islamaumaroc

القرآن أمام التاريخ

  دعوة الحق

177 العدد

بعد ظهور الإسلام وبزوغ نوره الوضاء على أرجاء المعمور ـ انتشرت حركة تاريخية جعلت تتسع وتنتظم شيئا فشيئا حتى خلفت لنا ثروة أدبية من أغنى ثروات الأدب العربي كانت أهم العوامل وأبرزها في هذا البعث.
هي أولا اضطرار المسلمين لتفسير الآيات القرآنية ومعرفة مناسباتها وأسباب نزولها والمكان الذي نزلت فيه والحادثة التي تشير إليها وما إلى هذا المعنى الذي يعد من ضروريات الوصول إلى الهدف الاسنى الذي يوجد ما حول النص. وثنايا سطوره.
ومن الجلي أن معرفة هذا النوع يحتاج إلى بحث تاريخي في حوادث الإسلام.
فكان التفسير لهذا المدلول من العوامل التي دعت إلى تدوين التاريخ والعناية به.
والقرآن الكريم ذاته قد أكثر من الإشارات إلى الأمم والقبائل والأنبياء في قصصه عن الغابرين فكان لهذه الغاية الشريفة ظاهرة حفزت علماء الإسلام لفهم مضامين تلك الإشارات وتوضيحها.
وكان الإسلام في حياته وتعاليمه قد أظل كثيرا من اليهود والناصرى، فلجأ إليهم المسلمون ليعرفوهم بتلك الإشارات، وما تحتويه من رموز وغايات، وفعلا أخذ هؤلاء يحدثونهم بقصص التوراة والإنجيل وشروحهما الشيء الذي دفع المسلمين لربطها بالتفسير والتاريخ.
واشتهرت هذه الأخبار باسم (الإسرائيليات) التي كانت تضم في رواياتها وأخبارها غثا وسمينا وخرافات ينبو عنها المنطق السليم، ويتجلى هذا المعنى بأجلى مظهر في كعب الأحبار، ووهب بن منبه حتى أن آثارهما لا تزال قائمة في كتب التاريخ التي بين أيدينا ـ بل كان وهب بن منبه التابعي الشهير أول من ألف في قصص الأنبياء وسيرهم وكان كل ما يروى عنه فيه ما فيه من الأساطير التي نشأت عن بني إسرائيل ومن على شاكلتهم وإن كنا ننزهه عن التدليس والدي مادام الهدف البيان.
كما أن السنة والحديث كانا بدورهما من عوامل تدريس التاريخ إذ عنى المسلمون بجمع الأحاديث ليفسروا بها القرآن ويستنبطوا منها أحكام الدين وهو معنى الآية (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) وكان من هذه الأحاديث جملة وافرة تتعلق بحياة الرسول عليه السلام والصحابة الكرام، فجمعت فيها جمع حيث أصبحت بعد أساسا لكتب السيرة والمغازي.
أدرك بعض الخلفاء أنهم في حاجة ملحة إلى نبراس يهتدون بهديه في حياتهم وسلوكهم إذ لم يكن تراث عربي منظم في فجر الإسلام يقتدون به، كما أنهم رأوا ممالك أجنبية بهرتهم حضارتها
فتشوفت نفوسهم التواقة، وأحبوا أن يعرفوا كيفية سياستها ونظامها في ظرف كثرت فيه المشكلات السياسة والاجتماعية والاقتصادية شأن الدول لأول عهودها.
نعم نشأ عن ذلك هدم نظام الخلافة وإقامة نظام الملك مكانه. وواجه العقل العربي الذي كان ساذجا بسيطا في جاهليته مشكلا حقيقية منها ما يمس الدين والحضارة، ومنها ما يمس الحياة العادية والاجتماعية أشياء عرفته أن لابد من الاستعانة بأخبار من سبقه ليستنير بها، ونجد المؤرخ المسعودي في كتابه (مروج الذهب) الجزء الثاني ص 52 يقول عن معاوية أنه كان بعد أن يفرغ من عمله يستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب وأيامها والعجم وملوكها، وسياستها لرعيتها، وغير ذلك من أخبار الأمم السالفة ثم يدخل فينام ثلث الليل، ثم يقوم فيقعد فيحضر الدفاتر فيها سير الملوك وأخبارها والحروب والمكايد، فيقرأ ذلك عليه غلمان له مرتبون، وقد وكلوا بحفظها وقراءتها، فتمر بسمعه كل ليلة جمل من الأخبار والسير والآثار وأنواع السياسات. وهذا ما نحن في أشد الحاجة إليه لاسيما وقد انفتح في وجوهنا باب المعارف على مصراعيه ولم يبق بيننا وبين الإشراف على غاياته سوى التوجه عن حماس وصدق. وقد كان الأجانب الذين أظلهم الإسلام بظله يفخرون على العرب بتاريخهم وحضارتهم ويروون لهم أفعالهم المجيدة في ماضيهم، فاضطر العرب إلى ابتكار تاريخ لهم يستطيعون به الوقوف إزاء هذا الفخر الأجنبي، ويظهرون لأبنائهم وغيرهم من الأمم أنهم وإن كانوا حديثي عهد بالحضارة ليسوا أقل من الأمم الأخرى مجدا ومكانة، كان هذا من دواعي ظهور الكتابة التاريخية في الأمة اليونانية.
وكان نظام الحكومة الإسلامية خاصة النظام المالي من العوامل التي أدت إلى قيام الحركة التاريخية وانتشارها، لأن الضرائب (الخراج) على البلدان المختلف تتباين حسب فتحها صلحا أو عنوة أو بعهد.
فكانت المعاملة السياسية والاجتماعية نفسها تختلف في بعض البلدان تبعا لما حدث في أثناء فتحها فدعا كل ذلك (والنظام المالي خاصة) إلى بحث تاريخ الفتوح والاهتمام به كفرع من التاريخ.
كما دعا النظام المالي إلى نشوء فرع آخر من التاريخ، وكان ذلك لأن نظام العطاء تغير منذ عهد الخليفة عمر الفاروق حيث صار بحسب الأسبقية إلى الإسلام، أي أن الذين أسلموا في أول الدعوة يأخذون من العطاء أكثر مما يأخذ من أسلم بعدهم، ومن أسلم وهاجر يأخذ أكثر من المسلم بعد الهجرة، ومن أسلم وشهد بدرا يأخذ أكثر ممن لم يشهدها من الذين أسلموا بعدها، وهكذا فكان هذا النظام سببا في البحث الدقيق في الدعوة الإسلامية وانتشارها، كما كان العطاء مرتبا أيضا حسب الأنساب أي يبدأ بقرابة النبي صلى الله عليه وسلم الأقرب فالأقرب، ثم قرابة أبي بكر ثم عمر، وهكذا في الأنصار ثم في جميع المسلمين ومن الواضح أن هذا النظام يدعو بطبيعته المنضبطة إلى البحث في الأنساب التي كان من حذاقها وحاملي رايتها العربيان ـ دغفل بن حنظلة نسابة العرب وزيد بن الحارث:
(أحاديث من أبناء عاد وجرهم
تنورها العضدان زيد ودغفل)
نعم كان من المقدمة الخليفة الأولى أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ومن هذا المنطلق نشأ هذا النمط من التاريخ، كما ظهرت كتب الطبقات.
ثم ابتدأت حركة التأليف في العلوم الأخرى المعروفة بين العرب لذلكم العهد الفتي حتى أننا نجد صحارى بن عياش العبدي(1) يؤلف كتابا في الأمثال، ثم يتطور الأمر بمرور الزمن فتترجم بعض كتب الكيمياء في عهد خالد بن يزيد بن معاوية وله هو نفسه كتب منها كتاب الحرارات، وكتاب الصحيفة الكبير وكتاب الصحيفة الصغير، وكتاب وصيته إلى ابنه في الصنعة. أما الكيمياء التي ترجمت بعض كتبها له فقد كان بعض علماء السلف يحذر منها ويعل تعاطيها من السحريات التي تفضي بالأشياء إلى قلب حقائقها، ومن ضمن الحركة التأليفية أن عمر بن عبد العزيز أمر بجمع الحديث وترجمة كتاب في الطب حركات تدل في مجمعها على أن العقل العربي كان يعاني تحولا خطيرا، وأنه أخذ في التحضر والتمدن السريعين، والمشاركة في التدوين والتأليف.
ولا ينسينا هذا ما كان من عناية في الجاهلية بالأنساب والأيام ازدادت قوة في العهد الإسلامي إذ كانت تغذي الشعراء في ميدان الفخر والهجاء والنقائص التي شاعت في هذا العصر، وكان لها المقام الأول في شعر الفحول، كما أن هذا النوع من التاريخ اتخذ لوما جديدا، هو العناية بغزوات الرسول فما كان هذا النوع من التاريخ إلا استمرارا لما عهد عند الجاهليين إلا أن الإسلاميين دونوا والجاهليين حفظوا ورووا.
وإننا لندرك في نفس الحال أن هناك كتبا مقدسة هي التوراة والإنجيل والفرقان.
ونعلم كذلك أن معظمها قصصي ديني وهو يختلف عن القصص السياسي أو التاريخ السياسي في أنه يتناول فقط تاريخ الحركات الدينية، وأن تناول الحالة السياسية والشخصية والاجتماعية فإنما يتناولها من ناحية علاقتها بالناحية الدينية فحسب.
وتلك نفس الظاهرة في التاريخ السياسي القديم فهو يتناول الحركات السياسية والاجتماعية والحربية وأن تناول الحال الدينية فإنما يتناولها من ناحية السياسة.
لهذا نرى التاريخ السياسي لا يشير إلى ظهور بعض الأنبياء ولا يعرفنا عنهم شيئا مما دعا بعض الناس إلى التشكك فيهم واعتبارهم أشخاصا وهميين، ولم يتعرض المؤرخون لإبراهيم ويوسف وموسى عليهم السلام كما لم يذكر مؤرخو الرومان شيئا عن عيسى وبدء حركته.
 والحقيقة أنه لولا الكتب الدينية، وما خلفه الأنبياء من تعاليم ومبادئ أخذت تنتقل من جيل إلى جيل لما علمنا شيئا عنهم وهذا ما سبب الجهل والغموض اللذين اكتنفا زمن ظهور هؤلاء الرجال حتى لا يستطيع أحد من المؤرخين أن يحدد متى ظهر موسى أو يوسف أو إبراهيم صلوات الله عليهم، وان حاول شيئا من هذا فإنما هو عبارة عن تواريخ تقديرية وهمية لا ترتكز على حقيقة علمية كقولهم عن دعوة إبراهيم من دور الكلدانيين إلى أرض كنعان أنها كانت سنة 1921 قبل الميلاد، وأنه عمر 175، كما أن يوسف قبضه الله إليه سنة 1635 قبل الميلاد وموسى سنة 1451 قبل الميلاد.
وبما أن القٍرآن الكريم آخر الكتب السماوية نراه قد جمع كل ما في الكتب السالفة مسهبا حينا، وموجزا حينا آخر، ولكنه بحكم نزوله بعد الإنجيل قص علينا الحقبة التي بين عيسى ومحمد عليهما  السلام بالتفصيل، فقص علينا قصة أهل الكهف، وأصحاب الأخدود، وغزوة أبرهة لمكة، كما أخبرنا عن عيسى عليه السلام بأشياء لم يتناولها الإنجيل مثال ذلك تكليم عيسى الناس في المهد ونزول مائدة عليه من السماء وتكوينه من الطين على هيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، وقد اعترف الإنجيل نفسه أنه لم يلم بكل معجزات عيسى بقول يوحنا في إنجليه (وأشياء كثيرة صنعها يسوع ان كتبت واحدة واحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة).
ونعلم أن القٍرآن الكرم أنزل مجزءا مفرقا حسب ما تتطلبه الوقائع والأحداث وكان في هذه الحالة داعيا إلى الأخبار بأشياء أدى إليها حسب استطلاع أصدقائه وأعدائه المريدين تحديه بأسئلتهم التي ظنوها تحمل الإعجاز في ثناياها، فقص علينا قصة ذي القرنين الذي اختلف المفسرون فيه فالبعض منهم يقول أنه الاسكندر المقدوني ويقول البعض الآخر أنه شخص آخر مختلف عنه كل الاختلاف ويظهر أن هؤلاء أصحاب الرأي الصحيح(2).
وقد أزال القرآن اللبس المحيط بكثير من المسائل وحددها تحديدا واضحا لا غموض فيه، وللقرآن ميزة تاريخية أخرى هي دقته المتناهية بحيث أنك إذا أردت أن تعبر عن حادثة تاريخية تعبيرا موجزا وافيا بالغرض واضحا بينا يؤدي كل ما ترمي إليه بحيث يغني قارئه وسامعه عن أي تفسير وإيضاح إذ تجد فيه فوق ما ترنو إليه وتصبو.
أنظر إليه وهو يصف ديانة المصريين القدماء على لسان نبيه يوسف الصديق عليه السلام في سورة يوسف قال: (يا صاحبي السجن آرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار. ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون).
فهل هناك خير من هذا وأكثر توضيحا لديانة قدماء المصريين؟
ألم يكونوا يعبدون آلهة متعددة، بل كان لكل بلدة إلهها الخاص ـ أرباب متفرقون ـ
وكان يحدث بين الحين والآخر أن تنتشر عبادة الله من هذه الآلهة عندما يعظم شأن البلدة التي يعبد فيها كروع (إله عين الشمس) وآمنون (إله طيبة) و(تحوت) إله العلم والحكمة وغيرها من الأسماء الخالية التي اخترعتها عقولهم.
ولقد بين القٍرآن الكريم حقيقة أخرى متعلقة بديانة قدماء المصريين بإيجاز وجلاء، هذه الحقيقة هي تبيانه أن فرعون كان يعتبر في نظر المصريين إلههم الرئيسي الذي بيده كل شيء بينها الله تقدست أسماؤه في سورة النازعات قال: (فحشر فنادى فقال: أنا ربكم الأعلى).
وهذا عين ما قاله التاريخ بعد أن أزيح الستار عنه وكشفت غوامضه في القرنين الأخيرين إذ كان المصريون يقدسون الملك ويعتبرونه أكبر آلهتهم وكانوا يسمونه (بحوريس الحي) وقد راعوا في بناء أهرامهم وقبور ملوكهم أن تكون فوق الروابي لتتمكن الفراعنة (في نظرهم) من الإشراف على البلاد في مماتهم، كما كانوا في حياتهم.
ولم يقتصر القٍرآن على موضع واحد في الإشارة إلى هذا الاعتقاد بل أشار إليه في سورة الشعراء في خطاب فرعون إلى موسى: قال: (لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين) وفي سورة القصص في خطاب فرعون إلى شعبه: (وقال فرعون: يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري).
ولكن إعجاز القرآن الكريم لا ينحصر في دقته وإعجازه البلاغي فحسب كما يفعل الزمخشري في كشافه وعبد القاهر الجرجاني في أسرار بلاغته ودلائل إعجازه، والأصم يوسف السكاكي في تاريخه المستقبل وحوادثه تاريخيا حقا واقعا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وتلك بحق آيته الكبرى ومعجزاته الخالدة التي تتجلى عند المعارضة والتحدي وقتما وقف أبناء الإسلام والنصرانية وجها لوجه، وظهر في الأفق دين سماوي جديد عز على اليهودية كما عز على النصرانية أن يبدو من الأعلى نبراس آخر يجتذب إليه عيون الناس وأفئدتهم وتخوف كل منهما على مكانته أن تضحمل، وأن يحتل هذا المصباح الوضاء مكان الصدارة منهما.
أما اليهود فبعد تفكيرهم الطويل لجأوا إلى الكيد لهذا الوليد الجديد رجاء أن يكتموا أنفاسه وهو في مهده فأخذوا يؤلبون العرب عليه، ويحرضونهم على محاربته وقد نجحوا جملة في هذا فتحالفت قبائل العرب واليهود وحاصروا المدينة في غزوة الخندق(3) ومما زاد في محنة المسلمين أن حلفاء الرسول عليه السلام وهم يهود بني قريظة نكثوا عهدهم، وتخلفوا عن النبي وانضموا إلى أعدائه، فضاقت الدنيا بالمسلمين، وزلزلوا زلزالا شديدا فقد كانت بلاد الحجاز كلها تطبق عليهم في المدينة، ولكنهم خرجوا من هذه المحنة آخر الأمر سالمين، وتفرق الحلفاء بعد أن صمدت لهم المدينة فاستعصت عليهم وبذلك ........... سهم اليهود إلى نحرهم.
(حسبهم سهاما صائبات  فكانوها ولكن في فؤادي)
وطفق هذا النور اللامع من السماء النور الذي حاولوا إطفاءه يزداد تألقا ويسمو حتى عم الجزيرة وأضاء العراق وفارق والهند، ووصل إلى الصين، وأشرق على الشام ومصر وشمال افريقيا ووسطها
وشرقها وأطراف آسيا وقلبها وجنوبها وعبرت مدارته البحر الأبيض والقلزوم حتى جنوبي روسيا، أما النصرانية فنحت حياله منحى آخر واقفة أمامه تحاجه.
فهذا وفد من نصارى نجران ورد على الرسول الأكرم محمد عليه السلام يريد أن يتحدى الإسلام والقرآن عرض عليه النبي الإسلام فقال: (إننا نحن المسلمين حقا) فما كان منه صلوات الله عليه إلا أن أفهمهم ثلاثة أشياء، تمنعهم عن الإسلام: 1) أكل الخنزير. 2) عبادة الصليب. 3) قولهم أن لله ولدا.
فما كان منهم إلا أن سألوه سؤالا ظنوه معحزا وهو (من أبو عيسى)؟ وهنا تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين. فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقال تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم). آية 62 آل عمران.
وقد حسن الله بهذه الآيات هذا الخلاف وأفهمهم أن عيسى ما هو إلا عبد من عبيد الله خلقه من غير أب، وأن هناك سابقة لهذا أشد وقعا في النفس من ميلاد عيسى وهي خلق الله آدم من غير أب ولا أم، وكان القٍرآن الكريم يرد عليهم بسؤال من نوع سؤالهم ألا وهو من أبو آدم. ثم أفهمهم أن كثرة المجادلة غير مجدية، وأنهم إذا كانوا لا يزالون يصرون على قولهم فأحسن طريقة لحسم هذا النزاع هو أن يلتجئ الفريقان إلى الله ويدعواه أن ينزل لعنته على الفريق الكاذب منهما.
في هذا الظرف الحاسم ظهرت قوة الحق وبلبلة الباطل فعندما دعاهم النبي عليه السلام إلى المباهلة أرأجأوه حتى يتشاوروا فلما انعقد جمعهم قال لهم رئيسهم: (والله لقد عرفتم نبوته، ولقد جاءكم بالفصل في أمر صاحبكم والله ما باهل قوم نبيا إلا هلكوا فإن أبيتم إلا دينكم فوادعوا الرجل) ولكن محمدا صلوات الله عليه كان واثقا من نفسه ومن حقه المؤمن بربه غدا محتضنا الحسين وفاطمة تمشي خلفه وعلي رضي الله عنه وراءهما وهو يقول لهم: إذا دعوت فأمنوا.
وساعتئذ قال الأسقف: يا معشر النصارى إني لأرى وجوها لو سألوا الله عز وجل أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله فلا تباهلوا فتهلكوا).
والظن أننا لا نزال نستحضر أولى حركاتنا السلفية بالمغرب حركة الإصلاح المبنية على أساس الإنقاذ المؤرخة بـ سنة 1345 الموافق 1926م وقتا وقف فيه شيوخ الطرق المزورون وأدعياء الزوايا، وأذناب الاستعمار منهم على الأخص حجر عثرة في سبيل حركة الشباب الواعي والسعي في مناقضتها والعمل على إقبارها في المهد.
إذ كانت الجزائر آنذاك تعمل على نشر الإسلام الصميم بين شبابا الأمة وإنقاذ الشعب من براثن الاستعمار ومفاتنه، فحمل راية الدعوة المغفور له (عبد الحميد بن باديس) وجماعة من إخوانه الأباة، وفتحوا مدرستهم السلفية في وجه أبناء الشعب، كما بعثوا صوتهم المدوي في جنبات العالم العربي على صفحات الشهاب والبرق ضد بلاغ المشعوذ ابن عليوة المدفوع هو وجماعته من طرف الاستعمار الخبيث.
وأثناء الحركة اندفع أحد الفريقين للدعوة إلى المباهلة حيث يكون مقر إقامتها الجزائر الشقيقة غير أن الموقف الذي تحدثت عنه الآية، كنهج للدعوة هو ما جرى في الحركة المغربية إذ تهيب أحد الفريقين خيفة الفضيحة، ولكن أبى الله تعالى إلا أن تنتصر الحركات الإصلاحية ويضمحل الباطل وأهله وليست هذه أول الحركات بل تقدمتها انتفاضات أولية قام بها جماعة من الإخوان الرباطيين رحمة الله عليهم: كالحاج المعطي جوريو والحاج محمد البحراوي والمحجوب الأزرق وأبو بكر ابن الكرة(4) وسواهم من المشاركين. فقاموا جبهة متراصة في وجه فرض ضريبة جديدة عن وقاية الدكاكين (كيام) عام 1339هـ 1921م الشيء الذي دفع الفرنسيين إلى نفي بعضهم وسجن البعض، فكانت تلك الوثبة كأولى وثبات وطنية ظهرت بالمغرب تلتها حركات موفقة كان النصر حليفها .
هكذا قوة الحق إذا تجلت ارتعد الباطل لها وتقهقر فلم يكن منهم إلا أن أذعنوا للرسول عليه السلام وتفادوا المباهلة، وارتضوا الجزية كما تعاهدوا أن لا يأكلوا الربا أو يتعاملوا به، ثم رجعوا إلى قومهم.
أما النبي صلى الله عليه وسلم فرجع وهو يقول: (والذي نفس محمد بيده لو تباهلوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي نارا ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر).
حكمة بالغة وحجة دامغة تحداهم النبي عليه السلام بها أن يقفوا في صعيد واحد فيدعوا الله أن ينزل لعنته على الكاذبين فما منهم إلا أن ولوا مدبرين ولو كان الحق بيدهم لما وجلوا ولا خافوا ولأبانوه للملأ، ولكن علموا صدق الرسول فخشوا العاقبة، واستنكفوا أن يهجروا دينهم إلى الدين الجديد الذي علموا أنه الحق بعد أن كانوا يظنون أنهم به سيظفرون.
ولكنها هيمنة القرآن التاريخية والعلمية (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه- الآية 48 من سورة المائدة.
فالقرآن العظيم له طابعه الخاص في التاريخ العلمي وله في وسطها أسلوبه الخاص يدل على هذا الاستقلال العلمي، انه ذكر عن عيسى عليه السلام أشياء لم يتناولها الإنجيل نفسه كما أشير إليه قبل، ولم يقتصر الأمر على الإنجيل بل ان هيمنته التاريخية تناولت التوراة في أعظم شخصياتها موسى ويوسف وابراهيم عليهم السلام عدا كثير غيرهم من الأنبياء.
فالتوراة لم تتناول حياة إبراهيم بين الكلدانيين ومجهوداتهم لإقناعهم بوجود إله واحد، ومحاولته نشر دعوته وتحطيم أصنامهم وقذفهم به في النار ونجاته منها، ولم تتناول علاقته بوالده وما دار بينهما، كما لم تتكلم عن إعادة بناء إسماعيل وابراهيم للبيت الحرام بينما تناول القرآن الكريم هذه الموضوعات بما ليس فيه زيادة لمستزيد وبأسلوبه الشيق الجذاب الذي تحار أمام عظمته الألباب، أما عن يوسف فإن التوراة لم تتعرض لكيفية ظهور براءته مما نسبته إليه امرأة العزيز من اتهام بمحاولة هتك عرضها بينما شرحها القرآن شرحا وافيا.
وشهد شاهد من أهلها ـ هو ابن عم لها أو ابن خال لها ـ وألقى الله الشهادة على لسان من هو من أهلها لتكون أوجب للحجة عليها وأوثق لبراءة يوسف.
(أن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين، وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين- الآية 26 – 27 سورة يوسف.
كما أن التوراة لم تتكلم عن حادث النسوة اللاتي بهرهن يوسف بجماله فقطعن أيديه، كما لم تبين لنا الموقف العظيم الذي وقفه حين أبى الخروج من السجن إلا بعد أن تعلن براءته على الملأ، وأن تسأل النسوة ليقررن الحقيقة يقول الكتاب: (قلن حاشا لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين) الآية 51 يوسف.
خرج يوسف ومثل بين يدي العزيز ليكون عنده المتصرف الأمين على خزائنه وأرضه، وأقوات رعيته، خرج ليأمر فيطاع ـ (تزرعون سبع سنين دابا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون) الآية 47 يوسف. طريقة طريفة فنية لحفظ القمح من السوس والتلف ـ لقد حار الناس كيف حفظ يوسف القمح سبع سنين إذ لم تفسر التوراة ذلك، والسوس يتسرب إلى المخزون منه بعد أربعة شعرا على الأكثر فكيف تسنى ليوسف أنقاذ مصر وأنقاذ قوتها.
هنا تظهر عظمة القرآن الكريم إذ أبان لنا تلك الطريقة العجيبة على الرغم من بساطتها.
أتى اخوة يوسف إلى مصر للمرة الثانية فاحتجز يوسف شقيقه (بنيامين)، ولكن التوراة أغفلت ذكر رجوعهم إلى أبيهم وأخبارهم بفقدان أخيهم كما لم تذكر ما ترتب على علم أبيهم بفقد أخيهم كما لم تذكر ما ترتب على علم أبيهم بفقد ولده العزيز من حزن شديد كان من جرائه ذهاب بصره (وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم- الآية 84 يوسف إذ تقول التوراة في سفر التكوين الاصحاح الرابع والأربعين على لسان أخوة يوسف في رجاء موجه إليه (ها نحن عبيد لسيدي نحن والذي وجد الكأس في يده جميعا) فقال: حاشا لي أن أفعل هذا الرجل الذي وجد الكأس في يده هو يكون لي عبدا. (ما أنتم فاصعدوا بسلام إلى أبيكم) ولم يردف ذلك بقوله هل هم ذهبوا أم لا؟
وإنما أردفه برجاء لكبيرهم (يهودا) عارضا نفسه بدل أخيه لشيخوخة والده وخوفه من هلاكه لشدة حزنه، ثم يتلو ذلك الإصحاح الخامس والأربعون حيث يبدأ بتعريف يوسف نفسه لأخوته وهنا يحدثنا القرآن الكريم عن طريقة استرجاع يعقوب لبصره كما حدثنا عن سبب ذهابه فأفهمنا أنه شفي بمعجزة تتلخص في وضع قميص يوسف على وجهه فارتدا بصيرا، بيد أن التوراة لم تذكر شيئا عن هذا الأمر.
هذا عن يوسف عليه السلام.
أما عن موسى فإن القرآن انفرد دون التوراة بالمعلومات التالية:
1) الشرط الذي اشترطه شعيب على موسى لتزويجه إحدى ابنتيه (على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك) وقضاء موسى أبعد الأجلين. (الآية 27 سورة القصص).
2) إيمان السحرة الذين تحدوا موسى وسجودهم لله وصلب فرعون لهم وتغذيبهم.
3) امرأة فرعون وإيمانها خفية وأمر فرعون لهامان أن يبني له صرحا ليطلع على إله موسى.
4) انتشال جثة فرعون بعد غرقه (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية) الآية 92 سورة يونس.
5) مؤمن آل فرعون الذي أخذ يعط الشعب ليهديهم سبل الرشاد، هذه بعض تظهر بوضوح وجلاء كلما أمعن الإنسان البحث في ثناياه.
وليست هذه الهيمنة قاصرة على التاريخ فحسب بل أن جلاله وهيبته وقوة عظمته تشمل جميع النواحي فهو يبسط سيطرته الجبارة على كل ما يتناوله من تشريعات دينية وأخلاقية ونواميس تربوية واجتماعية، وحقائق علمية وفلكية، ومعلومات طبية، وأخبار غيبية لها أسرارها الباهرة، وأبعادها الهادفة تحدث عنها منذ ما يقرب من أربعة عشر قرنا، واليوم أصبحنا نرى أقطاب الفكر في العالم يطلعون علينا بين الفينة والفينة بنتائج أبحاثهم العلمية وعصارات أفكارهم المدهشة التي سبقوا إليها بقرون قد لا نشك أنها ستحفزهم يوما ما للإيمان به وبعظمته، وبما جاء به من مبادئ وآيات إذا ما أمعنوا النظر في آيته المقدسة وما تحتويه فقرها المتناسبة من عجائب وقف دونها رجال الفكر وأئمة المعرفة مشدوهين.
ومن هذا المنطلق نعرض أمثلة في الموضوع كدليل نتبين من بين دفتيه يقول الله تعالى في سورة النساء الآية 56: أن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذب) أعد سبحانه لجاحد آياته المنزلة على رسوله (ص): نارا مسعرة تشوبهم وتحرق أجسامهم حتى تفقدها الحس والإدراك قال جلت قدرته: (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب) أي كلما فقدت التماسك الحيوي وبعدت عن الحس والحياة بدلها جلودا أخرى حية تشعر بالألم ونحس بالعذاب.
يقول الدكتور عبد العزيز إسماعيل باشا رحمة الله عليه في كتابه (الإسلام والطب الحديث) الحكمة في تبديل جلود الكفار ـ أن أعصاب الألم هي في الطبقة الجلدية وأما الأنسجة والعضلات والأعضاء الداخلية فالإحساس فيها ضعيف، ولذلك يعلم الطبيب أن الحرق البسيط الذي لا يتجاوز الجلد يحدث ألما شديدا بخلاف الحرق الشديد الذي يتجاوز الجلد إلى الأنسجة لأنه مع شدته وخطره لا يحدق ألما كثيرا، فهو يقول أن النار كلما أكلت الجلد الذي فيه الأعصاب نجدده كي يستمر الألم بلا انقطاع ويذوقوا العذاب الأليم ـ هكذا نرى هذه الجملة الشرطية الواحدة ترسم هذا المشهد المخيف العنيف الذي تتجلى بين أحرفه القوية حكمة الباري سبحانه قبل أن يعرفها الإنسان طوال 14 قرنا.
وتلك آية «يس» يقول الله تعالى: (اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون) الآية 65، فيخرس الله اللسان، وينطق اليدين والرجلين قابلا شهادتهما وهو سبحانه يقول: في الآية الأخرى (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون) سوى سبحانه يقول في الآية الأخرى (يوم تشهد عليهم اختصاص اليدين والرجلين بالشهادة دون باقي أجزاء الجسم مع أنها كلها متساوية إذ لا يبدو تغير في هيأتها الأصلية مدة الحياة.
الإجابة عن هذا يرجع لعلم التحقيق الجنائي وهو بالطبع حديث النشأة لم يظهر لعالم الوجود إلا في أواخر القرن التاسع عشر، ويشير الأستاذ (محمد بك شعير) في كتاب له في الموضوع حول ترجمة (بصمات الأصابع والأيدي) قائلا: (ليس ما نقرأه من الوقائع المدهشة (لشرلوك هولمز) و(كارتر) وأمثالهما وما يكتبه الروائيون أمثال و(كونان دويل) و(ليكوك) وسواهما، وما نراه يشخص على الشاشات ودور الصور المتحرك من الروايات البوليسية الغربية التي يتعقب فيها رجال الشرطة السرية الجناة ويتعرفون أشخاصهم مظهرين حقيقة أمرهم من اناء لمسوه أو وعاء أمسكوه أو كوب شربوا منه أو خزانة فتحوها ليس كل هذا حديث خرافة وإنما هو ثمرة العلم الحديث ونتيجة مجهودات العلماء الذين أتوا بالمعجزات في فن بصمات الأصابع في الجنايات للتعرف على شخصية ما بطريقة ثابتة للاستعانة بها على استخراج السوابق معروفا في أوروبا إلا حدينا، فقبل سنة 1890م لم يعرف عنها شيء في الحياة العلمية الشيء الذي دون بقية الأعضاء معجزة قرآنية أخذت الأبحاث العلمية تعرب عنها في القرن العشرين.
ومن العجب أن ختمت السورة بما يفيد ذلك يقول الله سبحانه (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم) الآية 53 سورة فصلت. كأنه جلت عظمته يقول: اختصاص شهادة الأيدي والأرجل دون بقية الأعضاء أمر يشكل عليكم ولكن سأظهر لكم بعض سره في الدنيا، وقد أظهره تعالى في عصرنا المائل فكانت المعجزة لهذا مزدوجة أولا: اختصاص اليدين والرجلين، ثانيا: ظهور ذلك بالفعل لمكان سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم.
ومن معارف الكتاب وألوان أنواره الساطعة بما تضمنته من باهر الآيات قوله تقدست أسماؤه في سورة الأنعام: (ومن يرد الله أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء) 125 الانعام. تحمل الآية في مدلولها البياني ـ أن من فسدت فطرته بالشرك وتدنست نفسه بالآثام والأوزار يجد في صدره ضيقا أيما ضيق إذا طلب إليه التأمل فيما يدعى له من دلائل التوحيد والنظر في الآفاق والأنفس لما استحوذ على قلبه من باطل التقاليد، والتعلق بعادات الآباء والأجداد والاستكبار عن مخالفة ما ألفه وسار عليه الناس وتضعف إرادته لحد بعيد عن ترك ما هو عليه فتكون إجابته الداعي إلى الدين الجديد ثقيلة عليه، ويشعر في الوقت نفسه بالعجز عن احتمالها، ويكون مثله مثل من يصعد في الطبقات العليا في جو السماء إذ يشعر بضيق شديد أشد حتى إذا ما ارتفع إلى أعلى من ذلك شعر بتخلخل الهواء ولم يستطع سبي إلى البقاء، فغن هو قد بنقي فيها قضى نحبه اختناقا، فها نرى كيف ضرب الله مثلا لضيق النفس المعنوي بمن دعى إلى الحق وقد ألف الباطل وركن إليه بضيق التنفس الذي يجده من صعد بطائرة إلى الطبقات العليا من الجو حتى لقد يشعر بأنه أشرف على الهلال وهو لا محالة هالك إن لم يتدارك نفسه، وينزل من هذا الجو المختنق إلى طبقات أسفل، إنها لآية خالدة ينطق بها الكتاب المقدس قبل أن يتفهم سرها البشر، وما أدرك كنهها إلا بعد أن مضى على نزولها نحو 14 قرنا، وتقدم في الطيران وما إليه من خوارق الأجواء وبالتجربة صدق الكتاب ودل بوضوح على صحة ما ثبت في علم الطبيعة من اختلاف الضغط الجوي في مختلف طبقات الهواء، وعلم أن الطبقات العليا أقل كثافة في الهواء من الطبقات السفلى، فكلما صعد الإنسان إلى طبقة أعلى شعر بالحاجة إلى الهواء بضيق التنفس ذلك لقلة الهواء الملئ بمادتي الأكسجين والادرجين الدعامتين الأساسيتين للحياة، وهذا ما يحفز رجال الفن إذا ما اضطروا للتوغل في أجواء الفضاء إلى استعمال جهاز التنفس ليساعدهم على السير في تلك الطبقات والاحتفاظ بحياتهم الطبيعية.
وهذه الآيات البينات التي ألمعنا إليها وغيرها كثير لم يستطع علماء التفسير إيضاحها إيضاحا يكشف ما تحمله من أسرار إذ لم يهتدوا للمودع في ثناياها(5) إلى أن جاء الكشف الحديث وتقدمت العلوم، وأصبح في متناول البحث العلمي بيان مغزاها وكشف المراد منها حسبما أثبته البحث ومن هذا المنطلق صح ما قالوا: (الدين والعلم صنوان لا عدوان) وهكذا دواليك كلما تقدم العلم أرشد إلى إيضاح قضايا خفى أمرها على متقدمي العلماء خاصة من عنى بالتفسير وعلومه ولا بدع أن يدخر لبعض المتأخرين ما عسر فهمه على بعض المتقدمين ـ يوتي الحكمة من يشاء، والله واسع عليم.

(1) توفي نحو سنة 40هـ 660م خطيب منوه من بني عبد القيس. قال له معاوية: ما البلاغة؟ فقال: الإيجاز. قال: وما الإيجاز؟ قال: أن لا تبطئ، وهو أحد النسابين له مع دغفل النسابة محاورات، كان ممن شهدوا فتح مصر.
(2) حقق العالم الكبير (أبو الكلام ازاد) وزير معارف الهند سابقا بما لا يدع مجالا للشك أن ذا القرنين في القرآن هو الملك الفارسي الصالح (قورش) ورد بقوة القول بأنه الاسكندر المقدوني. من المصحف الميسر للشيخ عبد الجليل عيسى ـ سورة الكهف.
(3) هي غزو الأحزاب الواقعة في السنة الخامسة للهجرة والمفصلة في سورتها.
(4) البحراوي إلى الصويرة، ابن الكرة إلى آسفي ، الازرق إلى الجديدة، الحاج المعطي جوريو فر إلى طنجة.
(5)

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here