islamaumaroc

[كتاب] التاريخ والسير (د. حسن فوزي)

  دعوة الحق

176 العدد

أثارت مادة التاريخ في العصر الحديث، كثيرا من الجدل والنقاش تبعا لتعدد النظريات والاتجاهات حول تصنيف هذه المادة في سلم فروع المعرفة، أهل هي من قبيل العلوم أو الآداب؟ وهل يجب على المؤرخ ـ من ثم ـ أن يخضع نهج البحث التاريخي للمقاييس العلمية الصرفة، أم يسعه أن ينظر إلى موضوعاته من زاوية الفكر الأدبي؟ أم أن الأنسب الاعتماد في مثل هذا ـ المجال ـ على منهج مزيج، تتظافر فيه النظرة العلمية والأدبية؟
وأكثر من هذا، فقد كان من اللازم أن تتسع النظريات في الموضوع التاريخي لتقيمه من جوانب أخرى أكثر راديكالية، مثل التساؤل عن المدلول الحقيقي لفن التاريخ؟
وما مدى منزلة فن السيرة بين الفنون المتصلة بمادة التاريخ، أو المدرجة في نطاقه؟
تساؤلات كثيرة كهذه، تخطر على الذهن، مستقاة من حوافر هذه النزعة السائدة في مناخ الفكر الحديث، بمحاولة تقيم كل شيء وإعادة تقييمه، تبعا للتحرك المستمر في العلاقة بين الأشياء، وتطور النظرة إليها والحكم عليها، بالنتيجة ويبدو وكأن بعض هذه التساؤلات كانت تلح على أسلافنا ممن كانوا يتصدون للتدوين في مادة التاريخ، فتراهم في كثير من الأحيان يصدرون مصنفاتهم التاريخية بفضل تقليدي عن فائدة هذه المادة، وقيمة المعرفة التاريخية بين أصناف المعرفة.
والكتاب الذي نعرض له في هذا المجال، محاولة لبحث الموضوع من منظور هذه التساؤلات أو نحوها، سعيا من المؤلف إلى استخلاص فكرة موضوعية عن البحث التاريخي وجذوره، وتحليلا لأبعاد مهمة المؤرخ وملابسات عمله، إلى مثل هذا من المسائل.
وتطرح بعد هذا، في بداية تناولنا للموضوع، السؤال مع المؤلف عن مدلول التاريخ كفن من فنون المعرفة: ماذا يحسن إدراكه من هذا التعبير، تعبير التاريخ؟ ومم يتشكل الموضوع التاريخي، إذا حاولنا أن نتعرف عليه؟
يورد المؤلف بصدد السؤال قوله:
«...التاريخ كما يرى «هيرنشو» هو مدونة العصور الخوالي، وكتابها الحافظ لأخبارها، أو هو التدوين القصصي لمجرى الأحداث العالمية كلها أو بعضها، ومن قبله عرف ابن خلدون التاريخ بأنه فن يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم والأنبياء في سيرهم والملوك في دولهم وسياستهم، حتى يتم الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا» فالتاريخ إذن هو جماع أحوال البشر ما يقع منهم، وما يقع عليهم، وهو مدونة الماضي لجلاء الحاضر، وفي إطاره هذا لا بلى قديمه، فهو دائم الجدة والتجدد، ذلك أن الإنسانية ترتبط ارتباطا وثيقا، وهنا يلعب الزمن دوره الأزلي، بحيث يبدو جامدا لا يتحرك ما لم تتواتر على مسرحه أحداث هي من صنع الإنسان أولا، وهي من صنع الحياة ثانيا، فالحياة تفرض نفسها على إرادة الإنسان، والصراع الذي يخوضه الإنسان في معركة الحياة، وهو الدراما الخالدة على مسرح الزمن، وقد تتجدد الصور والمناظر في تلك الدراما، ولكن شخوصها وتواتر أحداثها باقيان، فالإنسان هو الإنسان، ومعركته خالدة ما بقى مع الزمن والحياة..» (9 – 10)
والحق أن تعريف التاريخ تحت ضوء هذه المعطيات التي ساقها المؤلف لا يستتم دلالته إلا بالتعرف على دور المؤرخ في تدوينه التاريخ، وما يؤثر به الجهد الذي يبذله في تجلية وقائع الماضي، إذ أن الواقع التاريخي وعمل المؤرخ في استحضار صورته ليشكلان منظومة متكاملة، وصالحة في إطارها المتكامل هذا ـ لرسم ملامح مفهوم التاريخ، وأبعاد هذا المفهوم وبصدد بسط هذه الفكرة يذكر المؤلف:
«... إن المؤرخ لا يقص خبر الأحداث فحسب، بل يفلسفها ويتحرى العلل في وقائعها والنزعات التي تسوقها، ليفسر على ضوئها أحداث الحاضر الذي يعيشه، وليس في مقدوره أن ينزع نفسه من حاضره، فكل ما يعنيه أن يتخذ من الماضي وسيلة لفهم نفسه، وإدراك ما يحيط به، وتلك فائدة التاريخ، وجدوى عمل المؤرخ...» (13).
هذا من علاقة المؤرخ بالتاريخ، وقد أوردنا ـ قبل ـ اختلاف أنظار المفكرين في علاقة التاريخ، بفروع المعرفة الأخرى أدبية أو علمية، وترددهم بين أدراج الموضوع التاريخي في نطاق النظر الأدبي، أو في إطار التحليل العلمي.
ويتعلق بالمسألة ـ كما ذكر ـ موضوع النهج الذي يتحكم في مسار النظرة إلى البحث التاريخي، والاستنتاج منه، وفي هذا الباب يتوجه المؤلف إلى إقامة موازنة طريقة المؤرخ في تناول الوقائع التاريخية، وأسلوب الفيلسوف في ذلك،وحول هذه النقطة من تحليلاته، يورد قوله:
ان المؤرخ غير الفيلسوف، إذ بينما يقف المؤرخ أمام الواقعة التاريخية باحثا منقبا عن نشأتها ومجراها ودلالتها، ترى الفيلسوف يطل على عالم التاريخ كله في صورته الكونية العامة، لا يعنيه العرض قدر ما ينفذ إلى الجوهر، ولا يهيم بالواقعة قدر ما يهيم بالعلية فيغوص وراء الواقعة بحثا وراء الجوهر، وسعيا وراء الكل، ثم يضع مذهبا يفسر به الواقعة، وكثيرا ما يعبره المؤرخ عبورا هينا فلا يعنى به قدر ما يعني بحقيقة الواقعة ذاتها، وارتباطها بزمان ومكان معين، فإذا شده المذهب الفلسفي اختلت نظرته إلى التاريخ وجاوزته الموضوعية إلى الذاتية في بحثه.. (13)
وتصور المؤلف ـ هكذا ـ لطبيعة النهج الذي يسير عليه المؤرخ باعتباره نهج بحث وتنقيب عن الحقائق الموضوعية ينم عن اتجاه إلى إدخال مادة التاريخ في مضمون العلم، وإن لم يحسب ـ بالضرورة من العلوم التجريبية، وهذا ما يؤكد المؤلف بالفعل في مستأنف حديثه حيث يقول:
«...إن التاريخ علم وإن كان لا يدخل في مضمار العلوم التجريبية، وهو علم بحث وتمحيص، بحث وراء الحقيقة وتمحيص لها...» (13)
بل إن الكاتب يذهب أكثر من هذا ـ إلى أن التاريخ قد لا يكون أكثر من مجرد تعبير عن طريقة للبحث بصرف النظر عن المادة التي يتناولها الباحث، الأمر الذي ينبئ عن طبيعة علمية لمدلول التاريخ، حيث أنه يصلح ـ بحكم هذا الاعتبار ـ وعاء لتمحيص موضوعي للحقيقة في غير ما مجال من مجالات المعرفة، وينقل المؤلف لتقرير هذا المعنى قوله:
«.. لفظ التاريخ، حتى في معناه العلمي المجرد ـ قد لا يعني شيئا على الإطلاق، إلا أن يكون بحثا أو طريقة للبحث، وليس له موضوع ما لم يقترن بصفة تميزه كالتاريخ السياسي، نعني به تاريخ دولة من الدول، أو التاريخ الاجتماعي، ونعني به تطور أمة من الأمم في حياتها، وتاريخ الحضارة، ونعني به تقدم الحياة الإنسانية، وتاريخ الفن، وتاريخ الأديان وهكذا إلى كل ما يندرج في آية ناحية من نواحي الحياة الإنسانية أو النشاط البشري على الأرض... (13 – 14) لكن فيماذا يختلف التاريخ عن السيرة، من حيث مدلولها؟
يجيب المؤلف على هذا بقوله:
إذا كان التاريخ هو البحث عن الحقيقة وتمحيصها وجلاء غموضها، في أي جانب من جوانب الحياة الإنسانية، فإن السيرة هي البحث عن الحقيقة في حياة إنسان فذ، والكشف عن مواهبه وأسرار عبقريته من ظروف حياته التي عاشها، والأحداث التي واجهها في محيطه، والأثر الذي خلفه في جيله، لذلك كانت أقرب إلى التأثير الدرامي من كل ألوان التاريخ الأخرى وكانت أكثر إثارة للقارئ من كل كتابة تاريخية غيرها حيث تجيش بكافة الانفعالات والعواطف التي تثور في أعماق البشر، والتي تتجرد منها الواقعة التاريخية في أعماق البشر، والتي تتجرد منها الواقعة التاريخية كحدث وإن كانت من عمل الإنسان ذاته..» (04 – 15)
ومهما يكن من أمر هذه الخصوصيات المميزة بين البحث التاريخي الموضوعي، وبين فن السيرة فإن الذي لا مراء فيه، أن جذور الفكر التاريخي في عمومه ترجع إلى سحيق العهود، إلى فجر وجود الإنسان ذاته، حيث كان للخرافة أثر مهم تكييف عقلية الناس وفي حياتهم على وجه العموم، أما نشوء المنهج العلمي للتاريخ، فيعود بطبيعة الحال إلى زمن أقرب.
ويذكر المؤلف في هذا المقال:
«.. ان للمنهج العلمي للتاريخ قد بدأ على يد الإغريق، وإن كانت بداية فجة، إلا أنها كانت موفقة إلى حد بعيد حين أخذوا يحررون العقل البشري من سلطان الخرافة، ويتلمسون العلل لظواهر طبيعية كانت تنسب حتى ذلك الوقت إلى نزوات الآلهة الخرافية وأهوائهم، وكان ذلك عندما تنبأ «طاليس المالطي» بكسوفف الشمس عام 585 ق.م. وصحت نبوؤته، فقد تملك الإغريق حينذاك شغف بالبحث والتنقيب، وكانت حياة الإنسان هي أول ما أثار اهتمامهم فأوغلوا في ماضيه، ورادوا آثاره ودرسوا مدنياته، وكانت تلك البداية التي بدأها «هيكاتيوس الملطى» حين فصل بين الحقيقة والأسطورة في تاريخه لنشأة الإغريق..»(20).
وتتابعت بعد هذه البداية مواكب المؤرخين الإغريقيين، فكان منهم «هيرودوت ـ أكثرهم شهرة، عاش في أثناء القرن الخامس قبل الميلاد، ثم «تيوسيديد» وكان من أهل القرن الخامس هو كذلك وساهمت أمم أخرى كالمصريين والعبرانيين والرومان في تطوير المعرفة التاريخية، ويورد الكاتب عن دور الرومان بهذا الصدد قوله:
«.. بقى التاريخ الروماني عالة على مؤرخي الإغريق يكتبونه باليونانية، حتى نشر الخطيب الروماني «كاتو» «كتاب الأصول» في منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، وهناك مؤرخ من معاصري قيصر وشيعته لم يبق منه غير رسالتين. وجاء «ليفي» «بعد» «سالست» وبعد ليفي «بقرن جاء (تاسيست) آخر مؤرخي الرومان العظام وأشهرهم على الإطلاق فصاحة وقوة بيان...» (25)
ونعلم كم صادفته المعرفة التاريخية بعد ذلك من توسع نتيجة لجهود المسلمين في مشرق العالم الإسلامي ومغربه فقد ضمن المؤرخون الإسلاميون تصانيفهم فيضا من المعرفة بالتاريخ قديمه وحديثه، وكان لهم في شتى الفنون المتصلة بمعرفة العالم والإنسان كالرحلات والتراجم والسير ونحوها، قدم راسخة وقد عنى المؤلف ـ كما رأينا في موضوع كتابه ـ يبحث هذا الفن الأخير فن السيرة الذي زخرت المكتبة التاريخية قديما وحديثا بالعدد العديد من المدونات في مضماره، وفيما يعرض له المصنف بهذا الخصوص يورد قوله:
«.. ليست الأساطير المثيرة التي نسبت إلى أبطالها من المعجزات والخوارق ما يفوق طاقة الإنسان العادي هو سبب إعلاء البطولة، ولكنه الإنسان نفسه ـ هذا الإنسان الذي صنع التاريخ، هو الذي ولد في أعماقه شعور بالعجز أورثته إياه الظواهر التي لا يستطيع لها تغييرا من برق ورعد وخسوف، وتحول ـ هذا الإنسان الذي صنع التاريخ، هو الذي ولد وفي هذا الشعور بالعجز إلى نوع من الاستسلام لتلك القوي الخفية فهو يلوذ بكل ما يجد لديه الحماية والأمن، وتمثلت تلك الحماية في ساحر القبيلة وكاهنها، ورأى الساحر أو الكاهن أن يستعين برجل قوي أو محارب شجاع! وغدا هذا الاستسلام طبيعة في نفس البشر، فلما بدأ الإنسان يكشف عن بعض أسرار الكون بقيت في نفسه أثارة من الخوف والعجز تسوقه إلى إكبار البطولة وتقديسها...» (28)
على هذا المنوال اتجه المؤلف لاستجلاء أصول التفكير الأسطوري الذي انبثق عنه فن السير، قبل أن يستوي هذا الفن على قدميه،  ويتطور عبر الدهور ليثبت وجوده في حظيرة الآداب الحديثة، وإن كان مضمون هذا الفن، والروح التي تسوده صارا مختلفين الآن عما كان عليه أمرهما في السابق.
وإذ يبرز الكاتب صورة هذا التحول الذي أصابه فن السيرة في عصرنا، يقول بصدد ذلك:
«... بالرغم من أن البطل في السيرة لم يعد نظر مؤرخي العصر الحديث غير ظاهرة اجتماعية مما يخلع عنه ثوب البطولة الذاتية، إلا أنه منذ كتابة السير، قد تطور بما يعرض مظاهر البطولة القديمة يعرض صور التفرد في حياة البطل، وتأثير الظواهر الاجتماعية في حياته، وأثر تكوينه الجسماني في سلوكه وأعماله والبحث وراء هوانه، أو جوانب حياته الشخصية علها تفسر لنا عبقريته أو طريقته في التغلب على الصعاب أو اقتحام المخاطر، أو علاج المشكلات، مما يستهوي القارئ أكثر مما كانت تستهويه مظاهر البطولة البدائية (38).
والواقع أن هذا الاستهواء الذي يجده القارئ في السيرة ليس مما يسهل على الكاتب تحقيقه، إذ أن الأمر يتطلب منه براعة أدبية قائمة، ويقتضيه إلى ذلك، جهدا غير يسير في استحضار العناصر اللازمة، والتدرج في مراحل استثمارها، وذكاء في تسوية الصورة الممتعة التي يتغيا بلورتها من وراء مجهوده.
ويعرج المصنف ـ في موالي الحديث ـ على ذكر هذه المراحل التي يمر بها العمل عند كاتب السيرة، وما يستوجبه منه الحال من معناه، فيذكر في ذلك:
«كتابة السيرة أمر غير يسير، لا يقدر عليها إلا من أربى على قدرة المؤرخ، وإحساس الأديب معا، وأبرز ما في السيرة هو العمل الكبير الذي قام به صاحبها، والأثر الفعال الذي قام في الحياة الإنسانية وهذا العمل هو المحور الكبير الذي يدور حوله كتاب السيرة ليس مما يسهل على الكاتب تحقيقه، إذ أن والتربية والحياة العامة التي يحياها صاحب السيرة، ما هي إلا منافذ ينفذ منها كاتب السيرة إلى الحافز الذي قاد صاحبه إلى العمل التاريخي، وما لم يصل كاتب السيرة إلى هذا الحافز، ويتقص أسبابه وعوامله، كانت روايته قصة باهتة لا نبض فيها ولا حياة، فهي سرد لحياة قد تبدو عادية إذا جردناها من هذا العمل الكبير الذي يشد التاريخ إلى صاحبه... (62)
وفي مزيد من الاستقصاء لمناحي الجهد الذي يتعين على المؤرخ أو على كاتب السيرة أن يبذله في تسوية عمله، يسوق المؤلف قوله:
«...حين نحدد الحافز أو الموهبة في حياة صاحب السيرة، نبحث عن العوامل التي كونت هذا الحافز فنعود بالسيرة إلى الإطار الذي نشأت فيه، ويتحدد هذا الإطار بالزمان والمكان.
فالزمان والمكان يلعبان دورهما وفي غاية البراعة في تأهيل الفرد للعمل التاريخي، تلك البراعة التي تضع أصحاب المواهب في زمن يتفق ومواهبهم تلك...» (70)
عن سيرة الشخصية التاريخية هي النتاج الحقيقي الرائع، للتفاعل بين الزمان والمكان معا...» (71).
وفيما يتصل بعمل كاتب السيرة أيضا، باعتبار انه يسعى إلى إنتاج عمل أدبي رفيع المستوى، هناك جانب العناية بالأسلوب كعنصر مهم في هذا المقام وحول النقطة هذه يذكر الكاتب:
«... أراني بعد هذا في حاجة إلى تحديد الإطار العام لكتابة سيرة تاريخية، وأود أن أؤكد حول هذا ـ حاجة المؤرخ إلى بلاغة الإنشاء وروعة الأسلوب الذي يصل بالتعبير الساحر إلى أصدق صور الموقف التاريخي، ولن يصل المؤرخ إلى غايته ما لم تواته القدرة على الوصف والرواية مع دقة التعبير وسلامة الأسلوب وطلاوته...». (90).
«... ولعل انفعال كاتب السيرة بسيرة من يكتب عنهم، هو أقوى صور الانفعال التاريخي، ولذلك، فإن السيرة كثيرا ما تقرب من سمت الأدب كما يقترب كاتبها من سمت الأديب، ولعل هذا هو سبب القول «ان السيرة تكتب تاريخا رديئا...» (90).  
«... وترتد بعد هذا إلى الوراء عبر مواطن القول في الكتاب، فنلتقي بالمؤلف في تحليل جميل لعالم الأديب الذهني، ورؤيته ـ ضمن ذلك ـ للمحيط الذي تتبلور فيه تصورات كاتبي السيرة، وهو يضطلع بعمله الأدبي، منغمرا فيه بكل أحاسيسه وتخيلاته.
وهذه رؤية للمؤلف إلى الموضوع حيث يحاول تصوير المفهوم الأدبي للسيرة من خلال التعريف بالخيال الأدبي في إطلاقه.
يقول المؤلف:
«خيال المؤرخ غير خيال الأديب الذي يسبح في أجواء سامقة من صنع نفسه، أو إلهام ذاته غير عابئ بالحقيقة المجردة إلا بقدر ما يلهمه الخيال من صور النفس في نزعاتها الأزلية، وفي لا نهايتها المترامية أن خيال الأديب خلق وإبداع، فمهما اقترب الأديب من صور الحقيقة أو الواقعية، فإن واقعيته، لا تعدو تصويره للحياة في الصورة التي يرتجيها، أو الصورة التي هي عليها، ومهما أوغل الأديب في الواقعية، فإن واقعيته تتعلق بصورة أو عدة صور من صور الحياة يغلب عليها الطالع الدرامي، وإلا ضاع منه الإطار الفني للقصة أو المسرحية أو القصيدة، لذلك نراه يتخيل أبطاله من أناس غير عاديين، أوجدهم القدر، فأوغل بهم إلى حيث تختل إرادة الإنسان، وتبطل إيجابيته، فهو في الغالب مسوق إلى غاية ليست ككل ولكنها غاية فيها بعض الشذوذ، أو كل الشذوذ عن التواتر المعروف في الحياة، وليس من الضروري أن يكون الشذوذ انحرافا في نزوات الإنسان أو نزعاته، ولكن يكفي أنها تجربة غير عادية تمر بحياة إنسان ما، يتناولها الأديب فيجد تصويرها والتعبير عنها أو محاكاتها كما يرى أرسطو..» (58)
.. إن السيرة أحفل من التاريخ بالعواطف الزاخرة الجياشة والأحاسيس النابضة، لأنها تعرض من سيرة الفرد لجوانب حياته المختلفة حتى تتجلى مقومات شخصيته، وتبرز معالم حياته لتفصح عن سر نبوغه وتفرده، إذ لا تحفل السيرة إلا بكل نابغة فريد» (61)
ونفضي ـ عند خاتمة المطاف ـ إلى هذه الخلاصة في التعريف بمهمة كاتب السيرة، وعبر ذلك، في التعريف ـ مجددا ـ بصورة هذا الفن الجميل، وأبعاده الأدبية اللطيفة.
فلنقرأ مع الكاتب:
«... السيرة كمبحث من مباحث التاريخ، تمثل حياة إنسانية متكاملة من المهد إلى اللحد، بل إنها تصل إلى ما قبل المهد من تاريخ الآباء والأجداد، وتمتد ـ بعد اللحد ـ فيما تخلقه من أثر في جيلها وفي الأجيال اللاحقة، وهي أحفل بالتخيلات من التاريخ المجرد، وكاتبها أشبه ما يكون بعالم الاحياء الذي في إعادة تركيب حيوان بائد، منه بعالم الاحياء الذي يرد الأنواع إلى أصولها الأولى، فهو أقرب إلى طبيعة الفنان من المؤرخ المجرد.. »
سأل عمر بن عبد العزيز شابا عن الدنيا، فقال: يا أمير المؤمنين، ذقت حلاوة الدنيا، فوجدتها مرة، فصغر في عيني زهرتها وحلاوتها، واستوى عندي حجرها وذهبها، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وإلى الناس يساقون إلى الجنة وإلى النار، فأظمأت لذلك نهاري، وأسهرت له ليلي، وقليل حقير كل ما أنا فيه جنب ثواب الله وجنب عقابه، فلأجد لما فيه مرضاة الله خير لي.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here