islamaumaroc

يسألونك في القرآن الكريم

  دعوة الحق

177 العدد

مرت قرون على نزول القرآن المجيد على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومر القرآن على عقول وقلوب استمدت منه وتتلمذت له، وتفيأت تحت ظلاله وسيظل القرآن مصدر معرفة تتجدد معانيه بتجدد الليالي والأيام ويعطى كل واحد يوما جديدا ومفيدا.
والدراسة التي أقدمها للقارئ تتجه إلى قسم من مادة «سأل» وهي مادة ذكرها الله تعالى على مختلف وجوهها مائة وتسعة وعشرين مرة.
والقسم الذي أركز عليه هذا البحث هو «يسألونك» ومعلوم أن السؤال إذا كان للتعريف تعدى إلى المفعول الثاني تارة بنفسه وتارة بالجار تقول: سألته كذا وسألته عن كذا وبكذا وبعن أكثر، والسؤال لغة استدعاء معرفة أو ما يؤدي إليها أو استدعاء مال أو ما يؤدي إليه، وهو مذكور في القرآن خمس عشرة مرة سبع في سورة البقرة واثنتان في سورة الأعراف وواحدة في كل من المائدة والأنفال والإسراء والكهف وطه والنازعات.
وهذه الأسئلة التي كانت توجه للرسول الكريم يختلف حال الذين يوجهونها فمرة يوجهها المعترضون كيهود في قولهم: كنت نبيا فأخبرنا عن الساعة، وسؤالهم عن الروح، وتارة يوجهها أقوام استهزاء فقد روى البخاري عن بن عباس: كان يقول الرجل:
1 ـ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3: 40
من أبى؟ ويقول آخر ضلت ناقته: أين ناقتي، وقد وصل الأمر حتى خرج الرسول عليه الصلاة والسلام غضبان محمارا وجهه على المنبر فقام إليه رجل فقال: أين أنا؟ قال: في النار، فقام آخر فقال: من أبى؟ قال: أبوك حذافة.
وقد شعر عمر آنذاك أن لا فائدة في هذه الأسئلة فقال: أنا يا رسول الله حديثوا عهد بجاهلية وشرك، والله أعلم من آباؤنا، فسكن غضب الرسول عليه الصلاة والسلام، ونزل قول الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء أن تبد لكن تسؤكم».
وتارة يوجهها من شرح الله صدره لٌلإسلام فيكون سؤاله لطلب إفادة أو لمعرفة حكم الله أو لطلب بيان ما أنبهم عليه.
وهذا شأن الصحابة الكرام فما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم:
«عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة كلهن في القرآن «يسألونك» عن المحيض» «يسألونك عن الشهر الحرام» «يسألونك عن اليتامى» «ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم»(1).
والملاحظ أنه ليس في الحديث من الثلاث عشرة مسألة إلا ثلاث، فلنلم إلمامة سريعة بهذه المواضع حسب ترتيبها في المصحف.
1 ـ الأهلة: فقد قالوا: لم خلقت الأهلة؟ وما بال القمر يبدو هلاله ثم يكبر حتى يستدير بدرا تم ينقص ليصير هلالا وهكذا، فأنزل الله تعالى: «يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج» البقرة.
فهل كانوا بسؤالهم يتطلعون إلى الجواب بأنها مواقيت أم كانوا يتطلعون إلى معرفة حقيقة الهلال الكونية.
لقد اتجهت الإجابة إلى ناحية واحدة وهي الناحية العملية، وتركت الناحية التي تبحث في وظيفة القمر وطبيعته، في المجموعة الشمسية والإجرام السماوية
والإجابة العلمية ربما كانت تمنح السائلين علما نظريا في الفلك، إذا هم استطاعوا أن يستوعبوا هذا الطراز في حاجة إلى مقدمات طويلة، من هنا عدل من الإجابة التي لم تتهيأ فيها البشرية ولا تقيدها كثير في المهمة التي جاء القرآن من أجلها إذ القرآن قد جاء لما هو أكبر من تلك المعلومات الجزئية ولم ينزل ليكون كتاب علم فلكي أو كيماوي أو طبي كما يحاول بعض المتحمسين له أن يلتمسوا فيه هذه العلوم أو كما يحاول بعض الطاعنين فيه أن يلتمسوا مخالفته لهذه العلوم»(2).
2 ـ الإنفاق: قالوا: كيف ننفق، وفي رواية أن عمرو بن الجموح، وكان شيخا كبيرا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن مالي كثير فبماذا أتصدق وعلى من أنفق فأنزل الله تعالى: «يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتهم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم» البقرة.
لقد كان المسلمون الأوائل ـ وهم يؤسسون أمة الإسلام ـ يرون أن الإنفاق أمر ضروري لبناء الجماعة الإسلامية ولكنهم لم يجعلوا أمر الإنفاق خاضعا لاستحسانهم بل هم مع الوحي، فلذا سألوا: ماذا ينفقون فكان الجواب في الآية بعدها «قل العفو» ـ
مبينا نوع وجهة الإنفاق، ثم كان الجواب في الآية بعدها «قل العفو» مبينا المقدار والدرجة.
3 ـ القتال في الأشهر الحرم: بعث النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش في اثنى عشر رجلا من المهاجرين في رجب وكتب له كتابا أمره إلا يفتحه حتى يسير يومين، فلما فتح تنزل بنخلة بين مكة والطائف فترصد قريشا وتعلم لنا أخبارها» فمرت بهم عير لقريش فيها عمرو بن الحضرمي فقالوا نحن في آخر يوم من رجب (كذا عند ابن إسحاق) وذكر الطبري عن السدى أنها في آخر يوم من جمادى الآخرة وما عند ابن إسحاق هو الأشهر) ان قاتلناهم انتهكنا الشهر الحرام وإن تركناهم دخلوا الليلة الحرم، فأجمعوا على ملاقاتهم، فتل عمرو بن الحضرمي وأسر آخرون.
وانتشرت أبواق قريش تردد: «قد أحل محمد الشهر الحرام» واشتد الأمر على المسلمين، وتساءلوا عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما».
فكانت هذه الآية أول خطوة نحو تحريم الخمر والميسر وقد كانا من عادات المجتمع الجاهلي لذا كان التحريم بالتدريج.
5 ـ اليتامى: كان من عادة العرب أن يجتنبوا مال اليتيم ولا يخالطوه، في مأكل ومشرب وازداد الأمر عندما نزل قول الله تعالى: «ولا تقربوا اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا»، فتوقفوا: كيف يعاملون اليتامى وأموالهم؟ فأنزل الله سبحانه: «ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم» فمن قصد الإصلاح في مال اليتيم فذلك خير، وبذلك رفع سبحانه المشقة وأباح الخلطة بقصد الإصلاح والرفق باليتامى.
6 ـ المحيض: بحكم المجاورة بين العرب ويهود في المدينة فقد قلد العرب مجاوريهم في كثير من العادات والتقاليد منها تجنب مواكلة الحائض ومساكنتها، وعندما دخلوا في الدين الحق، تساءلوا في هذا الأمر، فنزل حكم الله شاملا لأمر الحيض ومدى العلاقة وطبيعتها بين الرجل والمرأة «ويسألونك عن المحيض قل هو أذى» إلى قوله سبحانه «وبشر المومنين» البقرة.
فنهى سبحانه عن المباشرة أثناء المحيض لما في من ابتعاد عن الفطرة التي تقصد من وراء الاتصال ما كتبه الله من الذرية.
7 ـ الحلال: ابتدأت سورة المائدة باعلام المؤمنين أن الله احل لهم بهيمة الأنعام، إلا ما يتلى عليهم مما هو محرم: الميتة، الدم، لحم الخنزير، فتساءل المومنون وقد صاروا يتحرجون من الأشياء مخافة أن تكون من المحرمات، فقالوا: ماذا أحل لنا؟ فأعلهم الله أن الطيبات هي الحلال، وأنه لم يحرم عليهم إلا الخبائث: «يسألونك ماذا أحل لهم. قل أحل لكم الطيبات». المائدة 4.

8 ـ الساعة: السؤال عن الساعة سؤال استبعاد لوقوعها صادر عن المكذبين من قريش، ويهود، وهم أقوام غلب عليهم العمى والضلال: «يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي» الأعراف 187 «يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها». النازعات 42 «يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند ربي».
فالساعة غيب لا يعلمه إلا الله «لا تأتيكم إلا بغتة» وهذا نوع من الأسئلة كان يلقيه المعاندون اختبارا وامتحانا واستهتارا واستهزاء لا يريدون بذلك معرفة حق، إنما هو العناد والكفران.
9 ـ الأنفال: اختلف أهل بدر في أمر المغانم وتساءلوا عن قسمتها، فأنزل الله تعالى: «يسألونك عن الأنفال. قل الأنفال لله والرسول» الأنفال 1. فجعل أمرها إلى الله والرسول ليقسمها بين المسلمين عن سواء.
10 ـ الروح: روى البخاري وغيره عن ابن مسعود قال بينما أنا أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو متكئ على عسيب إذ مر اليهود فقال بعضهم لبعض سلوه عن الروح، فقال ما رابكم إليه وقال بعضهم لا يستقبلنكم بشيء تكرهونه فقالوا سلوه، فسألوه عن الروح فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليهم شيئا فعلمت أنه يوحى إليه فقمت مقامي فلما نزل الوحي قال:
«ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي» الإسراء 85.
والسؤال عن الروح كالسؤال عن الساعة يطرقه المعاندون، فالروح كالساعة غيب يعلمه الله وإدراك الإنسان قاصر عن معرفة الروح.
11 ـ ذو القرنين: بعث كفار مكة إلى أهل الكتاب يسألون عن رجل طواف في الأرض وعن فتية لا يدري ما صنعوا وعن الروح.
وهكذا سال كفار مكة النبي عليه السلام عن الرجل الطواف فأورد الله تعالى في آخر سورة الكهف نبذة من سيرته «ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا».
12 ـ الجبال: مشهد القيامة مما عنى به القرآن عناية ظاهرة وفي آخر سورة طه يوضح الله تعالى ما يقع به النفخ في الصور من حشر للمجرمين، وحالتهم عند الحشر ويتساءل المتسائلون، وهم يشاهدون هذا العالم ومن أهم معامله هذه الجبال الراسيات: ما مصيرها؟: «ويسألونك عن الجبال فقال ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا». طه 105 فإذا كان هذا الهول يصيب الجبال فما مصير البشر وأين هرقوته المزعومة آنذاك.
تلك نظرة عجلى في هذه المجموعة من الأسئلة التي ألقيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجاب الله سبحانه عنها وطرح هذه الأسئلة له دلالات واضحة تعطى صورة عن الحركة الانقلابية التي عمت المجتمع العربي، وقد أشار صاحب الظلال إلى هذه الدلالات ثلاثة:
أولا ـ هي دليل على تفتح وحيوية ونمو في صور الحياة وعلاقاتها وبروز أوضاع جديدة في المجتمع الذي جعل يأخذ شخصيته الخاصة.
ثانيا: ـ هل دليل على يقظة الحس الديني وتغلغل العقيدة الجديدة وسيطرتها على النفوس مما يجعل كل أحد يتحرج أن يأتي أمرا في حياته قبل أن يستوثق من رأى العقيدة الجديدة فيه.
ثالثا ـ دلالة تؤخذ من تاريخ هذه الفترة وقيام اليهود في المدينة والمشركين في مكة بين الحين والحين بمحاولة التشكيك في قيمة النظم الإسلامية وانتهاز كل فرصة للقيام بحملة مضللة.
العقل السليم والتجارب الصادقة كلاهما يلتقي مع الإسلام في تشريعه السليم لكسب المال.. ومن هنا يكون التقال الدين مع الحياة، أو بطريقة أوضح، التقاء تشريع الله مع ازدهار الحياة.

 (1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3: 40.
(2) في ظلال القرآن 2: 95 بتصرف.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here