islamaumaroc

أبو الفضل عياض من خلال مشيخته الأدبية -2-

  دعوة الحق

176 العدد

من الجلي أن الناس تختلف درجاتهم ومقاماتهم باختلاف المواهب التي يتوفرون عليها والاستعدادات المطبوعة بطابع النشأة الأولى والتكوين الفطري للنوع البشري ـ (لولا مواهب في بعض الأنام لما تفاوت الناس في الأقدار والقيم) ـ طموع وعمل كنقطتين أساسيتين يتكيف بهما الفرد اليقظ جاعلا نصب عينيه حياة شخصيات أنصفها التاريخ في سجله الأمين فكانت نبراسا للاهتداء والاقتداء حفزت وفي قوة نفوسا كبارا سعت للالتحاق بالصفوف والعمل جاهدة لبلوغ الهدف الذي لم يكن وما كان وقفا على طائفة دون طائفة بل كان طيعا وفي خدمة كل من تهون عليه ذاته في سبيل النبل والكرامة وفي تضحية متلاحقة بكل ما يحب ويهوى من ملاذ ورغائب لا تقوم على بقاء.
نعم إذا ما جال الفكر متصفحا وفاحصا بعض فترات التاريخ وجدها ملأى برجالات ورجالات خلقوا وما خلقوا إلا ليكونوا نماذج حية، وأمثلة واعية لأجيال وأجيال كلها أماني وآمال لتلقى وعلى أحر من الجمر ما أنتجوا كمنهاج يضيء الطريق لجهود جديدة تعمل وفي خلق وابتكار يخطوان نحو الواقع المتجدد والمتطور عبر التاريخ وفي شتى مرافق الحياة علما وفنا ـ فهذا القرن السادس الهجري الثاني عشر الميلادي نجده طافحا بالأعلام والمفكرين وعلى اختلاف هواياتهم واتجاهاتهم واستعداداتهم الثقافية، فعقب تدرجاتهم الطبيعية في التنشؤ والأخذ بدءا ونهاية نرى البعض وفي نهم تلقائي غير مقتنع بما أفاده من شيوخ بلده فقد يكون في نظره استنفد ما لديهم من فنون ومعارف لا تفتأ تنمي طاقته العرفانية للبحث عن آخرين توفروا على علوم وروايات تسمو بعلمه إلى الأوج الذي يطمح إليه كصادق في الطلب يسعى وفي جهد لتحقيق المطامح واهتبال الفرص للقاءات تفسح له مجالات أوسع نطاقا وأبعد مدى للتطلع على ما قد يكون غاب عن أساتيذه الأول من علوم لها فعاليتها في تلقيح أفكاره وشحذ آرائه وأيضا إضافة ما لم يكن درج في مدرسته الأولى.
عوامل لها أبعادها في تأصيل المعرفة وتمتين القواعد التي لا تعتم تذيب كل ما يمكن أن يساورها من شكوك أو يعتور معالمها من شذوذ.
هذا وأكثر ما نجده يتجلى وبصورة جد واضحة في ابن الفضل عياض بن موسى اليجصبي السبتي الغرناطي ـ ولا أدل على هذه الظاهرة النبيلة ما أثبته في فهرسته الخطية قد ضمنها مائة شيخ ذوي كفاءات في مختلف المعارف والثقافات فقها وحديثا وقراءة وأدبا ـ كأبي عبد الله محمد بن عيسى التميمي يقول فيه مترجمنا السبتي: لازمته كثيرا للمناظرة في المدونة والموطأ وسماع المصنفات وأجازني جميع رواياته ونرى هذا السلوك من أبي الفضل يجري مع عدة شيوخ وفيما يهدف لنوعية تلك المصنفات، والذي أريد أن أطرقه في مشيخته وفي لمسات خفيفة هادفة هي الناحية الأدبية وما كان له فيها من يد طولى وضاءة في كتابة «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» رغم طاقته الثرية في باقي العلوم.
فقد درس على أبي عبد الله بن حمدين الثعلبي اجل رجال الأندلس وزعيمها وجاهة ونباهة والنظر الصحيح في الأدب نثرا ونظما قال: جالسته كثيرا وأخذت عنه بعض رسائله، ووروده على الإمام أبي حامد الغزالي كما سمعت منه رسالته لابن الشماخ من هذا روايته عن يحيى بن يحيى الليثي المصمودي عن مالك بن أنس رحمه الله قال: بلغني أن لقمان الحكيم أوصى ابنه فقال يا بني: جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله يحيى القلوب بنور الحكمة، كما يحيى الأرض الميتة بوابل السماء.
وصية لها فعاليتها في البعث والتكوين الناشئين عن الاتصال والمثافنة في احتكاك صادق مع رجال الثقافة الحق.
ونجده يأخذ عن الأديب الراوية أبي عبد الله بن سليمان النغزى عرف بابن أخت غانم ـ كتاب الكامل لأبي العباس المبرد في منزله بقرطبة، قال: ودرسته بسبتة سنة 493هـ على الأديب صاحب الشركة أبي بكر الحزيرى، وسمعت منه كثيرا على شيخنا أبي علي التاهرتي ـ كتاب (إصلاح المنطق) ليعقوب بن السكيت، وكتاب الألفاظ له سماعا ومناولة لما فاته منه.
وفي ثنايا هذه المشيخة تتفجر طاقة أخذ المترجم عياض، وفهمه الغياض، ومن ثروة الأدب العربي ودراسة ما كتب فيه وعنه من أمهات ـ ككتاب الزاهر لأبي بكر الانباري، والأمالي لأبي علي القالي البغدادي والتعرف على حجميع تآليفه سندا وإجازة.
وكتاب الحماسة لأبي الفتوح ثابت الجرجاني، وكتاب مختصر العين(1) لأبي بكر بن الحسين الزبيدي الإشبيلي وهو وبما كان له من ولوع لغوي نجده يتلمذ للشيخ أبي علي بن طريف النحوي التاهرتي ت: 501هـ فيدرس عليه النحو والأدب وجمل أبي القاسم الزجاجي، والواضح للزبيدي والكافي لأبي جعفر النحاس، وكثيرا من كتاب (المقتضب) للمبرد، وآداب الكاتب(2)لابن قتيبة الذي شرحه ابن السيد البطليوسي وسماه: (الاقتضاب في شرح ادب الكتاب) والإيضاح للفارسي، وكتاب الفصيح لنعلب، وقرأ عليه أكثر كتاب الأمالي للقالي، كما سمع منه الكثير من كامل المبرد.
ومن بين رجالات أساتذته خلف بن فرتون أمام النحاة والآداب قال: جالسته كثيرا وذاكرته وتلقيت منه فوائد جمة، وكان ينشد لأبي وهب الزاهد القرطبي الأبيات التالية:
انا في حالة كما قد تراها
إن تأملت أسعد الناس حالا
ليس لي كسوة أخاف عليها
من مغير ولم تر لي مالا
أضع الساعد اليمين وسادي
ومتى ما أشاء وضعت الشمالا
قد تنعمت حقبة بأمور
ثم دبرتها فكانت خيالا
ومن أعيان الأشياخ الذين ثافنهم وتلقى عنهم مادة الأدب الرفيع الأستاذ عبد الواحد بن يوسف البغدادي الفهري ت: 527هـ والذي يكفي أن تحدث عنه أبو بكر عبد المجيد بن عبدون اليابري الوزير الكاتب مما نتنور من بين سطوره مدى الاختيار الذي كان يترسم خطاه باحثا وبإلحاح عن رجال المادة المبرزين في علوم العرب ودواوينها وما ينبثق عن ذلك من آيات ومفاهيم لها مقاصدها الهادفة التي لا تلبث تعرف قاصدها بمزايا اللغة وما تحتضنه مبانيها من أسرار عن ذي الوزارتين ابن عبدون(3): لقيته بسبتة في انصرافه. وأقسم لي أنه ما قصد سبتة إلا للقائي والاجتماع بي، ثم سألني عن أشياء في نفسه وجرت بيننا مذاكرات أنشدني أثناءها رائيته التي رثى بها ملوك بني الافطس عارضا فيها لمن أبادته الحدثان من ملوك كل زمان مطلعها:
الدهر يفجع بعد العين بالأثر
فما البكاء على الأشباح والصور
إلى أن يقول:
وليتها إذ فدت عمرا بخارجة
فدت عليا بمن شاءت من البشر
وهو كالسيل الجارف يندفع في هواية فريبة متقربا أشياخ الأدب والاتصال بهم أخذا ورواية ـ كالأستاذ النحوي أبي الحسن التنوخي عرف بابن الاخضر كان أكثر دراسته على أبي الحجاج الأعلم 498هـ فحدثني بشرح الأشعار الستة لأبي الحجاج، وأجازني عنه جميع تآليفه ـ كشرحي الحماسة وشعر حبيب وغيرهما وأنشدني في نفس الوقت لبعض شعراء الأدب الأبيات التالية:
وزاد وضعت الكف فيه تأنسا
وما بي إلا آنسة الضيف من أكل
وزاد رفعت الكف عنه تكرما
إذا ابتدر القوم القليل من الثفل
وزاد أكلناه ولم ننتظر به
غدا إن بخل المرء من أسوأ الفعل
ولست في حاجة لشرح الأبيات فمدلولها منها وفيها.
وها هو مرة أخرى يتلمذ لأبي الحسين بن عبد الملك الوزير اللغوي الحافظ الذي كانت الرحلة إليه بعد أبيه في تقييد كتب الأدب والغريب، ودراسة كتاب سيبويه يقول أبو الفضل: قرأت عليه كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام كما أخذت عنه كتاب الغريبين قوله:
بث الصانع لا تحفل بموقعها
في آمل شكر المعروف أو كفرا
كالغيث ليس يبالي حيثما انسكبت
فيه الغمائم تربا كان أو حجرا

تراه لا ينفك من فينة لفينة يجلب إلينا شعرا له أبعاده في بث الوعي وإيقاظ النفوس لمكارم الشيم ومحامد الخلق وهو في ذات اللحظة يسبح في خضم الآداب الواعية وفي لمة من زعماء في استكناه أسرار اللغة واستبطان مفاهيمها عسى أن يصيب من فقهها ما تسمو به المدارك ويتجل فيه الأدب الرفيع بمعناه الواسع حيث لا يفوته بما يعطاه اليوم من تعاريف تكسوه حلة الشمول لمرافق الحياة وما تهدف إليه في شتى المجالات الإنسانية.
هذا وأكثر ما نراه متجليا وبقلم حي وقتما نتصفح بعض آثاره العلمية والأدبية كالشفاء والطبقات، والمدارك، والمشارق والاعلام بحدود قواعد الإسلام، والفهرست خاصة كتاب الشفا الذي كان بحق شفاء للأسلوب والقلوب:
فقالوا أراك تحب الشفا
وتخبر فيه عن المصطفى
فقلت لأني عليل الفؤا
د وكل عليل يحب الشفا
وكمثال خفيف يلقى (هو الآخر) أضواء على هذه الظاهرة الرائعة نلمسه ونحن نردد بيتين ارتفع فيهما إلى القمة بلاغة وتشبيها يذكرنا على التو بشعر ابن المعتز وقد ساعده محيطه ولكن على مسرح الطبيعة قال:
انظر إلى الزرع وخاماته
تحكي وقد ماست أمام الرياح
كتيبة خضراء مهزومة
شقائق النعمان فيها جراح
ولابد أن يسمو أسلوبه قريضا ونثرا ومن بين أساتيذ مدرسته خلف بن يوسف بن فرتون النحوي الثقة علما وأدبا إذ كان كعبة الأدباء بالأندلس والمغرب جميعا. وبعد فلم يكن ولوع أبي الفضل عياض الأدبي وتردده على مدارسه وتكرار نصوصه ومصنفاته كالكامل الذي كان يمتزج بنفسه لكثرة ممارسته وعلى جمهرة من أعلام الفكر والأدب لم يكن ذلك لينسيه أو يثني طاقته الثقافية عن باقي العلوم أصولا وفروعا خاصة علم القراءات وتوجيهاتها والتردد على حلقاته وأخذه عن غير ما أستاذ ـ كالمقري أبي القاسم خلا المعروف بابن انخاس قال: ناولني كتاب طبقات القراء لأبي عمرو كما كانت إليه الرحلة وعلم القراءات أثناء العقد الثاني بعد الخمسمائة طالما كان هذا النوع من العلوم القرآنية لدى العهود الأولى ذا قيمة رواية ودراية إيمانا من رجال تلك المدارس المشرقة إن لم يتصف بالأستاذية قد لا يوثق بثقافته الإسلامية.
وقد يكون هذا العرض المتواضع كذكرى يقظة تلفت الأنظار وأنظار الشباب الواعي إلى مثقفي السلف وعلمائه وأدبائه ومدى انكبابهم على الأخذ وفي جهاد متواصل ورهبانية تنسيهم كل ما يمت بصلة المادة وتعرفهم في ذات الوقت قيمة الإنسان الحق وما يجب عليه كطالب له طموحه الصادق وهيامه بالمعرفة جاعلا نصب عينيه كنموذج حي أمثال مترجمنا أبي الفضل عياض.
وتلك الغاية المتوخاة من كتب هذه الكلمات ذات الأبعاد المتأججة حيوية طالما بعثت وتبعث من أبنائنا طريق الذين فنوا ونسوا ذواتهم في سبيل الارتفاع بأرواحهم واضعينها في بوتقة المعارف وتلك اللذة الكبرى التي لا يحسها إلا من ذاق طعمها وامتزجت بشرايينه.
(من ذا طعم شراب العلم يدريه
ومن دراة غدا بالروح يشريه)

(1) ترجم نصه وعلق حواشيه وقدم له الأستاذان علال الفاسي ومحمد بن تاويت الطنجي.
(2) أحد الكتب الأربعة المعتمدة في الأدب فيكون باقي كتب الأدباء فروعا عنها كما لابن خلدون
(3) ترجمه صاحب فوات الوفيات ج 2 ص 19.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here