islamaumaroc

ملامح شخصية الحاج علي عواد

  دعوة الحق

176 العدد


مولده:
ولد المترجم بمدينة سلا عام ستين ومائتين وألف 1260 وهو الفقيه العلامة المحدث أحد كبار الأعلام الذين تزينت بهم الرتب والمنابر القاضي الجليل السيد الحاج علي بن العلامة القاضي السيد أحمد عواد. نشأ في بيت أصالة وعلم. وبيت آل عواد من البيوتات الشهيرة بمدينة سلا بعلو القدر وشرف الذكر تعدد فيهم العلماء والقضاة والخطباء والأيمة والعدول والأدباء، وأصلهم من قبيلة دكالة أحدى قبائل المغرب فرقة بني هلال استوطنوا مدينة سلا أيام الدولة السعدية.

مشيخته:
قرأ ببلده سلا القرآن العظيم على الفقيهين السيد محمد خضور والسيد محمد محبوبة والعلم على علمائه: صنوه العلامة القاضي السيد أبو بكر عواد والعلامة السيد محمد بن عبد العزيز محبوبة والعلامة السيد محمد التبال والعلامة السيد محمد مسطس والعلامة السيد محمد السدراتي والعلامة السيد أحمد الجدار. ثم قصد فاس أوائل شهر شوال عام ثمانية وسبعين ومائتين وألف 1278 ـ وسنه إذ ذاك ثمان عشرة سنة وتلقى العلم من شيوخه الأعلام ومنهم العلامة أبو عبد الله السيد الحاج محمد جنون والعلامة القاضي أبو عبد الله سيدي محمد بن مولانا عبد الرحمن العلوي والعلامة أبو العباس السيد أحمد بناني والعلامة سيدي أحمد بالحاج والإخوة العلماء الثلاثة أبو حفص وأبو عيسى وأبو العباس السوديون وغيرهم، وكل الشيوخ أجازه عامة ثم أخذ الطريقة الدرقاوية عن الشيخ الطيب الدرقاوي عن خليفة والده الشيخ أبي العباس سيدي احمد بن دحمان اليالصوتي الزروالي عن الشيخ العربي الدرقاوي كما أخذ الطريقة الناصرية عن الشيخ سيدي أحمد والده الشيخ سيدي أبي بكر إلى شيخ سيدي محمد بناصر الجعفاري الزينبي.
وقد أذناه بتلقين وردهما فكان يلقن ذلك وبعد أن ظهرت كفايته قفل إلى مسقط رأسه ورشح للعدالة والتدريس والإفتاء بفقه متأسس ففرع في ذلك وحقق وعبر ونسق.

حاله:
كان فقيها علامة جليلا محدثا حافظا نبيلا مفتيا حافلا قاضيا شهما أثيلا متحليا بالشمائل العالية والخصال الغالية عالي الهمة والمقدار عظيم الهيبة والوقار عزوفا عن الضيم سخيا كريما حسن الفائدة لم يمض له وقت في غير العبادة ولا ساعة في غير الاستفادة والإفادة سارع الدمع متباعدا عن الرياء والسمعة محبا للشرفاء والصلحاء زوارا لهم خصوصا مولانا إدريس الأكبر ومولانا إدريس الأزهر ومولانا العباس السبتي وأبا يعزا ومولانا أبا سلهام ومولانا شعيب وسيدي موسى الدكالي والشيخ أبا العباس سيدي الحاج أحمد بن عاشر رضي الله عنهم، ميمون الحظ مقدماما غير هيوب له سر موهوب مع سلامة صدر وباطن مساو للظاهر فما شئت من نفس عذبة والشيم وأخلاق كالزهر بعد الديم إذا تليت أوصافه ركع لها القلم وسجد تفرض في علو سنده في الحديث فأصبح دار  علم بين الدراية والسند وهو صهري وشيخي الذي وردت منهال أفادته رائقا واحدا الاعلام الذين رويت عنهم السنن وسمعت منهم الحديث الصحيح والحسن.

ولايته:
تولى الخطابة بالجامع الأعظم بمدينة سلا يوم خامس عشر صفر الخير عام ستة وتسعين ومائتين وألف 1296هـ مكان صنوه المرحوم القاضي الخطيب السيد أبي بكر عواد، فاتفق على فضله ونبوغه وكان إذا خطب ترتاح النفوس إلى خطبته عارفا بالمناسبات بليغ الموعظة الخارقة للعادة انفرد بذلك بين أبناء جنسه وأعجب علماء وقته ببراعته وفصاحته وحسن صناعته وبمناسبة ذلك قال في حقه العلامة المؤرخ سيدي أحمد الناصري في تاريخ الاستقصا: وهو مجيد في الخطابة ومن أهل المروءة والدين والعلم ثم تولى بعد ذلك العدالة بمرسى العدوتين ثم بمرسى الدار البيضاء في فاتح حجة عام تسعة وثلاثمائة وألف 1309هـ موافق 1891، عين قاضيا بمسقط رأسه بمدينة سلا فأعز الخطة والتزم الصراحة ولم تأخذه في الحق وجاهة واجيه ولا شهامة متولي أو نبيه وأنفذ الأحكام وأمضاها المهيع التي اختراها السلف وارتضاها وألقت إليه الصناعة زمامها ووقفت عليه أحكامها وعقد  دروسا في الفقه والحديث فأنفح مجال درسه وأثمرت أدواح غرسه وعند حلول شهر رجب افتتح صحيح البخاري رضي الله عنه بالجامع الأعظم بعد صلاة الظهر إلى صلاة العصر وبعد صلاة الصبح إلى وقت الضحى وصار الفقهاء والعدول والطلبة وعامة الناس يحضرون مجلس درسه من غير انقطاع إلى أن وقف على ختمه ليلة القدر المباركة.
في أوائل شهر شوال الموالي لشهر رمضان المذكور احتفل للختم واستعد له استعدادا فائقا فكان عذبا رائقا حضره علماء البلد وشرفاؤه وطلبته ووجهائه وأدباؤه وكذلك علماء الرباط ونبغاؤه واستغرق الإملاء وإلقاء ما جادت به قريحته زوالا من حفظه ويشتمل هذا الختم على كراستين ومدح أدباء سلا منهم العالم المؤرخ السيد محمد بن علي الدكاني ثم حضر الكل بداره وتناول ما لذ وطاب إكراما لهم بمناسبة ختم الإمام البخاري وهكذا كان أمره في الشهور الثلاثة رجب وشعبان ورمضان. يفتتح قراءة الحديث وكنا نحضر مجلسه في الأشهر المذكورة في الأيام الأخيرة مع زمرة من الإخوة الفقهاء النبغاء ونراه يتعمق في تراجم رحال الحديث ويفسر الحديث على مقتضاه ويستحضر القواعد الأصولية، ويستشهد بكلام الشيخ خليل والفوائد الفقهية.
وقد أملى دروسا حديثية بين يدي الملوم العلويين خصوصا الملك عبد الحفيظ، وفي عام 1316هـ، استدعى الملك الهمام مولانا عبد العزيز المترجم للعاصمة المراكشية هو وعامل سلا الفقيه السيد عبد الله بنسعيد لبعض سوء تفاهم بينهما وقع، فمحى بعد عودتهما إلى وطنهما ووظيفهما وعادت محبتهما على أحسن حال، وعين المترجم نائبا عن قاضي مراكش السيد العربي المنيعي الذي وجه لأغراض مخزنية للمملكة وانتدبه الملك بخطبة الجمعة بالجامع الذي يصلي فيه وبقي العلامة السيد أحمد عواد ابن أخ المترجم نائبا في القضاء وعين العامل لمأمورية مخزانية بطنجة وبقى نائبه الشريف على ما عهد عليه من نيابة عنه وهو سيدي أحمد الطالبي، ثم أعفى المترجم من قضاء سلا وعين بمدينة الجديدة في شهر شعبان 1316هـ موافق 1899، ثم عين بمدينة آسفي، وفي عام 1319، أعيد المترجم لقضاء سلا والعامل لعمالة سلا وفي شهر ذي القعدة عام ثلاثين وثلاثمائة وألف 1330هـ زيدت له إمامة الجامع الأعظم لوفاة الإمام العلامة المرحوم السيد محمد السدراتي، وفي شهر ذي القعدة أعفى المترجم من قضاء سلا حيث كان معارضا للسلطة الاحتلالية وبقي ابن أخيه السيد أحمد المذكور بوجه النائب الشرعي، وفي عام 1337 سافر المترجم إلى مدينة طنجة بقصد صلة الرحم مع ولده الفقيه النحرير السيد أبي بكر عواد الموظف إذاك بدار النيابة هناك وحدث أثناء المقام بها إعفاء قاضي طنجة السيد محمد الهواري، وطلب السيد امحمد  التازي النائب المخزاني تقديم المترجم للقضاء فاعتذر لكبر سنه إلا أن جلالة الملك المعظم مولانا يوسف أصدر ظهيرا شريفا بولاية المترجم لقضاء مدينة طنجة لأنها بعيدة عن السلطة المعادية للمترجم المذكور فقام مدة يسيرة بها أحسن قيام ولازال أهل مدينة طنجة يثنون عليه الثناء العاطر فصار يخطب في جامعها وقد اطلعت على الرسوم الذي خاطب عليها وبعض الأحكام لما كنت قاضيا بها ثم اختار الرجوع إلى بلده فرجع بعد ما أعفي من القضاء، واستمر مقبلا على عبادة ربه وصار لا يفارق الجامع الأعظم كثير الصلوات والأذكار.

رحلاته:
رحل إلى الديار الحجازية والأقطار الإسلامية خمس مرات الأولى عام 1302 صحبة رفيقه الشريف ناظر الأوقاف بفاس السيد الحاج عبد الإدريسي والثانية عام 1310 صحبة رفقائه وولده السيد محمد وولد صنوه الفقيه العدل السيد الحاج محمد عواد وصهره سيدي محمد بن إدريس الجعيدي وتوفي ولده الشريف الجعيدي بمكة المكرمة بعد قضاء مناسكها، والثانة 1323 صحبة رفقائه العلامة السيد الحاج العربي الناصري والعدل السيد محمد عواد وولده الفقيه العدل الكاتب بوزارة الأوقاف السيد الحاج عمر عواد، والرابعة عام 1329هـ، صحبة رفقائه صهره العلامة السيد الحاج الهاشمي بن خضراء الذي تولي رئاسة مجلس الاستيناف الشرعي والقضاء بمدينتي فاس والدار البيضاء وولده الفقيه العدل السيد الحاج محمد عواد ووصيفه السيد الحاج فرجي، والخامسة عام 1352 صحبة ولده الفقيه الكاتب الحاج المكي وصاحبه السيد الحاج محمد السوسي، فحج وزاء وراء المشاهد والمزار وتجول في العواصم منتجعا عوالي الرواية في مظانها ومنقبا على كبرائها وأخذ عن شيوخها كالشيخ رحمة الله الهندي والشيخ على ابن طاهر والشيخ سليم البشرى والشيخ عليج والشيخ بدر الدين المغربي وغيرهم وكلهم أجازوه إجازة عامة مطلقة تامة، وقد أجازني والحمد لله بما أجازوه وكتب لي بما يلي:
«الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بالإحسان إلى يوم الدين وبعد فقد طلب منا صهرنا وعوض ولدنا الشريف الأصيل الجليل الفقيه العلامة الأتيل العدل النزيه المرتضى الحفيل سيد محمد بن الشريف الأصيل المعظم المحترم الجليل المنتخب المكرم النبيل سيدي مولاي الطيب العلوي بأن نجيزه بأسانيدنا العامية على اختلافها وحيث كان الشريف المذكور أهلا للإجازة وحضر مجالسنا العلمية الحديثية وغيرها أعواما عديدة وظهرت نجابته ولاحت في جميع العلوم براعته إلى ما خصه الله تعالى من العفة والنزاهة وجميل الصفات الحسنة المطلوبة في سادتنا الشرفاء الأبرار وأهل العلم والأسرار أجبته لطلبه ولبيت رغبته وأذنته بتعاطي جميع العلوم النقلية والعقلية والخوض في مضمار الفنون الحديثية وأجزتيه في جميع مروياته وما لدي من أسانيد الشيوخ للصحاح وغيرها من جميع كتب الحديث وكافة الفنون التي يطلع عليها بغير هذا منها سندي العالم المتصل للإمام البخاري المروى عن شيخي سيدي على ابن طاهر الوتري عن الشيخ محمد عابد الهندي عن عمدة المحدثين الشيخ صالح العماري الفلاني عن المعمر الشيخ محمد بن هيبة العمري الفلاني عن أبي الوفاء الشيخ احمد بن محمد اليمني عن مفتي مكة قطب الدين محمد بن أحمد النهراوي عن أبي الفتوح أحمد بن عبد الوهاب الطاوسي عن بابا يوس الهراوي عن المعمر بن شهد بخت الفارسي الفرعاني عن أبي لقمان يحيى بن عمار ابن مقيل ابن شهان الختلاني عن محمد بن يوسف عن الإمام أبي عبد الله سيدي محمد بن إسماعيل البخاري رضي الله عنه.
وأوصى الشريف الغني عن التعريف بتقوى الله العظيم في السر والعلانية وأن يسهم لي في صالح أدعياته والله سبحانه ينفعه وينفع به العباد ويجعله مفتاحا لكل من قصده وأخذ عنه هذا السند ومن خيرات العلماء العاملين وصالح المهتدين ويختم لنا وله بالسعادة ويصلحه ويصلح أولاده وكل من انتمي إليه.
وحرر في ليلة الاثنين رابع ذي القعدة عام 1352.
خادم أهل العلم علي بن محمد عواد الهلالي كان الله له

وطنيته:
كان المترجم من المخلصين في محبة وطنه محبة عظيمة لدينه وللعرش العلوي المجيد ومن المعارضين للسلطة الاحتلالية في جميع ما يخالف الدين وعوائد المجتمع لا يخاف أحدا إلا الله جل علاه وكان يصرح في خطبه والمحافل العامة بما تقوم به السلطة من الخروج عن الجادة، وضاقت به ذرعا ولم تنل منه شيئا لخوفه من الله تعالى ومكانته عند جميع الطبقات ومحبتهم له وكذلك لدى جلالة الملك وخصوصا الملك الصالح مولانا محمد بن يوسف ونذكر ما قاله المترجم جهرا أثر الفاتحة ليلة المولد النبوي الشريف بالجامع الأعظم وهو خاص بسائر الطبقات وهم صموت وهذه عبارته: «الله تعالى يشتت أمر الفرنسيس ويخيب مسعاه في قريب يا مجيب الدعوات» فخاف من ذلك من مقالته ولكن الله تعالى سلمه وحفظه من ذلك وهو أول من قام باسم اللطيف بالجامع الأعظم بسلا لدى صدور الظهير البربري وتزعم ذلك بإخلاص وإيمان قوي ثم بعد ذلك سار اللطيف يذكر بالمدن وغيرها ولا ينسى كل وطني غيور ما قام به المترجم المذكور فيما يرجع لذلك وغيره كتب الله له ذلك في حسناته.

وفاته:
ختمت أنفاس المترجم قدس الله روحه في الساعة التاسعة من ليلة الأربعاء سادس عشر صفر الخير عام 1354هـ موافق 27 ماي سنة 1935
وحضرت وفاته مع زمرة من الأحبة ودفن يوم الأربعاء بصحن الزاوية الدرقاوية بسلا بعدما صلى عليه بالجامع الأعظم إثر صلاة العصر أخيه العلامة السيد الحاج أحمد عواد وحضر جنازته أهل البلد وعلماء الرباط وأعيانها والهيأة المخزنية، وعظم مصاب الناس بموته لما اتصف به من الدين المتين والعلم. ورثاه العلامة المفتي نائب القاضي السيد الطيب الناصري بقصيدة غراء وخلف المترجم ختمات للحديث وغيره رائعة وخطبا فائقة وفتاوى وتقايد راجعة للأحكام.
صعد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه المنبر إثر توليه الخلافة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإنه ليس بعد نبيكم نبي، ولا بعد الكتاب الذي أنزل عليه كتاب، إلا أن ما أحل الله حلال إلى يوم القيامة، إلا أني لست بمبتدع، ولكن متبع، إلا أنه ليس لأحد أن يطاع في معصية الله، إلا أني لست بخيركم، ولكني رجل منكم، غير أن الله جعلني أثقلكم حملا!.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here