islamaumaroc

معركة طنجة

  دعوة الحق

177 العدد

في هذا الجو المضمخ بالتدبر والخشوع، والطافح بالدروس والعبر.. ومن هذا الثغر الطاجي الباسم المشرق المتألق، ومن هذا العرين الذي لا يرام ولا يضام، ومن هذه الرحاب الفيحاء التي هي مهد الأمجاد والبطولات، انطلقت مواكب الفتوحات منذ عهد عقبة بن نافع الفهري، والمولى إدريس الأول، وطارق بن زياد، وابن بطوطة وسواهم من الأفذاذ الأعلام...
وتتعاقب الأيام والسنون، والأجيال والقرون؛ وتتوالى حلقات المد والجزر، ويقسم التاريخ أن يعيد نفسه، وبصورة أكثر دلالة وعمقا ونصاعة: ففي يوم 7 جمادى الأولى من عام 1367هـ الموافق 9 أبريل سنة 1947م، كان صوت رائد النهضة المغربية، وبطل التحرير ـ قدس الله سره وتغمد بواسع رحمته ـ يدوي مجلجلا فوق المنبر الدولي العالي الأشم، للمطالبة بحقوقنا المشروعة في استرداد حريتنا واستقلالنا وسيادتنا القومية ووحدتنا الترابية، وللإعلان على رؤوس الملأ بأننا جزء لا يتجزأ من الأسرة العربية الكبيرة، والأمة الإسلامية العظيمة.
إن للمغرب العربي المسلم سيادة ما طأطأت الرأس أبدا لأي مستعمر أو دخيل. وتلك كانت طبيعته منذ العهود التاريخية الأولى، وفي عصور الفينيقيين والقرطاجنيين والوندال وسواهم..
وحتى في عزل الدولة العباسية، والحملة الهلالية وما أعقبها من شتى التيارات. فالمغرب لا ينام على ضيم، ولا يستكين أبدا لهوان.
ها هو العالم أجمع يشهد اليوم في مشارق الأرض ومغاربها صورة أخرى من أروع الصور التي تشخص وتبلور الالتحام والانسجام والتجاوب المطلق بين القمة والقاعدة، أي بين العرش العلوي المجيد، وقلوب المغاربة قاطبة.
إننا مازلنا نذكر بفخر واعتزاز ومباهاة، ما تحمله زيارة طنجة من لدن صاحب الجلالة المغفور له محمد الخامس ـ نور الله ضريحه ـ من معان سامية، وشحذ للهمم، وتثبيت للأقدام: فالنفحات المسكية لتلك الروح الطيبة الزكية، كم صقلت من إلهام، وكم أبسمت من ثغور، وأثلجت من صدور! إن عروسة البحرين طنجة كانت تزهو عزة باستقبالها لبطل العروبة والإسلام. فالهيام به لا يصفه لسان، ولا يحيط به بيان، بل إنه حرك أعماق الوجدان، وجعل الحياة لوحة رائعة التقاسيم والظلال والألوان، توقظ خيال الشاعر وتوحي لريشة وعبقرية الفنان، وتنطق الصحافي، وتعلم السياسي كل رأي صائب، حينما يلمس عن كثب تلك الكلمة الخالدة، ذات الغوص العميق: (ما ضاع حق من ورائه طالب).
إن تلك الصراحة المنبثقة من قوة الإيمان، وصفاء القريحة، وإشعاع النبوغ، ورباطة الجأش، والثبات على العقيدة، والثقة المطلقة في الله عز وجل، قد أقامت العالم وأقعدته، فاستيقظ النيام، وانتبه الغافلون لهيبوا إلى علاج الأدواء والأسقام، وتقويم الأوضاع، وتوحيد الموقف المصيري الحاسم.
وحينما التفت الأمة خلف إمامها وزعيمها ومليكها في صلاة الجمعة المشهودة، وجلت القلوب وبكت العيون خشوعا، وأمحت الخلافات، واضمحلت الفوارق، وتكتلت الجهود، لتصبح النوايا الحسنة والهمم العالية، والطاقات الواعية، تنطلق كلها في تضامن وتئازر وتساند، لاستقبال عهد جديد، يصل الماضي بالحاضر، ويرفع صروح المستقبل، ويعيد للأمة المغربية الأبية تماسكها ووحدة صفها، ليتحقق ما نطمح إليه من نصر وأمن وسلام، وتفتح ورقي وازدهار.
وليس منعطف رحلة طنجة التاريخية سوى صرخة أخرى مدوية في وجه الطغاة والمستبدين، وضد الزيف والزيغ والكفر والمسخ والانحراف، وضد الظهير البربري المشؤون، وضد التفرقة والعنصرية البغيضة، وضد كل ما من شأنه أن ينال من ذات المغرب وشخصيته وأصالته وعزته وشرفه، ويجرح كرامته ويقدح في كبريائه. إنها ثورة جذرية عارمة أقضت مضاجع المستعمرين، وزلزلت كيانهم، وضعضعت هيكلهم. فالمغرب لا يقبل هوادة في حريته واستقلاله، ولا يرضى بهما بديلا.
ولقد دعاني إخلاصي وإيماني إلى إحياء تلك الذكريات الممتعة بالرغم مما اكتنفها من مصاعب وأهوال وآلام وتضحيات جسام بالنفوس والنفائس..فأي ورد يخلو من شوك؟ وأي شهد لا تمنعه ابر النحل؟ وأي محيط لا تكدره الزوابع والعواصف والأعاصير؟! ومن لم يذق مرارة الدموع، فإنه لا يدرك أبدا حلاوة الابتسام!
نعم، دعاني الواجب إلى أن أكون ترجمان شعبي وأمتي في كوامن قلوبها الكبيرة المؤمنة المناضلة، نحو عرشنا الساهر على مكاسبنا وأمجادنا العريقة، وطموحاتنا وتطلعاتنا وآفاقنا الواسعة. وهذا بدون شك مجال فسيح يجب أن ينطلق فيه زمام اليراع، ليرتع في رياض المعاني وفراديس الشعور، وبراعة الخيال، والإجادة في فنون التصوير والإبداع، والبوح بأزكى الطيوب والعطور، وأعذب الأغاريد والأناشيد.. وما هو إلا أداء للأمانة، واستخلاص أجمل عبرة من أروع تاريخ.
ومن هذا الثغر الطنجي كذلك، عاد الجنود المغاربة الأبطال الأشاوس المغاوير، بعدما حققوا النصر المبين لأمتنا العربية المسلمة في سيناء والجولان وجبل الشيخ، وغسلوا أدران العار والشنار، وسقوا بدمائهم الزكية الطاهرة شجرة الشرف والعزة والحرية.. والجود بالنفس أقصى غاية الجود.. فهم قد لقنوا العدو الصهيوني الغاشم درسا لا ينساه ولن ينساه أبدا، وحطموا خرافة خط بارليف والجيش الذي لا يقهر، وكالوا الصاع صاعين لشذائذ الآفاق ونفايات الشعوب الذين أقدموا ـ يا ويلهم! ـ على إحراق المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين، وأصبح يحسب لنا ولدولنا المجيدة ألف حساب! إنها قصة العبور الأعظم، وما أدراك ما هي!! فعسى الله أن يمن على المسلمين أجمعين بجمع الشمل ورأب الصدع، حتى يستعيدوا لمدينة القدس الحبيبة أصالتها وعزتها وكرامتها، ولفلسطين السليبة، مهبط الرسالات السماوية، ما تطمح إليه من انعتاق وخلاص!.. وما ذلك بعزيز على أحفاد يوسف ابن تاشفين بطل الزلاقة، وعلى من حققوا الانتصارات الباهرة في معركتي وادي المخازن والأرك، وعلى ذرية المولى اسماعيل الذي طرد الدخلاء الإسبانيين والبرتغاليين والإنجليز من شواطئ المغرب، وعلى نسل معركة أنوال الذين تركوا في المستعمر عبرة وذكرى لأولي الألباب.
وبالأمس القريب، انعقد بطنجة في 23 و24 ربيع الثاني عام 1396هـ الموافق 23 و24 أبريل سنة 1976 ملتقى الشباب الصحراوي، وقد استعادت بلادنا وحدتها الترابية، واسترجعنا أقاليمنا الصحراوية بفضل المسيرة الخضراء الحسنية السلمية المظفرة، وأصبحت العيون ترنو إلى (عاصمة العيون) من خلال ما تمخض عنه ذلك الملتقى من توصيات وأبعاد وردود فعل إيجابية بالغة الأهمية، سواء في الداخل أو الخارج. ومن حسن حظ مدينة طنجة المكافحة أن ينعقد فيها ذلك المؤتمر التاريخي العظيم.
والواقع أن معركة طنجة سلسلة متصلة الحلقات في الماضي والحاضر والمستبل لا تزيدها الأيام إلا جدة وتأثيرا، وانتشارا وذيوعا، وفوائد ومزايا حسية ومعنوية لا تدخل تت العد والحصر والاستقصاء: فمنها انبثقت الإشراقات التي تنتظم البلاد شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، على جميع الأصعدة والمستويات، وعلى ضوئها انعقدت مؤتمرات القمة على المدى الإسلامي والعربي والافريقي سياسيا وثقافيا واقتصاديا وسياحيا.. ومنها امتد النور المحمدي في الدوحة العلوية الباسقة ماجدا عن ماجد، وكابرا عن كابر.. ومنها تعلمنا الثورة البناءة، والغضبة النبيلة، والفداء المستميت، والعزيمة الخلاقة التي لا تلين ولا تستكين.. ومنها نقتبس ونتعشق فنون الصفاء والوفاء، والبعث والنماء، التي تتفتق عنها عبقرية جلالة الملك العظيم والقائد الرائد البطل مولانا الحسن الثاني نصره الله. ولا بدع في ذلك، فهو رفيق النضال وأمين السر، ووارث السر لزعيم العروبة والإسلام مولانا محمد الخامس ـ طيب الله ثراه ـ وهذه العصا من تلك العصية، وهذا الشبل من ذلك الأسد. حفظ الله سيدنا الإمام، وأطال عمره الكريم في الصالحات وجلائل الأعمال، وأقر عينه بولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير المحبوب سيدي محمد، وصنوه المولى الرشيد، وسائر الأمراء والأميرات في البيت العلوي المجيد.
وإنها لمسرة مستمرة، وهمة ملتهبة، وجهاد دؤوب لا يمسه نصب ولا لغوب، وتحقيق للمزيد من النصر والتفتح والعطاء بسخاء وبدون حساب لما فيه إعلاء كلمة الله، وخير العروبة والإسلام.
ذلك هو بالذات المعنى القريب، والمغزى البعيد لمعركة طنجة الحاسمة التي أوحت لي بالقصيد التالي:
في طنجة السماء تلك المعركه،
قد بعثت في الشعب أقوى حركه
من (ابن يوسف) الهمام قبست
من صرخة الجهاد أسمى بركه!
حرارة استقباله فريدة
من نوعها.. فالشعب يهوى ملكه
من التحدي تلك أسمى آية
قد تركت روح العدى مرتبكه
وربح الرهان منا قائد
علمه زمانه وعركه.
فأي روح طبعت نداءه؟!
وأي أسلوب به قد سبكه؟!
فالشعب لن ينسى له موقفه،
ومنهج الحق الذي قد سلكه
خطابه ملحمة لدولة
ثائرة، واعية، ومدركه
نشكو من البغي المدبر الذي
خططه عدونا وحبكه!
مليكنا ألهمه خالقه
رسالة ذات مزايا موشكه
أم الرعايا هاهنا بجمعة،
وبلغ السر الذي قد أدركه
والله وده الصفوف حوله،
فلم تعد شديدة مفككه
ولم يضع حق غدت تطلبه
متنا، فهي التي لن تتركه!
حول المليك عبأت طاقاتها
في وحدة، بعرشها مستمسكه
ودينها الإسلام، أما أمها
فهي العروبة شعار المملكة
والضاد خير لغة قد بلورت
من روحنا الأصالة المشتركه
فلا الظهير البربري نالها،
بل قد رمى بنفسه في الشبكه!
وأمتي بربها مؤمنة،
ولم تكن كافرة أو مشركه
فما تنصرت برغم فئة
في شرها غارقة منهمكه
ونحن ندرك مكايد العدى،
ونشجب الشوائب المشتبكه
قد خسئ التبشير في تدجيله،
ولم يجد حساب تلك الفذلكه
تزداد بالتوحيد حول عرشنا
أصالة، وقوة، وملكه
إن البرابرة أحرار لقد
ثاروا هنا على دعاة الكثلكه
وعرف الشعب الذكي دربه
مواصلا نحو الخلاص مسلكه
وحير المستعمرين أمره،
فأي سر يا ترى قد حركه؟!
تحمل الأذى، فما قهره
ليل دهى ربوعه، ما أحلكه!
مل كل صوب قد رأى عدونا
من الثبات عندنا ما أنهكه
يلقى جزاءه بكل بقعة،
ويفلت الزمام مهما أمسكه!
والله يحمي بيتنا وأهله،
ضد الدخيل من طغى وانتهكه
مجازر (البيضاء) تصرخ بما
جناه بالدم الذي قد سفكه
وكل ركن من بلادي دمعة
حرى على العرض الذي قد هتكه
فكم شريد وشهيد في الحمى!
والشعب لا ينسى هنا معتركه
قد باء الاستعمار بالخسران إذ
نصب للشعب الأبي شركه
لكنه وقع فيما دبرت
دهاته، والله حقا أهلكه!
كم ملأ السجون بالأحرار، إذ
ظن النفوس عنده ممتلكه
وغضبة الشعب على أعدائه
قاتدتهمو إلى الردى والهلكه
لا حكم للمستعمرين، إنه
أوردهم حضيضه ودركه
والحكم للعرش وللشعب الذي
بغيره في حكمه لن يشركه
بعضهما يرعى حياة بعضه،
كالماء يحفظ حياة السمكه
والمغرب الحر استعاد مجده
بهمة عالية، واستدركه
خيب أطماع الدخيل من غدت
أطواره مؤسفة ومضحكة!!ـ:
لم يقدر الأحرار حق قدرهم،
ولا الجهاد المر منهم حنكه
حتى أتاه الحق في صولته،
وغنم الأبطال منه التركه
من لم يعد إلى الشعوب حقها،
فالدهر غرر به واستهلكه!

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here