islamaumaroc

الشورى والفكر

  دعوة الحق

177 العدد

دخل المغرب مرحلة جديدة من تاريخه المعاصر بالأحداث الحاسمة التي ابتدأت بالمسيرة الخضراء وانتهت اليوم باستكمال عناصر الديمقراطية بعد انتخاب البرلمان الجديد. ويتهيأ الشعب لخوض المعركة المقبلة في ظروف مواتية ومناخ صحي لمواصلة البناء الاقتصادي على هدى الاختيارات المستمدة من تعاليم القرآن استئنافا لدورنا التاريخي واستمرار في الطريق الذي اخترناه عن اقتناع ويقين وتطلعا إلى إقامة المجتمع الإسلامي بالعلم والإيمان.
لقد استغرقتنا معارك التحرير والوحدة وشغلتنا بالصراعات الشاقة التي خضناها مع جبهات الإرهاب الدولي المستتر وراء الواجهات الإيديولوجية الخادعة. وصرفتنا شواغل ومشاكل السيادة عن مسؤولية البناء التقليدي للكيان الديمقراطي، وإن لم يؤثر ذلك على إيماننا بمعطيات الدستور أو ينال من حماستنا وعزمنا وإرادتنا.
وعلى الرغم من ضراوة المعركة وشراسة التحديات التي واجهناها من الأشقاء والأصدقاء على السواء فلم نعمد قط إلى الإجراءات الاستثنائية وفرض الديكتاتورية والإرهاب بحجة أو بأخرى، ولم نقف تيار الحرية المتدفق بدعوى من هذه الدعاوي التي يتعلل بها أنصار الاستبداد لقهر الشعوب، مع ما كان يخوله لنا القانون من إسكات كل صوت يعلو فوق صوت المعركة، وهو منطق وجيه ومتفق عليه ولا يثير أية شبهة. وظلت الحرية الطابع المميز للحياة السياسية والأجواء الفكرية؛ واستمرت الأحزاب والنقابات قائمة تمارس نشاطاتها في وضح النهار، واستمرت الصحافة تكتب وتنتقد، والكتب تنشر، والندوات والمحاضرات تقام، والتجمعات واللقاءات تنظم في جو منفتح آثار إعجاب الصحافة العالمية أن  لم نقل آثار خوفها. ولذلك لا يصح القول أن الديمقراطية انتكست أو توقفت وتستأنف اليوم مسيرتها. ذلك أن المغرب لم يحد قط عن طريق الشورى والديمقراطية الإسلامية  طيلة عهود التاريخ. وحتى قبل إقرار الدستور الجديد للمملكة كانت البلاد تسير وفق سياسة رشيدة تقوم على التعاون والتشاور وتبعد أشد البعد عن الإكراه والإرهاب والقهر والاستبداد والحجر على الأفكار. واستمر التطور الاجتماعي في تصاعد مطرد، ولم يعرف المغرب في عهد من عهوده حالة واحدة من حالات «فقر الدم السياسي» التي يختفي فيها القانون بصفة رسمية ويرتع فيها الظلم وتمتهن كرامة الإنسان وتنتهك الحرمات التي أوصى الله أن تصان على النحو الذي عانت منه شعوب كثيرة في المشرق والمغرب.
وليس صحيحا أن المرحلة الديمقراطية الراهنة هي تجربة جديدة، لأننا في هذه الحالة نقرن المغرب بالدول حديثة العهد بالحكم وتسيير شؤونها بنفسها، كما هو الشأن مثلا ببعض الدول الإفريقية، ولكن الصحيح أننا أعطينا نفسا جديدا لواقع قائم ولم يرتفع قط، وجددنا الحيوية والحماس والعزم على المضي في الطريق ذاته. بمعنى أن ما يتم اليوم في المغرب تقنين للديمقراطية وليس إقرارا لها من لا شيء. وهذا هو منطق الاختلاف بين تاريخنا وبين تاريخ كثير من البلاد النامية بالمفهوم الاقتصادي للمصطلح، لا بالمفهوم الإيديولوجي والحضاري والفكري.
ومنذ أن قامت الدولة المغربي وشعبنا يتشبث بالشورى تشبثه باسباب الكرامة و عوامل العزة ،ويتعلق بالاستقلال تعلقه بالقيم والمقدسات ،وينزع الى الحرية نزوعه الى الحياة ،فما قهر ولا اهين ،وما استكان ولا استسلم ،وكلما حاصرته الاطماع ازداد التفافا بالعرش،وارتباطا بالمقومات والمقدسات .واكسبه دلك صلابة ومناعة وحصانة ضد المؤثرات الخارجية.
وحينما وقعت الواقعة وفرضت عليه الحماية الاجنبية فرضا لم يرضخ للمستعمر،ولم يلق من يده السلاح الا بعد مرور اثنتين وعشرين سنة لا ليتنازل ويدعن لارادة المغتصب وانما ليبدأ معركة جديدة انطلقت أساسا من رحاب بيوت الله وعمت أنحاء البلاد من أقصى الصحراء الى البحر الابيض المتوسط .ثم عاد مرة أخرى الى السلاح ليبدأ مرحلة متميزة من المقاومة المسلحة استمرت في اقليم الصحراء وسيدي ايفني  الى ما بعد اعلان الاستقلال .وينشغل بمعارك وطنية على مستوى التنمية  والبناء والتشييد وينغمر فيها بقواه وطاقته دون أن يغفل لحظة واحدة أن وراءه مهامه شاقة عليه أن يتحمل تبعاتها ليستكمل الوحدة الترابية للمملكة .حتى اذا ما حانت ساعة العمل التحريري هبت عناصر منه الى السلاح لتواجه الاستعمار في الصحراء .وتطورت الاحداث تباعا لتنتهي بالمسيرة الخضراء ودخول عامل صاحب الجلالة الى الصحراء وسقوط آخر معقل صليبي وماركسي بجنوب المملكة .وتتوالى الجهود بعد دلك على جبهات سياسية ودبلوماسية الى أن حان الوقت الملائم لدخول المعركة الديمقراطية وظهورنا  معززة بالنصر العسكري والمكانة الدبلوماسية المرموقة بين دول العالم.
 فلم يعرف المغرب الفراغ. ولم تفقد الدولة زمام الأمر في لحظة من اللحظات أو تحت ظروف قاهرة حتى يقال اليوم أننا نبدأ المرحلة الديمقراطية من الصفر، فهذا القول يتعارض ـ على طول الخط ـ مع حقائق التاريخ ومنطق الأحداث وشهادات الواقع.
• فكيف ـ إذن ـ حافظ المغرب على كيانه المعنوي في ظل الضغوط الأجنبية ومؤامرات الخصوم وأطماع الأشقاء والأصدقاء؟
• ما السر في هذا الصمود الحضاري الذي يقل نظيره ـ إن لم نقل ينعدم بالمرة ـ في العالم المعاصر؟
إن الأمر لا يخرج عن قدرة الإنسان المغربي وطاقاته الذي كلما داهمه شر فزع إلى إسلامه وعرشه ولاذ بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها وأخذ بأقوى الأسباب إلى العزة والكرامة والثبات فلم يذب في كيان أجنبي، ولم يفقد هويته الحضارية حتى في اشد المراحل ظلاما وقتامة ويأسا.
وليس في الأمر ـ قبل هذا وذاك ـ أي نوع من التجريد المثالي كما يسارع البعض إلى اتهمانا كلما واجهناهم بهذه الحقائق. ولكن القضية قضية وعي راسخ وإيمان قوي أدتهما العقل والوجدان؛ الوعي المؤمن الحاضر اليقظ المتحفظ المتفاعل مع الواقع، والإيمان الواعي الحركي المتبصر الصادق الحي.
ولقد تمخض عن هذا التفاعل الإيجابي المؤثر رسوخ مبدأ الشورى واستقامة الخط الفكري وانفراد البلاد بمميزات وخصائص في الحياة السياسية والاجتماعية تعتبر في الواقع القاعدة الراسخة للصرخة الحضاري الشامخ الذي نستظل به تحت قيادة أمير المؤمنين الحسن الثاني.
• شورى قرآنية وديمقراطية إسلامية.
• وفكر أصيل يغذيها ويزكيها ويضبط مسارها ويكبح جماحها إن اقتضى الحال.
وإذا كان العدل أساس الملك فإن الشورى قاعدة العدل. وهما معا روح الإسلام وخلاصة مبادئه وتعاليمه. وهكذا يكون الإسلام المنطلق الأول لجميع المعارك التي يخوضها المغرب.
لقد قال جلالة الملك في خطاب افتتاح الحملة الانتخابية الأخيرة: «إن الشورى العمود الفقري للمجتمع الإسلامي». وبذلك اتضح الخط الفاصل بين الإسلام والإيديولوجيات اليهودية المتآمر ضد الإنسانية.
وإذا كان المجتمع الإسلامي يقوم أساسا على العقيدة والفكر والسلوك والتطبيق الرشيد والمتفتح للأصول الرئيسية المجتمع عليها، فإن للشور ى التي جرى مؤخرا تأطيرها في إطار البرلمان خلفية فكرية، بمعنى أن الفكر الإسلامي بمثابة بوصلة السير في طريق الشورى.
وهذا يكفي لتبيان الملامح المميزة للديمقراطية المغربية، فهي ليست شرقية ولا غربية، لأنه سواء في المعسكر الرأسمالي أو الشيوعي فشلت الديمقراطية وأوشكت أن تكون مجرد نظرية في الحكم تفتقد القابلية للتطبيق لفساد الإيديولوجية السائدة والعقيدة السياسية المستبدة بالإنسان.
والأمر في المغرب على خلاف ذلك تماما. باعتبار أن ديمقراطيتنا مستمدة من القرآن ومستوحاة من السنة ومستلهمة من تجارب أربعة عشر قرنا من الحضارة والسيادة الفكرية.
• وهكذا فإن المغرب المسلم ليس في حاجة إلى استيراد نظرية للحكم قابلة للخطأ والصواب. لأن الحكم ليس عملية كيماوية كما لا نحتاج أن نقول، ولكنه وعي وإيمان وإحساس بالمسؤولية وتفاعل مع الفكر والحياة.
الشورى ـ إذن ـ أصيلة في شعبنا، وضاربة في عمق مجتمعنا، لم نتخل عنها إطلاقا، ولم نستبدلها بالذي هو أدنى. والديمقراطية باعتبارها مصطلحا معاصرا لمفاهيم ومضامين الشورى الإسلامية ليست تجربة جديدة بالنسبة لنا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here