islamaumaroc

سحر الألفاظ: الحياة والعيش

  دعوة الحق

176 العدد

«الحياة» من الألفاظ العربية التي تمتاز بالرقة وقوة الإيحاء وتعدد الدلالات.
فالحياة من أوصاف الله تعالى، وهي بهذا المعنى سرمدية لا بداية لها ولا نهاية، وهي قوة مطلقة لا يحدها وصف تتجلى في صنع الخالق ووحدانيته وتنزهه عن الشريك والصاحبة والولد.
والحياة من خصائص الكائنات العضوية: الإنسان والحيوان والنبات، فهي بهذا المعنى ظاهرة فيزيائية كيماوية شديدة التعقيد تتعهدها التغذية والتناسل وترتبط بظواهر الطبيعة، من شمس وهواء وماء، ارتباطا وثيقا؛ ومن علاماتها النمو والحركة والطاقة. وهي عند الإنسان تنتهي بفناء الجسد، وتسمى بالحياة الدنيا. وتعقبها حياة أخرى باقية لا تفنى.
وقد يتجاوز الناس فيجعلون للمعاني والجمادات حياة: للألفاظ، مثلا، حياة، وللثقافة والشرف حياة وللنجوم والبحار والأنهر حياة.
والإنسان لا يحيى بالطعام والشراب والهواء فقط بل بالكرامة والعلم والحرية والجمال والحب.
لكل مخلوق حي حياته الفردية الخاصة به: فالإنسان الفرد يحيى حياته والنحلة والزهرة كذلك. إلا أن مفهوم الحياة قد يتسع فيشمل الجماعة، والأمة، والبشر كافة، والمملكتين الحيوانية والنباتية فيقال: حياة المجتمع الإنساني، وحياة الحيوان، وحياة النبات. والحياة بهذا المعنى  يحدها العمر بل بقاء النوع واستمراره. وقد يقال، على سبيل الاستعارة، أمة حية أو شعب تتدفق فيه دماء الحياة، فتكون الحياة هنا بمعنى العمل والدأب والابتكار وتعشق الحرية والعلم والسعي إلى بلوغ المعالي.
وتكون الحياة محدودة بعمر تحصيه السنون عدا، وقد تعني وجود الأرض ومن عليها وما فيها منذ أن كانت الأرض إلى أن يقضي الله أمره فيها.
والعيش، لفظ عربي آخر لصيق بحياتنا، فالعيش من أسباب الحياة ومن مقوماتها. فلا تكون حياة بدونه فهو إذن الطعام والشراب والكسوة والأثاث والدواء. وهو أيضا العفاف والطمأنينة والأمن والتعاون بين الناس وهو السعي اليومي وممارسة الصنائع والحرف، وهو النظام الاجتماعي الذي يفرضه «تعايش» الناس في رقعة من الأرض تكبر أو تصغر.
فلننظر إذن في معاني هاتين الكلمتين: الحياة والعيش على غرار ما فعلنا في مقال سابق خصصناه للفظي الكلمة والكلام(*).
يعرف بعض أصحاب القواميس العربية الحياة بأنها «نقيض الموت»، وواضح أن هذا التعريف تنقصه الدقة وهو من قبيل قولهم: السواد نقيض البياض أو النور نقيض الظلمة، معتمدين في ذلك على خداع الحواس.
وحتى إذا جازلنا أن نسلم بأن شيئا ما يمكن أن يكون نقيضا لشيء آخر فإن الحياة بمعناها الدقيق ـ الحقيقي والمجازي ـ ليست نقيض الموت كما سنرى.
ويخبرنا القرآن الكريم عن صنع الله فيقول: «ان الله فالق الحب والنوى يخرج من الحي من الميت ومخرج الميت من الحي» (الأنعام، 95) ويقول: «وضرب لنا مثلا ونسي خلقه؛ قال: من يحيي العظام وهي رميم. قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم» (يس، 78).
فهذا التداخل الموجود بين الحياة والموت يجعل منهما أمرين متلازمين ومتكاملين من حيث الجوهر والمبدأ والغاية، فلا تكون حياة بدون موت ولا موت بدون حياة. فالحياة (الدنيوية) بداية معقدة، ونهايتها لا تعني إلا فناء المادة، أما النفس فإنها تبقى، وبذلك لا تكون الموت سوى بداية حياة أخروية غيبية ينعم فيها الإنسان أو يشقى حسب ما تقتضيه مشيئة الله سبحانه يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء وهو الذي كتب على نفسه الرحمة.
ونقرأ قول الله تعالى: «يا ليتني قدمت لحياتي» (الفجر، 24) فنجد أن المقصود هنا الحياة الدائمة أي حياة الآخرة التي لا موت بعدها, ونتأمل معنى الآية الكريمة «لنجدنهم أحرص الناس على حياة» (البقرة 96). وقوله تعالى «أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا» (الأحقاف 20) فنرى أن المقصود الحياة الفانية، حياة الإنسان على الأرض التي يشكو منها أبو العلاء في بيته المشهور:
تعب كلها الحياة فما أعجب غلا لراغب في ازدياد
ويجمع (باسكال المعنيين في قوله، من كتاب (خواطر): لا خير في هذه الحياة إلا على رجاء حياة أخرى لا نكون سعداء إلا بمقدار ما نقترب منها.
وجاء في قوله تعالى: «من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة» ( النحل 97) والمعنى هنا الرزق الحلال في الدنيا، وقيل المقصود بالحياة الطيبة الجنة بعد الموت.
يذهب السيد الشريف الجرجاني في «التعريفات» إلى أن الحياة «هي صفة توجب للموصوف بها أن يعلم ويقدر» ولعل الجرجاني يقصد الحياة التي يوصف بها الخالق سبحانه «الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم» (البقرة، 255).
ومعلوم أن العلم (الشامل) والقدرة (المطلقة) من أوصاف الله تعالى أيضا «وهو بكل شيء عليم» (البقرة، 29)، «إن الله على كل شيء عليم» (البقرة، 20).
فإذا كان هذا هو ما قصد إليه الجرجاني فإن تعريفه للحياة بهذا المعنى يكون صحيحا. أما إذا فهمنا من كلام هذا العالم الجليل أن الموصوف بالحياة هو الكائنات الحية العضوية فإن الأمر لا يستقيم إلا إذا كان متصلا بالإنسان دون النبات والحيوان الأعجم. فالعلم والقدرة، في حدودهما البشرية، من أوصاف الإنسان الحي وحده لكونهما نابعين عن العقل والإرادة أما الحيوان الأعجم والنبات فلا علم لهما ولا قدرة، وبالتالي لا ينطبق عليها التعريف المذكور.
ويصف الجرجاني الحياة الدنيا وصفا مشربا بروح التصوف بعيدا عن الاعتبارات البيولوجية فيقول عن الحياة على هذه الأرض بأنها «كل ما يشغل العبد عن الآخرة» وكأنه يستلهم في ذلك قول الله عز وجل: اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد». (العنكبوت 64).
جاء في (لسان العرب لابن منظور ان «الحي كل متكلم ناطق، والحي من النبات ما كان طريا يهتز» ولا أدري أين وضع ابن منظور الحيوان الأعجم الذي يعد في نظر العلم والواقع المشاهد من الأحياء مع أنه ليس متكلما ولا ناطقا، والحياة تتدفق فيه كما تتدفق في الكائنات العضوية الأخرى، وحياته تنتهي بالموت أيضا.
ويقول الجاحظ في «البيان والتبيين»: وقال صاحب المنطق: حد الإنسان الحي الناطق المبين» ـ وهو يقصد بصاحب المنطق أرسطو ـ فإذا كانت «الحياة والمنطق» صفتين تجتمعان في مطلق البشر، فإن صفة «المبين» هذا تحيرنا، إذ من الناس من له قدرة على البيان ومنهم من به حصر أو بكم إلا أن يكون المقصود بالبيان هنا الإفصاح عن ذات النفس باللفظ أو بالإشارة والإيماءة، والذي نعرفه هو أن الإنسان حيوان ناطق، وفي المنطق نوع من البيان. ولعل وصف «المبين» من إضافات الجاحظ أتى بها لتلائم خطة كتابه.
هذا ونلاحظ أن الجاحظ نفسه ينقل في «المحاسن والأضداد» قولا ينسبه في هذه المرة إلى الفلاسفة دون تحديد: «لا يستكمل الإنسان حد الإنسانية إلا بالموت لأن حد الإنسان انه حي ناطق ميت» فاستعاض في هذه المرة عن «مبين» بلفظ «ميت»، وهذا صحيح على كل حال وهو ينسجم أيضا مع خطة كتاب «المحاسن والأضداد».
نظر الراغب الأصفهاني في لفظ الحياة على ضوء القرآن الكريم فقال في (كتاب المفردات) بأن هذا اللفظ يستعمل على أوجه فيدل على:
ـ القوة النامية الموجودة في النبات والحيوان.
ـ القوة الحساسة، وبها سمي الحيوان حيوانا.
ـ القوة العاملة العاقلة.
ـ الحياة الأخروية الأبدية.
ـ الحياة التي يوصف بها الباري.
فها نحن الآن أمام نظرة شمولية تتسم بحسن الاستنباط من القرآن وكلام العرب.
فالحياة بمعنى القوة النامية واردة في قوله تعالى «وجعلنا من الماء كل شيء حي» (الأنبياء، 30) وهي قوة حساسة كما في قوله عز وجل: «ألم نجعل الأرض كفاتا أحياءا وأمواتا) (المرسلات، 25) أي أن الأرض تضم الكائنات الحية، كالإنسان والحيوان والنبات كما تضم الجمادات من معادن وجبال وغيرها.
ويستدل الأصفهاني على القوة العاملة العاقلة بقوله تعالى: «أو من كان ميتا فأحييناه» (الانعام، 122) وبقول الشاعر:
وقد ناديت لو اسمعت حيا
ولكن لا حياة لمن تنادي
وقد ينبغي أن نذكر هنا ان ابن سينا، قد ذهب إلى أن النفوس ثلاث: غذائية وهل لكل الكائنات الحية وحيوانية أو حساسة وهل لكل الحيوانات، وعاقلة وهي للإنسان وحده.
تعرف المعاجم الأوربية الحديثة الحياة بأنها مجموع الظواهر ـ لاسيما التغذية والتناسل ـ التي تتعهد نشاط الكائنات العضوية من الولادة إلى الممات. ونلاحظ أن مجمع اللغة العربية بالقاهرة قد أقر تعريفا مشابها لهذا فقال ـ كما جاء في المعجم الوسيط ـ بأن الحياة (في علم الاحياء تعني مجموع ما يشاهد في الحيوانات والنباتات من مميزات تفرق بينها وبين الجمادات مثل التغذية والنمو والتناسل ونحو ذلك».
وليس في نيتنا أن نخوض في البحث عن تعريف علمي دقيق للحياة، لاسيما وأن العلم لم يتمكن إلى الآن من رسم حدودها بكيفية يقينية. فالذي يعنينا هنا هو المعاني اللغوية ـ الحقيقية والمجازية ـ للحياة.
إن المعاجم الأوربية التي أشرنا إليها، ولاسيما (لاروس الكبير)، تضيف بأن الحياة هي المدة الجارية بين الولادة والموت. وهذا ما يعنيه فولتير بالحياة في قوله: «يجب أن تقضي حياتك في الحب والتفكير» وفي معجم (لاروس) ان الحياة قد تعني أيضا الملابسات التي تعطي للوجود قيمة من نحو قولك: «الشرف هو الحياة» وهذا ما يبنغي أن نفهمه من قول المتنبي:
عش عزيزا أو مت وأنت كريم
بين طعن القنا وخفق البنود
وينقل الجاحظ في «البيان والتبيين» قولهم: «حياة المروءة الصدق، وحياة الروح العفاف، وحياة الحلم العلم، وحياة العلم البيان» فالحياة هنا تكتسي معنى يندرج في باب القيم الخلقية.
نقول: فلان دافق بالحياة أي ممتلئ نشاطا أو به حيوية: ونتجاوز ذلك إلى القول: الحياة الثقافية أو الحياة الرياضية فنعني بالحياة هنا: النشاط، ونقول: فلان ابتسمت له الحياة أي الحظ، أو ضاقت به سبل الحياة أي أنه قلت لديه أسباب العيش أو أصابه غم وهم: ونقول: مدينة مليئة بالحياة أي تعج حركة ونشاطا.
ويقال: حيى القوم أي حسنت حالتهم، واحيا القوم أي اخصبوا وحسنت حال مواشيهم.
ونقول: حياة الألفاظ فنقصد التطور الذي تعرفه الكلمة من حيث الدلالة تبعا لتطور اللغة والقيم الفكرية والثقافية.
ويقسم الناس بالحياة لكونها شيئا عزيزا نفيسا يحرص عليه كل منا، من ذلك قول ابن الفارض:
وحياتكم، يا أهل مكة وهي لي
قسم، لقد كلفت بكم أحشائي
وقوله:
وحياة أشواقي اليـــ
ـك ولا صبوت إلى خليل
وهو يجعل للأشواق حياة يقسم بها.
وما دمنا قد دخلنا ساحة التصوف والصوفية فإننا نرى من المناسب أن نشير إلى «الحياة» بالمعنى الذي يتناوله بها أهل الله. فهذا أبو حمزة الصوفي يقول في الشوق الإلهي:
وتحى محبا أنت في الحب حتفه
وذا عجب كون الحياة مع الحتف
إنها حياة المحب المشتاق الذي يفنى في ذات الله ويحيى بالوصول.
ويقول شاعر صوفي يهيم بحب المصطفى:
إذا اشتد شوقي هام قلبي من حبيبي تقربا
فيبدو فأفنى ثم أحيا به له
ويسعدني حتى ألذ وأطربا
ومن شطحات ابن الفارض قوله في تائته المشهورة:
وروحي للأرواح روح وكل ما
ترى حسنا في الكون من فيض طينتي
فلا حي إلا عن حياتي حياته
وطوع مرادي كل نفس مريدة
فهنا إشارة إلى القطب الأول الذي فاضت عنه الأرواح والمحاسن كلها، والعاشقون خاضعون لإرادته القديمة التي سبقت الكون وبثت الحياة في الوجود.
وقد تنقضي الحياة ويفنى العمر فتبقى الذكرى قائمة حية مليئة بالعبر أو العظمات، من ذلك قول أبي العتاهية:
وكانت في حياتك لي عظات
وأنت اليوم أوعظ منك حيا
ونعود مرة أخرى إلى أهل الدنيا لنسمع ابن زيدون يقول:
ويا حياة تملينا بزهرتها
منى ضروبا ولذات أفانينا
وهل الحياة هنا إلا حبيبته الغائبة؟
ولست أذكر من هو هذا الشاعر الذي ذهب به الإسراف في الخيال والمجون إلى حد القول في وصف الخمرة:
تميت وتحيي بعد موت، وموتها
لذيذ ومحياها ألذ وأحمد
وينبغي لنا كذلك أن نورد بعض الطرائف الاشتقاقية لكلمة حياة، فنبدأ بلفظ «الحيوان» بالمعنى المذكور في قوله تعالى: «وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمن» (العنكبوت 64) ولعل المراد بالحيوان هنا الحياة الحقيقية الدائمة. والحيوان بالمعنى المألوف كل ما به حياة، ويغلب إطلاقه على الدواب.
والمحيا مفعل من حياة يقع على الزمان والمصدر والمكان. ومن الألفاظ الرقيقة الرشيقة «الحيا» بمعنى الخصب والمطر. الا ينصب «الحيا» على التربة فيحييها بعد موتها؟ ألا يبعث الحياة في الزهور والرياحين وأوراق الشجر؟ والحيا يحييى النفوس بعد قنوط إذا جاء غيثا بعد احتباس؛ يقول الشاعر ابن حمديس:
نثر الجو على الأرض برد
أي در لنحور لو جمد
لؤلؤ أصدافه السحب التي
أنجز البارق منها ما وعد
بات يجتاح بأبكار الحيا
بلدا يرويه من بعد بلد
ويقول ابن الخطيب:
والحيا قد جلل الروض سنا
فثغور الزهر فيه تبسم
«والتحية» من مشتقات الحياة، وأصلها من: حياك الله أي جعل لك حياة.
ونذكر لفظ «الحياء» الذي هو قرين الإيمان ودليل العفة، وهو هاتف ينبعث من الضمير فيطبع على «المحيا» آثارا نفسية وشعورية.
هذا ويجعل بعضهم الحياء مرادفا للحشمة. ويبدو لي أن بين اللفظين فرقا دقيقا، فالحياة عندي، طبع وخلق أما الحشمة فإنها تكلف وتطبع. والحياة حينما يكون من أوصاف المرأة فإنه يزيدها حسنا ورواء. قال تعالى: «فجاءته إحداهما تمشي عن استحيا». وقد أطلقوا لفظ الحياة أيضا على الفرج من ذوات الخف والظلف والحفار. وهو بهذا المعنى غير متداول في عصرنا هذا.
ويقولون «الحي» فيقصدون القبيلة أو البطن من بطون العرب، وفي عصرنا هذا يطلقون لفظ «الحي» على جزء من مدينة. ولست أعلم وجه القرابة بين لفظ «الحي» بهذا المعنى، ولفظ الحياة، مع أنه من جذر «حيي يحيى» كما هو واضح، ومثل ذلك يمكن أن يقال في «الحية» أي الأفعى.
قد يجيء لفظ «العمر» مرادفا للفظ الحياة والمعروف أن العمر، مدة من السنين معلومة تنصرم من حياة الكائن الحي فنقول: فلان قضى عمره سعيدا أو شقيا» فيكون العمر هنا مرادفا للحياة.
وكثيرا ما يرد لفظ «الدنيا» بمعنى الحياة كما في قول ابن عبد ربه:
الا إنما الدنيا غضارة ايكة
إذا اخضر منها جانب جف جانب
وفي قول المتنبي:
أظمتني الدنيا فلما جئتها
مستسقيا مطرت علي مصائبا
والدهر، الذي هو في الأصل مدة بقاء العالم من البدء إلى النهاية، قد يأتي بمعنى الحياة كما في قول ابن زيدون:
وعسى أن يسمح الدهــ
ــر فقد طال الشماس
وهل الدهر إلا البعد الزمني للحياة؟ وفي قوله تعالى أخبارا عن المشركين: «ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر».
ويضيف العرب إلى الحياة ألفاظا تغني معانيها من ذلك قولهم: قيد الحياة، وماء الحياة، وحبل الحياة، وجرثومة الحياة، ومن أجمل هذه التراكيب قولهم: ربيع الحياة، يعنون بذلك الشباب والفتوة يقول حافظ ابراهيم على لسان اللغة العربية:
أيطربكم من جانب الغرب ناعب
ينادي بوأدي في ربيع حياتي.

من العلوم التي أدركت في عصورنا المتأخرة شأوا بعيدا «علم الاحياء» أو البيولوجيا الذي أصبح ميدانا خصبا للبحوث الأساسية والمختبرية.
وماتزال الحياة، رغم كل شيء، سرا من الأسرار الخفية، لا يعرف الإنسان عن أصلها وماهيتها إلا الشيء اليسير، وهي من أمر ربي يعطيها بقدرته لمن يشاء وينزعها ممن يريد.

العيش
قد يتساءل بعضهم: ما الفرق بين الحياة والعيش وهو سؤال وجيه يجيب عنه أبو هلال العسكري في «كتاب الفروق في اللغة» بقوله: الفرق بين الحياة والعيش أن العيش اسم لما هو سبب الحياة من لأكل والشرب وما بسبيل ذلك: والشاهد قولهم: معيشة فلان من كذا، يعنون مأكله ومشربه مما هو سبب لبقاء حياته».
ويوضح الأصفهاني في كتابه (المفردات) أن العيش «هو الحياة المختصة بالحيوان، وهو أخص من الحياة لأن الحياة تقال في الحيوان وفي الباري تعالى وفي الملك. ويشتق منه المعيشة لما يتعيش به».
ونلاحظ على الفور أن اللغة العربية تميز بين لفظي الحياة والعيش بينما نجد أن اللغة الفرنسية واللغة الإسبانية ـ مثلا ـ لا تملكان غير لفظ واحد للدلالة على المعنيين: VIE وVIDA وكلاهما من الأصل اللاتيني VITA. ولا يتضح الفرق إلا في الاستعمال كأن تقول le niveau de vie (مستوى العيش).
La vie des animaux (حياة الحيوان). ومثل ذلك يمكن أن يقال عن اللفظ الإنجليزي LIFE. وقد نبسط الأمر فنقول: ان العيش هو ما تستقيم به الحياة من أطعمة وأشربة وألبسة وأثاث ودواء تساعدنا على البقاء أحياء وأصحاء بدنيا وعقليا ونفسانيا. وهذا ما ينبغي أن نفهمه من لفظ «المعيشة» في قول الله عز وجل: «نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا» (الزخرف، 32).
ويقول لبيد:
وما الناس إلا عاملان، فعامل
يتبر ما بيني وآخر رافع
فمنهم سعيد آخذ بنصيبه
ومنهم شقي بالمعيشة قانع
قانع بالمعيشة «أي بما يصيبه من أكل وشرب ولباس مع الرضى بالشقاء والقعود عن طلب المعالي وهذه العيشة الخانعة هي التي يأباها المعري حينما يقول:
فمالي أخاف طريق الردى
وذلك خير طريق سلك
يريحك من عيشة مرة
ومال اضيع ومال ملك
والعيشة هي حال الإنسان في حياته، وقد يكون المقصود في هذا البيت بالمعيشة المرة عيش الكفاف والإملاق، وقد تدل على العيشة التي تخلو من راحة الضمير وطمأنينة النفس لما يكتنفها من ذل أو مكروه أو عبودية حتى ولو كانت هذه العيشة مترفة لا تعوزها أسبا الاكتفاء المادي.
وهذا عروة بن الورد يجد راحة العيش في السفر والتجوال لجمع الثروة، وهو في ذلك يقول:
فسر في بلاد الله والتمس الغنى
تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا
إلا أن الدهر حول قلب، كما يقولون، لا يصفو فيه عيش إلا ويتكدر وذلك ما يعنيه عدي بن زيد بقوله:
عمروا دهرا بعيش حسن
آمني دهرهم غير عجال
ثم أضحوا عصف الدهر بهم وكذلك الدهر يودي بالرجال
وإذا كان ابن زيدون يرى أن العيش هو ما نختلس من سويعات الصفاء:
واغتنم صفو الليالي
إنما العيش اختلاس
فإن محمدا بن علي ينظر إلى العيش بمنظار الزهد فيقول:
«مالك من عيشك إلا لذة تزدلف بك إلى حمامك وتقربك من يومك. فأية أكلة ليس لها غصص وشربة ليس معها شوق» وذلك ما يعنيه ابن الرومي بقوله:
لعمرك ما الدنيا بدار إقامة
إذا زال عن نفس البصير غطاؤها
وكيف بقاء العيش فيها وإنما
ينال بأسباب الفنان بقاؤها
ولكل وجهة هو موليها، فمن الناس من يجد متعة العيش وحلاوته في حسناء يطيب معها السمر ويحلو الحديث، فهذا الأخطل يقول:
لعمرك ما لاقيت يوم معيشة
من الدهر إلا يوم شقراء اقصر
حوارية لا يقرب الذم بيتها
مطهرة يأوي إليها مطهر
ولا يكتمل جمال المعيشة وطيبها لبعض الناس إلا بمصاحبة كتاب أو محاورة جليس فيما يفيد ويمتع من ذلك ما نقرأه في «الامتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي: «وقال سليمان بن عبد الملك: قد ركبنا الفاره، وتبطنا الحسناء ولبسنا اللين، وأكلنا الطيب حتى أجمناه (أي مللناه)، وما أنا اليوم إلى شيء أحوج مني إلى جليس يضع عني مؤونة التحفظ ويحدثني بما لا يمجه السمع، ويطرب إليه القلب».
وفضلا عن هذا الجانب الفردي للعيش فقد يراد بهذا اللفظ أيضا الانتظام في حياة الجماعة ما يتطلبه ذلك من تضامن وتعاون وتنافس وسعي مشترك إلى الطمأنينة العامة والرفاه. وفي هذا المعنى نقرأ في رسائل إخوان الصفا: أن الإنسان الواحد لا يقدر أن يعيش وحده إلا عيشا نكدا، لأنه محتاج إلى طلب العيش من أحكام صنائع شتى ولا يمكن الإنسان الواحد أن يبلغها كلها لأن العمر قصير والصنائع كثيرة».
وقد استحدثت في عصورنا المتأخرة مصطلحات تحوم حول مسائل المعيشة، ومستوى العيش، وسعر المعيشة والرفاه العام، والتنمية الاجتماعية، والضمان الاجتماعي وغير ذلك.
وحينما تعقدت أسباب المعيشة بفضل تقدم الصناعة والعمران ونمو السكان وسرعة المواصلات وتعدد وسائلها مع ازدحام المدن وتلوث الهواء والماء وتفاقم أمر الضجيج وتفشي البطالة، بدأ الناس يفكرون في أمر المعيشة من حيث الكيف فنشأت مصطلحات من مثل: حماية المحيط الإنساني، وحفظ توازن الطبيعة، وكان آخر هذه المصطلحات ظهورا «كيف العيش» إذا أردنا ترجمة حرفية للعبارات الفرنسية: La qualité de la vie وقد أفضل ترجمتها بطيب العيش أو صفوه إذا راعينا المعنى البعيد للعبارة الفرنسية. وقد أنشأت بعض الدول الأوروبية وزارة خاصة أطلقت عليها «وزارة طيب العيش» بعد أن طغى الكم وتفاحش أمر الاستهلاك الفوضوي المسرف للمواد الغذائية والوقوج ففسد الجو في المدن والقرى، وتلوثت الأنهر الهادئة، وضجت الأسماك والحيتان في البحار والمحيطات، والوحوش في الأدغال، وضاف الإنسان بالازدحام والضوضاء وطغيان الآلة وتحكمها، فتوترت أعصابه ومرضت نفسه.
وهل المراد بكيف المعيشة هذا سوى توفير الراحة للناس في أكلهم وشربهم وأماكن عملهم واستجمامهم وحسن استمتاعهم بما يكون لديهم من أوقات الفراغ حرصا على سلامة أعصابهم وصحة عقولهم وأبدانهم وحفظا للمجتمعات من التفكك والانفصام؟
وربما ينسى المتحمسون لهذا «الكيف» أنه لا «كيف» إلا بحدوث التوازن بين حياة الروح والبدن في عصر ضعف فيه الإيمان بالله وتفشي الإلحاد وهيمنت المادية العمياء على حياة الناس؛ وما نراه في هذا العصر في أغلب الدول مجرد كم واعداد يختفي معها الإنسان لتظهر أرقام تتحرك في غياهب «الدماغ» الإلكتروني؛ وصدق الله العظيم في قوله: «إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى».
نعود إلى موضوع «العيش» من جانبه اللغوي فنلاحظ أن هذا اللفظ قد يجيء مرادفا لكلمة «الحياة»، فيدل على المدة التي يقضيها الكائن الحي على هذه الأرض الفانية.
ألا يقول النابغة الذبياني:
المرء يأمل أن يعيش
وطول عيش قد يضره
تفنى بشاشته ويبقى
بعد حلو العيش مره
فالمراد بطول العيش في البيت الأول طول الحياة أو العمر؛ أما المقصود بحلو العيش أو مره في البيت الثاني فهو ما يتاح للإنسان من رفاه أو شظف. من عسر أو يسر، من صفاء أو كدر في أمور الطعام والشراب واللباس والعشرة والصحبة وغيرها.
ولطرفة بن العبد:
أرى العيش كنزا ناقصا كل ليلة
وما تنقص الأيام والدهر ينفد
فالعيش هنا أيضا بمعنى الحياة.
وهذا ابن هانئ يجمع بين لفظي الحياة والعيش في بيت واحد فيقول:
أي الحياة ألذ عيشتها
من بعد علمي أنني بشر
خرست لعمر الله السننا
لما تكلم فوقنا القدر
من مشتقات العيش: المعيشة والجمع معايش «وجعلنا لكم فيها معايش» (الأعراف، 10)، والعيشة والمعاش ويدل على زمن التماس العيش ومكانه كما في قوله تعالى: «وجعلنا النهار معاشا» (النبأ، 11 كما يدل على مرتب يتقاضاه المستخدم الذي ينقطع عن العمل) وهناك أيضا المعايشة ـ أي عيش الناس بعضهم مع بعض ـ وقد يقول الناس في هذا العصر التعايش السلمي يريدون بذلك أن يغلب التسامح السياسي بين مجتمعين بشريين يأخذ كل منهما بنظام اجتماعي واقتصادي خاص فلا يكون بينهما صراع أو تناحر.
والمتعيش هو الذي يصيب من العيش ما يقيم أوده والعياش صانع العيش أو بائعه. ومعلوم أن لفظ العيش يراد به أحيانا الخبز. والعائش هو الذي يكون في حالة من العيش طيبة، ويطلق عليه الفرنسيون Le bon vivant
وتلتصق بالعيش أوصاف ونعوت تتعلق بالكم والكيف، نذكر منها: الرغد والترف، والرقة، والبذخ والبشاشة، واليسر، والرفاه، والبحبوحة والطيب، والحلاوة، والصفاء، والنعومة، والسعة. ويقابل هذه الأوصاف الحسنة أوصاف أخرى تعبر عن صعوبة العيش ومنها: الشظف، والإملاق، والعسر، والكفاف، والخصاصة، والضيق، والنكد، والكدر، والضنك.
ومن الناس من يختار لنفسه عيشة توصف بالتقشف، والزهد، والخشونة، أو بالقناعة وغنى النفس.
ولما كان الرمق هو بقية الحياة، فقد اشتقوا منه الرماق، وهو القليل من العيش يمسك الرمق، ووصفوا العيش لذلك بأنه رمق (بكسر الميم).
وبعد، فقد رأينا أن الألفاظ تشق طريقها في الحياة كما يفعل الناس، وأنها تنمو وتتطور كالكائن الحي. والمجتمعات تعيش وتنظر باستمرار في تراثها الكلامي تحيى بعضه وتميت بعضه الآخر، وتضيف إلى الألفاظ من المعاني بقدر ما يحدث لها من حاجات، ويحتل «المجاز» في هذا التراث مكانا مرموقا، لأن المجاز رفيق الخيال، والخيال، كالعقل والإحساس، جزء من العالم الباطن للإنسان. والحياة نفسها حقيقة ومجاز، واقع وخيال.
ألا يقول المتنبي:
نصيبك في حياتك من حبيب
نصيبك في منامك من خيال
فالحياة واقع حينما نعيشها بأبداننا وقلوبنا وإحساسنا، وهي خيال حينما نفقدها. وقد تكون، وهي واقع معاش، مجرد دخان خفيف، فهذا شاتوبريان يقول: «وإذا انطفأت الشموع واحدة تلو الأخرى، انبعث من نورها المخنوق دخان خفيف أبيض بمثابة صورة طبيعية للحياة التي شبهها الكتاب المقدس ببخار ضئيل».
ونظر محمد إقبال إلى الحياة بمنظار الشاعر الفيلسوف فقال:
«بكت سحابة الربيع في بهمة الليل وقالت: هذي الحياة بكاء دائم!
فتلألأ البرق الخاطف وقال:
لقد أخطأت! فالحياة لمحات من الضحك.
ترى، من روى للبستان هذا الحديث الذي هو حوار موصول بين الندى والورد؟»
عن نصيب المحظوظين من الحياة أن تبقى بعد ذهابهم ذكراهم يثيرها الاحياء فيجدون فيها عظة أو عبرة، فائدة أو متاعا. وبذلك تصبح الحياة مجرد فكرة هادية، أو قصيدة جميلة، أو لوحة نابضة بالظلال والأنوار والألوان، أو عمل من أعمال البناء والخير، أو حب عظيم متبادل، أو تضحية مبذولة.
وهكذا تتواصل الحياة، حياة القرون والأجيال، تتواصل بما يتركه السلف للخلف من تراث علمي وثقافي، من أخلاق وعادات، من جميل الذكريات أو قبيحها.
«وتلك الأيام نداولها بين الناس»

(*) ارجع إلى العدد السادس من مجلة «المناهل»، 1976.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here