شارك

ابن خلدون والتربية

  دعوة الحق

175 العدد

تحدث ابن خلدون عن التربية والتعليم حديثا له قيمة وأهمية في كتابه المشهور «مقدمة ابن خلدون»
ويرى ابن خلدون أن تعلم القرآن الكريم هو الأساس في التربية والتعليم، وفي ذلك يقول: «اعلم أن تعليم الولدان للقرآن شعار من شعائر الدين، أخذ به أهل الملة، ودرجوا عليهم في جميع أمصارهم، كما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن وبعض متون الأحاديث، وصار القٍرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعد من الملكات»(1). وهذا النص يؤكد لنا نهوض التربية العربية الإسلامية على أساس من الدين.
ثم يبين ابن خلدون اختلاف مذاهب الأمصار الإسلامية في تعليم الأولاد، فأما أهل المغرب فمذهبهم الاقتصار على تعليم القرآن فقط، وأما اهل الأندلس فيجعلون الأساس تعليم القرآن، ويصنفون رواية الشعر والأخذ بقواعد العربية وتجويد الخط؛ وأما أهل افريقية فيجمعون بين تعليم القرآن والحديث وقوانين العلوم وتجويد الخط، واهل المشرق يقاربون اهل افريقية(2).
ويشير ابن خلدون إلى الفوائد الأخلاقية التي يثمرها التعليم، فيقول: «وقد يقال: من أخذ نفسه بتعليم الحساب أول أمره انه يغلب عليه الصدق، لما في الحساب من صحة المباني ومناقشة النفس، فيصير بذلك خلقا، ويتعود الصدق ويلازمه مذهبا».
ويعلق الدكتور واقى على ذلك بأن «نظرية القواعد الخلقية للعلوم» التي يظن أنها من نظريات المحدثين من علماء البيداغوجيا قد قال بها ابن خلدون قبل أن يظهر هؤلاء بأكثر من أربعة قرون.
ويأخذ ابن خلدون بمبدأ التدرج في التعليم، حيث يعطي المعلم تلميذه مسائل الفن من الفنون(3) مختصرا أولا، ثم يذكر له ذلك جانبا من التفصيل مع لوم من التطويل، ثم يعود به إلى الاستقصاء والاستيعاب. يقول في ذلك: «اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيدا إذا كان على التدريج شيئا فشيئا، وقليلا قليلا، يلقى عليه أولا مسائها من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب، ويقرب له في شرحها على سبيل الإجمال، ويراعي في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه، حتى ينتهي إلى آخر الفن، وعند ذلك يحصل له ملكة في ذلك ............، إلا أنها جزئية وضعيفة، وغايتها أنها هيأته ............. الفن وتحصيل مسائله.
ثم يرجع به إلى الفن ثانية، فيرفعه في التلقين ............ تلك الرتبة إلى أعلى منها، ويستوفي الشرح ......... البيان، ويخرج عن الإجمال، ويذكر له ما هنالك .................. ووجهه، إلى أن ينتهي إلى آخر الفن ............. ملكته.
ثم يرجع به وقد شدا(4) فلا يرتك عويصا ولا ............ ولا مغلقا إلا وضحه، وفتح له مقفله، فيخلص ............. الفن وقد استولى على ملكته. هذا وجه التعليم ..............، وهو كما رأيت إنما يحصل في ثلاث تكرارات، ............ يحصل للبعض في أقل من ذلك بحسب ما يخلق .............. ويتيسر عليه»(5).
ويحمل ابن خلدون على أولئك المعلمين الذين ............. إلى أساليب التعمية والتعقيد مع تلاميذهم، ..............: «وقد شاهدنا كثيرا من المعلمين لهذا العهد ........ أدركنا، يجهلون طرق التعليم وافادته، .......حضرون للمتعلم في أول تعليمه المسائل المقفلة من ........، ويطالبونه بإحضار ذهنه في حلها، ويحسبون ............. مرانا على التعليم وصوابا فيه، ويكفلونه وعي ............. وتحصيله، ويخلطون عليه بما يلقون له من .............. الفنون في مبادئها، وقبل أن يستعد لفهمها، .............. قبول العلم والاستعدادات لفهمه تنشأ تدريجا».
ولذلك لم يكن عجيبا أن يطالب منذ البداية ........ وافر الملكة والحذق والخبرة بقواعد التدريس والتفنن فيه عند المعلم، فيقول: «الحذق في العلم ........التفنن فيه والاستيلاء عليه إنما هو بحصول ملكة في............ بمبادئه وقواعده، والوقوف على مسائله، واستنباط فروعه من أصوله؛ وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق في ذلك المتنازل حاصلا، وهذه الملكة هي غير الفهم والوعي».
ثم يقول: «ان تعليم العلم صناعة» فلها أصول وقواعد لابد من التمرين بها(6).
ويؤكد ابن خلدون أن الشدة في التعليم مضرة، وانها تذهب بنشاط النفس، وتعود التلميذ الكذب والخداع وسوء الأخلاق، يقول: «ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك او الخدم سطا به القهر، وضيق على النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعاه إلى الكسل، وحمل على الكذب والخبث، وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلمه المكر والخديعة لذلك، وصارت له هذه عادة وخلقا، فسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الإجماع والتمرين، وهي الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله، وصار عيالا على غيره في ذلك، بل وكسلت النفس عن غايتها ومدى إنسانيتها، فارتكس وعاد في أسفل السافلين».
ويعني ابن خلدون بالتجربة في التعليم والتربية، ويلفت النظر إلى الاهتمام بالتجربة في المواد العملية قبل شوق العلوم النظرية، فيقول: «النفس الناطقة للإنسان إنما توجد فيه بالقوة، وان خروجها من القوة إلى الفعل انما هو بتجدد العلوم والإدراكات عن المحسوسات أولا، ثم ما يكتسب بعدها بالقوة النظرية، إلى أن يصير إدراكا بالفعل وعقلا محصنا، فتكون ذاتا روحانية، وتستكمل حينئذ وجودها، فوجب أن يكون كل نوع من العلم والنظر يفيدها عقلا فريدا، والصنائع أبدا يحصل عنها وعن ملكتها قانون علمي مستفاد من تلك الملكة، فلهذا كانت الحنكة في التجربة تفيد عقلا، والملكات الصناعية تفيد عقلا...»(7).
وقال ابن خلدون أيضا عن التجربة في المواد العملية: «اعلم أن الصناعة هي ملكة في أمر عملي فكري، وبكونه عمليا هو جسماني محسوس، والأحوال الجسمانية المحسوسة نقلها بالمباشرة أوعب لها وأكمل، لأن المباشرة في الأحوال الجسمانية المحسوسة أتم فائدة، والملكة صفة راسخة تحصل عن استعمال ذلك الفعل، وتكرره مرة بعد أخرى، حتى ترسخ صورته، وعلى نسبة الأصل تكون الملكة، ونقل المعاينة وأعب وأتم من نقل الخبز والعلم،
 فالملكة الحاصلة عنه أكمل وأرسخ من الملكة الحاصلة عن الهبر؛ وعلى قدر جودة التعليم وملكة المعلم يكون حذق المتعلم في الصناعة وحصول ملكته».
                                                            *
ويدعو ابن خلدون في التربية والتعليم إلى مبدأ المناقشة بين المعلمين والمتعلمين، وبعد ذلك أساسا مهما في طلب العلم، ولذلك يعيب على طائفة من التلاميذ انهم لا يناقشون ولا يحاورون: «تجد طالب العلم منهم بعد ذهاب الكثير من اعمارهم في ملازمة المجالس العلمية سكوتا لا ينطقون ولا يفاوضون؛ وعنايتهم بالحفظ أكثر من الحاجة، فلا يحصلون على طائل من ملكة التصرف في العلم والتعلم؛ ثم بعد تحصيل من يرى منهم أنه قد تحصل تجد ملكته قاصرة في علمه أن فاوض أو ناظر أو علم»(8).
وينوه ابن خلدون بتعريب العرب العلوم عن الأمم ونقلها إلى اللغة العربية، وأنهم جردوها من تلك اللغات الأعجمية إلى لسانهم، وأصبحت أصول الكتب التي عربوها نسيا منسيا عندهم، وأصبحت العلوم كلها بلغة العرب، ويقرر أن التمكن من اللغة العربية يسهل عليه فهم المعاني في مختلف كتب العلوم، حتى ولو كان أعجمي الأصل، لأنه بدأ ه على التعليم، والمران على اللغة العربية وممارسة الكتابة بها يفضيان بالإنسان إلى تمكن الملكة عنده، كما يشاهد في علماء الأعاجم الذين تعرفوا وأجادوا العربية(9)
ومن الطرائف في حديث ابن خلدون عن التربية والتعليم ما يذكه عن طريقة أهل الأندلس والمغرب، إذ كانوا يتبعومن في تعليم الكتابة طريقة «محاكاة الخط في كتابة الكلمات جملة، ويكون ذلك من المتعلم، ومطالعة المعلم له إلى أن تحصل له الإجادة، وتتمكن في نبائه الملكة». ويعلق على ذلك الدكتور وافى بقوله: «ان ان هذه الطريقة امثل طريقة من الوجهة التربوية لمسايرتها للواقع من جهة، لطبيعة العقل الإنساني من أخرى، فالواقع أن الكلمة هي التي لهامدلول في ذهن الطفل، أما الحرف فلا مدلول له، والعقل الإنساني ينتقل بطبيعة من إدراك الكسل إلى إدراك أجزائه(10).
*
ونظرة ابن خلدون إلى مواد العلوم نظرة فسيحة واسعة، وقد يشهد لذلك أننا نراه يتحدث عن بعض العلوم التي نستطيع أن نسميها اليوم «علوم الفضاء»، فهو حين يتحدث عن علوم النظر في المقادر يقول: «ورابعها علم الهيئة، وهو تعيين الأشكال للأفلاك، وحصر أوضاعها وتعددها لكل كوكب من السيارة، والقيام على معرفة ذلك من قبل الحركات السماوية المشاهدة الموجودة لكل واحد منها، ومن رجوعها واستقامتها، وإقبالها وإدبارها». ثم يقول: « ومن فروع الهيئة الازياج، وهي قوانين لحسابات حركات الكواكب وتعديلها، للوقوف على مواضعها في قصد ذلك»(11).
وهو أيضا يعدد علوم النظر في المقادير، ويذكر منها علم الهندسة، وعلم الحساب، ويقول: «وعلم الموسيقى، وهو معرفة نسب الأصوات والنغم بعضها من بعض، وتقديرها بالعدد، وتمرنه معرفة تلاحين الغناء».
وقد ينبغي لها هنا أن نتذكر أن حجة الإسلام الغزالي قد عقد في كتابه «الاحياء» بابا طويلا عن السماع، أبان فيه بتوسع الأثر العميق للألحان في نفس الإنسان، وذكر فيه أقوال العلماء، ثم أورد الأدلة على جواز إباحة السماع للغناء والألحان(12).
وليس هذا هو الشبه الوحيد بين الغزالي وابن خلدون في حديثهما عن النربية والتعليم، فقد اشتركا واشترك معهما غيرهما في عدة أمور منها: أن العلم أهم غرض، وأن العلم بالتعلم، وان العنصر الديني مهم في التربية، وعماد ذلك هو القرآن الكريم وأنه يجب التلطف والتدرج في التربية، وأن العلم للعمل، وأن المعلم يحتاج إلى مهارة وخبرة، وأن التجربة العملية مهمة في التحصيل، وأن العلوم متفاوتة الدرجات، وأنه ينبغي مراعاة النزعات الفطرية.
وأعود لأذكر أن هذه اللمحة عن علمين من أعلام .......... العربية، وهما الغزالي وابن خلدون، لم يرد .......... الا إعطاء نموذج مختصر لجهود شخصين ازدان .......... تاريخ التربية عند العرب، ومن الممكن عند ........... المجال أن نستعرض جهود غيرهما من أعلام ........... العربية، وأن نارن بينهم، وأن نتبين كيف هؤلاء الاعلام في تكييف الأسس التاريخية التي .......... لنا التراث العربي التربوي، لنزداد إيمانا بأن .......... قد خلفوا لنا ما نستطيع أن ننتفع به. وان ........ منه، وأن نفاخر غيرنا عن طريقه.
نحن وتراثنا التربوية
وبعد هذا نستطيع أن نمضي على طريق الانتفاع ........... الأسس التاريخية في حاضرنا أو مستقبلنا التربوي. وإذا كان هناك من يقول: أن تراثنا فيه ......... شيء، وينبغي أن نعود إليه ونقتصر عليه، وكان ......... من يقول: انه ينبغي لنا أن نعد تراثنا القديم قد ......... اغراضه، ويجب أن نأخذ عن غيرنا ممن .............. كل شيء، فإن القول العدل الفصل هو أن ............: ان في تراثنا أشياء ينبغي أن نعتز بها ونحرص ..........، ونحتاج من غيرنا إلى أشياء لا خير إذا أخذناها ............، والحكمة ضالة المؤمن.
لا يليق بنا أن نحبس أنفسنا في محراب تراثنا التربوي القديم الذي وقفت نهضته منذ قرون، ......... كما لا يليق بنا أن نهجر هذا ...........، ونولي وجوهنا على الدوام شطر غيرنا، ......... منه كل شيء تاركين تراثنا الجليل الضخم ............. للضياع. ولكن اللائق بنا هو أن نوجد توازنا .............. النزعة السلفية الغالية في المحافظة على القديم، ........... المقلدة الغالية في متابعة الغرب.
وإذا كان التطور سنة الحياة، فإن هذا لا يمنع يكون عصر قد مضى رأفى ـ في جانب أو جوانب ـ عصر لاح يقبل بعد ذلك.
وفيما يلي أمور يمكن أن نلتقطها من طريق ............. بتراثنا.
1 ـ إذا كانوا قد قالوا أن سقراط قد نزل بالفلسفة من السماء الى الارض، ووثق صلتها بشؤون الانسان الاجتماعية والسياسية والخلقية، وإذا كانت الفلسفة قد انتقلت من البحث فيما وراء الطبيعة إلى حياة الإنسان ومطالبه، فإن التربية أو لى من الفلسفة بأن تسلك طريقها العملي نحو إعداد الفرد والجماعة، إعداداُ حسيا ونفسيا وعقليا، وروحيا وقوميا وإنسانيا، ليتكون المجتمع العاقل الفاضل المناضل.
2 ـ تجب العناية بجعل التربية في العالم العربي وسيلة لتنمية الشخصية، وضبط السلوك وحسن المعاملة، وإنشاء العلاقات الكريمة بين أبناء المجتمع، وتعميق روح التعاون والتضامن والمساواة.
3 ـ يجب إبراز الشخصية العربية، وروح القومية العربية في المدرسة، والمنهج، والكتاب، والتلميذ، والمدرسة.
4 ـ يجب العناية كل العناية بالتربية الدينية علما وعملا وخلقا، ولنتذكر أنه قد جاء في كتاب «تطور النظرية التربوية» هذه العبارة:
«الفلسفة الناجحة يجب أن تتكيف طبقا للقوانين الطبيعية المناسبة للحياة الروحية، ومادمنا نتفق على أن هذا الكون الذي نعيش فيه تتخللخ نغمة الهية، وتربطه وحدة أخلاقية، فلتكن طرق المعيشة التي نسير عليها ونبغي لها النجاح متفقة مع القوانين الأخلاقية، وعلى التربية قبل كل شيء أن تقود النشئ إلى الطريق الصحيح، حيث يشع من وراء السحب ذلك القبس العلوي المنير، ممثلا في كل ما هو حق، وكل ما هو عدل، وكل ما هو جمال.
وهكذا بدا كثير من الناس يعتقدون بحاجة التربية إلى الدين، ويقولون أن التربية إذا كان يهمها أن تدعم صرحا المدنية الشامخ، وان تقف في طريق أمواج البربرية المتدافعة، فلنتخذ من الدين صخرة ترتكز عليها»(13).
الأخلاقية على أساس عقلي غير مرتبط بالناحية الدينية، لم يستطع الاستغناء عن الدين، بل قال في كتابه «التربية الأخلاقية»: «إذا اكتفينا ـ حين نريد إخضاع الأخلاق أو التربية الأخلاقية للعقل ـ بأن نجرد الحقيقة الأخلاقية من كل ما هو ديني، دون أن نعوض عن ذلك شيئا، فإن هذه العملية نفسها ستؤدي بنا حتما إلى تجريد الأخلاق من بعض عناصرها الذاتية، ولا يتبقى لنا حينئذ مما يصلح أن نطلق عليه اسم الأخلاق إلا لون ضئيل شاحب. ولتفادي ذلك الخطر يجب ألا نكتفي إذن بما نقوم به من فصل ظاهري، بل يجب أن نذهب بعيدا، وأن نقصد رأسا إلى لب المبادئ الدينية، لكي نبحث بين ثناياها عن الحقائق الأخلاقية المخبأة، فنخلصها لكي نعرف كنهها تماما، ونحدد طبيعتها الذاتية، وبذلك يتسنى لنا أن نعبر عنها بلغة العقل، وخلاصة القول أنه يجب علينا الكشف عن الرموز العقلية لهذه الأفكار الدينية التي ظلت مدة طويلة تجر في ركابها أهم الأقكار الأخلاقية»(14).
وليس معنى الاستشهاد بهذا النص أننا نوافق «دور كايم» على كل آرائه.
وينبغي أن لا ننسي أن نفوس الأطفال مجال خصب لغرس المبادئ الدينية بمهارة ودربة، فلنبدأ بهم، على أن يتسع نطاق التربية الدينية شكلا وموضوعا، ثقافة وفكرا، بتتابع مراحل الدراسة.
5 ـ ينبغي أن يكون هنا حرص موصول دائم ـ في التربية والتعليم، على الربط بين الماديات والروحيات، في المواقف المناسبة، وبالطريقة الحكيمة، خلال تدريس مختلف العلوم والمواد. وتلزم العناية بإيضاح الصلة العميقة بين الدين والعلم، ليكون الدين تزكية للعلم، ويكون العلم تأكيدا لمبادئ الدين وحقائقه، وينبغي أن لا تقتصر هذه العناية على مدرسي الدين والأخلاق، بل تشمل كل المدرسين بالمقدار الذي يناسب موادهم المختلفة.
6 ـ تلزم العناية بتوثيق العلاقة بين القومية العربية والعقيدة الدينية، أو بتعبير آخر: يلزم العناية بتوضيح الروابط التاريخية والفكرية بين العروبة والإسلام، على أساس أن العروبة وعاء الإسلام، وأن الإسلام روح العربية، ومما يستعان به على تحقيق ذلك الانتفاع بالقرآن الكريم في ربط الفرد العربي بالبيئة العربية من ناحية تاريخها وأماكنها وآثارها، والانتفاع به كذلك في توطيد اللغة العربية، وتوحيد كثير من مفرداتها في الاستعمال بين بناء العروبة، والانتفاع به كذلك في تثبيت مجموعة من القيم الروحية والمبادئ الأخلاقية التي تحتاج إليها الأمة العربية، وإذا كان المسلم ينظر إلى القرآن على أنه دستور عقيدة ودين، فإن العربي ـ ولو كان غير مسلم ـ ينظر إلى القرآن على أنه وثيقة عربية باقية، حفظت على العربية لسانها وبيانها والنمط الأعلى من أسلوبها وتعبيرها.
7 ـ ينبغي الانتفاع بالعنصر القصصي في القرآن الكريم، وفي السنة المطهرة، وفي السيرة العاطرة، في جوانب من التربية والتعليم.
8 ـ ينبغي الانتفاع بالتاريخ المشترك للأمة العربية، والأدب العربي ذي الصبغة القومية العامة في التربية والتعليم، ويترتب على ذلك توحيد المواد القومية في جميع الوطن العربي كالتاريخ والجغرافية والتربية القومية وسيرة الاعلام.
9 ـ يجب التزام التدريس باللغة العربية ـ بصفة أساسية ـ في جميع المدارس القومية والمدارس الأجنبية، بحيث تكون اللغة العربية في كل هذه المعاهد هي اللغة «الأم»، ولا يجوز ان تدرس أي مادة من المواد القومية بغير اللغة العربية، وأن تكون هناك رقابة دقيقة وشاملة ومستمة على المدارس الأجنبية حتى نطمئن دائما على تحقيق ذلك.
10 ـ يجب استكمال تعريب التربية والتعليم في كل المراحل الدراسية، بما في ذلك الكتب والمصطلحات وطرق التدريس، ولا يتعارض هذا التعريب مع التمكن من اللغات الأجنبية في نطاقها ومجالها، ولا مع الاستعانة بالخبرة العلمية أو التربوية إذا احتجنا إليها، ولم يكن لدينا ما يقوم مقامها.
لكي تثمر التربية ثمراتها الطيبة اليافعة تجب زيادة العناية بتوثيق الروابط الروحية والعلمية بين الأستاذ والتلميذ على أساس الرعاية الحادبة المخلصة من جهة الأستاذ، والاحترام والتوقير من جهة التلميذ، وصلوات الله وسلامه على رسوله القائل:
«ليس منا من لم يوقر كبيرنا، ولم يرحم صغيرنا».
ـ يجب التوسع في دراسة أعلام التربية العربية والإسلامية في كليات التربية والمعلمين، بحيث تدرس حياتهم وكتبهم ومذاهبهم الفكرية ومناهجهم العلمية وآراءهم في التربية والتعليم. وكذلك نختار من كتبهم ما يصلح ليكون مقررا لمطالعة الطلاب.
ـ ينبغي أن نتتبع التراث التربوي العربي الإسلامي في كل تاريخنا العربي، لنستخلص منه منهجا تربويا عربيا متكاملا، تظهر فيه الشخصية العربية التربوية بكل ملامحها وعناصرها ومقوماتها، على أساس أن نوفق بين أسس التربية في تراثنا العربي ومقتضيات أو متطلبات التربية الحديثة التي تنشدها في الدولة العصرية العلمية التي نتواخى ببنائها.
ـ مازال «محور الأمية» بين الكبار والصغار فرضا يطوق أعناقنا، وتطالبنا به نهضتنا وقوميتنا وتاريخنا، ولذلك يجب أن تتضاعف الجهود المؤيدة بالأساليب العلمية الحديثة للقضاء على الأمية في أرجاء العالم العربي، بلا تفرقة بين الكبار والصغار، ولا بين الذكور والإناث.
15 ـ لابد من إنصاف عادل وشامل لرجل التربية والتعليم، إذ لا يجوز بحال من الأحوال أن يتخلف ماديا أو أدبيا أو اجتماعيا عن أي زميل له في الوطن، لأنه ينهض بأشرف الأعمال، وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام ما معناه: «ليس منا من لم يعرف لعالمنا حقه». ويجب كذلك أن يكون هناك ما من لمستقبل المعلم وشيخوخته، وهذا هو واجب الدولة أولا، ثم واجب الهيئات المسئولة عن رجال التربية والتعليم.
ولنتذكر أن عبد الحميد الكاتب قد قال يخاطب معاشر الكتاب في عصره، وهم أقرب الفئات إلى المعلمين والمربين على عهدهم: «وان تبا الزمان برجل منكم فاعطفوا عليه وواسوه، حتى يرجع إليه جاله، ويثوب إليه أمره،  وان اقعد احدكم الكبر عن مكسبه ولقاء غخوانه، فزوروه وعظموه وشاوروه، واستظهروا بفضل تجربته، وقدم معرفته، وليكن الرجل منكم على من اصطنعه واستظهر به ليوم حاجته إليه، احفظ منه على ولده وأخيه»(15).
                                                         *
اما بعد، فما أجدر هذه الأمة العربية المؤمنة بأن تقيم دعائم نهضتها وعزتها على أسس سليمة قويمة من التربية الواعية البصيرة، والعلم الصحيح النافع، فقد صدق الاحنف حين قال: «كل عز لم يوطد بعلم فإلى ذل مصيره». كان الله جل جلاله لأمتنا على الدوام. وعلى الله قصد السبيل.

 

(1) مقدمة ابن خلدون، ج 4 ص 1239، طبعة الدكتور وافى.
(2) يراجع التفصيل في المرجع السابق، ص 1240 – 1243.
(3) المراد بالفن هنا المادة من مواد العلوم، كالفقه والنحو وغيرهما.
(4) يعني أخذ طرقا من العلم والأدب.
(5) المرجع السابق، ص 1233.
(6) المقدمة، ج 3 ص 985.
(7) المقدمة، 32 ص 971.
(8) المقدمة، ج 3 ص 987.
(9) المقدمة، ج 4 ص 1252.
(10) ج 3 ص 950.
(11) ج 4 ص 1086.
(12) الاحياء، ج 6 ص136 ـ 199.
(13) تطور النظرية التربوية للأستاذ صالح عبد العزيز، ص 185، الطبعة الثانية.
(14) التربية الأخلاقية «لاميل دور كايم»، ترجمة الدكتور السيد محمد بدوي، ص 10، طبع دار مصر للطباعة.
(15) صبح الاعشى، ج 1 ص 86.

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here