islamaumaroc

الإسلام والالتزام الخلقي عند الفرد والجماعة

  دعوة الحق

177 العدد

إن الإسلام ـ الذي جعل الفرد عنصرا فعالا وحيويا في بنيان الجماعة وخصه بإرادة عاقلة فجعله بذلك مسؤولا ـ حدد منهاجا قويما للأخلاق ألزم به الفرد، كما رسم للجماعة طريقا للسلوك الخلقي لا يستقيم أمرها إلا به.
وليس المقصود بالخلق المعنى المثالي المجرد للكلمة، بل المقصود هو التفاعل مع كيان المجتمع الحي أخذا وعطاءا بما يصلح به أمر الأمة ويستقيم حالها فتصبح جديرة بتحمل الأمانة وما يستلزمه ذلك من عزة وقوة ومنعة ورشاد.
وعلى هذا الأساس يجب أن نفهم ما وصف به الله نبيه الكريم حينما خاطبه بقوله: «وإنك لعلى خلق عظيم». إنه الخلق الذي مكنه من القيام بأعباء الدعوة الإسلامية وتحمل الأذى في سبيلها والصدع، دون تهاون، بما أمره الله به.
وكذلك حينما وصف الله سبحانه عباده الصالحين بقوله: «كنتم خير أمة أخرجت للناس»، علل ذلك بقوله: «تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر. وتؤمنون بالله»، إنه العمل الإيجابي الفعال، والشعور بالتبعة والمسؤولية، والسعي لأداء الواجب: واجب الدعوة والإرشاد وبناء المجتمع بناء صالحا.
على أن العمل يجب أن يكون متمشيا مع الشريعة السمحاء: أوامرها ونواهيها، ومن هنا وصفه القرآن الكريم: «بالعمل الصالح» وقد قال الإمام الغزالي وهو يوصي أحد تلاميذه: «ينبغي لك أن يكون قولك وفعلك موافقا للشرع، إذ العلم والعمل بلا اقتداء الشرع ضلالة».
ونبغي ألا نفهم من «العمل الصالح» العبادات وحدها، بل كل عمل من شأنه أن يقوم حياة المجتمع ويصلح حاله ويقيم بين أفراده المودة والمنصحة والتعاون ويمهد لهم طريق العزة والقوة والرفعة لإعلاء كلمة الله وتقويم أحوال الجماعة في معاش أفرادها وسعيهم وجهادهم اليومي.
إذن فبناء المساجد والمدارس والجامعات والمستشفيات من العمل الصالح وشق الطرق والقنوات، وتيسير الري وتجويد وسائل الفلاحة والغراسة من العمل الصالح، وتوفير العمل للقادرين عليه ورعايتهم في حالة الصحة والمرض والقدرة والعجز وتحسين ظروف الشغل لهم كلها من العمل الصالح، والذي عن كرامة المسلمين ومناصرتهم ومد يد المعونة لهم حينما يصيبهم كرب أو مكروه من العمل الصالح أيضا.
إن «العمل الصالح» جهاد مستمر لتطهير النفس وتسخير قوى العالم لخير الإنسان وسعادته قال محمد إقبال: «إن هذا العالم مسخر للإنسان، وإن للإنسان فيه جهادا، وإن لذة الإنسان وكماله في هذا الجهاد... إن الله جعل هذه الدنيا نصيب الأخيار، وجلا محاسنها لعين المؤمن... هذا الدنيا امتحان لقوة الإيمان فسخرها لئلا تسخرك..».
إن العمل الصالح، مع اكتمال الإيمان، جهاد ومجاهدة، وليس هو مجرد الصلاة والصوم، وقد جاء في التنزيل «ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب..» والبر هنا بمعنى الطاعة وصدق النية والعمل.
إنه ليس من قبيل الصدفة أن تكون كلمة «الخلق» من نفس مصدر كلمة الخلق. وقد قال ابن منظور في لسان العرب: «الخلق... هو الدين والطبع والسجية، وحقيقته أنه لصورة الإنسان الباطنة، وهي نفسه... بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة... ولهما أوصاف حسنة وقبيحة، والثواب والعقاب يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة».
والخلق سجية وعمل، طبع وممارسة. قالت عائشة، رضي الله عنها، متحدثة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان خلقه القرآن» أي أنه كان يسير على هديه ويعمل بأوامره ونواهيه، ويتحلى بما اشتمل عليه من آداب ومكارم وحكم، ويخشع بتلاوته.
وقد جاء في الحديث الشريف «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، والمقصود كما سبق أن أشرت، الأخلاق الفاعلة والمتفاعلة التي تجعل من شمائل الفرد صورة لذاته الحية النامية، ومن سلوك الجماعة تعبيرا عن تلاحم أفرادها وتعاونهم في سبيل النفع العام طبقا لما تأمر به الشريعة السمحاء ويقره المنطق السليم، والفطرة الصحيحة، والطبع القويم.
إن التزام الفرد بمنهاج خلق لا يعني أن يكون الأفراد متشابهين في كل شيء في الانفعالات والأحاسيس والنظر إلى الأمور العامة والخاصة. إن من سنة الله اختلاف البشر وتفاوتهم في المدارك والشاعر وتقويم الأشياء، لهذا فإن المقصود، كما أرى، هو أن يتاح للأفراد حظ مشترك من التربية الخلقية تؤهلهم للانتظام في جماعة متراصة متعاونة في سبيل الصالح العام وفي ظل تعاليم الدين الحنيف. وإن اختلاف الأفراد في المشارب والطباع لا يضر الجماعة ما لم يكن في ذلك معصية أو انحراف عن الجادة القويمة، بل إنني أذهب أكثر من ذلك فأقول إن في اختلاف الأفراد فيما لا ضرر فيه ولا إسراف الخير كل الخير لأنه ينمي قدرة الجماعة على الإبداع ويزيد في حيويتها ويقوي إمكاناتها المعنوية والمادية.
وبعد، فإن أخلاق الفرد يمكن تصنيفها في ثلاث مراتب:
تندرج في المرتبة الأولى الأخلاق التي تقرب الفرد مباشرة من الخالق الأعظم وتكسبه حظوة عنده وتنفعه في دنياه وأخراه، ومن ذلك: الإيمان الذي هو عقيدة وخلق في آن الوقت بدليل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» فالعقيدة وحدها لا تكفي حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» فالعقيدة وحدها لا تكفي بل لابد أن يتجه الإيمان وجهة عملية وأن يصبح حلية خلقية تطبع حياة الفرد المؤمن. ومن هذه المرتبة أيضا التقوى التي هي تحصين النفس بالممارسة الخلقية الفعلية التي تكسب صاحبها مناعة تمكنه من التغلب على الأهواء المضلة. والتقوى هي مقياس المفاضلة بين الناس «إن أكرمكم عند الله أتقاكم» وسبيل التقوى الطاعة التي تؤدي بصاحبها إلى امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه.
ومن هذه المرتبة الأولى أيضا الإحسان الذي هو في الواقع تعبير عن طاعة الله سبحانه، هو «أن تعبد الله كأنك تراه» ـ كما جاء في الحديث الشريف، وهو أيضا إسداء المعروف إلى الناس ومواساة من يستحق المواساة منهم.
أما المرتبة الثانية من أخلاق الفرد فتندرج فيها الشمائل التي تؤدي إلى تربية الفرد تربية ذاتية تنفقه في معاشه وجهاده اليومي في معترك الحياة فتقوي من عزيمته وتعينه على السداد والرشاد فيما يسعى إليه من تحقيق السعادة والطمأنينة له ولذويه.
ومن هذه المرتبة الصبر الذي هو مجاهدة النفس وتدريبها على التجلد واحتمال الصعب والمكروه وتعويدها الرضاء بقضاء الله دون تواكل أو خنوع أو استسلام. والصبر هو مواجهة المصاعب والنكبات بقلب ثابت وإيمان لا يتزعزع. قال الله تعالى: «ولنبونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وبشر الصابرين».
وقال: «ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور».
وجاء في الحديث الشريف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له».
ومن هذه المرتبة أيضا الصدق في القول والعلم الذي يكسب الفرد حرمة ومكانة بين أقرانه ويعينه على النجاح في الحياة. قال الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين»، وقال: «فلو صادقوا الله لكان خيرا لهم».
وجاء في الحديث الشريف: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا». والاستقامة هي علامة الصدق، لأن الذي لا يصدق مع نفسه لا يمكن أن يصدق مع غيره. والاستقامة لزوم طاعة الله، وهي من جوامع الكلم. قال الله تعالى: «إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليم ولا هم يحزنون. أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون».
وعن أبي عمرة سفيان بن عبد الله رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك. قال: «قل آمنت بالله ثم استقم».
ومن هذه المرتبة أيضا الأمانة التي هي الدرجة العليا من درجات الصدق والإخلاص والنزاهة والمروءة. وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم «بالأمين» فكان ذلك من براهين صدق نبوته.
والأمانة لفظة واسعة الدلالة بعيدة المرامي، فهي الأمانة في الدين، والأمانة في تبليغ العلم، والأمانة في صيانة الأموال المودعة في عهد الفرد، والأمانة في أداء الواجب، وتحمل التبعات وصيانة حقوق الأفراد والجماعات، وهي حفظ الذمة، وترك الغش، وهي حسن أداء الشهادة الواجبة، والأمانة هي أيضا تحمل عبء خلافة الله في الأرض وحفظ الإيمان وتحقيق العدل في الأمر كله، قال الله تعالى: «إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنا وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا». ولا أعرف في اللغات الأجنبية كلمة جامعة لمعاني كلمة الأمانة في لغة الضاد. والوفاء بالعهد، ضرب من ضروب الأمانة. وقد قال الله تعالى: «وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتهم» وقال: «وكان عهد الله مسؤولا».
والقناعة هي أيضا من المرتبة الثانية من مراتب أخلاق الفرد. والقناعة لا تعني الخنوع والرضا بالدون والكفاف، بل هي قبول ما قسم الله لك من رزق مع السعي والجد في سبيل الكسب الحلال بغية تحسين المعاش. إنما القناعة قناع يقي من الحسد والطمع واللهفة التي تستعبد الإنسان وتبعده عن المروءة وتنحرف به عن الجادة القويمة.
ومن هذا المرتبة الإيثار، وهو من أخلاق السلف الصالح يدل على قوة النفس وسلامة القلب وصفاء الضمير؛ ويكون المجتمع أحوج ما يكون إلى الإيثار في وقت الشدائد والكروب فيحفظ سلامة الجماعة وتماسكها ويقيها من التضعضع والخاذل.
أما المرتبة الثالثة من أخلاق الفرد فتندرج فيها تلك الشمائل التي تمكن المؤمن من التعامل مع ذويه وقرنائه في صفاء ومودة، ورفق وبرور، ورحمة وعطف مع قصد النفع والمعونة، وقد جاء عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كلكم عيال الله وأحب خلقه إليه أنفسهم لعياله».
ومن هذه المرتبة البرور بالوالدين، وفي القرآن الكريم آيات معروفة تحث على ذلك، وفي السنة أحاديث تقر هذا البرور وتعظمه. قال تعالى: «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا. وبالوالدين إحسانا وبذي القرى. واليتامى. والمساكين والجار ذي القربى والجار ذي الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا».
وهذه المرتبة أيضا السعي لقضاء حوائج الناس. وقد جاء في الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لله عبادا خلقهم لحوائج الناس آلى على نفسه ألا يعذبهم بالنار فإذا كان يوم القيامة وضعت لهم منابر من نور يحدثون الله والناس في الحسان» وقال أيضا: «من مشى في عون أخيه ومنفعته فله ثواب المجاهدين في سبيل الله»، وقال: «من قضى لأخيه حاجة، كان كمن عبد الله عمره».
ومن هذه المرتبة من أخلاق الفرد ستر عورة المؤمن، وفي الحديث: «لا يستر عبد عبدا في الدنيا، إلا ستره الله يوم القيامة» ومن هذا القبيل تفريج كربة المؤمن ومساعدته فيما يلم به من ضيق أو فقر، ورفع الظلم عنه أن كان مظلوما. وقد جاء في حديث جامع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس من نفس ابن آدم إلا وعليه صدقة في كل يوم تطلع فيه الشمس، قيل يا رسول الله من أين له صدقة يتصدق بها؟ قال: «إن أبواب الجنة لكثيرة، والتهليل والتحميد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتميط الأذى عن الطريق، وتسمع الأصم وتهدي الأعمى، وتدل المستدل على حاجته، وتسعى شد ساقيك مع اللهفان والمستغيث، وتحمل شد ذراعيك مع الضعيف، فهذا كله صدقة منك على نفسك»، وهكذا يتضح من هذا الحديث الشريف أن الصدقة في مدلولها الإسلامي إنما هي صدق المعاملة وإخلاص العمل.
والظلم في مفهوم الإسلام أن يظلم الإنسان نفسه بالمعاصي، أو أن يظلم غيره في حكم أو معاملة، قال الله تعالى: «ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع». وقال: «ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه». وقال: «فمنهم ظالم لنفسه ومنه مقتصد ومنهم سابق بالخيرات»، والظلم هنا ظلم النفس بمعصية الخالق. قال النبي (ص) فيما يرويه عن الله سبحانه وتعالى: «.. يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا» والمقصود هنا هو الظلم في الحكم أو المعاملة. وفي هذا المعنى قوله (ص) «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة».
ومن هذه المرتبة من أخلاق الفرد ترك الحسد والتباغض وما إليهما من الخصال التي تفسد المودة بين أفراد المجتمع الإسلامي؛ وقد جاء في الحديث الشريف: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تناجشوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره. التقوى هاهنا (ويشير إلى صدره ثلاث مرات) بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه».
والسخاء، والرحمة، وإفشاء السلام، وعيادة المريض، وصلة الرحم وإقالة عثرة المؤمن، والمحبة في الله، وتعزية المؤمن بما يصيبه، والعفو عند القدرة، وكظم الغيظ، وتنفيس الكرب عن المعسر، كلها من هذا الصنف من أخلاق الفرد. والقرآن الكريم والسنة النبوية زاخران بالحث على هذه الأخلاق وتحبيبها إلى المسلمين ودعوتهم إلى الالتزام بها وتربية النفس عليها.
وأنتقل الآن إلى الحديث عن أخلاق الجماعة، وأبين قبل ذلك أن تحلي الفرد ذاته بالخلق الحسن على النحو الذي أشرت إليه يؤدي إلى قيام نهج خلقي عام يعين على تماسك المجتمع وتعاضد أفراده، ويحدث بينهم مشاركة وجدانية مفيدة تكسب الجماعة قوة ومناعة وعزة وتجعلها أكثر قدرة على مجابهة مصاعب الحياة وتحمل الأعباء التي تنتظم بها شؤون الأمة، كل على قدر طاقته.
ويمكننا أن نستفيد من هاتين الآيتين الكريمتين جملة ما يجب أن تكون عليه أخلاق الجماعة. الآية الأولى قوله تعالى: «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر».
والآية الثانية قوله تعالى: «وتعاونوا على البر والتقوى. ولا تعاونوا على الإثم والعدوان».
وبذلك يكون أساس أخلاق الجماعة:
أولا: الدعوة إلى الخير، والمقصود هنا الخير العام الذي يصيب منه كل فرد من أفراد الأمة ويتيح لكل واحد منهم فرص العيش الكريم والطمأنينة النفسية والاجتماعية مع العزة والكرامة. ويجب ألا نفهم من الدعوة إلى الخير مجرد الحث والطلب بالقول. فالدعوة تنظيم وبنيان ومثابرة، بمعنى أنه لابد للمجتمع الإسلامي من أن يقيم النظم الكفيلة بتحقيق الخير العام في الميادين الاقتصادية والاجتماعية خاصة.
ثانيا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا المبدأ من دعائم الدعوة الإسلامية، والمراد منه بلوغ الأهداف التي تتوخاها الشريعة السمحة من تنظيم المجتمع على أسس العدل والمساواة وسيطرة الحق وانهزام الباطل والظلم، وانكسار البدع الضالة، واجتناب الحيف والخيانة والغش في المعاملات، مع
تبيين الحلال والحرام، كل ذلك في نظام محكم دقيق تتضح معه الحقوق والواجبات بالقياس إلى الفرد والجماعة.
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أركان الرسالة الإسلامية وهو مبدأ يحتل الصدارة في تعاليم الكتاب والسنة. وإنه لأمر من الله لا يصح لأولياء الأمر التهاون في تنفيذه حماية للأمة من التضعضع والفساد. وتنفيذه في عصرنا هذا لن يتم على الوجه الأكمل إلا من الأحكام التشريعية والتنظيمية المناسبة التي تستمد وجودها من الكتاب والسنة ومن إجماع المسلمين وما تتفق عليه مصلحتهم.
ويمكن القول بصفة عامة أن المعروف هو كل ما يتفق ومصالح الأمة ويستوجب الحفاظ على سلامتها اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا ويبقيها صفا متراصا لا خلل فيه ولا ثلمة، والمنكر عكس ذلك، هو كل عمل هدام مخالف للشرع ولمصالح الجماعة، سواء كان هذا العمل اجتماعيا أو اقتصاديا أو سياسيا. والعمل بهذا المبدأ الخلقي واجب فردي وجماعي. وتركه يؤدي حتما إلى تضعضع الجماعة.
جاء في الحديث الشريف: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم».
والتآزر بين المسلمين قائم على مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الله تعالى: «والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر».
ثالثا: التعاون، هو المبدأ الثالث الذي يجب أن تقوم عليه أخلاق الجماعة الإسلامية، والمراد هو التعاون الفعال الإيجابي الذي تنتظم به الروابط بدقة بين الحاكمين والمحكومين من جهة، وبين مختلف فئات المجتمع وقواه الحية العاملة. ولابد أن يكون هذا التعاون قائما على البر والتقوى والصلاح والإصلاح، وأن يكون هدفه تحقيق استقرار المجتمع وطمأنينة أفراده بتمكينهم من فرص العمل وترقية أحوالهم المعاشية والمعنوية، وتوفير سبل الأمن والصحة والتعلم لهم كي يصبح نافعين وقادرين على الإسهام في بناء عزة الأمة وقوتها.
والتعاون القائم على البر والتقوى يتطلب توافر شروط منها: استعداد كل فرد فرد للبذل والعطاء وأداء الواجب والإنصهار في المجتمع والشعور بالمسؤولية تجاهه .
وبعد، فإن هذه المبادىء الثلاث التي ذكرتها في معرض التحدث عن أخلاق الجماعة، هي مبادىء متكاملة وكفيلة بتحقيق مرامي الإسلام التي هي إيجاد مجتمع صالح يطمح دوما إلى الكمال ويسعى أبدا إلى إعلاء كلمة الله، ونشر تعاليم القرآن والسنة، والتمسك بالوحدة التي فيها قوة الأمة، كل ذلك مع مراعاة العدل بمدلوله الشرعي والاجتماعي والاقتصادي، والمساواة بمفهومها الإيجابي، وغلبة الحق على الباطل، والقوة على الضعف، والهدى على الضلال، والحكمة على الجهل.
وإذا كنت قد استعملت عن قصد كلمة الخلق، وفرقت بين خلق الفرد وخلق الجماعة، فإنا إنما قصدت اللفظ بمعناه الإسلامي الواسع وأبعاده الاجتماعية كلها، ذلك أن الخلق في مفهوم الإسلام ليس مجرد مسلك فردي في الحياة والمعايشة، بل إنه منهاج متكامل للسلوك الشخصي والجماعي يتوقف عليه نمو المجتمع وسلامة أركانه.
وإذا كانت النية هي الأصل في العبادات والمعاملات فإن النية، إذن، هي صوت الوجدان وهي العلامة الباطنة الدالة على أن الخلق حسن أو قبيح، قويم أو منحرف. والنية هي بداية الالتزام ونقطة الشروع.
إن الأخلاق التي تحدثت عنها ملزمة للفرد المسلم كما هي ملزمة للأمة لكونها من صميم الشرع لا تكتمل العبادات والمعاملات إلا بها، وأوامر الكتاب والسنة واضحة في ذلك، فهي إذن منزلة النظام الاجتماعي للإسلام تترتب عنها حقوق وواجبات، وهي لا تدخل في باب أدب السلوك العام فحسب بل تتعداه إلى مرتبة الوجوب بحيث لا يكتمل إسلام المسلم إلا بها ولا ينتظم أمر الجماعة بدونها.
إن الأخلاق التي تحدثت عنها هي في الواقع من المبادئ الثابتة التي تستمد منها الشريعة الإسلامية وجودها واستمرارها، هي مبادئ مستقر راسخة تصلح لهذا العصر كما تصلح لغيره من العصور، هدفها تحقيق العدل والمساواة والنظام والتعاون في المجتمع الإنساني.
وإذا كنا نعيش اليوم في عالم شديد التعقيد في أوضاعه ومراميه السياسية والاجتماعية والاقتصادية يطبعه تقدم العلم والتقنولوجيا، وتشعب أسباب الحياة ووسائلها ومظاهرها، مع تطاحن المذاهب الفكرية وتضاربها، فإن النظام الخلقي في الإسلام لا يزداد إلا جدة ونضارة فتتأكد الحاجة إلى الأخذ به وانتهاج مسلكه وترسيخ قواعده لمجابهة الإلحاد الذي تفشى ولتجنب الاضطرابات الاجتماعية والنفسية والفكرية التي تسود الآن كثيرا من المجتمعات الإنسانية.
ومن هنا نطرح بإلحاح مسألة تجديد المفاهيم بما يتفق مع تعاليم الإسلام السمحة وإنه لمن الخطأ الذي يجب تجنبه أن يدعو البعض إلى تجديد الدين الإسلامي كي يصبح ملائما لهذا العصر المضطرب الذي نعرفه ونعيشه. إن الإسلام لا يحتاج إلى تجديد، إنما يجب أن نجدد مفهومنا له ونقوم فهمنا لحقائقه ومغازيه ومقاصده. فالإسلام جديد لا يبلى مع الزمن لأنه دين العقل والفطرة والنظام، إنما يبلى أتباعه بتخليهم عن تعاليمهم وخوضهم فيما لا يرضى الله والرسول. وقد قال الشيخ محمد عبده: «الإسلام محجوب بأهله» فعلينا أن نرفع هذا الحجاب عن الإسلام بتجديد أنفسنا، وتطهير عقولنا وقلوبنا.
لقد توصل أحد فقهاء القانون في الغرب، بعد طول البحث والدراسة، إلى أن كل تشريع وضعه البشر لعصر ما لا يصلح بالضرورة لعصر آخر، ودعا إلى الجد في البحث عن دستور يلائم كل حضارة، وهذا الدستور الذي يبحث عنه الفلاسفة وعلماء القانون والمفكرون المعاصرون لن يكون سوى التشريع الإسلامي الذي يستمد وجوده من الكتاب والسنة والإجماع، ذلك أن أصول التشريع الإسلامي وحي من الله، وقد انفرد الإسلام بين الأديان السماوية الأخرى بأن شرع للناس نظاما قانونيا وخلقيا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا قويما مصادره الكتاب والسنة والإجماع، وباب الاجتهاد فيه مفتوح. وإذا كان الهدف الأساسي لكل تشريع هو البحث عن العدل، كما يقول فقهاء القانون، فإن العدل هو محور التشريع الإسلامي، وإنه لعدل يتوقف على رسوخ الأخلاق التي شرعها الله لعباده كما يتوقف على حسن تطبيق الأحكام الشرعية، وذلك أقصى ما يمكن أن يطمح إليه البشر.
إن رسالتنا إلى الإنسانية جمعاء هي الإسلام بصفائه ونقاوته، ففيه وحده خلاص البشرية مما تعانيه الآن من اضطرابات وما يتهددها من أخطار بسبب هذه المذاهب الإلحادية والمادية التي أخذت بها كثير من الأمم فأصبحت مصدرا لتعاستها وخوفها وضلالها رغم ما تملكه من أسباب القوة المدمرة والغنى المفرط.
إن الإسلام هو سبيلنا إلى العزة والعيش الكريم، ففي رحابه أمننا وسلامنا ووحدة صفوفنا، وفي تعاليمه هدايتنا ونجاحنا في أعمالنا، وهو رسالتنا إلى الإنسانية إذا كنا نحرص على أن تكون لنا في هذا العالم رسالة. فلنعمل بهدى القرآن والسنة، ولندع إلى الاستمساك بهما ما استطعنا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here