islamaumaroc

أدب الحيرة

  عبد الكبير الفاسي

23 العدد

لكل أمة في عهد من عهود تاريخها أدب خاص ليس هو الأدب الذي تخلقه الحياة العادية للأمة، أيام تكون أوضاعها مستقرة وأيام يكون أهلها راضين بما هم فيه من ألوان العيش، نعيمها وبؤسها، سرائها وضرائها، مما جاءت به طبيعة الحياة ولم يكن ناتجا عن عوارض خارجية من فتح أو غزو أو من غير ذلك.
أما هذا الأدب الخاص فهو وليد ظروف قد يقصر أمدها كما أنه قد يطول، وهذه الظروف قد تكون مثلا فترة غزو أجنبي يفضي أو لا يفضي إلى احتلال قد يطول أمده أو لا يطول، وكل احتلال من شأنه أن يقلب الأوضاع في الأمة المفتوحة، بعض الأوضاع أو جميعها، وكلما انقلبت الأوضاع في أمة فقدت التوازن وسادتها بلبلة في المعتقدات والقيم والأخلاق والآراء.
كما أن الغزو قد يكون مجرد غزو فكري عندما تلتقي حضارتان إن لم تتغلب إحداهما وهي الطارئة –على الأخرى- وهي الأصلية في البلاد – فقد يقع بينهما صراع قوي ومرير تتكون منه مأساة يحياها كل فرد، ولكن رجال الفكر وقادته يتأثرون بها أكثر من غيرهم لأنهم مهيأون للتفكير، مهيأون لمقابلة الأشياء ببعضها ومقارنة الأحوال بضدها، لا مندوحة لهم عن ذلك بحكم تكوينهم ومقدراتهم ومكانتهم في المجتمع، فهم بذلك من المعذبين في الأرض، أرض آبائهم وأجدادهم التي داهمها فاتح برهط جديد من الحياة ورهط جديد من الحضارة، يوشك أن يقلب الأوضاع، كبير الشأن منها وحقيره. 
وهذا الصراع وتلك البلبلة، وهما نتيجة حتمية لكل غزو وفتح ولكل اصطدام لحضارتين – يظهران في الأدب الذي كان ولا يزال مرآة تنعكس عليها ما في النفوس والعقول من أنواع الأحاسيس والوجدانيات وما يسود النفوس من الإيمان واطمئنان أو حيرة وشك ويأس وما تقوم عليه أخلاق كل أمة من استقامة أو زيغ وانحراف.
وليس الأدب غير ذلك كلما جاء عفوا وكان غير موجه، وما زاد على ذلك قائما هو من براعة الفنانين من الكتاب والشعراء في التصوير والتعبير والأداء.
وهذا الأدب الناشئ عن التقاء حضارتين والذي يمتاز بالحيرة والبلبلة ويعبر عنهما، هو ما قصدنا إليه بالعنوان أعلاه، ويمكن التدليل عليه بأمثلة تاريخية كثيرة تؤخذ من اصطدام الحضارتين الرومانية واليونانية والتقاء حضارة اليونان بحضارة فارس عندما فتح الاسكندر المقدوني البلاد الشرقية وبث فيها مظاهر الحضارة اليونانية الراقية. ويمكن أن يمثل ذلك بما وقع لفارس من تدهور وبلبلة بعد الفتح العربي الإسلامي واصطدام تعاليم المزدكية بتعاليم الإسلام والذي نتج عنه هذا النوع من مفاهيم الإسلام وعقيدته، الذي ظهر بمظهر التشيع لعلي وبنيه، وكأنه رد فعل لما كان للإسلام من وقع في نفوس الإيرانيين.
ويغلب على الظن أن برابرة إفريقيا الشمالية وقع لهم مثل ذلك عندما صادمتهم الحضارة الرومانية وعندما دخلت المسيحية لهذه البلاد. وأحسن مثال ذلك ما نلمسه من تنازع نفساني في أحسن إنتاج فكري ففي تلك العهود وهو إنتاج القديس «سان اكوستان» البربري الأصل المسيحي العقيدة. ويمكن أن يقال مثل ذلك
في حق غيره من البرابرة بعدما أكرمهم الله بالعقيدة الإسلامية لأنها تصادمت في نفوسهم مع ما كانوا عليه من معتقدات.
كما يغلب على الظن أن أكثر آداب الأمم الشرقية كان شأنها بعد ما داهمها الفتح الأجنبي الذي تقمص في الاستعمار الأوروبي الحديث وجثم على صدور أهلها وخصوصا رجال الأدب وحملة الأقلام وقادة الفكر فيها.
وإذا كانت هذه الحيرة وتلك البلبلة نتيجة للغزو الأجنبي فإنها في الواقع ليست إلا عبارة عن المأساة التي يعيشها الفرد وعلى الأخص الأديب في محاولته التوفيق بين رصيد حضارته الأصلية في نفسه وبين ما يرد على هذه النفس من شؤون الحضارة الداخلية التي تريد أن تقتحمها وتريد أن «تدلها في قعر بيتها» وتمتلك عليها جميع وسائلها في التفكير والتعبير من الحياة وتفرض عليها قيما قد لا تتلاءم وما عاشت عليه من قيم، وتعمل جادة عل ذلك حتى تمحو جميع معالم الحضارة القديمة الروحية والمادية وحتى يكون الحكم في النهاية للغالب لمجرد كونه غالبا إذ بغير ذلك لا تتم له الغلبة.
فإذا كانت هذه النفوس التي تواجه الغزو والفتح ضعيفة وآنية فإنها تزيد ضعفا ولا تثبت في ميدان هذه المغالبة، ثم إنها تهين وتزيد هونا حتى يتقلص ظلها، وعند ذلك تغلب على أمرها فتضمحل وتفنى بالاندماج في عالم الحضارة الطارئة عليها.
وقد تكون الغلبة لتلك النفوس إذ تظافرت عوامل شتى منها أن الحضارة الطارئة ليست لها من القوة الروحية ما يجعلها أسمى من حضارة الأمة المفتوحة.
ولهذا الرهط من الأدب أمثلة حية كثيرة لا زلنا نعيشها وأقربها إلينا الأدب الجزائري المعاصر الذي عبر عنه أصحابه بلسان غير لسانهم بل هو لسان الأمة التي غزت البلاد من غير أن يكون في وسعها أن تغزو القلوب والنفوس، وذلك هو سر الثورة العارمة التي تعيشها الجزائر والتي ستفضي إلى تحرريها طال الزمن أو قصر، وإنما هي الأحداث لا بد من استيفاء ما كتب لها من آجال !
ولسنا الآن بصدد التحدث عن الأدب الجزائري لأن مواده لم تكتمل لدينا بعد، على أن كثيرا من قراء «دعوة الحق» لم يفتهم الاستماع إلى محاضرات الأستاذ عمروش الكاتب الجزائري التي ألقاها أخيرا بالمغرب ولها مساسا بالموضوع، والكاتب نفسه مثال حي «للأديب الحائر» أخبث حيرة عرفها الأدباء الذين تولدوا عن فتح وغزو ونظيره من بين الجزائريين كثير.
وهناك مثل آخر لهذا الرهط من الأدب –أدب الحيرة والارتباك والبلبلة- في تلك المحاولات التي قام بها الأستاذ الشرايبي في كتابه الأول والثاني، وفيها وصف دقيق لنفسية الأفارقة المعاصرين ما بين مغاربة وجزائريين اختلط لديهم الحابل بالنابل عندما تصادمت في نفوسهم حضارتهم الأولى مع الحضارة الطارئة التي أقبلوا عليها وأقبلت عليهم من غير استئذان فأصبحوا ضحايا صراع بين ماض لا زال حيا في نفوسهم وفي وسطهم الذي وجدوا فيه، وبين حاضر ليسوا مهيئين لقبول جميع ما فيه، ولأنهم لا يحسنون الاختيار، ولأن الاختيار عملية شاقة وموطن من مواطن الزلق يوشك من حام حول حماه أن يقع في هوة الاضمحلال وفناء الذات. فهم ضحايا تنازع عوامل مختلفة راسبة في أعماق النفوس وطارئة تهاجمهم وتريد أن تقتلع ما كان قبلها من تراث روحي ونفساني كونته لقرون في نفوس أجيال متعاقبة وليس من اليسير اقتلاعه لغرس غيره في منابته.
وسنترك الحديث عن ذلك كله في هذه العجالة التي نريد أن نخصصها لهذا النوع من الأدب، ولكن من الأدب الإيراني الذي يتجلى في إنتاج بعض الكتاب والأدباء الذين أخذوا من الشهرة بفضل نزعتهم التي تمت إلى ما ذهبنا إليه أعلاه بشتى الصلات –مأخذا أصبحوا معه من الأدباء المرموقين خارج بلادهم وترجمت كتبهم أو بعضها –إن لم يؤلفوها بلغة أجنبية- إلى شتى اللغات العالمية.
واخترنا لهذه الدراسة كاتبين بل كاتبة وكاتبا وهما السيدة آمنة بكروان  وصادق هدايت وكلاهما دخلا في التاريخ قبل أن يخرجا من هذه الحياة التي كان لهما منه ما لم يشاءا أكثر مما شاء.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here