islamaumaroc

من أساليب الحرب الفكرية والنفسية: عزل الإسلام وعلمائه وتغريب المجتمعات الإسلامية -5-

  دعوة الحق

177 العدد

في البداية أذكر بما جاء في الحلقة السابقة (عزل الإسلام وعلمائه وتغريب المجتمعات الإسلامية) وهو أن عملية الغارة على العالم الإسلامي تمر الآن بمرحلتها الثالثة، كانت المرحلة الأولى هجوما حاميا صارخا السيف والخيل والمنجنيق، أرضه حوافر وحديد، وسماؤه رايات صليبية ودخان ونقع ونار، وكانت الثانية هجوما سافرا صانتا أيضا، أرضه دبابات وشركات واحتكارات، وسماؤه الإنجيل والقروض والمساعدة «المحبة والإخاء والإحسان» أما المرحلة الحالية فهجوم صامت بارد مقنع، خفي ملفوف ومغلوف، أرضه أقلام وبيادق وأشباح، وسماؤه العلم والفكر والثقافة والأدب.
فما شعار الحضارة الحديثة وأعلام العلم ورايات الآراء المعاصرة ـ والمسيحية أيضا ـ إلا ظلال وأقنعة تخفى ملامج الوجه البشع للهجمة الشرسة الجشعة الحاقدة على الإسلام والمسلمين(1)، لقد استفاد الغرب من المرحلتين السابقتين دروسا وتجارب وخبرات هدته إلى إعادة الكرة ولكن بعد أن يضع على رأسه «طاقية الاختفاء»(2) أي أنه يطبق خدعة «حصان طروادة» بأسلوب عصري مناسب، وما هو هذا الحصان؟ وكيف أسرج وملئت بنادقه بارودا وقيد ويقاد اليوم؟
1 ـ حصان طروادة قديم، حصان طروادة جديد
حصان طروادة قديم حصان طروادة جديد) ونعود إلى الحصان القديم: طروادة مدينة في آسيا حاصرها اليونان ـ 1193 ق.م نظرا لحصانتها ومناعتها واستماتة أهلها في الدفاع عن العرض والشرف، وعندما لجأوا إلى سلاح الخداع والحرب خدعة كما قال الرسول عليه السلام، فصنعوا حصانا ضخما من الخشب فوق قاعدة خشبية تحملها عجلات من خشب، وأدخلوا في جوفه رجالا شجعانا مسلحين، وتظاهروا بالانسحاب والعودة إلى بلادهم تاركين بعض الأثقال، وخرج أهل المدينة وجمعوا مخلفات المنسحبين، وكان الحصان العجيب «أثمن» غنيمة باردة تدخل المدينة المنيعة.
وفي الليل ـ والليل في خدعة الحصان الحديث هو حالة الغموض التي تحدث عنها مالك بن نبي عشر سنوات دون أن يتكنوا من فتحها واقتحامها حيث لا يتميز بكامل الوضوح العدو من الصديق والأهلي من الأجنبي والأصيل من الدخيل ـ وفي الليل خرج الرجال المسلحون من جوف الحصان، وذبحوا الحراس وفتحوا أبواب المدينة، وأشعلوا نيرانا كان متفقا على إشعالها كإعلان عن نجاح الخدعة، والنهاية معروفة، فقد اقتحم اليونان المدينة واستباحوها وخربوها.
حصان طروادة الجديد: هاجم الصليبيون مدينة حصينة منيعة عالية الأسوار مسلحة الأبراج حديدية الأبواب اسمها الإسلام، هاجموها ليش عشر سنوات فقط كما فعل اليونان، بل قرنين كاملين، وعندما تحطمت قواهم وانهارت معنوياتهم أمام مقاومة الأسوار الإسلامية رجعوا إلى بلادهم يجرون أذيال الذل والحسرة والخيبة والخسران، وهناك فكروا أو قدروا ودبروا، وانتهى تفكيرهم إلى تطبيق خدعة أجدادهم الأقدمين، فصنعوا «حصانا» من المبشرين والمستشرقين والمفكرين ـ أجانب و«أهليين» وملأوا جوفه أفكارا ـ وبتعبي أصح ألغاما ـ وادخلوه إلى مدينة الحصينة، وقد خرج العملاء من جوف الحصان مسلحين بألغام وقنابل الأفكار، إلا أن الحراس انتبهوا والقيادة متيقظة، والمعركة الآن إنما هي معركة أفكار بين المذاهب والمبادئ الإسلامية ـ التي عزلت وحوصرت في مرحلة ضعف بدأت تتحسر الآن ـ وبين الأفكار والمبادئ التي تسربت تحت جنح الظلام إلى بعض الأبنية والمخابئ واختفت هناك وتقنعت، ومن مخابئها ومكانها تنطلق القذائف والقنابل الفكرية الهادفة إلى تخريب المدينة وتمكين المنسحبين من العودة، والاستباحة والاستعباد.
وإذا عدنا بأذهاننا إلى ما جاء في الحلقة الأولى من هذا المقال من الأقوال والآراء المتنبئة بيقظة الإسلام واستعادة سطوته وقوته ـ حكمنا حكما جازما أن نهاية المعركة هي انتصارنا وطرد الدخلاء رجالا وأفكارا، وان الباطل كان زهوقا.
لكن الانتصار لا ينزل هبة من السماء إذا لم تتوسل إليه بأسباب العمل، ولو كان الله سبحانه ينصر الحق دون دفاع لما اضطر رسولنا عليه السلام إلى خوض معارك طاحنة ضد وثني ويهود الجزيرة العربية ولما قاوم أجدادنا حملات التتار والصليبيين، ولما تسلح مفكرونا ومثقفونا حاليا ببنادق الأقلام ورصاص الحبر، وأداروا مدافع المطابع، ونصبوا رادارات التصور ومراصد الاستقراء لتتبع خط المعركة الفكرية، واستنتاج قوانينها وحصر أساليبها، وكشف أوكارها ومكامنها، تمهيدا للهجوم المضاد ورد العدوان «والرأي قبل شجعان الشجعان».
3 ـ الدفاع عن السكن أم الساكنين أعتقد أن الجهود التي تبذل حاليا في عملية البعث الإسلامي ـ في العالم الإسلامي عامة والمغرب خاصة ـ يجب ألا تقتصر في مرحلتها الحالية على الدفاع عن الإسلام كعقيدة وشريعة صالحة لكل زمان ومكان، والرد على الدعاوي المضادة والافتراءات والشبهات، فبالإضافة إلى أن الإسلام لم يعد هدفا مباشرا يهاجم مهاجمة سافرة داخل العالم الإسلامي وإنما بوسائل مقنعة فإن للقرآن الكريم قوة ذاتية ومناعة وحصانة إلهية قادرة على رد وصد وتحطيم الأفكار والمبادئ عندما تهاجمه مجردة من الأقنعة والالفقة واللفائف، كما سأوضح في حلقة «القرآن والمبشرون» ولهذا أرى أن الجهود يجب أن تصرف أيضا إلى الدفاع عن المسلمين وتصيرهم بالوسائل الخبيثة التي تستعملها الحرب الفكرية في سبيل السيطرة على نفوسهم وتعطيل فعالية الإسلام الكامنة في أعماقهم.
إنني أرى من التبذير والإسراف أن تصرف الأموال الطائلة والجهود والوقت في الدعوة إلى عالمية الإسلام، في الوقت الذي لاتزال فيه أرضنا مزروعة بأفكار ومبادئ معوقة ومعرقلة لانطلاق الإسلام، وفي الوقت الذي تعطى فيه حياتنا وسلوكنا ونظرتنا إلى الوجود مثالا صارخا على تنكرنا للإسلام وأبعاده ومحاصرته وعزله!
إن الوسيلة السليمة والطريقة المثلى القوية لتحقيق عالمية الإسلام هي القدرة والمثال، لا الدعوات والأفكار والنظريات المجردة التي تسقط هامدة عند اصطدامها بالواقع الإسلامي المتخلف يجب أن يكون العالم الإسلامي برقيه وتقدمه وحضارته مثالا ومنارة وواجهة لماعة تجذب إليها بقية الشعوب الباحثة عن النور والحضارة الإنسانية المتوازنة روحيا وماديا، والشرط الجوهري الأساسي لبناء حضارة إسلامية راقية هو تطهير الأرض الإسلامية أولا من الطفيليات والألغام وتنقية التربية وتصفيتها، وإلا كنا كمن يبني قصورا فوق الرمال أو على أسس ملغومة.
فنقطة الانطلاق إذن هي المسلم هي الدماغ والقلب والنفس حيث تسكن وتعشعش وتفرخ الأفكار التي بثها هناك رجال الحصان الطروادي، فما دامت هذه التربية النفسية ملغومة فلن نتمكن إطلاقا من إقامة هيكل إسلامي سليم، ومادامت هناك الأفكار المعطلة لفعالية الإسلام، فإن هجماتنا على المبشرين والمرتزقة والمستشرقين والعملاء من أبناء جلدتنا لن تجدي فتيلا. يقول المرحوم مالك بن نبي في هذا الموضوع: «ويجب أن نضيف إلى هذا أنه كلما وضعنا أنفسنا في فصل كهذا ـ يقصد محاربة الظل والقناع ـ فإن الاستعمار سوف يكلف الأخصائيين في لعبة الظل ليصور لنا معركة خيالية تصرف المسؤولين في لعبة الظل ليصور لنا معركة خيالية تصرف المسئولين في البلاد الإسلامية عن المشاكل الحقيقية، وهذا ما نشعر به أولا إزاء بعض المشاريع ذات الشأن، حينما يحاول من يقوم بها، أو يجند الأفكار والأقلام والأموال للدفاع عن الإسلام من هجمات المستشرقين، فإذا بالاستعمار يبدي ارتياحه لمثل هذه المشاريع حينما يأتي نبؤها، إن لم نقل أنه أوحى، من بعيد بفكرتها، لأنها سوف تصرف الأموال والأقلام والأفكار عن الأشياء الجدية، كما نشعر أنه سوف يبدي قلقة، لو أن أحدا انفلت من تأثير سحره وحاول أن يقول أن المشكلة ليست في الدفاع عن الإسلام الذي يجد في جوهره حصانته من عطاء الله إليه ـ ولكن في تعليم المسلمين كيفية الدفاع عن أنفسهم بما في الإسلام من وسائل الدفاع.
فالاستعمار يغضب حينما يتوقع بأن المشكلة سوف توضع هكذا، إذ بذلك سوف يفلت من يده زمام الأمور، وان القضية سوف تخرج من عالم الميتافيزيقيا والظلام لتدخل عالم الجد، وتصبح قضية مطروحة لعلم النفس والاجتماع لتدرس على ضوئها الشروط التي تشجع الاستعمار، أو تنمي القابلية للاستعمار» الصراع الفكرى طبعة ثانية ص 122.
فالمشكلة كما يراها مالك بن نبي وبعض الإصلاحيين الذين يرون ما يرى هي البحث في كيفية تخليص المسلم من «القابلية للاستعمار» والقابلية للاستعمار الفكرى تعني الذوبان في بيئة الغرب واعتناق مبادئه وفلسفته ونظرته شعوريا أو لا شعوريا وبالتالي استعبادا أفكارا معينة في نفس المسلم حتى إذا ذابت وانحلت وامتزجت بنفسه كونت الحالة المسماة بالقابلية للاستعمار انظر الهامش رقم 2.
والسؤال الأساسي هنا هو كيف نخلص المسلم من القابلية للاستعمار الفكري؟ وبالتالي كيف نمزق الأقنعة التي يختفي خلفها الاستعمار ـ ويتوسل بواسطتها إلى تحقيق أغراضه دون مقاومة ـ ونكشف عن وجهه البشع الجشع الحقود فنعطل مفعول أفكاره(3)؟
للإجابة على هذا السؤال نعود ثانية إلى حصان طروادة الجديد لنحلل تركيبه ونستخلص العناصر والمواد التي استعملت في بنائه، وكيف استعمل كقناع وملئ جوفه بالأقنعة والأغلفة واللفائف.
نظرا للوقت الطويل الذي يستغرقه تحرير وقراءة تحليل هذا الحصان القناع ـ إذ يتكئ كلية على تقديم استشهادات من كتب ومراجع عديدة، وتطبيقا لقاعدة من قواعد علم النفس تقول «إن الموضوع المفتوح أشد تأثيرا من الموضوع المغلق» وتعنى في احد تطبيقاتها أن الحديث عن موضوع ما إذا ابتدأ وانتهى في جلسة واحدة، فإن آثاره سرعان ما تتلاشى وتنسى بخلاف إذا ما بدئ الحديث بتمهيد قوى مثير ثم توقف قبل النهاية، فإن العقل الباطن يظل طوال المدة الفاصلة بين التوقف والاستئناف يفكر في الموضوع ـ رغم نسيان العقل الواعي له ـ صارفا جهده في هضم وتمثيل الجزء المتقدم من الموضوع، محاولا تصور النهاية، باعثا في النفس الشوق والرغبة في استقبال الجزء الذي لازال مجهولا وكشف غموضه وإنهاء حالة التوتر التي أوجدها الانتظار. (وهذه إحدى القواعد الهامة التي تعتمد عليها الحرب الإعلامية) نظرا لكل هذه الاعتبارات أجرئ الجواب عن السؤال السابق ـ كيف نمزق قناع الاستعمار ـ إلى حلقة قادمة بعنوان «حصان طروادة الجديد».
وأبادر فأقول إنني باستعمال هذا الأسلوب التشويقي لا أقصد به السادة العلماء الأفاضل المطلعين على أوكار ومخابئ ومكامن الأفعى النفسية والمتتبعين لاتجاهات وتمددات أذرعها الأخطبوطية، ومراغتها وخبث وسائلها في نفث سمومها، والعارفين بأسرار وأساليب الحرب الفكرية أضعاف ما اعرف، وإنما أقصد بالذات طبقة خاصة من المثقفين، أخذوا بالأساليب التبشيرية ـ الدينية والفكرية ـ وخدعوا ببريق الحضارة الغربية(4) فأصبحوا مبشرين بها دون أن يفطنوا إلى ما في خباياها وثناياها من بذور التخريب والتدمير لكيان مجتمعهم وكيانهم ذاته، وبعملهم هذا أصبحوا يكونون قطعة أو مسمارا في الحصان الطروادي دون أن يشعروا.
سئل لابلاس العالم الفلكي الشهير، صاحب الرأي السائد أن العالم تكون في بدايته كرة ضبابية تفجرت وصدرت منها الإجرام السماوية ومنها أرضنا، سئل «لماذا لم يذكر الله في أبحاثه الفلكية؟ فأجاب: لأنني لم أجد حاجة إلى ذلك، لأن الله خلف كل بحث تناولته أو أي رأي أبديته. الله خلق كل ظاهرة في الكون والطبيعة والحياة».

(1) يقول المجاهد محمد محمود الصواف: وفي الحقيقة والواقع فإن جميع حملات المستشرقين والمبشرين على الإسلام ومكافحتهم له ولمبادئه وأهله، ما هي إلا ثمرات من الحورب الصليبية واتخذت حملات اليوم جلباب العلم الكاذب، المخططات ص 116.
(2) يقول المرحوم مالك بن نبي: إن الاستعمار النقاب عن وجهه في المعركة إلا إذا لم تترك له الظروف حيلة، فهو دائما أو غالبا يستخدم قناع القابلية للاستعمار الصراع الفكري طبعة ثانية ص 62 والذي يهمنا من كلامه في هذه الحلقة هو مبدأ الغموض الذي يتوسل إلى أغراضه بالنقاب والقناع.
(3) يعرف (إنجليز) تلميذ وشريك ماركس، ولاغضاضه في الاستشهاد برأيه مادام حقا ولاسيما إذا كان ينصب على الحرب الفكرية التي يعتبر الشيوعيون قادتها وأساتذتها حاليا بعد تلمذهم على الصهيونية مخترعة الجرب الفكرية ـ أقول يعرف الإيديولوجية وهي الحرب العقائدية كما يلي: «هي مجموعة من الأفكار تعيش حياة مستقلة لا تخضع إلا لقوانينها الخاصة. ان ظروف الحياة المادية التي يحياها الرجال ولكن أولئك الرجال يجهلون تلك الحقيقة ولو عملوا بها لكانت انتهت الإيديولوجية.
(4) لست أدعو إلى رفض الحضارة الغربية جملة وتفصيلا، ففيها لباب وقشور، وقد أشرت سابقا إلى الفرق بين التحديث والتجديد، والتغريب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here