطق والمعقول أن يعبد الصانع المصنوع، ويؤمن به؟
ـ ما الرأي في هذا؟
إني أترك الجواب للقارئ!
ـ فإذن، أي عقل هذا عقل الإنسان الذي يغتر بالمادة التي يصنع منها ما يستطيع صنعه، ويبتعد بسببها عن الإيمان بالله الخالق؟!
فحتى المادة نفسها، كما نرى، تدل الإنسان على الله الخالق، وتوجهه إلى الإيمان به.
وهي كالروح بدأت في فكر الله الخالق المؤمن، وترتبط بأمره، وتتعلق جميع مصائرها بقضائه وقدره، وهي مؤمنة لأنها صدرت من فكر مؤمن، ومن إرادة مؤمنة، ولغايات إيمانية.
أعتقد أن هذا هو حال هذه المادة البكماء التي لا تستطيع نطقا كالروح!
فلا ينبغي، إذن، أن يظلم الإنسان المادة بعبادتها، وتآليهها، فهذا لا يليق بإنسان عاقل يفكر تفكيرا منطقيا سويا!
وإذا كان هناك أي سبب يمكن أن يكون وجيها لعبادة المادة وتآليهها فإنما عبادة الإنسان ذاته وتآليهه نفسه لاشعوريا بصورة غير مباشرة، أما المادة فإنها مبرر واق فقط لهذه العملية النفسية اللاشعورية الذكية التي يستهدف منها تمتعه بحرية مطلقة لا ينازعه فيها منازع.
إن المادة ذاتها تقف مع الروح ضد الإلحاد وتندد به!
ولن تستقيم للإنسانية أمورها الاستقرارية اللازمة، ولن يسود السلم والرفاهية مادام الإلحاد سائدا متفشيا، ومادام التعصب الضيق يتعايش أيضا جنبا إلى جنب مع الإيمان.
ويعني هذا أن تفتحا عقيديا واعيا جديدا يجب أن يتولى توجيه إنسانيتنا وجهة سديدة متزنة ورزينة.
ورغم هذا فإن إنسانيتنا، رغم ما تعانيه من ويلات الصعوبات والآفات المتنوعة، قد قطعت أشواطا بعيدة في طريقها إلى الرشد، وليست هذه المرحلة التي تعيشها إلا مرحلة انتقالية نحو هدفها الأسمى.
الله الموجود المؤمن الأزلي السرمدي هو الخالق الوجود.
ولقد قام الوجود اللانهائي اللامحدود على الإيمان.
وكل إنسان يفكر بعقله تفكيرا منطقيا سليما يعرف هذه الحقيقة.
وإلى أي وجود غير هذا الوجود اللانهائي اللامحدود يستطيع أن يذهب من تسول له نفسه أن يتجرأ على تحدي هذه الحقيقة والإصرار على نكرانها؟
وإن الإنسان لا يستطيع أن ينكر الوجود اللانهائي اللامحدود وأن تهرب من الإيمان.
وهو لا يستطيع أن ينكر الروح التي في أعماقه وأن تهرب من الاعتراف بأي أمر من الأمور التي تتعلق بالإيمان أيضا.
وقد يكون وراء هذا التهرب رغبة نفسية لاشعورية أخرى تستهدف منها الروح استبطان مداركها الإيمانية استبطانا باطنيا تحفظا واتقاء باعتبارها قضايا خاصة تهمها هي وحدها في علاقاتها المباشرة بالله الخالق ولا دخل لغيره فيها.
وقد تلجأ إلى هذا خوفا من الواقع الحياتي المضطرب الذي لا يعرف استقرارا في أي شيء حتى في العقائد والطقوس والعبادات أو على الأقل في تأويلها وتفسيرها والنظر إليها.
وربما تكون هذه الرغبة النفسية اللاشعورية التي تستهدف بها الروح استبطان مداركها الإيمانية ليست تهربا من الإيمان ولكنها هروب ممن أو مما يؤثر عليه.
فإذن، الإيمان موجود في الروح، ومستبطن في اللاشعور، والاتصال بالله الخالق مستمر دائما بطريق شعوري وجداني أو بطريق لاشعوري بصورة ذاتية تلقائية باطنية.
وإذا آمن الإنسان باللاشعور وبالوجدان (الأنا الأعلى) فإنه يؤمن بالله الخالق.
إن كل إنسان يجب أن يكون حرا في اتصاله الروحي بالله، وهذا الاتصال هو الإيمان ذاته.
وإن كل إنسان يجب أن يكون الله الخالق الذي يؤمن به لطيفا ورؤوفا، وغفورا رحيما!
وكل إنسان مستعد أن يؤمن بالله شرط أن يقتنع.
ولعل هذا هو ما لا يفطن إليه الداعون إلى الإيمان الذين قد يلجؤون أحيانا إلى استعمال أسلوب يبعد الناس عنه، وتكون نتيجة دعوتهم عكسية!
وربما كان هذا هو المشكل الذي يقع فيه الإيمان ويعاني منه كثيرا، وهو مشكل خارج عن الروح التي في أعماق الإنسان، ولم يرده الله الخالق أبدا!
والله الخالق عالم بأسرار الروح، وطبيعتها، وميولها إلى السهولة واليسر واللين، ولهذا كانت توجيهاته الإلهية بشأن الدعوة إلى الإيمان به تساير طبيعتها وميولها، فقال سبحانه وتعالى في القرآن الكريم:
«ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هو أحسن، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله. وهو أعلم بالمهتدين»(9).
ولهذا كان من واجب كل داع إلى الإيمان بالله أن يلم بالدراسات الروحية وبالدراسات النفسية ليتمكن من النجاح في محاوراته مع الروح كروح صفت وتطهرت وزكت، ومعها كنفس تشتاق إلى الصفاء والطهر والتزكية!
وكل حوار يتطلب استخدام المنطق كوسيلة للإقناع.
وعندما يدخل المنطق في الحوار تدخل معه الفلسفة.
ويعني هذا أن من واجب كل داع إلى الإيمان بالله أن يلم بالدراسات الفلسفية وهذا كله مع إلمامه بالدراسة الدينية.
ونحن أحوج ما نكون إلى دعاة حديثين لهم هذا التكوين الديني والفلسفي والروحي والنفسي ليحببوا الإيمان بالله الخالق إلى الناس.
وليتذكر كل داع دائما أن الروح، أو النفس،  التي يحاورها تستبطن في لا شعورها أو في وجدانها (اناها الأعلى) الإيمان بالله، وأنها متصلة بالله الخالق، ومرتبطة به، وأنها رسوله الإلهي الغيبي المباشر في أعماق الإنسان.
ولهذا ينبغي أن يكون حواره شفافا لأنه يحاور روحا، أو نفسا، شفافة واعية مدركة مؤمنة في أصلها وهي تفوق دائما إلى الإيمان بالله وإلى الصفاء والخلود في الإسلام.
إن أهم أمر في الحياة هو الإيمان بحقيقة المعنويات، وقيمة الأخلاق، ولقد كان زوال هذا الإيمان سببا للحرب العامة، وإذا لم نجتهد الآن لاكتسابه أو لتقويته فلن يبقى للعلم قيمة، بل يصير العلم نكبة على البشرية.
 

(1) راجع مثال «الروح والخلود».
(2) عن عبد الواحد بن زيد قال: سٍألت الحسن عن علم الباطن فقال: سألت رسول الله عن الباطن فقال: سألت الله عز وجل عن علم الباطن لا يقف عليه أحد من خلقي «والسراسم من عن علم الباطن فقال: سألت حديفجة بن اليمان علم الباطن فقال: «سألت جبريل عن علم فقال: هو سر من سرى، أجعله في قلب عبدي، أسماء الروح».
(3) وكمثال مؤمن فرعون الذي كان يكتم إيمانه.
(4) نقل عن أبي حنيفة أنه قال: «إيماني كإيمان أهل السماء والأرض وجبريل والملائكة باعتبار أن الإيمان اعتقاد فقط والعمل كله خارج عنه».
انظر صفحة 97 من كتاب «التعرف لمذهب أهل التصوف» تأليف تاج الإسلام أبو بكر محمد الكلاباذى الطبعة الأولى سنة 1969 القاهرة مصر ـ (الهامش 2).
(5) الآية 16 من سورة «ق».
(6) الآية 21 من سورة الذاريات.
(7) الآية من سورة
(8) الآية 24 من سورة الجاثية.
(9) الآية 125 من سورة النحل.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here