islamaumaroc

الثقافة المغربية والمفاهيم المستوردة

  دعوة الحق

176 العدد

شغل العقل العربي الإسلامي بالبحث في مدلول الثقافة وعلاقتها بالحضارة والعقيدة الإسلامية ردحا طويلا من الزمن. وخاض في هذا الموضوع أعلام الفكر والأدب في العالم العربي والإسلامي كل من وجهة نظره وزاوية اختصاصه أنتجوا في هذا الميدان مآت الكتب وآلاف المقالات في كبريات المجلات العربية من «الفتح» و«الزهراء» و«الرسالة» و«الثقافة» إلى «الأديب» و«الآداب» و«الفكر المعاصر» و«المجلة» و«مواقف» و«المعرفة» و«دعوة الحق» التي سجلت اعدادها مناقشات ومعارك أدبية أثرت الحياة الفكرية في المغرب بشهادة كبار المفكرين والكتاب العرب من المشرق والمغرب. واستغرق النقاش والجدل حول مفهوم الثقافة نصف قرن أو يزيد إلى أن حلت بالأمة الإسلامية نكبة يونيو 1967 ففتر الحماس قليلا وانصرفت الأقلام إلى موضوعات سياسية وفكرية وحضارية، ولم نعد نقرأ فيما تصدره المطابع العربية بحثا في الموضوع. ولا يستثني من ذلك الوضع الثقافي في المغرب طيلة السنوات التي أعقبت النكسة.
وبتباين المفاهيم ووجهات النظر وانعكاس الصراع السياسي والمذهبي على قضايا الفكر والثقافة نتج خلط كبير، وتفاقمت الأزمة حتى لم يعد بإمكان الإنسان العربي المسلم أن يطمئن إلى اقتناع عقلي يحسم به الصراع حسما ويريح به ضميره. وطرح السؤال الكبير الذي لايزال موضع أخذ ورد إلى يومنا هذا:
• ما هي الخصائص المميزة لثقافتنا؟
وأحيانا كان يطرح السؤال بصيغة أخرى:
• من نحن؟. وهل لنا ثقافة؟.
وبدا واضحا بادئ ذي بدء أن القضية ذات أبعاد عقائدية وسياسية خطيرة، وإنها تتعدى «الإطار الأدبي» الضيق المحدود إلى مجال أرحب وأشمل يستوعب الماضي والحاضر والمستقبل ويتغلغل في نسيج العقيدة وصلب الحضارة وقلب التراث وعمق المكونات النفسية والوجدانية والفكرية لأمتنا العربية الإسلامية.
وكان منتظرا أن ترتفع معاول الهدم والتخريب لبلبلة الأفكار والتشكيك في العقيدة وزرع الألغام في أذهان الأجيال الصاعدة في المدارس والمعاهد والجامعات، وارتفعت أصوات منكرة تلغي ـ دفعة واحدة ـ عامل العقيدة من الثقافة وتجردها تماما من مقوماتها الدينية لتجعل منها ثقافة بدائية تعتمد على أشكال من الفلكلور وألوان مما يدعونه «بالإبداع الشعبي» و«الخلق الفني» وكأن أربعة عشر قرنا من الحضارة أضغاث أحلام..
وشهدت الساحة الفكرية في طول وعرض الوطن العربي الإسلامي معارك حامية كان التأثير الأجنبي فيها غالبا وطاغيا ومستبدا إلى أقصى حدود الاستبداد. ورأينا عجبا: تواطؤ القوى الفكرية والإيديولوجية في وطننا الكبير ضد الثقافة العربية الإسلامية، وتكاثف جهودنا جميعا وبصور وأشكال مفضوحة ومكشوفة في معركة اعتبروها مقدسة للإجهاز على الفكر الإسلامي بأسلحة التشكيك والتضليل والافتراء والكذب والادعاء والتزوير والتشويه وقبل هذا وذاك بالإرهاب الفكري والإعلامي المكثف والموازي للضغط السياسي والاقتصادي الرهيب.
وفي فترات متقاربة تحركت كل الجبهات المعادية للإسلام. بدأ التحرك أولا بالجبهة الصليبية التبشيرية من العشرينات إلى الخمسينات، ثم انتقل لواء الحرب إلى الجبهة الشيوعية الماركسية، ثم اقتضى تكتيك الغزو أن تتحالف الجبهتان بإيعاز من الصهيونية العالمية بغية اختصار المسافة والاقتصاد في «نفقات الإبادة»..
وهي المرحلة الراهنة التي نمر بها الآن: عدوان من كل جانب، وغزو بكل سلاح، وتآمر من كل لون حتى ان اتخذ شكلا ثقافيا، أو اصطبغ بصبغة أدبية، أو اكتسى طابعا إعلاميا محضا.
ومن الخطأ التقليل من شأن المعركة الثقافية الدائرة اليوم في العالم العربي والإسلامي أو الاستهانة بها، أو النظر إليها من زاوية ثقافية بالمفهوم الحرفي للثقافة. ذلك أن هذه المعركة مظهر من مظاهر الغزو الفكري والاكتساح الثقافي والغارة المذهبية. وليس يعقل أن نغض الطرف عن ذلك كله في الوقت الذي أصبح وجودنا المعنوي مهددا حقيقة لا مجازا.
والقضية في عمقها وجوهرها تتصل اتصالا وثيقا بالصراع القائم بين الإسلام كعقيدة ونظام حياة متكامل وسلوك وشريعة وبين العقائد والايديولوجيات والأنظمة المناهضة للدين جملة وتفصيلا.
ومن هنا ننظر إلى ما يدعى «بغشكالية الثقافة المغربية المعاصرة».
* فمن أين تأتي هذه «الإشكالية» إذن؟
الواقع أن معالجة موضوع الثقافة المغربية المعاصرة تفقد كل أهمية إن لم تنطلق أساسا من الحقائق التاريخية والحضارية التالية:
أولا: «عروبة» الثقافة المغربية.
ثانيا: «عروبة» الثقافة المغربية.
ثالثا: «مغربية» الثقافة المغربية.
رابعا: «واقعية» الثقافة المغربية.
فمن حيث الحقيقة الأولى فلا أحد يستطيع أن ينكر بجرة قلن أو بفلتة لسان الخصائص الإسلامية الأصيلة، لثقافتنا بما يعني ذلك من اصطباغ هذه الثقافة بالصبغة الدينية التي تنفخ فيها روح الأصالة الحقة وتربطها بوجدان الشعب وتجعل منها ميزة من مميزاته القائمة الذات. ولسنا نعني بذلك أن نقصر الأمر كله على المسائل الفقهية والمصطلحات الدينية كما يفهم الغرب المصطلح الديني. بل على العكس من ذلك، فإن كل إنتاج حضاري أو أدبي (ولا نقول الخلق أو الإبداع لأنهما من صفات الله سبحانه وتعالى) مهما كانت نوعية تعبيره وأسلوب أدائه يدخل في هذا المضمار. بما في ذلك فنون القول والمعمار والتعبير الشعبي عن الانفعالات الجماعية وردود الفعل تجاه الأحداث والكوارث والأزمات وقضايا الحياة من حرب وسلم، ونصر وهزيمة، ورخاء وشدة، وسراء وضراء، وصعود وهبوط في سلم الرقي الاجتماعي. وليس من طبيعة الإسلام أن يفصل بين جزئيات الحياة ويصنفها إلى مادي وروحي. فهذا المفهوم دخيل على ثقافتنا. ومن ثم ينبغي ألا نقع في المحظور فننظر إلى قضايانا الفكرية والثقافية من وجهة نظر باطلة من الأساس.
والغريب أن تلامذة الفكر الأوروبي في البلاد العربية والإسلامية يقبلون أن تكون الثقافة في الغرب رأسمالية أو ماركسية ـ تبعا لنظام الدولة واتجاهها الإيديولوجي ـ ويرفضون في نفس الوقت أن تكون ثقافتنا إسلامية. «كأن الإسلام خطبة في مسجد أو أمداح في ليلة مولد». في حين أن هذا الدين جاء ليهيمن على الحياة ويتحكم في مساراته ويخضع الإنسان لقبول حكمه ورأيه النافذ في جميع شؤونه وأحواله.
وهل يزعم أحد في دولة ماركسية ـ مثلا ـ على أن يجرد الثقافة السائدة هناك من صبغتها الماركسية؟
انه من باب تحصيل الحاصل أن تكون الثقافة في بلد ما خاضعة بالضرورة ـ وبالمنطق والعقل ـ للعقيدة والقيم والمفاهيم السائدة.
وبهذا المعيار فإن الثقافة المغربية إسلامية الروح والمضمون والمحتوى.. كان هذا في الماضي ونعيشه في الحاضر وينبغي أن يكون في المستقبل إن شاء الله. وهنا تتبلور رسالة المثقفين المغاربة، وفي طليعتهم حملة الفكرة الإسلامية ودعاتها والمبشرون بها.
* إن إنكار الروح الإسلامية للثقافة المغربية إلغاء لتاريخنا الحضاري بالمرة. وليس مما يتفق وطبائع الأشياء ادعاء ذلك أو مجرد التلويح به. لأن القول بهذه الفكرة يعتبر في الواقع تكريسا لجهود الاستعمار الذي كان يشيع في أوساطنا أننا أمة من الهمج لا تاريخ لها ولا حضارة ولا ثقافة.
ومن أشد الأمور إيلاما للنفس أن يروج مفكرون عرب لهذه الدعاوي الباطلة ويبثونها في المحافل الثقافية والتعليمية بشيء غير قليل من الحماس والجهد والصبر. وما دروا أنهم يخدمون مخططات الاستعمار العالمي من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
ولا يمكن أن نقبل في المغرب المسلم المجاهد الصامد هذه المفاهيم الدخيلة تماما كما لم نقبل بالأمس القريب تجزئة ترابنا وتفتيت وحدتنا. لأنه في منطق الوطنية المغربية الإسلامية سيان بين غزو الأرض وغزو الفكر، وبين تمزيق الوحدة الترابية، وبين تشطير الرأي العام المغربي إلى شطرين؛ شطر مؤمن بالمقدسات والمقومات والتراث، وشطر ثان منكر للقيم والثقافة والحضارة كلها. وثمة تلازم لا ينكر بين الحالتين باعتبار أن الحالة الأولى (غزو الأرض) تمهيد للحالة الثانية (غزو الفكر).
وبهذا الوضوح ننظر إلى قضية الثقافة المغربية المعاصرة دون أن نسمح لأنفسنا بالفصل بين الثقافة والعقيدة، أو بين الأدب والدين، أو بين اللغة والتراث، أو بين السياسة والفكر.
ولسنا وحدنا نمزج هذه المقومات كلها في إطار الإسلام، فإن خصوم ديننا من صليبيين وصهاينة وشيوعيين واستعماريين جدد يبذلون قصارى جهدهم للجمع بين هذه الأغراض جميعا في وحدة يزعمون أنها عضوية لا تقبل التجزئة أو التشتت، فإذا قالوا بالثقافة فهي ثقافة ماركسية ملحدة، وإذا قالوا بالأدب فهو أدب ماركسي ملحد، وإذا قالوا بالفن فهو ـ أيضا ـ فن ماركسي ملحد. وقل مثل ذلك عن المدرسة الليبرالية في الفكر والفن القائمة على التصورات الاغريقية للإنسان والحياة والكون.
• فهل النظرة الشمولية للثقافة حلال عليهم حرام علينا؟.
• أم يا تراه الإرهاب الفكري يسير في خط متواز مع الغزو العقائدي؟
وإذا انتقلنا إلى المرتكز الثاني من مرتكزات الثقافة المغربية وجدنا أنفسنا وجها لوجه أمام اللغة العربية باعتبارها وعاء الإسلام وقالبه. وهنا يدخل ذلك الصراع الخفي الذي يدور حول الفصحى والعامة أو بين التعريب والتغريب، أو على مستوى أقل تطرفا المناداة بتعديل قواعد النحو والتبشير بالبلاغة الجديدة وتجاوز البيان العربي المشرق بدعوى التخفيف من التقعر والتحرر من أثقال المحسنات البيانية. وهي كلها دعاوي يراد بها ـ بالدرجة الأولى ـ إحداث فجوة عميقة الغور بين الأجيال الصاعدة وبين فكرها وثقافتها وتراثها المدون باللغة العربية، حتى يحين على أمتنا زمن تترجم فيه «العربية» إلى العربية.
والحق أن الاستخفاف بالفصحى واحتقار الأسلوب العربي المبين ضرب من ضروب الحرب الشرسة الموجهة ضد الإسلام وثقافته.
وعلى هذا الأساس، وبهذا الاقتناع تكون الدعوة إلى تجريد الثقافة المغربية من طابعها الإسلامي والعربي مدخلا رئيسيا إلى تمييع الشخصية المغربية المؤمنة والإسهام في الغزو العالمي الذي يكتسح العالم العربي والإسلامي في هذه المرحلة.
واستمرارا في هذا الاتجاه، وقياسا على ما سبق ذكره فإن «مغربية» ثقافتنا ليست دعوة رجعية إلى الإقليمية الضيقة ولكنها تأكيد للسمات المحلية الأصيلة التي تبرز خصائص شعبنا المؤمن والمجاهد عبر العصور وتكشف ـ بالتالي، عن جوهره ونقائه ودوره في الحضارة العربية والإسلامية. ونحن هنا نختلف ـ على طول الخط ـ مع دعاة القومية المتحجرة المتناقضة مع شمولية الدعوة الإسلامية. ذلك أن طرح مبدأ «مغربية» ثقافتنا (ولا نقول مغربتها للفرق الأساسي بين الاصطلاحين) وجه من وجوه استقلال إرادتنا، وهو موقف لا بديل عنه في مواجهة دعوات الغزو الأوربي القائم أساسا على فكرة «الانفصام» من جهة ومبدأ «الانفصال» الاستعماري من جهة أخرى.
وبذلك تكتمل عناصر المعادلة ويرتع الالتباس..
• ويمكن أن نجزم الآن في يقين وإيمان أن الثقافة المغربية هي قطعا ثقافة إسلامية عربية وبمعنى آخر فإن من يتنكر لإسلامية وعروبة ثقافتنا التاريخية والمعاصرة والمستقبلية على سواء إنما يتنكر في الواقع، وبكل المقاييس، لذاته ولامته ولوطنه.
و«الإشكالية» المطروحة على بساط الدرس والتحليل والمناقشة نابعة أساسا من هذا التنكر.
ومن ثم، فإن القضية ـ كما رأينا ـ تكتسي طابعا إسلاميا محضا، على الرغم من خداع العناوين.
وهكذا فإن المعركة الثقافية من صميم المعركة الإسلامية الكبرى التي يخوضها المغرب بقيادة أمير المؤمنين جلالة الحسن الثاني أيده الله.
• معركة الأصالة وإثبات الذات...
• معركة بناء الاقتصاد والإنسان...
• معركة تحرير الأرض والعقل...
• ومعركة اليوم والغد تحت راية الإسلام ولواء العرش العلوي المجاهد..
المؤتمر السادس لرابطة علماء المغرب
ينعقد بمدينة أكادير أيام 6 – 7 – 8 ماي الجاري المؤتمر السادس لرابطة علماء المغرب. ومن المنتظر أن يدرس المؤتمر قضايا إسلامية واجتماعية متنوعة ويصدر توصيات هامة على الصعيدين الوطني والعربي الإسلامي.
ويتميز المؤتمر السادس بحضور وفود العلماء المغاربة من أقاليم الصحراء المسترجعة الذين كانوا فيما مضى يحرمون من حضور مثل هذه المؤتمرات الهامة.
ويأتي مؤتمر رابطة علماء المغرب في وقت أحوج ما تكون فيه الأمة الإسلامية إلى سماع كلمة الإسلام الصريحة الصادقة في شؤون حياتها المعاصرة.
«دعوة الحق» تحيي علماء المملكة في مؤتمرهم العام، وتتمنى لهم التوفيق والنجاح لخدمة الإسلام والمسلمين تحت راية العرش العلوي المجيد.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here