islamaumaroc

كلمة العدد: دعوة الحق في سنتها الثالثة

  دعوة الحق

23 العدد

بصدور هذا العدد تدخل مجلة «دعوة الحق» في سنتها الثالثة، يشد من أزرها ويساعدها على المضي في سبيلها، ما كتب لها في سنتيها المنصرمتين من التوفيق والنجاح، وهو نجاح مهما تحدثت عنه الصحف، ومهما أشاد به القراء والنقاد، ومهما وصلتنا في شأنه من داخل المغرب وخارجه من رسائل ومكتبات وقصاصات من الصحف، فإننا لا نراه إلا نجاحا نسبيا، نعتز به، ولكنه لا يحملنا على الغرور.
إنه نجاح نسبي، ما كنا في الحقيقة نحلم بمثله في هذا الظرف الوجيز، ولكننا مع ذلك لا نزال نراه دون الغاية التي رسمناها منذ البداية، وصممنا على بلوغها مهما تكن المعوقات، ومهما يعترض طريقتنا من الصعوبات والعراقيل والأشواك.
وأهم هذه الصعوبات أننا نحيى في المغرب منذ ثلاث سنوات حالة انتقال صعبة وخطيرة ومعقدة. حالة انتقال بكل ما يصحب هذه الحالة عادة من البلبلة والاضطراب والتوتر، وهي حالة يعاني منها الجميع من غير شك، ولكن المثقفين يعانون منها على الخصوص أكثر من غيرهم، ولا غرابة في ذلك، فهم المسؤولون عن قيادة مجتمعاتهم، وهم الذين تناط بهم - بحكم ثقافتهم- مهمة التفكير والبحث ووضع التصميمات اللازمة لمستقبل أحسن.
نحن لا ننكر دور الجماهير في خط الطريق إلى المستقبل، ولا نقلل من قيمة الوعي الجماعي والإحساس الفطري للشعب، بل إن هذا الإحساس بما يكون عليه في الغالب من الصفاء والبساطة والبعد عن التعقيد قد يكون أقدر من تفكير المثقفين على تجديد الغايات والأهداف، والتحمس لها، وحمل صاحبه على بدل كل التضحيات اللازمة من أجل الوصول إليها ؛ ولكن الإحساس مع ذلك شيء والتفكير شيء آخر.
الإحساس عامل فطري ذو أهمية كبيرة، وذو تأثير فعال، وهو العامل الأساسي في تحديد الغايات والأهداف، ولكن الصعوبة ليست في تحديد الغايات والأهداف، وإنما في وضع التصميمات اللازمة للوصول إليها، وتلك هي مهمة التفكير، تلك هي المسؤولية الكبرى للمثقفين في المجتمع، فإما أن ينهضوا بها، وإما أن يعلنوا عن إفلاسهم وسلبيتهم.
والمثقفون في بلادنا ليسوا سلبيين إلى الحد الذي يشاع عنهم، وهم يحاولون باستمرار أن ينهضوا بمسؤولياتهم، كل في ميدانه، وإذا كان يبدو عليهم أنهم يعانون أكثر من غيرهم من حالة البلبلة والاضطراب والتوتر التي تحدثنا عنها، فلعل ذلك لا يعدو أن يكون ظاهرة طبيعية، ما داموا يعانون عملية التفكير، وما داموا لم يقطعوا فيها شوطا بعيدا، وما دامت النتائج لم تتراء لأعينهم، فتطمئنهم إلى أنهم وفقوا في اختيار الطريق.
وما بالك بفئة محدودة العدد، عليها أن تنقل أمة بكاملها من التبعية إلى الاستقلال، ومن الجهل إلى المعرفة، ومن الفوضى إلى النظام، ومن الإقطاعية إلى نظام اجتماعي عادل.
عليها أن تمحو، بأسرع ما يمكن لها أن تفعل ذلك، ما خلفته أربعون سنة من الاستعمار في أبشع صوره من التعفن والانحطاط والتخلف عن ركب الإنسانية.
وعليها في الدرجة الأولى أن تنزع في حزم وفي غير هوادة أو تردد، آثار أربعين سنة من الاستعمار، من نفسها هي، من لسانها وعقلها وشعورها، حتى يمكن لها أن تفكر في حرية، وحتى تتم لها الصلاحية للقيادة و التوجيه، وحتى تستطيع أن تختار للمستقبل التصميم الذي يمليه ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا،التصميم الذي يمليه كوننا مغاربة لا فرنسيين أو إسبانيين، التصميم الذي يمليه كوننا عربا وكوننا مسلمين، وكوننا إلى جانب كل ذلك نتحرق شوقا إلى التحرر الكامل في جميع مظاهره السياسي والاقتصادي واللغوي والفكري، ونتحرق شوقا إلى أن محترمين موفوري الكرامة، وإلى أن نحتل مكانتنا الدولية اللائقة، وإلى أن ننظم علاقاتنا مع غيرنا على أساس التعاون من أجل السلام والحرية والاحترام المتبادل بين جميع الناس.
قلنا في أول هذا الكلام أن أعظم صعوبة تعترض طريقة هذه المجلة، هي ما يعانيه المثقفون بصورة خاصة في بلادنا من البلبلة والاضطراب والتوتر، ذلك أن المفروض في كل مجلة ثقافية أنها ملتقى المثقفين والمفكرين : والحالة التي يعيشها المثقفون في بلادنا والتي شرحنا بعض جوانبها تحول بين الكثيرين منهم وبين أن يكتبوا أفكارهم ليطلع عليها الناس، إما لأنهم غير واثقين منها، وإما لأنهم يشفقون على أنفسهم من الإفصاح عن آرائهم في جو مضطرب مكهرب مشحون. وإما لأنهم هم أنفسهم بحاجة إلى مدة حتى تتبلور أفكارهم وتهدأ أعصابهم وتذهب عنهم حالة التوتر والقلق والحيرة.
وهكذا تخسر هذه المجلة، أو أية مجلة ثقافية أخرى يمكن أن تظهر في المغرب في مثل هذه الظروف، مساهمة عدد كبير – نسبيا - من الباحثين والكتاب والشعراء والقصاصين.
وهناك قضية أخرى ذات أهمية كبيرة في هذا المجال، وربما كانت أثرا من آثار احتكاكنا بالفرنسيين المعروفين في العالم بصورة خاصة بما يدعى بالبرلمانية، أي الجدل السياسي الذي لا يستهدف في الغالب إلا الظهور بمظهر المتفوق في القدرة على الكلام، واستخدام المنطق المصطنع، والعمل على كبت الخصم وإسكاته وإقامة الحجة عليه. ولو كانت حجة لا تقوم على أي سند آخر غير لفظي.
هذه (البرلمانية) قد ابتلينا بها بصورة واسعة مشوهة إلى الحد الذي كان يشل تفكيرنا، وكاد يشغلنا عن مواصلة العمل الجدي البناء في الميادين الأخرى ذات الصيغة غير السياسية الواضحة، بل إلى الحد الذي كاد - منذ الاستقلال حتى الآن- أن يعرقل أعمالنا حتى في الميادين السياسية نفسها.
هذه (البرلمانية) تجني علينا فيما تجني، أنها تساهم في الحيلولة دون ظهور حركة فكرية مشرفة بالمعنى الصحيح، لأنها تشغل الوقت كله، والفكر كله، ولأنها تعمي السبل، وتخلط بين المفاهيم، وتحجب الحقائق في أجواء كثيفة من الظلام والضباب.
وعلى القارئ أن يتصور وحده كيف يمكن لمجلة ثقافية كهذه أن تصدر بانتظام في مثل هذا الجو، وأن تصدر حافلة في كل شهر بمختلف الدراسات والمقالات والأبحاث والقصائد والقصص والتعليقات، وعليه وحده أن يتصور الجهد المبذول في حمل الكتاب على أن يكتبوا، وحمل النقاد على أن يدلوا بآرائهم فيما يقرؤون، وحمل الشعراء على أن ينفضوا عن شاعريتهم ما ران عليها من الغبار، وأن يفتحوها على صور الكفاح في بلادهم، وعلى موكب الزحف العربي في كل بلاد العروبة، وعلى موكب الإنسانية في صراعها من أجل السلم والحرية والكرامة الفردية والاجتماعية.
ومع ذلك فقد قطعت هذه المجلة من عمرها سنتين، وهاهي تدخل اليوم في سنتها الثالثة أكثر عزما وتصميما على السير في طريقها حتى النهاية، مهما تكن الظروف المحيطة بها، ومهما تتلاطم من حولها الأمواج.
إن لهذه المجلة رسالة، هي أن تخلق للفكر دولة في المغرب، وعليها لذلك أن تفسح المجال لكل رأي سديد بعيد عن التعصب والكراهية والكيد، ولا عليها أن تكون - كما يلاحظ أحيانا-  ملتقى لخليط من التيارات الفكرية، فإن علينا أن نضع أفكارنا كلها على الصعيد، وأن نتيح لها الفرصة لتتعرف على بعضها وتتفاعل، لكي تتبلور أخيرا عن تيار فكري واحد، أو عدة تيارات متجانسة متكاملة.
وقد وفت المجلة لرسالتها هذه خلال السنتين الماضيتين، وهي اليوم تدخل سنتها الثالثة أكثر ما تكون وفاء لهذه الرسالة، وتشبثا بها وحرصا عليها.
لقد كان رائدنا منذ اليوم الأول هو النزاهة والحكمة والتجرد والإخلاص والإرادة الحسنة، وكان من الطبيعي نتيجة لكل ذلك أن تبلغ هذه المجلة ما بلغته من نجاح حتى اليوم وهي موقنة - ما دامت مصممة على التمسك بهذه الصفات- إنه لن يصادفها فيما تستقبل من عمرها المديد إلا المزيد من النجاح.
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here