islamaumaroc

الشاعر الوزير محمد بن موسى دراسة في شعره-1-

  دعوة الحق

177 العدد

تمهيد
شدني إلى شعر ابن موسى إعجاب قوي منذ سن مبكرة من حياتي، سن الطلب والتحصيل، تلك السن التي تبرعمت خلالها في الأعماق الرغبة في ارتياد آفاق المعرفة، فألهب الإصرار العزم على المضي في الطريق قدما لاكتساب المعارف لأجل المعارف وحدها، وضمن هذا الولع بالمعارف اتفقت مع بعض الإخوان على إنشاء مجلة أسميناها (النصر) تيمنا بالنصر الذي أحرزه المغرب في انتفاضته على الاستعمار البغيض الغاشم، وحصوله على سيادته واستقلاله، وكان ذلك في محرم عام 1377 موافق غشت 1957 وصدرت المجلة، وبدأنا ننشر فيها بواكير أعمالنا، وشارك فيها أستاذتنا، وإخوان آخرون بإنتاجاتهم، وكان أخي الأستاذ محمد أبو خبزة من الذين يشاركون فيها، فمدنا بقصائد شاعرنا ـ وكان من أصدقائه المقربين ـ وأذكر أن أول عمل شعري نشرناه له مولدية رائعة يقول في مستهلها:
واها لعهد بأكناف الحمى سلفا
لم أستطب أسفا من بعده خلفا
الوى فما جدوة الأشواق كاتمة
وجدا ولا الدمع في أخمادها وقفا(1)
وهكذا أخذنا ننشر لشاعرنا إنتاجه الشعري طيلة صدور المجلة المذكورة إلى أن توقفت عن الصدور عام 1380.
وشاء الله لي أن أطلع على أعمال ابن موسى رحمه الله، وأن أحتك به احتكاكا، وأن أعيش معه لحظات مفوفة خصبة في عالمه الشعري المعطاء، فأعجبت به أي إعجاب، وليس من تفسير لهذا الإعجاب إلا أنني وجدت في علمه أصداء شعرائنا القدامى الذين صاحبتهم مدة غير قصيرة، واستظهرت نماذج من أشعارهم أمثال المتنبي وأبي تمام والبحتري وابن الرومي وغيرهم من أقطاب الشعر العربي.
تلك هي صلتي الأولى بشعر ابن موسى، وبعد مرور الأيام والسنين وجدت نفسي مشدودا مرة أخرى إلى شعر هذا الشاعر فأكببت على قراءته مرة أخرى وعشت معه ردحا من الزمن أتأمله بإمعان، مستمتعا بخصب العطاء، وقوة التعبير وصفاء اللغة وصدق الشعور، فاتضحت لي ملامحه الشعرية وخصائصه بجلاء ووضوح، مما جعلني أحله من نفسي محلا عزيزا أكثر من ذي قبل، وعن لي أن أجمع شعره ـ وكذلك نثره ـ بعد أن اقتنعت مع نفسي أن الرجل له وزن كبير وثقيل في شعرنا العربي بعامة
والمغربي بخاصة، وأنه يمتلك شاعرية من الطراز الكلاسيكي الفريد لا يشاركه فيها ـ بدون مبالغة ـ أحد من معاصريه إلا القليل النادر جدا، لذلك اعتبره ـ كما سيأتي في الدراسة ـ خاتمة الكلاسيكيين في المغرب على النمط الرفيع، وهذا ما دفعني إلى أن أكتب عنه بحثا تحت عنوان (محمد ابن موسى شاعر من الجيل الماضي) بهذه المجلة(2)، سلطت فيه الأضواء على أعماله الشعرية وعرفت به كشاعر كلاسيكي متميز بقوة النسج والنفس الطويل ورصانة التعبير وثراء الخيال.
وسرت في الطريق، وعزمة  الإصرار تشد من أزري، أجمع شعره ونثره مما ليس تحت يدي لتحقيقهما ودراستهما دراسة وافية ونشرهما، وراجعت المجلات والصحف(3) التي تولت نشر إنتاجه والتي كان أكثرها يصدر بتطوان، واتصلت بأخي الأستاذ محمد أبي خبزة السالف الذكر باعتباره صديق الشاعر ومن المعجبين بشعره فغمرني بفضله وكرمه ـ وسوف لا أنسى له هذه اليد السخية ـ وأمدني بما عنده ـ وهو الكثير ـ من أعمال الشاعر الشعرية والنثرية في حاتمية ـ كما هي عادته دائما في مجال الفكر ـ ولولا إمداده ما رأت هذه الدراية النور، وما تسنى لي تحقيق ديوانه، واتصلت كذلك بأستاذي الجليل السيد عبد الله كنون وبالأخ الأستاذ السيد سعيد أعراب وخالي الأستاذ السيد الحسن ابن عبد الوهاب فأمدوني بما لديهم من شعر ابن موسى ـ جزاهم الله خيرا على لغة القرآن ـ واستطعت بفضل الله ثم بفضل هذه الصفوة من الأساتذة ـ أن أجمع جل ما تندت به يراعه شعرا ونثرا، غير أنني آثرت الاقتصار على تحقيق شعره ليس غير، وإثبات ملحق لبعض نماذج من نثره الجيد في آخر الديوان مع دراسة مقتضبة عنها مرجئا إخراج نثره ودراسته بإسهاب إلى فرصة أخرى أن مد الله في العمر.
هذه قصتي كاملة مع شعر ابن موسى، وهذه هي دراستي عن شعره سأوالي نشرها في حلقات إن شاء الله بهذه المجلة. حاولت فيها إعطاء لمحة تاريخية عن شعرنا المغربي منذ القرن الماضي والتركيز على الروافد التي أمدته انطلاقا لدراسة شعره، كما حاولت الكشف عن حياة الشاعر بما توافر لدي من معلومات عنه، واستقراء ثقافته من خلال شعره ونثره وتقرى المضامين التي عالجها والسمات الفنية التي تميزت بها والقيم الشعورية التي رفدت عمليته الشعرية وقد استقطبت ذلك في فصلين اثنين:
الفصل الأول:
تمهيد
حياة الشاعر
ثقافته
الفصل الثاني:
شعره ـ خصائصه الفنية
المضمون
1 ـ المدح 2 ـ الرثاء 3 ـ الغزل 4 ـ الإخوانيات 5 ـ التوسلات والاستغفارات 6 ـ الوصف 7 ـ الهزليات والاجتماعيات.
1 ـ الوزن 2 ـ البديع 3  التشخيص 4 ـ ندواة العاطفة.
فالدراسة ـ في الحق ـ استوعبت حسب الطاقة ـ بالتحليل والتقييم حياته وثقافته ومكانته الشعرية من حيث المضمون والشكل.
ومهما يكن من أمر فهذه دراستي عن الديوان، وغايتنا هي خدمة لغتنا الإسلامية، لغة القرآن، وإبراز ما لها من فضائل ومزايا لا تحصى، وغايتنا كذلك الكشف عن الطاقة الشعرية لشاعر مغربي يكاد يكون مغمورا لدىكثير من مثقفيها، ذلك الشاعر الذي سخر قلمه، ووظف إمكاناته الفكرية لخدمة الثقافة في هذا البلد، وإبراز القيم الإسلامية وخاصة في مولدياته الفريدة وتوسلاته التي حفلت بالصدق الشعوري والروح الإيمانية والإشراق الوجداني، وأرجو الله أن أكون قد وفقت في هذه الدراسة التي لا أزكيها ولا أبرئها من التقصير غير المقصود، ولكنها على كل حال ثمرة عمل استفرغت فيها جهد الطاقة غير ضنين بوقتي، فإذا كان هناك توفيق فمن الله،  وإذا كان هناك إثارة من شطط فمني والكمال لله وحده ومنه استمد العون وعليه قصد السبيل .
شهد الشرق العربي في القرن التاسع عشر انبعاث الحركة العلمية والأدبية وخاصة حين تولى محمد على عرش مصر، فعمل على إنشاء دولة قوية ترتكز على أسس علمية، لذلك قامت نهضة شاملة في الجيش والصناعة والزراعة والتعليم والإدارة، وحينداك نشطت حركة البعثات والطباعة وتأسيس المدارس ونقل آثار الأمم الغربية.
وكان المغرب في هذه المرحلة التاريخية بالذات ضاربا على نفسه العزلة، لا تربطه بالشرق أو الغرب علاقة خصوصا وإنه لم يكن تابعا للسيادة العثمانية التي كانت تدين لها الجزائر وتونس، ذلك انه كان ـ كما هو معروف عن تاريخه ـ يتمتع بكيان مستقل .
وحين سقطت الجزائر في قبضة الإستعمار الفرنسي سنة 1881م أصبح المغرب يحتاط أكثر في علائقه بالغرب بعد أن تحققت أطماعه السياسية في الجزائر وتونس وغيرهما .
وهكذا تقوقع المغرب على نفسه في هذه الفترات التاريخية العصبية خوفا من أن يضحى لقمة سائغة للاستعمار البغيض، الذي لا يتورع أبدا عن التفكير في الوسائل الشيطانية للاستيلاء على أراضي الشعوب من أجل استنزاف خيراتها وإذلال أهلها واستعبادهم واسترقاقهم.
وفي معركة (إسلي)(4) عام 1260هـ الموافق 1844م هب المغرب لإنجاد إخوانه الجزائريين، فاشتبكت قواتنا المغربية مع القوات الفرنسية في الحدود الشرقية، ومنذ تلك الحقبة تحلبت أشداق الاستعمار الفرنسي للاستيلاء على البلاد المغربية الجنوبية، كما طمعت إسبانيا في الاستيلاء على شمالها حين أقدمت على احتلال تطوان سنة 1276هـ الموافق 1860م.
وكل هذا حفز الاستعمار الحقود إلى أن يفكر جديا، ويبيت النية الخبيثة في غزو ديارنا فتوالت المؤتمرات والاتفاقيات لتنفيذ المخطط الإمبريالي الجهنمي، ثم بعد ذلك تحقق حلم الاستعمار بتوقيع عقد الحماية سنة 1912م.
والحق أن المغرب لم يكن مكتوف الأيدي أمام هذه الدسائس الخطيرة والأطماع الاستعمارية السافرة، فقد بذل قصارى جهده في الدفاع عن سيادته، والذود عن كرامته، كما قام بأعمال في الميادين العسكرية والتعليمية، وكل ما له صلة بالنهضة العلمية إذ اعتنى بإيفاد البعوث إلى مصر أيام حكم السلطان محمد الرابع، وكان من المتخرجين من مصر الطبيب عبد السلام العلمي(5) والجغرافي أحمد شهبون(6)، واعتنى كذلك بإيفاد البعوث إلى أوروبا أيام السلطان مولاي الحسن الأول، وقد أورد في هذا الشأن ابن زيدان في كتابه (العز والصولة في معالم نظم الدولة)(7) أسماء الأشخاص الذين تخرجوا من المعاهد الأوربية في العلوم الهندسية والرياضية، فمن فرنسا تخرج الطاهر بن الحاج الوديي والقاسم الوديي ومحمد بن الكعاب الشركي، ومن انجلترا محمد الجباص الفاسي والزبير سكيرج ومن إيطاليا المختار الرغاي البخاري ومحمد بناني الفاسي وعبد السلام الوديي، ومن إسبانيا أحمد بن العباس بن شقرون الفاسي وعبد السلام الرباطي ومحمد الشرادي الرباطي، ومن ألمانيا الميلودي الرباطي والحسين الوديي وعبد السلام الدسولي كما توجهت إلى جبل طارق مجموعة كبيرة من الأشخاص قصد تعلم الفنون الحربية هناك وتتشكل هذه المجموعة من 280 شخصا منهم علال بن بلا المراكشي، والمختار بن ناصر المراكشي والعربي بن التاودي السقاط الفاسي وغيرهم.

(1) مجلة النصر العدد الثاني ـ السنة 1 ـ صفر  ـ ربيع الأول عام 1377 ـ شتنبر ـ أكتوبر 1957 ص 6 وما بعدها.
(2) العدد الثاني ـ السنة 12 ـ رمضان ـ شوال ـ 1388 ـ دجنبر ـ يناير 1969 ص 65.
(3) أرى من الواجب أن أشكر لقسم الصحف بالمكتبة العامة بتطوان مساعدته الطيبة في هذا الشأن .
(4) راجع بتفصيل الناصري الاستقصا ج9، ص 49 وما لعدها طبعة دار الكتاب ـ الدار البيضاء 1956.
(5) من إنتاجه الطبي شرح الوزكاني، وضوء النبراس في حل مفردات الأنطاكي بلغة فاس، والبدر المنير في علاج البواسير ـ أنظر ابن زيدان الدرر الفاخرة ص 95 ـ المطبعة الاقتصادية الرباط، 1356هـ 1937م.
(6) له مصنف في الجغرافية تحت عنوان (الجغرافية المغربية) يتضمن صورا وخرائط ـ المصدر السابق ص 95 وما بعدها.
(7) ج 2 ـ ص 150 وما بعدها المطبعة الملكية 1382هـ ـ 1962م.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here