islamaumaroc

طريقة بليسنجتون (تر.أ.ع.س.البقالي)

  دعوة الحق

177 العدد

كان (تريدويل) رجلا صغير الحجم، محببا، يعمل مع شركة موسرة بمدينة نيويورك. وكان منصبه يخوله مكتبا له وحده. وفي يوم من أيام يونيو دخل عليه زائر فارغ القامة، ممتلئ البنية، حسن الهندام، وردي البشرة، تشع عيناه الصغيرتان بالمرح من الخلف نظارته السميكة ذات الإطار القرني.
وبعد أن وضع الزائر حقيبة يده السميكة، مد يده فصافح (تريدويل) بقوة حتى كاد يسحق يده وقال:
ـ اسمي (بروس). وامثل جمعية علم الشيخوخة وقد جئت لأساعدكم على حل مشكلتكم يا سيد (تريدويل).
فتنهد تريدويل وقال:
ـ بما أنك غريب عني كل الغرابة يا صاحبي، وبما أنني لم أسمع قط بهذه الشركة التي تزعم تمثيلها، وفوق كل هذا، بما أنني ليس لي أي مشكل يمكن أن يتعلق بك، يؤسفني أن أقول لك أنني لست في حاجة إلى بضاعتك. والآن لو سمحت.
فرد بروس:
ـ اسمح؟ بالطبع لا اسمح. فجمعية علم الشيوخة لا تحاول بيع أي شيء لأي إنسان يا سيد تريدويل واهتمامها خيرية محضة. فهي تبحث تواريخ بعض الحالات، وتعد التقارير، وتعمل من أجل الوصول إلى حل أحد الأوضاع المأساوية في مجتمعنا الحديث.
ـ والتي هي؟
ـ كان ينبغي أن تفهم ذلك من اسم المنظمة فعلم الشيخوخة يدرس مشاكل كبر السن وكل ما يتعلق بها. وأرجو ألا تخلطه مع مرض الشيخوخة فعلم الشيخوخة يبحث في الشيخوخة نفسها كمشكل.
فقال (تريدويل) متبصرا:
ـ سأتذكر ذلك. ومادمت هنا فإني سأتبرع للمنظمة بمبلغ صغير.. هل تكفي خمسة دولارت؟
ـ لا، لا يا سيد تريدويل.. لن آخذ منك فلسا ولا سنتيما أحمر.. أنا أفهم جيدا أن هذه هي الطريقة التقليدية للتخلص من المنظمات الخيرية المتعددة، ولكن جمعية علم الشيخوخة تعمل بطرية مختلفة تماما. فهدفنا أن نساعدك على حل مشكلتك أولا. وخينئذ فقط نشعر بأن لنا حق مطالبتك بشيء.
فقال تريدويل منشرحا:
ـ حسن جدا.. اتفقنا إذن. فأنا ليس لي مشكل، وأنتم لا تأخذون التبرع إلا إذا أعدت النظر.

فقال بروس بصوت به ألم:
ـ أنا أعيد النظير؟ أنت الذي يجب أن تعيد النظر. فمن أكثر الحالات إثارة للشفقة والتي كان على الجمعية أن تعالجها حالات أشخاص رفضوا الاعتراف بالمشكل لمدة طويلة وقد اشتغلت بحالتك شهورا متعددة. ولم يخطر ببالي أن أصنفك من بين أولئك.
  وتنهد تريدويل بعمق وقال:
ـ هل تسمح أن تخبرني بماذا تعني بكلامك الفارغ حول استغالك بحالتي؟ فأنا لم أكن أبدا حالة بالنسبة لأية جمعية أو منظمة كيفما كان نوعها.
وفي لحظة فتح برو حقيبته وأخرج منها رزمة أوراق، وقال:
ـ إذا صبرت معي قليلا فسوف ألخص لك هذه التقارير. أنت في السابعة والأربعين من العمر، وفي صحة ممتازة. وتملك دارا بشرق (سكونيت ـ بنونغ إيلاند ماتزال عليها أقساط تسع سنوات. وتملك كذلك سيارة جديدة ماتزال مدينا لبائعها بثمانية عشر قسطا شهريا وبما أن أجرتك ممتازة فأنت تعيش في يسر. هل أنا على حق؟
فقال تريدويل:
ـ تماما مثل وكالة الديون التي أعطتك ذلك التقرير؟
واختار بروس أن يتجاوز عن ذلك؛ فقال:
ـ سندخل الآن في صلب الموضوع. أنت متزوج مدة ثلاث وعشرين سنة وسعيد في زواجك. ولك ابنة تزوجت في السنة الماضية. وهي تعيش مع زوجها الآن في شيكاغو. وعند مغادرتها دارك، جاء حموك الأرمل، العكر المزاج نوعا ليقيم معكما أنت وزوجتك وابنته.
وانخفض صوت بروس فزاد تأثيره وهو يقول:
ـ حموك يبلغ من العمر اثنين وسبعين سنة، وبصرف النظر عن التهاب كيسي خفيف في كتفه الأيمن فهو يفتخر بصحة ممتازة بالنسبة لسنه. وقد ذكر في عدة مناسبات أنه يأمل أن يعيش مدة عشرين سنة أخرى. وحسب الإحصائيات التي تحتوي عليها ملفات جمعيتنا فإن فرصه في إدراك ذلك السن جيدة للغاية. والآن، هل تفهم يا سيد تريدويل؟
ولم يأت الجواب إلا بعد مدة طويلة.. فقال تريدويل أخيرا بصوت هامس:
ـ نعم.. الآن أفهم.
فقال بروس متلطفا:
ـ حسنا.. حسنا جدا.. الخطوة الأولى هي أصعب الخطوات.. الاعتراف بأن هناك مشكلة تحوم فوقك كغيمة داكنة في كل يوم يمر. وليس هناك حاجة لنسأل لماذا نجتهد في إخفائها حتى عن أنفسنا فأنت تتمنى لو وفرت على زوجتك شقاءك، أليس كذلك.
فحرك تريدويل رأسه موافق فسأله بروس:
ـ هل سيريحك لو قلت لك أن مسز تريدويل تقاسمك نفس الإحساس؟ وأنها كذلك تشعر بأن وجود والدها في بيتها يشكل عبئا يثقل كل يوم.
فرد تريدويل:
ـ لا يمكن.. فهي التي أرادته أن يعيش معنا من البداية، بعد أن تزوجت ابنتنا (سليفيا) وبقيت غرفتها فارغة. وذكرتني بالخدمات التي قدمها لنا في بداية حياتنا الزوجية، وبأنه سهل المعاشرة قليل المصاريف.. كانت هي التي أقنعتني بالفكرة ولا أصدق أنها لم تكن تعني ذلك.
ـ طبعا كانت تعني ما تقول: فقد كانت تعرف جميع العواطف التقليدية عن أب عجوز يعيش وحده في مكان ما، وجاءت بجميع البراهين التقليدية نيابة عنه وكانت صادقة في كل لحظة. وقد قادتك إلى الفخ الذي يقع فيه كل من ينغمس في التفكير العاطفي التافه. حقا، فأنا أحيانا أميل إلى الاعتقاد بأن حواء أكلت التفاحة لإسماد الحية فقط.
وحرك رأسه، فقال تريدويل:
ـ مسكينة كارول.. لو أنني عرفت أنها كانت تحس بنفس الشقاء الذي أحس به.
فسأل بروس:
ـ نعم؟ وماذا  كنت ستفعل؟
فقضب تريدويل جبينه وقال:
ـ لا أدري.. ولكن لابد كان يمكن التفكير في شيء لو فكرنا فيه معا.
فسأل بروس:
ـ ماذا؟ تخرج الرجل من الدار؟
ـ لا... لا أعني ذلك بالضبط.
فألح بروس:
ـ ماذا إذن؟ ترسلونه إلى ملجأ؟ فهناك بعض المؤسسات الفاخرة جدا لهذا الغرض. وسيكون عليكما أن تفكرا في إحداها إذ لا يمكن اعتباره حالة إحسانية، ولا أتصور أنه سيرحب بفكرة الذهاب إلى ملجأ خيري عمومي.
فقال تريدويل:
ـ ومن يرضى بذلك؟ أما عن مصاريف المؤسسات الفاخرة، فقد بحثت في ذلك مرة ولكن حين عرفت الأثمان أدركت أنها فوق طاقتنا فهي تتطلب ثروة طائلة.
فاقترح بروس:
ـ لعله من الأحسن أن يعطى شقة مستقلة، رخيصة مع أحد يدبر شؤونه.
ـ في الواقع انه رحل من شقة وأتى ليعيش معنا إما عن مسألة أحد يدبر شؤونه فليست لك فكرة عما يكلف ذلك. هذا لو استطعنا العثور على من يناسبه.
فقال بروس، وهو يضرب المكتب بقبضته:
ـ صحيح، صحيح كل ما قلته يا سيد تريدويل. فنظر تريدويل إليه بغضب سائلا:
ـ ماذا تغني بصحيح؟ كنت أعتقد أنك تريد مساعدتي على هذه المشكلة ولكنك لم تأت بأي حل حتى الآن. وفوق ذلك تتكلم وكأننا في طريق الخلاص.
ـ وهو كذلك.. فرغم أنك لا تشعر بتقدمنا، فنحن قد قطعنا المرحلة الثانية نحو الحل. الخطوة الأولى كانت الاعتراف بأن هناك مشكلا، والثانية هي إدراكك أنه لا يبدو أن هناك حلا منطقيا أو عمليا للمشكل كيفما نظرت إليه. وهكذا فأنت لست تشاهد فقط طريقة بلينسجتون الرائعة التي تضع الحل الوحيد الممكن بين يديك في النهاية فقط بل انك تشارك في سيرها.
وتساءل تريدويل:
ـ طريقة بليسنجتون؟
فقال بروس معتذرا:
ـ سامحني فقد استعملت في غمرة حماسي مصطلحا لم يصبح بعد مبتدعا علميا متداولا وبد أن أشرحه لك (فطريقة بليسنجتون) هي الاصطلاح الذي يستعمله زملائي في جمعية علم الشيخوخة. وقد سميناها كذلك تقديرا للسيد بليسنسجتون مؤسس الجمعية، وأحد كبار رجال عصرنا هذا. فهو لم يحقق الشهرة اللائقة به بعد، ولكنه لابد فاعل وسوف ترى، ففي يوم ما سيصبح اسمه أشهر من اسم (مالتوس) العالم السكاني.
فقال تريدويل:
ـ غريب أنا لم أسمع به قط. وفي العادة أتابع كل ما يصدر بالجرائد. وأضاف وهو ينظر إلى بروس مضيقا عينيه:
ـ وشيء آخر، انك لم توضح لي كيف تم وضع اسمي في لائحة حالاتكم، وكيف استطعت الحصول على كل تلك المعلومات عني؟
فضحك بروس بمرح قائلا:
ـ يبدو الأمر غامضا حين تعبر عنه بذلك الأسلوب أليس كذلك؟ في الحقيقة ليس في الأمر غموض على الإطلاق. فالجمعية لها مئات المستطلعين يجوبون خلال أرضنا العظيمة هذه من الشاطئ، إلى الشاطئ وإن كان الجمهور على العموم لا يعرف ذلك. فقوانين الجمعية تحظر على أي موظف أن يكشف عن هويته كمخبر محترف إذ يفقد التأثير في الحال. وهؤلاء المخبرون لا يبدأون بأحد على أنه موضوع عملهم فاهتمامهم ينحصر في أي شخص متقدم في السن يرغب في الحديث عن نفسه وسيدهشك أن تعرف مبلغ ثرثرة أغلب العجزة عن أخص شؤونهم؛ هذا طبعا إذا كانوا بين غرباء ونحن نتعرف على هؤلاء الشيوخ بطريقة عفوية في الحدائق العامة، والصالونات والمكتبات أي في أي مكان يوحي بالراحة والحديث فيأتي المخبر ويكسب مودتهم ويشجعهم على الكلام عن حياتهم وخاصة عن أفراد عائلتهم الأصغر سنا، والذين يعتمدون عليهم.
فقال تريدويل باهتمام متزايد:
ـ تعني أفراد العائلة الذين يعولونهم
فقال بروس معترضا:
ـ كلا.. كلا لقد وقعت في الخطأ الشائع يخلطك بين الاعتماد والتمويل: طبعا في كثير من الأحيان هناك اعتماد مادي.. ولكن ذلك جزء بسيط من الصورة. ما العامل المهم فهو أن هناك دائما اعتمادا عاطفيا. حتى حيث تفصل مسافة الشخص الكبير السن والشاب فالاعتماد العاطفي دائما موجود. فهو مثل تيار يجري بينهما. فالشاب بمجرد إدراكه لوجود الرجل الكبير السن يحس بعبء الشعور والغضب. وقد كانت تجربة السيد بليسنجتون الشخصية، في مواجهته لهذا المعضل المأساوي حافزا لبدء هذا العمل العظيم.
فقال تريدويل:
ـ تعني أنه حتى ولو لم يكن الشخص الكبير السن عائشا معنا، سيكون الأمر بهذه الشناعة بالنسبة لكارول ولى؟
فقال بروس:
ـ يبدو أنك تشك في ذلك. قل لي إذن، ما هو سبب تضايقك الآن؟
ففكر تريدويل قليلا ثم أجاب:
ـ أعتقد أنه راجع لوجود شخص ثالث معنا طول الوقت.. فبعد مدة من الزمن يصبح ذلك مصدر إثارة للأعصاب.
فلاحظ بروس قائلا:
ـ ولكن ابنتك عاشت معكما كشخص ثالث أكثر من عشرين سنة، إلا أنك لم تشعر بنفس الشعور نحوها.
فقال تريدويل محتجا:
ـ ولكن ذلك يختلف.. الطفل متعة فأنت معه وتراه ينمو ويترعرع..
فقاطعه بروس:
ـ قف ثم بالضبط! الآن أصبت الهدف.. فطيلة السنوات التي عاشتها طفلتك معكما كنتما تتمتعان بالنظر إليها وهي تنمو تتفتح مثل نبات رائع لتصبح مخلوقا بالغا.. ولكن الرجل المسن في بيتكم الآن لا يمكن إلا أن يذبل ويضعف، ومشاهدة ذلك تلقى ظلا حزينا على حياتكما أليس كذلك؟
فأجاب تريدويل:
ـ أعتقد ذلك.
فقال بروس:
ـ وفي تلك الحالة، هل تعتقد أنه سيكون هناك فرق لو عاش في مكان آخر؟ هل ستكون أقل شعورا بذبوله وانهياره، وهو ينظر نحوك من بعيد.
فأجاب تريدويل:
ـ طبعا لا... فزوجتي كارول ربما لن تنام نصف الليل من القلق عليه وسيبقى في بالي طول الوقت بسببها. فذلك طبيعي، أليس كذلك؟
فقال بروس:
ـ حقا.. بكل تاكيد، ويسرني أن أقول لك أن تعرفك على تلك الحقيقة هو تمام الخطوة الثالثة من طريقة (بليسنجتون). فأنت الآن تدرك أن المشكلة ليست في حضور الشخص المسن، ولكن في وجوده.
فزم تريدويل شفتيه قائلا:
ـ لا يعجبني وقع كلامك هكذا.
فسأل بروس:
ـ لماذا؟ إنه فقط تقرير للواقع، أليس كذلك؟
فقال تريدويل:
ـ ربما، ولكن في باطنه شيء يترك في الفم طعما رديئا. فهو كما لو قلت إن الوسيلة الوحيدة لحل مشكلتي أنا وكارول هي موت الرجل.
فقال بروس متأثرا:
ـ نعم.. فهو كما لو قلت ذلك.
فقال تريدويل:
ـ إذن لا يعجبني.. إطلاقا. فالتفكير في أن يرغب الواحد في موت شخص ما يجعله يحس بأنه إنسان شرير. وحسب ما أعلم فذلك لم يقتل بعد أحد أبدا.
فابتسم بروس وقال بلطف:
ـ صحيح؟
وتأمل الرجلان بعضهما في صمت. ثم سحب تريدويل منديلا من جيبه بأصابع هادئة ولمس به جبينه. وقال:
ـ أنت إما مجنون أو لاعب مقالب. وعلى كل حال فأنا أريدك أن تخرج من هنا. وقد أعذر من أنذر.
فقال بروس بوجه كله عطف واهتمام:
ـ سيد تريدويل، ألا تدرك أنك كنت قاب قوسين من الخطوة الرابعة، ألا ترى كم كنت قريبا من حل مشكلتك؟
فأشار تريدويل للباب قائلا:
ـ أخرج، قبل أن أدعو الشرطة.
فتغير التعبير على وجه بروس من الاهتمام إلى الاشمئزاز، وقال:
ـ لا تكن عجولا يا سيد تريدويل. فأنت لا تعتقد أن أحدا سيصدق شيئا مما يمكن أن تطبخه من قصص وأحاجي عما دار بيننا أرجوك أن تفكر في الموضوع بعناية قبل أن تقوم بأي عمل متسرع، الآن أو فيما بعد. فمجرد ذكر موضوع حديثنا سيجلب لك المتاعب أنت وحدك! وصدقني. وسوف اترك لك بطاقتي، وفي أي وقت شئت مقابلتي سأكون على استعداد لخدمتك.
فسأل تريدويل وقد امتقع وجهه:
ـ ولماذا سأحتاج إليك؟
فقال بروس:
ـ هناك أسباب عدة، ولكن واحدا هو أهمها.
وجمع أوراقه وتوجه نحو الباب ثم التفت ليقول:
ـ تذكر هذا. كل من خطا الخطوات الثلاث الأولى في طريق بليسنجتون لابد أن يخطو الخطوة الرابعة. وقد حققت تقدما ملحوظا في وقت قصير وقريبا تطلب مقابلتي.
فقال تريدويل:
ـ سأراك في جهنم قبل أن أفعل ذلك.
ورغم هذا الوداع فقد عانى تريدويل كثيرا في المدة التي تلته. فقد صعب عليه نسيان طريق بليسنجتون بعد أن علم بها. بدأت تفرض عليه أفكار كان يجد من العسير إخراجها من دماغه كما أنها لونت نظرته إلى علاقته بوالد زوجته بلون منفر، فلم يعد يراه إلا حجر عثرة في طريقه، وكل ما كان يقوله أو يفعله اخذ يبدو له وكأنه يقصد منه مضايقته. أما ما أثار غيظه الشديد فهو تفكير في هذا العجوز الطفيلي وهو يثرثر متحمسا بأسرار بيته الخاصة للغرباء والمخبرين المأجورين الذين لا شغل لهم إلا غ ثارة المتاعب. ولم يشفع للعجوز عند زوج ابنته أنه لم يكن يعرف انه يتحدث إلى مخبرين.
وفي مدى بضعة أيام كاد تريدويل، الذي يفتخر بانه رجل أعمال متزن عاقل، أن يعترف بأنه في موقف سيء فقد بدأ يرى علائم مؤامرة هائلة على كل وجه. وأخذ يتصور مئات، بل آلاف المخبرين مثل بروس يتزاحمون على مكاتب مكتبه في جميع أنحاء البلاد. وكان يحس بالعرق باردا ينضح به جبينه للفكرة.
ولكنه قال لنفسه إن الموضوع بأسره مجرد أمر خيالي بعيد عن الواقع. واستطاع أن يثبت ذلك لنفسه بمراجعة المناقشة التي دارت بينه وبين بروس. فعل ذلك عشرات المرات. فقد كان الأمر مجرد نظرة موضوعية إلى مشكلة اجتماعية. فهل قيل شيء يخجل من مواجهته إنسان ذكي أبدا فإذا كان قد استنتج بعض النتائج المزعجة فلأن الأفكار كانت فعلا في ذهنه تبحث عن مخرج.
وشعر بارتياح كبير حين قرر أخيرا أن يقوم بزيارة لجمعية علم الشيخوخة. كان يعرف ما سيجد هناك. غرفة قذرة أو غرفتين وكاتبين تافهي الأجرة، ورائحة أثاث قديم تنبئ بالفقر المدقع.
ذهب يبحث عن المكان مقتنعا بهذه الفكرة حتى كان يجتاز العمارة ناطحة السحاب المبنية بزجاج والألومنيوم التي كان على عنوان الجمعية. فدخل مندهشا أحد المصاعد الناعمة ليخرج منه إلى غرفة استقبال الإدارة المركزية للجمعية. وكان مايزال مأخوذا بما حوله حين قادته شابة ممشوقة القوام داخل متاهة طويلة من الممرات والغرف المكسوة بالزرابي، وقابل عددا آخر من البنات الجميلات وعددا أكبر من الشباب القوي، ورأى صفوفا من الآلات الإليكترونية الصقلية تدق أو تهمس في مرح آلي، وجبالا من البطاقات الشخصية المصنوعة من الصلب اللماع.. يضيء ذلك كله انعكاس الإنارة غير المباشرة. حتى أدخل أخيرا على بروس وأقفل الباب من خلفه.
فقال بروس مستمرئا أمارت الدهشة والانبهار البادية على وجه (بريدويل):
ـ شيء باهر، أليس كذلك؟
فرد تريدويل في عجب:
ـ باهر فقط؟ لم أر في حياتي شيئا مثله. قيمته لا تقل عن عشرة ملايين دولار.
فقال بروس:
ـ ولماذا لا؟ فالعلم يعمل ليل نهار مثل (فرانكستاين) لإطالة العمر إلى حد يتجاوز المعقول. ففي البلد الآن أربعة عشر مليون شخص فوق سن الستين. وفي ظرف عشرين سنة سيصبح عددهم واحدا وعشرين مليونا. وبعد ذلك لا أحد يستطيع التكهن بالرقم الذي سيبلغونه. ولكن هناك ما يدعو للتفاؤل، فكل شخص مسن يحيط به جماعة من الشباب المنخرطين في جمعيتنا. ومع ارتفاع المد، نزهر نحن ونقوى لنقدر على مواجهته.
وشعر تريدويل بتيار بارد من الرعب يتسرب إليه، فسأل:
ـ الأمر صحيح إذن، أليس كذلك؟
فقال بروس:
ـ عفوا؟
فشرح تريدويل بعنف:
ـ طريقة ليسنجنون هذه التي تتكلم عنها دائما ما هي إلا وسيلة للتخلص من العجزة فقال بروس:
ـ صحيح، تلك هي الفكرة بالضبط. ولم يعبر عنها بأحسن من ذلك حتى السيد بليسنجتون نفسه فأنت ماهر في استعمال الكلمات. وأنا عجب دائما بالرجل الذي يدخل في صلب الموضوع مباشرة، وبدون حشو عاطفي.
فقال تريدويل غير مصدق ما يسمع:
ـ لن تفلتوا من قبضة القانون. فهل تعتقد أنك قادر على الإفلات؟
فأشار بروس إلى ما وراء الباب من نشاط قائلا:
ـ أليس ذلك دليلا كافيا على نجاح الجمعية.
فسأل تريدويل متحديا:
ولكن أولئك جميعا، هل يعرفون ماذا يجري؟
فرد بروس:
ـ مثل جميع المتسخدمين المدربين جيدا، فهم لا يعرفون إلا إلا اختصاصاتهم إما ما نناقشه أنا وأنت الآن فيعد من الاختصاصات العليا.
فانخفضت كتفا تريدويل وهو يقول:
ـ مستحيل.. لا يمكن أن يكون
فقال بروس بحنان:
ـ دع عنك بحنان:
ـ دع عنك هذا.. ولا تترك الأشياء تبهرك أو تغلب عليك. ففي ظني أن أشد ما يقلقك هو ما يسميه بليسنجتون أحيانا أحيانا (بعامل السلامة)  ولكن أنظر إلى الموضوع من هذه الزاوية: أليس من الطبيعي جدا أن يموت العجزة؟ إذن جمعيتنا تضمن أن تبدو الموت طبيعة جدا. فالبحث نادر، ولم تسبب لنا حالة ما أية متاعب. وأكثر من ذلك، ستتعجب من عدد الأسماء الموجودة على لوائح زبنائنا فيما شخصيات سياسية ومالية كبيرة. وكلهم يمكن أن يقدم شهادات وضاءة على كفاءتنا. ونذكر أن هؤلاء الزبناء المهيمن يحمون جمعيتنا من كل من يحاول مهاجمتنا. وأن هذه الحماية تمتد إلى كل من يحاول مهاجمتنا. وأن هذه الحماية تمتد إلى كل زبون من زبنائنا، بما فيهم أنت، إذا رأيت أن تضع طلبك بين أيدينا.
فقال تريدويل محتجا في يأس:
ـ ولكن لا حق لي، حتى ولو أردت ذلك. فمن أنا لأسوي المشاكل بهذه الطريقة؟
فمال عليه بروس قائلا:
ـ آها! ولكنك ترغب في تسوية الأمور؟
فقال تريدويل:
ـ ليس بهذه الطريقة.
فسأل بروس:
ـ هل تقترح أية طريقة أخرى.
فسكت تريديول.
فقال بروس راضيا:
ـ رأيت؟ جمعية علم الشيخوخة تعطي الحل العملي الوحيد للمشكل فهل ماتزال ترفضه يا سيد تريدويل؟
فقال هذا بعناد:
ـ لا أراه حلا.. فليس عدلا.
فسأل بروس:
ـ هل أنت متأكد من ذلك؟
فرد تريدويل بحدة:
فرد تريدويل بحدة:
ـ طبعا. هل ستقول لي أنه من العدل أن يخرج الإنسان لقتل الناس لمجرد أنهم كبار السن؟
فرد بروس:
ـ ذلك ما أقوله بالضبط. وأريدك أن تنظر إلى الموضوع من هذه الزاوية. نحن نعيش اليوم في عالم من التقدم، عالم المنتجين والمستهلكين، وكلهم يبذل قصارى جهده لتحسين حال المجموع والعجزة ليسوا منتجين ولا مستهلكين. فهم عراقيل فقط في طريق التقدم. فإذا أردنا أن نلقي نظرة عاطفة على الماضي الغابر فقد نجد أنهم كانوا يقومون بمهمة. إذ حين كان يذهب الشبان لحرث الحقول يبقى العجزة للقيام بأعمال البيت. ولكن حتى ذلك العمل لم تعد الحاجة إليه اليوم. فعندنا مائة اختراع للقيام به، وهي أرخص بكثير. فهل تجادل في ذلك؟
فرد تريدويل بعناد:
ـ لا أدري.. فأنت تقول بأن الناس مجرد آلات وأنا أخالفك في ذلك.
ـ يا إلهي! لا تقل أنك تراهم شيئا غير ذلك.
طبعا نحن آلات، كلنا.. آلات فريدة من نوعها ورائعة.. ذلك شيء مسلم به، ولكن آلات ليس إلا انظر إلى العالم حولك، فهو كائن حي شاسع الأطراف مكون من أجزاء يمكن استبدالها، وكلها تعمل لتنتج وتستهلك، تنتج وتستهلك حتى تبلى.. فهل ينبغي الإبقاء على القطعة البالية في مكانها؟ طبعا لا يجب أن يلقى بها جانبا حتى لا يتعثر الكائن الحي.. فالمهم هو الكائن الأشمل لا أجزاؤه الفردية ألا نستطيع فهم ذلك؟
فقال تريدويل مترددا:
ـ لا أدري.. لم أفكر في ذلك قط بهذه الطريقة ومن الصعب هضمه مرة واحدة.
فقال بروس:
ـ أعرف ذلك يا سيد تريدويل. ولكنه جزء من طرقة بليسنجتون القاضية بأن يقدر كل مشترك القيمة العظمى لمساهمته من جميع الوجوه ليس فقط فيما يعود عليه هو وحده بالنفع، بل وعلى الكائن الاجتماعي بأسره. وحين يوقع التزاما لجمعيتنا فهو بذلك يقوم بأنبل عمل في حياته..
فاستفسر تريدويل:
ـ التزام أي التزام؟
فأخرج بروس ورقة مطبوعة من درجه ووضعها أمام تريدويل بعناية ليقرأها. وحين قراها هذا انتصب في مكانه قائلا:
ـ تقولون هنا بأنني أتعهد بأن أدفع لكم ألفي دولار في مدى شهر من الآن، وأنت لم تقل لي شيئا عن هذا المبلغ من قبل.
فأجاب بروس:
ـ لم تكن هناك مناسبة لذكر موضوع المال من قبل. وقد درست اللجنة المالية حالتك المادية فوجدت أنك قادر على دفع هذا المبلغ دون مشقة أو عناء.
فرد تريدويل:
ـ ماذا تعني بمشقة؟ فألفا دولار مبلغ كبير كيفما نظرت إليه.
فهز بروس كتفيه قائلا:
ـ كل التزام يرتب حسب قدرة المشترك على الدفع وتذكر أن ما يبدو غاليا بالنسبة إليك، قد يبدو رخيصا بالنسبة لكثير ممن تعاملت معهم من المشتركين. فسأل تريدويل:
ـ وماذا سينالني من ذلك؟
أفرد بروس:
ـ داخل شهر من توقيعك الالتزام سيتم التخلص من مسألة حميك. وبعد ذلك مباشرة عليك أن تدفع المبلغ المتفق عليه بكامله. وسيوضع اسمك على لائحة مشتريكنا، وينتهي الأمر عند ذلك.
ـ فقال تريدويل:
ـ لا أحب فكر وضع اسمي في أي شيء.
فرد بروس:
ـ اقدر ذلك، ولكن دعني أذكرك بأن مساهمتك لجمعيتنا الإحسانية هذه معفاة من الضريبة.
فوضع تريدويل أصابع برفق على الورقة وسأل:
ـ والآن، لنفرض جدلا فقط، أن أحد وقع التزام كهذا ولم يدفع المبلغ. أعتقد أنكم تعرفون أن التزام كهذا لا يمكن استخلاصه بمساعدة القانون.
فابتسم بروس وقال:
ـ وأعرف أن عددا من الشركات لا تستطيع استخلاص التزامات لها على أفراد وقعوها عن حسن نية ولكن جمعية علم الشيخوخة لم تصادف تلك الصعوبة أبدا. فنحن نتجنب ذلك بتذكير مشتركينا بأن الشبان قد يموتون فجأة كالكبار، إذا هم تصرفوا بطيش..
ومد الورقة نحوه قائلا:
ـ لا، لا، إمضاؤك في أسفل الورقة يكفي.
وحين تم العثور على حمى تريدويل غارقا قرب ميناء شرق (سكونسيت) بعد ثلاثة أسابيع على أنه حادث غرق، فقد كان الرجل العجوز يصطاد باستمرار هناك رغم أن السلطات المحلية كررت له مرارا انه لا توجد اسماك تذكر في ذلك المكان.
وقام تريدويل نفسه بترتيب جنازة فاخرة. أثناء الجنازة خطرت له (الفكرة) أولا. كانت مجرد فكرة عابرة مكدرة، ولكنها كانت كافية لجعله يتعثر على درجة في مدخل الكنيسة. ونظرا لاختلاط الموقف فلم يكن صعبا عليه نسيانها في تلك اللحظة.
وبعد بضعة أيام حين عاد إلى مكتبه المألوف عادت (الفكرة) فحجأة إليه. وهذه المرة لم يكن من السهل إهمالها. فقد بدأت تكبر بالتدريج في رأسه حتى ملأت عليه ساعات يقظته، وأصبح نومه سلسلة من الكوابيس المفزعة.
ولم يكن هناك إلا شخص واحد يستطيع توضيح المسألة له، فذهب إلى جمعية الشيخوخة يحترق قلقا لمعرفة جواب بروس، ولم يكن واعيا بعملية تسليم شيكه لبرونس. وإدخال الوصل في جيبه، فقد كان يسأله بلهفة:
ـ هناك شيء يقلقني. وسوف أخبرك به دون مقدمات. هل تذكر ما قلته لي عن عدد العجزة الذين سيكونون على قيد الحياة بعد عشرين سنة من الآن؟
فر بروس: طبعا.
ففتح تريدويل ياقة عنقه ليخفف الضغط على حنجرته وقال:
ـ ألا ترى أنني سأكون واحدا منهم؟
فأجاب بروس:
ـ إذا اعتنيت بنفسك بشكل معقول، فلا سبب يمنعك من أن تكون منهم.
فقال تريدويل:
ـ أنت لا تفهم قصدي. فسأكون حينئذ في حال دائم من القلق خشية أن يأتي أحد من جمعيتكم ليضع نفس الأفكار في رأس ابنتي وصهري. شيء فظيع أن يقضي الإنسان بقية حياته في قلق مستمر.
فحرك بروس رأسه ببطء نافيا وقال:
ـ لا يجب أن يخطر ذلك ببالك يا سيد تردويل.
فأجاب تريدويل: لماذا لا؟
فقال بروس:
ـ فكر في ابنتك.. هل أنت تفكر فيها.
فقال تريدويل: نعم.
ـ هل تراها كطفلة صغيرة عزيزة تصب عليك حبها مقابل حبك لها؟ وهل تراها كفتاة ناضجة تجتاز عتبة الزواج دائما حريصة على زيارتك وإشعارك بعطفها عليك؟
فقال تريدويل: أعرف ذلك.
فقال بروس:
ـ وهل ترى بعين عقلك ذلك الشاب الطيب الذي هو زوجها: هل تشعر بدفء مصافحته وهو يستقبلك هل تعرف مقدار امتنانه لك بمساعداتك المالية المستمرة له.
فقال تريدويل: أعتقد.
فقال بروس:
ـ والآن، هل تستطيع أن تتخيل أن أيا من هذين الشابين الحنونين يستطيع أن يفعل شيئا ـ أبسط شيء ـ لإذايتك.
وبمعجزة انحلت عقدة حلق تريدويل، وذاب البرد الذي كان يغلق قلبه. وقال باقتناع.
ـ لا.. لا أستطيع تصور ذلك.
فمال بروس بكرسيه إلى الوراء وابتسم بحنان الحكماء وقال:
ـ هائل! تمسك الآن بهذا الشعور يا سيد تريدويل واحفظه قريبا من قلبك في جميع الأوقات.. فسوف يكون عزاؤك حتى النهاية.
(يدق جرس الباب ـ أصوات حذاء نسوي ـ قفل الباب يفتح:
كارول: (بترحيب) محمد؟ أهلا.. مرحبا.. أدخل.. تفضل..
محمد: شكرا..
(يدخلان تقفل الباب)
كارول: (منادية زوجها جون تريدويل) جون إنزل لترى من هنا؟
جون: (تريديول من فوق): من؟
جون: أنا نازل حالا..
كارول: لمحمد ادخل.. وارتح، في غرفة الجلوس
حتى ينزل جون. كيف حالك؟
محمد: أنا بخير.. وشكرا.. (وقفة قصيرة) دعيني أولا أعزيك في وفاة والدك العزيز.. أنا لم أعرف إلا مؤخرا.. وإلا كنت حضرت الجنازة..
كارول: (متأثرة) أشكرك يا محمد.. كان موته مفاجأة للجميع.. لم يمرض ويلزم الفراش حتى نستعد للحادث الأليم.
جون: (ينزل السلم الخشبي يدخل عليهم): محمد أهلا. مرحبا بك..
محمد: كيف حالك يا جون؟
جون: أنا بخير.. لم نرك مدة طويلة أين كنت تخبئ نفسك؟
محمد: (معتذرا) بين دفات الكتب ومنصات المحاضرات جامعاتكم متعبة.
جون: (يضحك) حياتنا كلها تعب.
محمد: أنا آسف أنني لم أحضر الجنازة. كان والد كارول عزيزا علي..
كارول: وكنت أنت الآخر عزيزا عليه.. كان دائما يسأل عنك.. (وقفة) أجلسا.. ماذا تشربان؟
جون: (سائلا محمد) محمد، ماذا تشرب؟
محمد: قهوة، إذا لم يكن فيها تعب..
كارول: لا تعب الإطلاق.. جون.
جون: نفس الشيء..
كارول: (تذهب)
محمد: لم أعلم بالحادث إلا بعد الجنازة وكان بودي لو حضرتها.. فأنا أعتبر نفسي طرفا من العائلة.
جون: ونحن نعتبرك كذلك.. وخصوصا الراحل العزيز.
محمد: ولكن كيف وقع الحادث؟
جون: لا أحد يدري.. وحسب تقرير الشرطة، فهو حادث غرق عادي فقد كان، كما تعرف، مولعا بالصيد على رصيف الميناء.. وقد سبق لرجال الشرطة أن حذروه من الصيد في ذلك المكان الخالي وحده، وخصوصا وأنه لا توجد به أية أسماك..
كارول: تدخل بصينية عليها أدوات القهوة تضعها فوق المائدة وتقعد، أثناء حديث جون.. تحرك القهوة وتناول فنجانا لمحمد..
كارول: محمد.. تفضل..
محمد: يتناول الفنجان (شكرا).
جون: شكرا يا عزيزتي..
كارول: كان المرحوم يحب الحديث إلى محمد، وكان يقعدان للعب الضامة وتبادل الأحاديث الساعات الطويلة في عطلة آخر الأسبوع..
جون: فعلا.. كان حديثهما يثير فضولي (لمحمد) عماذا كنتما تتحدثان؟
محمد: كان المرحوم شديد الشغف بمعرفة عادات وتقاليد الأمم الأخرى.. وكان يمطرني بالأسئلة عن كل ما يتعلق بذلك في بلادي ـ وخصوصا أنه زارها أثناء الحرب..
كارول: لابد أن فلسفة الشرق أثرت عليه كثيرا من خلال ما كان يسمع منك.. فقد كان دائما يكرر أن الغرب أصلح للشباب، أما الشرق فهو جنة الشيوخ..
جون: يا ترى ماذا كان يعني بذلك؟
محمد: (مفكرا) أعتقد أنه كان يفكر في حديث دار بيننا عن حياتكم العائلية.. فقد أبديت أنا له ملاحظة على سبيل المقارنة بين الحياة هنا في أميركا والحياة في بلادي.. قلت له هذه أول دار أمريكية عرفتها تطبق إحدى قيم الشرق الإنسانية.. وهي احترام كبار السن، وإسكانهم في نفس الدار مع العائلة.. الأمر الذي لا أعتقد انه يتوفر في كثير من البيوت هنا.. وحكيت له عن كيف نعامل شيوخنا وجداتنا، وكيف أنهم يكونون طرفا مهما من كيان العائلة.. وكيف أننا نستشيرهم في شؤون الحياة لطول تجربتهم وما إلى ذلك فكان يعجبه كلامي..
كارول: فعلا.. وقد كان يتأسف حين لا تحضر في بعض الآحاد..
محمد: أعتقد أنها ذبابة الغرب عضتني. فبدأت أعطي للوقت أهمية لا يستحقها (يضحكون).
كارول: (متذكرة) كانت هناك كلمة سر بينكما هي الزربية كنتما تضحكان لها كلما ذكرت.. فماذا تعني؟ حاولت مرارا معرفتها منه فلم أفلح..
محمد: (ضاحكا) حكاية الزربية؟ هي حكاية من فلكلور الأطلس المغربي، تعطى كمثل للبر بالوالدين وملخصها أن رجلا تضايق من وجود والده العجوز معه في نفس الدار، فطلب من ابنه أن يلفه في زربية قديمة ويرمي به في النهر.. وذهب الابن فجاء بمقص وجلس يشطر الزربية شطرين، فسأله أبوه ماذا تفعل؟ فقال: سألف جدي في نصفها وأحتفظ بالنصف الآخر ليلفك فيه إبني. فصعق الرجل العاق، وأبقى على حياة جده، وأخذ يعامله كما يتمنى أن يعامله أبناؤه هو حين يكبر ويهرم.
كارول: (تضحك) والله إنها لقصة عجيبة.. ينبغي أن تدرج في كتب أطفالنا في المدارس.. أليس كذلك، يا جون؟
جون: أخشى أنه فات الأوان فقد طغت المادية على الناس لدرجة أنستهم الإنسانية والأخلاق..

الأستاذ مولاي عبد الواحد العلوي عميد كلية الشريعة في ذمة الله
انتقل إلى عفو الله صبيحة يوم الاثنين 18 جمادى الثانية 1397 موافق 6 يونيو 1977 الأستاذ العلامة الشريف مولاي عبد الواحد العلوي عميد كلية الشريعة بجامعة القرويين ورئيس المجلس العلمي بفاس العاصمة العلمية للمملكة.
وكان الفقيد قد اعتذر عن حضور المؤتمر السادس لرابطة علماء المغربي المنعقد أخيرا بأكادير بسبب المرض الذي كان يشكو منه وترك غيابه بين زملائه السادة العلماء فراغا شعر به الجميع.
والفقيد من الرعيل الأول الذي ضحى أعظم التضحية في سبيل إثبات القيم الإسلامية الخالدة والحرص على الأصالة المغربية المؤمنة والوقوف في وجه أعداء الإسلام والعروبة والعرش العلوي المجيد طيلة عهد الحماية البغيض. ونال الفقيد شرف الجهاد وراء أبي المغاربة وبطل التحرير والاستقلال جلالة المغفور له الملك محمد الخامس طيب الله ثراه، وكانت له مواقف مشرفة على الصعيدين الوطني الإسلامي والفكري والثقافي بحيث يعتبر ـ رحمة الله ـ من طليعة رواد السلفية والوطنية والثقافة الإسلامية العربية في المغرب الحديث.
وقد عرفت كلية الشريعة على يده تقدما ملحوظا وارتفاعا في نسبة الخريجين كل سنة. كما كان سباقا دائما إلى تأييد الخطوات الإيجابية لجلالة الملك الحسن الثاني نصره الله سواء في أيام التعبئة الجماعية من أجل تحرير الصحراء أو زمن المسيرة الخضراء المظفرة وشتى المواقف الوطنية التي كان يسارع فيها إلى التعبير عن حنكته وحصافته كاعالم عامل ومثقف إسلامي مجاهد ورائد من رواد التعليم والفكر في بلادنا.
رحم الله الأستاذ مولاي عبد الواحد العلوي رحمة واسعة جزاء ما قدم للإسلام والوطن والعرش من خدمات جليلة وأياد بيضاء.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here