islamaumaroc

سفير

  دعوة الحق

176 العدد

استيقظ السفير الأندلسي ببلاد الدانمارك مبكرا، وأزاح الستائر عن الشرفات الكبرى بنفسه، ومن خلال زجاجها الصقيل أطل على المروج الفسيحة، التي لا حد لاتساعها، والتي تشقها جداول مياه صافية، لو لم يكن هناك سحاب للمعت تحت أشعة الشمس، وتتخللها زهور مختلفة الألوان والأشكال. وللحين سرت في نفسه مشاعر رقيقة وأحاسيس ممتعة، ابتهاجا بهذه المناظر، وعقد العزم مع نفسه بأنه إذا تم التعارف مع هؤلاء القوم لينزلن كل يوم، صباحا وضحى وزوالا ومساء وليلا للتمتع بهذا الجمال الطبيعي الفاتن. وتعجب من أن بلاد الأندلس ودعت الربيع منذ أسابيع عدة بينما القوم هنا مازالوا متمتعين بمناظره الخلابة ومحاسنه المتجلية في كل مكان.
وانقلب إلى ناحية أخرى من حيث تنظف على أحسن حال، وتعطر بعطور خاصة، ثم سلم رأسه ولحيته لحلاقه الخاص، يعتني بهما ويزينهما كما ينبغي... وجاءته العريفة بعد بملابسه الفاخرة التي استصنعها من قبل، وخصصها لمقابلة الملوك والخلفاء وسراة القوم الاعلين. إن الجميع في انتظاره، فهذا يوم مقابلة إمبراطور الدانمارك (هوريك) ودخول حضرته السامية. وأقوام الروم والافرنج والجرمان ذوو فخامة في مجالسهم وقاعات عروشهم، فلابد إذا من إظهار فخامة الحضرة الامية، وبهاء الحضارة الأندلسية وفضائلها ومزاياها في هذا اللقاء بالمواقف والتصرفات والأفعال والأقوال.
وهكذا، عند ارتفاع شمس الضحى جاءت العربة الإمبراطورية الفخمة، تجرها الخيول المطهمة الثمانية، يدل خارجها الرائع الفخم على ما في داخلها الباذخ النفيس. وبعد هنيهة خرج السفير بتؤدة، تتقدمه هيئة التشريفات الرسمية، وتماشيه كوكبة الشرف التي أرسلها جلالة الإمبراطور.
ورغم ما يظهر على السفير من هدوء ورصانة فإن فكره كان مشغولا، كما أن عينيه كانت تتفحصان الأشياء جيدا، وتربطها بالظروف والأحوال. لقد عرف أن بلاد الدانمارك تربط جنوبا بعدة أقطار، من جهة الجنوب، بلاد الجرمان، وما يليها من بلاد الفرنج والقشتاليين، وذكر له أن المحبوس قديما حملوا إلى هذه البلاد ديانتهم، وما يصحب هذه الديانة من فلسفات وأوهام وأحلام وأساليب حضارة... ثم جاءت النصرانية تتعقب هذه الديانة الضالة وتحتل مراكزها ملاحظة: رجح الأستاذ البحاثة محمد عبد الله عنان أن هذه السفارة كانت لبلاد الدانمارك، وحولها تدور هذه الأقصوصة.
على هذا، فتيارات الحضارة تضطرب هنا.. وتوقف عن التفكير متأملا في جمال الطرقات وهندسة البنايات الفخمة المتراصة على الجانبين. وعاد يسر لنفسه قسما، بأن يدخل إلى هذه البلاد جوانب من الحضارة الأندلسية وفي جميع مظاهرها: في رقتها، في لطفها في جاذبيتها... فوق ذلك في نباهتها، في فطنتها، في أحاسيسها الرقيقة، في مشاعرها المرهقة، وزاد يقول: إنما لنفقه فقط.
سأريهم ما هي الأندلس، ما هو مستوى حضارتها الفكرية والفنية والجمالية والعمرانية كيف هي رياضنا، وكيف مغارسنا ورودنا وأزهارنا، وكيف هي قصورنا وحجراتها وحماماتها ومنتزهاتها، وكيف ملابسنا وجواهرنا وحلينا وتحفنا... لابد أن آتيهم بنماذج من كل ذلك، لأبين لهم حجرات أندلسية وحمامات أندلسية... المهم هو إبراز الطابع وإبراز مجال للمقابلة، والمقارنة ليرى هؤلاء القوم ماذا يمكن أن تبدعه المخيلات الأندلسية الواسعة وما تصنعه الأيدي الأندلسية الحاذقة؟
وعاد يفكر جديا في مشكلة طارئة:
وأخبره أن (البروطوكول) تقتضي الركوع والسجود المكلف بتنظيم كيفية الدخول على جلالة الإمبراطور، وأخبره أن (البروطوكول) تقتضي الركوع والسجود بين يدي الإمبراطور (هوريك)، ولكنه أخبره أن الركوع والسجود لا يكون إلا لله سبحانه وقال لهم، تكفي انحاءة التقدير كما هو الحال بالأندلس!
دخل القصر، وعند الوصول إلى باب القاعة الكبرى التي يجلس فيها الإمبراطور، وجدهم قد وضعوا عارضة تمنعه من الدخول واقفا..! فوجئ السفير، ولكنه لم يستسلم للمفاجأة، إذ جلس فورا على الأرض، وأخذ يدخل زاحفا، مادا قدميه نحو الأمام، ولما تجاوز الحاجز وقف، وسار نحو مجلس الإمبراطور بكل احترام ووقار، والبسمة مطبوعة على شفتيه، وباسطا راحتيه مقدما رسالة الأمير، سيد قرطبة وخليفة الأندلس الزاهرة.
قال الإمبراطور للسفير، بواسطة الترجمان، وعلى وجهه ينطبع الاستياء:
ـ مالك والدخول علينا بهذه الكيفية التي دخلت علينا بها...؟
ـ كان لابد لي من الدخول إلى المقام السامي، فلو أن رجلي قيدتا لدخلت حابيا!
ـ لقد جرت عادة السفراء أن يتقيدوا بتعليمات أصحاب (البروتوكول)..
لقد بينت لمبعوث (البروتوكول) أن الركوع والسجود عندنا لا يكون إلا في عبادة، وأنا هنا جئت للاتصال بجلالة الإمبراطور، سيد البلاد وحاكمها، لا للدخول في معبد.
وسكت الإمبراطور، وأخذ يتطلع إلى مبعوث خليفة الأندلس، فرآه حسن الهندام، بهي الطلعة فواح العطر، جميل الهندام.. بالإضافة إلى انه ثابت الفؤاد عزيز النفس.
تضايق السفير (يحيى الغزال) بنظرات الإمبراطور الفاحصة، فانشغل عنها بأن أومأ إلى الخدم أن تقدموا بالهدايا التي يحملونها، وتناولها السفير واحدة واحدة، وأخذ يقدمها له شارحا مزاياها وقيمتها.
خف قليلا استياء الإمبراطور، ومع ذلك التفت نحو الوزير الواقف بجانبه وقال له:
لقد أرنا أن نطأطئ رسأه لجلالتنا، فكان أن واجهنا بنعله.. على كل حال يقتضي الموقف أن نؤجل هذا المشكل إلى حين...
أجاب الوزير:
كما ترى يا صاحب الجلالة.
وعندئذ التفت الإمبراطور إلى السفير وقال:
ـ كيف هي الأندلس؟ أما تزال غاضبة علينا؟
ـ ما دام المهاجم قد برهن عن شجاعة ومقدرة، وما دام الرد على الهجوم قد كان على مستوى الشجاعة والإقدام فلا محل للغضب!
 ـ لقد كان السبب فيما وقع أن الأخبار جاءتنا تقول، بأنكم تعتدون على النصارى المعاهدين المساكين، فكان من الضروري أن نذهب بسفننا إلى أرضكم لكف إذايتكم عن المظلومين.
ـ هجوم سفنكم وجنودكم على بعض مدننا مثل قادس واشبيلية وغيرهما كان عنيفا، قد سمي هذا اعتداء بحق، ولكنه نتيجة لأخبار كاذبة.
ـ أخبار كاذبة؟
ـ أخبار كاذبة يا صاحب الجلالة الإمبراطور لأن هؤلاء النصارى المعاهدين هم أصحاب مناصب سامية في الدولة، وأصحاب تجارة ممتازة، وأصحاب دور ومساكن ورياض رائعة، تفوق بكثير ما يسكنه بعض المواطنين الآخرين.
ـ قيل لنا أنهم يعملون مقيدين في الحديد.
ـ لا يقيد بالحديد ويوضع في السجن إلا من ارتكب جرما، سواء أكان مسلما أو نصرانيا أو مجوسيا أو يهوديا، ما عدا إذا كان صاحب الجلالة الإمبراطور يرى أن يعاقب البعض دون البعض.
ـ لا، المجرم يعاقب كيفما كان أصله ودينه... ماذا فعلتم بأسرانا؟
ـ قبل أن أجيبكم على سؤالكن اسمحوا أن أسألكم عن أسرانا أيضا، فما جئت إلا من أجل هذا الغرض، إنكم وافقتم فستحمل أول سفينة تخرج من الأندلس كل أسراكم إلى ديارهم، إذا، ما عليكم إلا أن تفتحوا مذاكرة في الموضوع.
ـ نحن لا غرض لنا في أسرى أمم أخرى من الأفضل أن يعودوا إلى بلدهم وأهلهم.
ـ ونحن كذلك، وإني أشكر جلالتكم على هذه البادرة نحو التفاهم.
ـ مهلا، غني أفضل الاحتفاظ ببعض الفتيان والفتيات الموجودين بهذا القصر، لقد اختبرناهم فكانوا على مستوى جيد من الحذق والمهارة.
ـ متى تحرروا من الأسر، وأصبحوا أسياد أنفسهم فعندئذ نعرض عليهم الأمر، بواسطة سفير بلادهم، ومتى قبلوا البقاء، فيحسن أن يكون ذلك بواسطة اتفاقيات خاصة!
ـ بالمناسبة نحن أيضا نريد أن نستضيف بعض أسراكم بعد تحريرهم، لأنهم على مستوى طيب من الخبرة الحربية، والقتال البحري.
ـ اتفاق باتفاق على ما يظهر!
ـ نعم يا مولا.
وتطلع السفير الحاذق إلى الإمبراطور (هوريك) فوجده كهلا ضخم البطن، عريض الأكتاف، يعلوه شحوب، ويثقل عينيه انتفاح، لعله من أثر الإدمان على الشراب، وكان الشعر الذي يعلوه تاج مرصع في لون (الكامون) مشوب بقليل من الشيب. أما الملابس فهي بطبيعة الحال فاخرة لا تقدر بثمن وتقف عند الركبة، من حيث تتكسى الرجلان بجوارب من المخمل الأبيض، ويغطي القدمين ما يشبه الخف من الصوف الممتاز الجيد الصنعة، واليدان من جهتهما منتفختان من السمنة وترصعها جميعا خواتم، ذات فصوص نادرة، والابتسامة التي تكون جميلة وعذبة حتى عند ذوو الوجوه الصارمة، يخيل للسفير أنها منطفئة عند الأمير، ولا يدري أحد كيف يعبر عن سروره ويظهر أن الابتهاج مهما تفاوتت درجاته فإنها يعتمل في صدره فقط، ولا يكون له أي مظهر خارجي.
وكتعبير من الإمبراطور عن تقديره وإعجابه بالسفير وحذاقته ولباقته قام له عند الوداع، وطلب منه أن يأتي في المساء ليتناول معه طعام العشاء، وليتسامر منه. وفعلا لبى السفير الأندلسي هذه الرغبة، وجاء في لباس آخر أبيض، بعدما تنظف مرة أخرى وتطيب، ورجل شعره السبط الأسود المرصع بالخيوط الفضية اللامعة، ومنحته القيلولة التي ارتاح فيها بعد الغذاء الشهي، راحة في النفس، واعتد لا في المزاج وسماحة في الوجه، وصفاء تاما في العينين، مما يجعله يشعر شعور المستيقظ لتوه لصباح جديد.
ولم يتخل عن حذقه وخبره عند العودة، فقد أخذ معه بعض الطرائف والمقتنيات، ووضعها باعتناء وتأنق في صناديقها العاجية أو الزجاجية أو الخشبية المزخرفة، وكلها من النوع الذي يثير الإعجاب ويأخذ بالألباب، إعجاب واهتمام صاحبة الجلالة الإمبراطورة على الخصوص.
وصل إلى باب القصر العظيم، فأخذوه إلى الداخل بإجلال وتعظيم، حتى قاعة خاصة، مارا بروض بهيج، منسق على غير الطريقة التي تنسق بها الرياض الأندلسية، وكانت الأرض مفروشة بالحصباء النظيفة، ذات الألوان المختلفة، وفي الممرات عن اليمين والشمال كانت تماثيل بديعة لنساء قائمات وقاعدات أو منحنيات، وكلها بالغة الروعة في صنعتها كما كانت هناك نافورات يعلو ماؤها المنبجس نحو الفضاء، فيرغم الأبصار على تتبع علوه إلى النهاية.
استقبله الحاجب الخاص للإمبراطور وأخذه إلى المجلس الفخم الرائع المدهش: المفروشات ثمينة جدا ونادرة، جلها من الحرير والصوف ذوو الألوان الزاهية، والستائر المسدلة هي أيضا من الحرير الملون المعجب الجذاب. المكان فسيح جدا، تتوسطه عدة أساطين من المرمر، رؤوسها من النحاس الأصفر المطعم بالذهب، من حيث ينكس عليها أنوار المصابيح العديدة المتدلية، وكل ذلك يضفي على المكان بهاء وجلالا.
والأبهى والأجمل من ذلك كله هو مجلس الأمير، لقد كان مستويا على أريكة واطئة فاخرة، حواشيها من الذهب، ومتكؤها ومقعدها من القطيفة الحمراء القانية، وتحت الخدمين وسادة حريرية، اندست فيها الرجلان، ومن حول الإمبراطور أريكتان، لا تقلان كثيرا عن فخامة الأريكة الإمبراطورية، احداهما أجلسه عليها الإمبراطور بنفسه، بعد الترحيب الجزيل، وبمجرد جلوسه صفق بكفيه الاثنتين فجاء الحشم بمائدة فاخرة عامرة، فلكأنها نزلت من السماء، بها قنينات متنوعة من الخمور المعتقة أصل بعضها من شمال الأندلس، وأصل بعضها الآخر من جنوب بلاد الإفرنج أو من شمال انكلترا. وبحوار هذه القنينات صحائف فضية، كلها عامرة بأنواع من الفواكه، فواكه ضخمة ناضرة طرية، ومعها صحون ذهبية صغيرة مليئة بأنواع غريبة من النقل والملحات.
قال الإمبراطور عن طريق التجرمان:
ـ إني أجدد ترحيبي بسفير مولاي الخليفة، فهات حدثنا عن بلادكم الأندلس؟ كيف هي؟
وكأنما فتح الإمبراطور لمياه ثرة صافية، إذ أخذ السفير يسرد، وكان في سرد هذا عارفا بما عليه أن يقول أو يترك، وكان هذا الذي يقوله دقيقا شاملا وجذابا، بما يضفي عليه من اللمحات الذكية والنوادر العجيبة، وكأنما شعر بأن الترجمان ليس في مستوى هذه المهمة الفنية الدقيقة فطالب أن يأتوه بترجمانة بارعة، زارته في مقره عند وصوله.
وبكل ما تملك الفتاة من عزة قومية وفخار وطني أخذت تترجم ما يقال لها، مضيفة على الترجمة من ذاتها وروحها وعواطفها الفياضة. وفجأة انحبس الكلام في فم السفير!
لقد طلعت على المجلس جلالة الملكة (نود) طلعت كما تطلع شمس الصباح مشرقة بهية آخذة بالأبصار ومجامع القلوب: قوام فاره، معتدل ممشوق وبشرة بيضاء زاهرة، مشربة باللون الوردي، ووجه مستدير فتان، حواجبه رقيقه في لون شعر الرأس الاشهل، وعيون متسعة خضراء، وخدود ناعمة عامرة، وأنف دقيق جميل، وثغر بديع ثنيتاه متراكبتان قليلا، وهما كباقي الأسنان في بياض مشرق، كلما افترت الشفتان عنهما.. وإذا كان هذا الوجه وذاك القوام هما للذان شدا بصر السفير في ذلك الدخول المباغث، فإن هناك محاسن أخرى سيكتشفها الرجل النبيه كلما جالسته وحادثته، خصوصا وأنها كما ذكر له تتقن اللغة البيزنطية التي يعرفها:
الفضولي إلى الأميرة الجميلة، ولكنه ذاب من خجل السفير من نفسه وهو يتطلع هذا التطلع الدهشة حين خاطبه الإمبراطور:
ـ كيف وجدت زوجتي صاحبة الجلالة؟ إنها حسناء بارعة الحسن ـ كما ترى ـ وفتانة وتخلب العقول، وإني لأعرف من خصالها ومفاتنها ما يعجبك ويدهشك إذا ما عرفته.
ـ أهنئ صاحب الجلالة بهذه الدرة النادرة والحورية الفريدة في الدنيا. إن حسنها لو وزع على غيد العالم لكفى كل غادة منهن النصيب الذي ينوبها. والتفت إلى صحابة الجلالة وترجم لها بالبيزنطية ما قاله بالعربية للترجمانة:
أطلقت الملكة أغرودة ـ لا ضحكة ـ من فمها إعجابا وتيها بهذا المدح النادر، الذي لم تسمع مثله في حياتها، ومدتها كفا رخصة، لا أبدع منها ولا أروع، فلم يسعه إلا أن يناولها بكفيه الاثنتين ويضعهما تحت شفتيه، في التعظيم، كما جرت العادة عند القوم!
ومن هنا، توجهت إلى الأريكة الفارغة المخصصة لها واستوت جالسة، وتولت القهرمانة تسوية ملابسها ومعالجة وضعية حليها، ثم انسحبت، واستأذنت الترجمانة بالانصراف، فالملكة أصبح في إمكانها، أن تفهم عن الزائر باللغة البيزنطية، وأن تنقل الحديث باللغة الوطنية إلى صاحب الجلالة الإمبراطور وبالعكس.
انكب الأمير على قنيناته متذوقا من هذه وتلك، بينما اكتفى الزائر بتناول هذه الفاكهة أو تلك، كلما قطعت الأميرة الحديث وأتحفته بشيء من ذلك. وتفطن السفير ـ دون أن يقول ـ إلى إلى أن الفاكهة رغم ضخامتها ونضجها ليست في مستوى حلاوة فاكهة الأندلس، البالغة الحد في لذتها وحلاوته.. إن في الأمر لسرا، وتشاغل عن التعمق في المسألة بقضم خوخة أمدته بها الأميرة بعد تقشيرها بلباقة، واغتنمتها فرصة فتطلعت إلى السفير الجديد:
كان رجلا تام الرجولة، يصطبغ محياه بملاحة من جراء تلويحات حرارة الشمس في الأندلس وإشعاعها، وتحيط به لحية سواداء، موخوطة بالقليل من الشيب، وإن كان الشيب في الفودين أظهر وأكثر، والعينان سوداوان أشبه ما تكونان بعيني ظبي فتى، ولو أن الرجل في سن الكهولة العالية، ولفت نظرها أن أصابع هذا الرجل مسبوكة ورشيقة، فهل هناك من رابطة بين القوم وأصابع اليد؟ وخيل إليها أنها أصابع حامل قلم، شاعر أو ناثر، أو مبدعهما معا. ولذلك سألته:
ـ يدك نظيفة، وأصابعك رشيقة، بما تشغل نفسك وقت الفراغ؟
ـ أشغل نفسي ـ يا مولاتي ـ بمجالسة الحسان، وقول الشعر الرقيق فيهن، كلما هاجت النفس وتاق القلب..
ـ النساء يلهمنك الشعر على ما فهمت، فهل تلهمهن أنت بدورك؟
ـ النساء عادة لا يقلن شيئا عن مشاعرهن، لا بالكتابة ولا بالحديث إلا القليلات، وأنا شخصيا لا أحرجهن بالسؤال، يكفيني ما تحدثني به العيون.
ـ ماذا تقول لك العيون؟
ـ ماذا تقوله العيون لا يمكن التعبير عنه باللسان، إنما يعمل عمله في الداخل، وأين لنا الوصول إلى الداخل؟
ـ سحرتني أيها الشاعر الغزال!
ـ أهنئ نفسي.. أهنئها بحرارة.
لم يسأل الإمبراطور عما يروج بينهما، فلقد كان في انسجام مع الكؤوس، يأخذ الواحدة بعد الأخرى، وكان له صمود عجيب أمام طغيان النشوة. بينما اكتفت الأميرة من هذه الكؤوس بواحدة، وهذه الواحدة فعلت فعلها، فنور الخدود زاد اشتعالا، والعيون شابتها شائبة من الاحمرار فتاهت روعتها، وعندئذ أقبل عليه بحديث لم يكن يتوقعه منها:
ـ ما هي المهمة التي كلفك بها أميرك المبجل؟ خبرني، إن بيدي الحل والعقد بالقدر الذي لا تظنه.. أعرف أننا ارتكبنا في حقكم إذاية بالغة، لقد هاجمناكم وقتلنا وخربنا، وأخذنا الأسارى والأسيرات، وهذا اعتداء، لو استمع الإمبراطور لرأيي ما وقع ولكنه خضع لأفكار الكهان والعسكريين، بعدما جاء مبعوثون من شمال إسبانيا، واشتكوا إليه سوء المعاملة التي يلقاها النصارى المعاهدون ببلادكم، الشيء الذي تبين لي أنه كذب وبهتان بعد مجيء الأسارى والأسيرات. صدقني أنني أقدر شجاعتكم وخطة ردكم على الهجومات، من حيث مددتم الحبل للمهاجمين حتى توغلوا ثم ضربتموهم الضربة الرادعة، هذا حقكم، ولكن ثقوا أن هذا الاعتداء لن يتكرر أبدا، خصوصا بعد مجيء سفير مثلكم، وقف المواقف العجيبة، وحار الحوار الذكي.. إن الإمبراطور بقي طول الوقت يردد أجوبتكم، وقد أمر الكتاب الخبراء أن يسجلوا الحوار ويطلعوه عليه، ليحفظ بعد ذلك في الخزانة الكبرى.
ـ لم يبق لي ـ يا مولاتي ـ ما أقول، إنك تعرفين كل شيء، وسبحان من جمع الحكمة والجمال في امرأة! لقد تصرفت تصرف أميرة نبيلة حازمة، ولا يفعل الجميل إلا الجميل! مولاتي العزيزة، إنني أستأذن في الرجوع إلى دار الضيافة. قولي هذا لصاحب الجلالة.
ـ ولماذا أقول له؟ لقد سر مع أوهام وشياطين الخمرة! اسمع، أرجوك أن تعود غدا، بل أريد أن نجيء كل يوم مساء، من حيث نتسامر ونتكاشف حول النفس والناس، أريد أن أعرفك بنفسي، وأن تعرفني بنفسك، أريد أن أقول الكثير عن هذا القصر، وعن أفراد الحاشية وعن عقلية قومي جميعا، بالجملة، هناك أشياء كثيرة يمكن أن نملأ بها وقتنا..
وقد السفير، لو يقوم ويرتمي في أحضان هذه الفاتنة، شاكرا حامدا، منوها بهذا النجاح الذي حققه ولما يكتمل على لقائه بها والإمبراطور يوم كامل، حتى أنه لو انقلب إلى (الخليفة) الماجد من يومه هذا لكانت سفارته ناجحة.. لكن من يا ترى يقدر أن يفارق هذا الجمال وهذا البهاء وهذه التحفة الأنثوية الرائعة، إنه لا يستطيع ذلك، ولكنه لبراعته ودهائه، ضغط على نفسه وقال:
ـ مولاتي لن آتي إلا بعد ثلاثة أيام.. هناك أشغال مهمة تنتظرني، علي أن أعد مراسلة وافية لمولاي الخليفة، وسأذكر له أنك يا مولاتي كنت السبب في نجاح مهمتي، وأنا لا أشك في أنه سيبعث إليك بمزيد من الهدايا والتحف النادرة وعنده منها الكثير..
ـ المهم أنك ستغيب ثلاثة أيام وهذا كثير على أني أقول لك ما هو ثابت في قلبي.
ود السفير أن يرد على أقوالها بما يعتلج في قلبه الرهيف، المشحون بالمشاعر، ولكنه فضل السكوت وكظم ما بالنفس، إنما ترك لأقوالها الثمينة منفذا لتترب إلى الأعماق، أعماق النفس، ولو أن هذه النفس عانت من أنواع الحسن وأفانين البهاء، أيام الفتوة والشباب، وبواكر الكهولة.. واليم تأتي هذه الحورية في سنين الكهولة العليا، لتخز الجرح، وتضعضع الكيان، وتزعج الجفون وتشرد الخيال... كان الله في العون.
وعاد فقال بلغة بيزنطية هامسا:
ـ مولاي، لقد طال الحديث بيننا، وتحلت دلائل الموافقة والمؤانسة، وأخشى أن يغضب صاحب الجلالة الإمبراطور، وقد يؤدي الأمر إلى ..................... من مقابلتك السعيدة مرة أخرى..
ـ آه فهمت! لقد حكت لي الوصيفات عن غيرتكم على النساء، وعن غضبكم لو كشفت إحداهن عن أصابعها لرجل آخر.. لا، لا، يا يحيى، هذا غير موجود عندنا، كل امرأة تحدث من تشاء، وتناجي من تشاء، ولو أدى الأمر إلى ما أدى.. وعلى هذا سأقبلك قبلة حارة أمامه عند خروجك، ولن يتحرك عنده ساكن! وكذلك كان.. مما جعل السفير يقع في حرج ويشعر بشيء من الانزعاج.
غاب يحيى ثلاثة أيام بالفعل، وبالتمام والكمال، وفي الليلة الرابعة جاءه مبعوث من الإمبراطور (هوريك) والإمبراطورة (نود) يدعوانه الليلة بالقصر الإمبراطوري، وأعلمه أنه سيكون بمصاحبته في الحال، وكان العربة الملكية في انتظاره، فاحتوته في رفعة واعتناء، وهو في جميل لباسه وأرتع حلله، وفواح عطره، تقطر من جانبيه الطهارة، ويتضوع المسك ويلمع السناء...
كان في استقباله الأميرة نفسها، ولاحظ أول ما لاحظ بعض التغير في محياها، إنها ناقمة عليه غيابه عنها ثلاثة أيام كاملة، بأنهرها ولياليها، وأصباحها وأماسيها.. لم يكن في إمكانها وهي الطيبة القلب أن تمضي في غضبها، ولم يشعر إلا وهي ترتمي في أحضنه متلهفة!
وثار عجبه وهو يرى نفس التأثر واللهفة من الأمير عندما قام بعد ذلك.
وأدهشهما أن عند السفير الحاذق دائما إحدى المفاجآت، لقد جاء مصحوبا بطعام العشاء من مقر إقامة سكناه مطبوخا ومعدا على الطريقة الأندلسية.. وأقبل الإمبراطور على الطعام إقبال رجل جائع، لم يذق في حياته طعاما، كما أقبلت الملكة بدورها غير مبالية بما تفرضه عليها رشاقتها من حمية واعتدال، وصاحت معجبة:
ـ كم هذا لذيذ، إن حديثكم لذيذ، وطعامكم لذيذ، وشرابكم لذيذ، لم يبق لي إلا أن أتذوق شعركم... ومن أجل هذا سأتعلم اللغة العربية، لكن يعجبني الحديث بها فيما بينكم... قل هل شعرك لذيذ مثل طعامك يا يحيى؟
ـ وحياة جمالك يا مولاتي، ليس في أرض الأندلس شعر ألذ من شعري.
قال الإمبراطور (هوريك):
ـ لقد دوختها يا يحيى، وذهبت بعقلها تصور أنه طيلة الثلاثة أيام التي غبت فيها عنا وهي لا تتحدث إلا عنك..
قال يحيى:
تقديرها نابع من تقديرك يا مولاي، فلولا عطفك الشامل واعتناؤك الكبير لما قالت في كل كلمة خير!
وعقب الأمير:
ـ لقد فاوضتني باسمك، ووضعت الشروط الملائمة لك، وحددت المبادرات التي علينا أن نقوم بها لمحو آثار الماضي، وتدارس المواد التي يمكن أن نتبادلها، لقد كانت في صفكم على طول الخط.. سفير، وأي سفير! خذ نص الاتفاقية، وأعط فيها وجهة نظرك!
ـ والله يا مولاي، ما نجاحي إلا من تجاوب أناس طيبين ساعدني الحظ بمعاشرتهم، وإلا كنت كمن يصيح في بئر عميق مهجور. على كل حال، فإنكم إن عاشرتمونا فستعاشرون قوما يقدرون الشهامة والرجولة، وبهم استعداد لتبادل خبرات الحضارة... إنه بفضل تعاطفكم ـ وعنايتكم سأستدعي العرفاء والصناع، ليبنوا لصاحب الجلالة الإمبراطور وصاحبة الجلالة الإمبراطورة جناحا أندلسيا فخما يروحان فيه عن النفس بين الحين والحين، وخصوصا وأن الفنيين سيخصون بكامل عنايتهم سواء من حيث الفرش أو الأثاث أو المقتنيات، وكلها من الإبداع الأندلسي الخالص. سيأتي مطربونا ومطرباتنا ورقصاتنا والقائمون بأدوار السخرية والضحك... وفي نطاق التبادل، يمكن أن يأتي إليكم خبراؤنا في الفلاحة والبستنة وتصريف المياه والحساب والتنجيم وتقويم البلدان.. كما يذهب خبراؤكم إلى بلادنا.
قالت الإمبراطورة:
ـ سمعت عن شيء يسمى (الحمام).
ـ عن كانت لكم رغبة فأستدعي عرفاء مختصين في بناء الحمامات، وسيكون من متع هذا القصر المنيف.
قال الإمبراطور:
ـ وما هو الحمام؟
ـ الحمام ـ يا مولاي ـ عبارة عن ثلاث حجرات. تؤدي إحداها إلى الأخرى، والحجرة الداخلية قائمة بالصنعة الدقيقة فوق فرن مشتعل، ولذلك فهي ساخنة، ومن القدر العظيمة المثبتة في الجدار الداخلي والمليئة بالماء الساخن، يصعد بخار ساخن أيضا يملأ تلك الحجرة، ويتسرب منه إلى الحجرة الثانية، ثم يملأ أقل من ذلك الحجرة الثالثة... والمغتسل يمكنه أن يلازم الحجرة الداخلية الساخنة جدا، وإذا ما شعر بالعياء يمكنه أن ينتقل إلى الحجرة الوسطى، وإذا ما اشتد به الحر كذلك يمكنه أن ينتقل إلى الحجرة الأولى... وإن الخارج من الحمام ليبرز نظيفا بكل معنى الكلمة، سواء في شعره أو في ظاهر جسده، زيادة على أن العياء يذهب تماما.
قالت الإمبراطورة، وكيف تخرج المرأة من الحمام؟
ـ إنها تخرج فاتنة كأشد ما تكون الفتنة يا مولاتي، خصوصا بعد يدلك جسمها بالمسك أو يغسل بالماء لممزوج بماء الورد أو الزهر أو الياسمين.
قيل إن هناك أشياء أخرى تفعلونها في الحمام؟
ـ نعم يا مولاتي عندنا (أعمال الفطرة)، فنحن نقلم أظفارنا، أظفار أيدينا وأرجلنا، ونحلق بعض شعر جسنما، منعا للإذاية التي يتسبب فيها العرق!
ومالت الإمبراطورية إلى أذن الإمبراطور وقالت له شيئا في السر بلغة وطنها، فانفجر ضاحكا إلى حد فقد معه اتزانه وكاد يسقط على الأرض..
تفطن يحيى لما راج فعلق بلغة بيزنطية:
ـ لو تعلمون فائدة هذا الشيء الذي تضحكون منه..!
قال الإمبراطور:
ـ كلكم طرائف يا أهل الأندلس.
ـ لا يا مولاتي، إنها ليست أفعال الأندلسيين وحدهم، وإنما هي أفعال المسلمين المتطهرين حيثما كانوا...
ـ ومن هم المسلمون؟ إنني لا أعرفهم... هل يعبدون النار المقدسة؟
ـ إذا كانت النار مقدسة يا مولاي فإن الماء أكثر قداسة منها انظروا: (وصب كوبا من الماء على أقرب موقد إليه فانطفأت النار) ها قد مات المعبود إذا كان هو النار!
ـ إذا، فالماء ـ في نظركم هو المعبود؟
ـ ولا هذا! (وأخذ آنية وضع فيها قليلا من الماء ثم حطها فوق موقد آخر فغلت، وبعد وقت قصير، واستمر غليانها حتى جف الماء) وإذا كان المعبود هو الماء فها هو قد مات أيضا؟
ـ فمن هو المعبود عندكم يا ترى؟
ـ معبودنا هو الذي خلق الماء، وخلق النار، وخلق جميع الكائنات الأخرى...
إلى هنا وجد الإمبراطور نفسه عاجزا عن المناقشة، وخطرت بباله المشاكل القائمة بين المسيحيين وعبدة النار من رعيته.. ولذلك فضل إقفال المناقشة في الموضوع، وتملص من الموضوع قائلا:
ـ لندع هذا الموضوع إلى جلسة أخرى خاصة.. سر مع (نود)، إنها تريد أن تريك أجنحة القصر كلها، قاعات الجلوس، وقاعات النوم وغيرها... وفعلا طاف السفير يحيى على أجنحة القصر كلها، وعجب لما فيها من روائع التأثيث، ونوادر التحف والطرائف والمقتنيات التي لا تقدر بثمن، وعند حجرة نومها الخاصة قالت:
ـ هنا حجرة نومي الخاصة، وهي حجرة أفرغ فيها صناعنا وفنانونا كل ما يملكون من مواهب ومقدرة.
ـ أنت أهل لها يا مولاتي، بل إني أراها دون مستوى ما وهبك الخالق المعبود من محاسن ومفاتن متعك الله بالصحة حتى تبقين هكذا منشرحة النفس مرتاحة البال، ذكية الفؤاد..
ومضى السفير يقول:
ـ مولاتي، إن وقت نومي قد حان، ومع ذلك علي أن أسهر لأعد مراسلاتي لمولاي الخليفة ولأعد التصميمات لبناء الجناح الأندلسي، والحمام الأندلسي والطبخ الأندلسي...
ـ لكم أنت متعجل يا يحيى؟
ـ نعم متعجل لإرضاء رغبات أهل هذا القصر الكرام. فالسفير ـ كما تعلمين ـ ليس مقيما إلى الأبد، فهو يوميا ينتظر مراسلة ما، أن يبقى، أو ينتقل، أو أن يقفل راجعا إلى بلده.
ـ لا أسمعني الله المعبود يوم انتقالك ولا يوم رجوعك.
ـ ولا أسمعني الله هذا أيضا.. بلغي تحيات المساء إلى الإمبراطور.
ـ ل قد ذهب إلى مخدعه الخاص، وهو يبعد من هنا مسافة. ومن المعتاد ألا أراه إلا في الغد عند الضحى، أراه غير محلق ولا أنيق ولا معطر.. إن السكر يصبحه منهدا...
وقطع السفير الحديث عند هذا الحد، ومد يده وتناول يديها الكريمتين البديعتين وأودعهما قبلة حارة... وانقلب راجعا إلى بيته. وفي سره يقول: (والله لأدخلن هذا القصر دائما وأنتم مشتاقون إلي، ولأخرجن منه وأنتم مشتاقون إلي أيضا، إن مهمتي هنا أعظم ما تظنين يا نود). غادرها تاركا في نفسها مشاعر الأسف، ولذلك بقيت تتبعه بلهفة، مشدودة إلى القوام المتناسق والمشية الواثقة، والرأس المرفوع المعتز.
وما أن وصل إلى الباب حتى التحق به خادمها الخاص وقال:
ـ مولاتي تذكرك بأن دروس لغتك العربية يجب أن تبدأ عاجلا...
وقبل أن ينام وضع مراسلة أخرى للخليفة الجليل، ووضع برنامجا لتعليم الأميرة الشغوف باللغة العربية كما وضع الخطوط العامة للبنايات المقبلة، وانقلب إلى فراشه تملأ رأسه الخواطر وتتضارب الآمال والأحلام، وعقد العزم على أن يتخذ جارسة يتسرى بها ويقي نفسه من المزالق، على أن يبقى حبل المودة مربوطا بمتانة مع أهل القصر.
واستجاب الخليفة فورا لمقترحات السفير يحيى، فبعث سفينة أندلسية ضخمة مشحونة بجميع الأسرى، ومعهم مجموعة من خيرة البنائين والفسيفسائيين والنجارين والحدادين ومعهم في خزائن السفينة ما  يلزم من المواد التي تتوفر في بلاد الأندلس ولا تتوفر في بلاد الدنمارك، وللفور شرع في البناء..
وما مضت شهور حتى كان الجناح قائما في روعة وبهاء، وتتبع الأمير والأميرة أخبار بنائه باستمرار، وكلهما لهفة على يوم التدشين، كما أقيم الحمام أنيقا باذخا وتهيأ لاستقبال ربة القصر التي كانت تعد الأيام لتدخل إليه، منتظرة ولاشك أن تخرج منه وقد زادت فتنة على فتنة، وبهاء على بهاء...
وبانتهاء عشرين شهرا انتهت كل المشاكل، وحصل التفاهم تاما بين العرش الأندلسي والعرش الدانماركي وبذلك ملأ الرضى كل النفوس، وفي هذا الظرف جاءت الرسالة الآتية من الخليفة الجليل المقيم بقرطبة:
«سفيرنا الأرضى، ومبعوثنا الأحظى، الأديب البارع، صاحب الذكاء الواسع والحذق الساطع، أمنك الله والسلام عليك ورحمة الله. وبعد:
لقد وفيت بالمهمة العظمى، وأديت الأمانة الكبرى وحان أن تعود إلى قرطبة عاصمة الديار، ومستقر الأوطار، لنستعين برأيك، ونهتدي بإرشادك. والله ولي نعمتك وتوفيقك».
هاجت العواطف، واضطربت النفوس، وفارت الدموع، وعم الأسى جميع الأوساط لمغادرة السفير الأندلسي البارع أرض النورمانديين. واقتضت العلاقة المتينة أن يقيم لإمبراطور وليمة وداع فاخرة، وكانت وليمة فاخرة باذخة، من الولائم المعدودة التي أقيمت بقصر الإمبراطور، ولم تحضرها الإمبراطورة لانحراف شديد طرأ على صحتها.
• قال الفيلسوف الروسي العظيم (تولستوى) في كلمات له عن الإلحاد والإيمان:
«لقد نبذت العقائد الدينية في أول الأمر ووجدتها عديمة المعنى، ثم قلتها الآن وألفيتها مليئة بالمعاني، ذلك لأنني كنت مخطئا، وأدركت سبب الخطأ، وهذا السبب ليس ناشئا من تفكيري السيء فحسب، بل لأنني عشت في بيئة سيئة وذلك أشد السببين خطأ.
(ما الحياة وما الموت؟ إنني لا أعيش إذا فقدت العقيدة في وجود الله، ولولا انني كنت أتعلق بأمل غامش في وجود الله لقتلت نفسي من زمان بعيد.
(إنني أحيا ـ وأحيا حقيقة ـ حينما أحس به وأبحث عنه فقط، ويصيح من داخلي صوت يقول: عن أي شيء تبحث بعد هذا؟ هذا هو، إنه ذلك الذي لا يستطيع المرء بدونه أن يعيش، إنه الله، وعندما أعتقد في وجود الله اعتقدت في الكمال الخلقي، وفي التقاليد التي تحمل معنى الحياة).
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here