islamaumaroc

خطاب جلالة الملك في حفلة افتتاح الدورة الثانية والثلاثين لجامعة الدول العربية

  دعوة الحق

23 العدد

كان من الأماني العزيزة على جلالتنا أن نحضر شخصيا في حفلة افتتاح الدورة الثانية والثلاثين لمجلس الجامعة العربية، ولكن حالتنا الصحية لم تبح لنا ذلك –مع الأسف الشديد- ورغم ذلك، فإننا نشارككم مشاركة معنوية، وقد أبينا إلا أن نوفد ولي عهدنا للإعراب عن ترحيب المغرب ملكا وحكومة وشعبا بكم وإن كنتم فغفي غنى عن الترحيب، لأنكم إنما وفدتم على جزء من وطنكم الكبير الذي يعتبر العربي مواطنه حيثما حل من ربوعه، أو أرتحل في أطرافه، وكم كان سرورنا يكمل لو انتظم عقد هذا الجمع بحضور جميع الدول المنخرطة في الجامعة، ولكننا متيقنون أن الدول المتغيبة متجاوبة المشاعر مع الدول الحاضرة، وغنها لن تلبث أن تعود إلى احتلال مكانها في حضن الجامعة كسالف عهدها.
وأنه لسرور عام يغمر قلوب جميع المغاربة الذين طالما تطلعوا بشوق إلى سنوح فرصة كهذه يرون فيها المسؤولين عن السياسة العربية يجتمعون بين ظهرانيهم للنظر في القضايا المشتركة بين العرب والدفاع عن المصالح التي تهمهم حاضرا ومستقبلا، ولا عجب فالشعب المغربي شعب مسلم عربي، بعقيدته ولسانه، وماضيه وثقافته، وآماله ومطامحه، يعنيه ما يعني إخوانه في الدين واللغة وإن شطت الدار ونأى المزار.
ومن الدار البيضاء كبرى حواضر مغرب عربي يسعده أن يرى الأقطار والشعوب العربية متآخية متآزرة، قوية عزيزة، نبعث إلى إخواننا ملوك العرب ورؤسائهم وقادتهم تحياتنا الودية الخالصة، متمنين لهم كل توفيق في خدمة شعوبهم وتحقيق مطامحها، كما نحيي إخواننا أبناء العروبة في كل مكان، راجين لهم المجد والعلا ورغد العيش في أوطان محررة تخفق عليها ألوية العز والكرامة والرخاء.
حضرات الإخوان
لقد كان إنشاء منظمة تلم شعت العرب وتوجههم توجيها سديدا نحو مستقبل أسعد وأفضل الأمنية الحبيبة التي اختلجت بها أذهان المفكرين المخلصين والرواد الأولين للقومية العربية في مطلع هذا القرن، وبقدر ما كانت تزداد المطامع الأجنبية في استعباد الأمة العربية وتمزيقها وسلب خيراتها كانت الفكرة تعظم وتنمو، حتى خرجت من الحيز الضيق إلى الأفق الفسيح، وأصبحت فكرة شعبية يتبناها أبناء الأمة العربية في كل مكان، إذ أدركوا عن حق أن لا خلاص لهم مما يعانون ويكابدون إلا  بائتلافهم واتحادهم وانطلاقهم في صفوف متراصة لكسر القيود التي تعوقهم عن التحرر والنهوض، وقد كان هذا الشعور المشترك باردة خير لهم، إذ جعلهم –وهم لا يزالون يناضلون في سبيل الحرية- متضامنين متآزرين، يشعر المغربي أن حرية مصر والعراق حريته ويحس التونسي أن معركة فلسطين والسودان معركته، فلما تكلل كفاح العروبة (...) أكثر من ذي قبل، وأصبحت في طليعة ما يشغل الرأي العام العربي، ثم كان إنشاء الجامعة العربية أول لبنة في صرح هذه الوحدة التي ينشدها العرب مؤملين أن يستعيدوا في ظلالها مجدهم وعظمتهم، ويستأنفوا نشر رسالة الأمة العربية كم ا فعل أجدادهم في الماضي، ولقد عبرنا في مناسبات عديدة عن استبشار المغرب بمولد الجامعة العربي وتأييده لها، لاسيما في خطابنا بطنجة سنة 1947 والمغرب يخوض غمار معركة الحرية، وتصريحنا الصادر في نهاية زيارتنا لذلك الثغر، والذي قلنا فيه يومئذ بالحرف :«وغني عن البيان إن المغرب دولة عربية، صلتها وثيقة بالشرق العربي، فمن الطبيعي أن يزداد هذا الاتصال متانة وقوة، سيما وقد أصبحت الجامعة العربية تقوم بدور مهم في السياسة العالمية». 
ويطيب لنا أن ننوه في هذه الناسبة بالعطف والتشجيع اللذين كان ممثلونا يلقونهما في حظيرة الجامعة، والمساعدات المادية والمعنوية التي بذلتها الدول الشقيقة لصالح المغرب أثناء كفاحه التحريري. وخاصة عندما تعرض عرشه وشعبه لأكبر امتحان.
إن العالم تقاربت أبعاده، وتشابكت مصالحه ومشاكله، وتشابهت مفاهيمه ومقاييسه، بفعل التطور المادي والعلمي العظيم، ومختلف وسائل الاتصال السريع، حتى صارت دول لا تجمعها لغة ولا دين تتدانى من بعضها تحت تأثير المنافع المشتركة، مكونة فيما بينها اتحادات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية أو ثقافية وإن كلفها ذلك تضحيات شخصية، والأقطار العربية التي تجمع بينها روابط الدين واللغة والمصير، هي أولى الأقطار بالتقارب، وأجدرها بالاتحاد، وأحراها بجمع القوى وتوحيد الجهود، إذا ليس لها غير ذلك سبيل لحفظ كيانها، وإسماع كلمتها، وصيانة حريتها، وإقامة اقتصادها على أسس متينة، فلا حياة –في عالم اليوم- لأقطار تعيش في عزلة، ولا خير فيه لشعوب تحيا منطوية على نفسها، قابعة داخل حدودها الإقليمية، إن حياة اليوم مد وجزر، وأخذ وعطاء، وجدال وحجاج، والركب الصاعد لا يقف لانتظار المتشككين والمتمردين والمعتزلين، بل يتركهم حيث انتهى بهم المطاف، ويواصل سيره قدما إلى الأمام.
والجامعة العربية حقل طبيعي يجدر أن يعمل داخله قادة الأمة العربية، وكنف ينبغي أن تتصافح فيه أيديهم، وتصافى قلوبهم، وشاطئ يتعين أن تتحطم على صخوره الخلافات التي لا يستفيد منها إلا خصومهم، بل هي البيت الذي يجب أن يجتمعوا فيه في جو عائلي لوضع الخطط الكفيلة بحفظ كيانهم، وصيانة تراثهم، ورعاية نهضتهم، واستغلال ثرواتهم لصالح ونشر العدالة الاجتماعية بين أوساطهم، وانتهاج سياسة خارجية تهدف إلى التعاون مع جميع الدول على أساس المساواة والاحترام المتبادل.
والمغرب الذي لم يتردد في الانتظام في سلك الجامعة العربية بعد استقلاله، عازم على القيام بدوره الكامل في حضنها بجانب أشقائه، أداء لواجب يفرضه عليه انتماؤه للعروبة، وشعورا بمسؤولية العمل لحفظ السلم العالمي داخل منطقة إقليمية نص على مثلها ميثاق الأمم المتحدة، وسعيا في نضرة المبادئ التي قامت عليها الجامعة، وتحقيق أهدافها، وتبليغ رسالتها، تلك الرسالة المستوحاة من تقاليد الأمة العربية ومثل الإسلام العليا، وهو يرى أن الوقت قد حان للسعي في جعل الجامعة العربية متلائمة مع مقتضيات الوقت ومشاكل الساعة الراهنة، فقد أنشئت منذ خمسة عشر عاما في ظروف دولية خاصة، وآفاق عربية محدودة، ولأغراض معينة، ومنذ ذلك الحين قطع العالم العربي أشواطا كثيرة في طريق التحرر والنهوض، واستقلت بعض أقطار جناحه الغربي، وحصل في العالم تطورات جوهرية في السياسة والاقتصاد والعلم، فلم يبق هناك مفر من التفكير من جديد في دور الجامعة على ضوء تلك الأحداث والتقلبات، لذلك يقترح المغرب أن يجتمع أقطاب الأمة العربية للنظر في المهمات الجديدة للجامعة العربية، ودراسة الوسائل التي تستطيع بها حل المشاكل الداخلية والخارجية التي تواجه البلدان العربية.
حضرات السادة :    
إن من أعظم مشاكل الأمة العربية والقضايا المهمة في جناحها الغربي قضية الجزائر الشقيقة التي تخوض منذ خمس سنوات غمار حرب قاسية دفاعا عن حقها المشروع في الحرية والاستقلال، وأننا من فوق هذا المنبر نترحم على شهدائها الأبرار، ونحيي أبطالها الميامين الذين نالوا إعجاب الأحرار في جميع بقاع العالم وتقديرهم، ونحن متيقنون أن الدماء المراقة لن تذهب سدى، وأن كفاحهم سيعقبه فوز تكمل به حرية المغرب العربي، وتنعم الجزائر بعده بعيشة حرة رضية.
حضرات الإخوان :
إننا نعلن افتتاح الدورة الثانية والثلاثين لمجلس الجامعة، ولنا اليقين في أنكم ستخرجون منها بنتائج إيجابية تعود عائدتها بالخير على الأمة العربية، وتفسح أمامها المجال لقيامها في العصر الحاضر بدور الوصل بين الشرق والغرب، وصهر الثقافات والمدنيات كما كانت تفعل في القديم.
وأملنا أن يتسع النطاق بتحرر أقطار عربية جديدة وانضمامها إلى الجامعة، ورجاؤنا أن تقضوا في المغرب الأقصى العربي أياما سعيدة، وتحملوا عنه ذكريات طيبة، والسلام عليكم ورحمة الله.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here