islamaumaroc

المعرفة والحدس عند برجسون

  عبد المجيد مزيان

22 العدد

ما هي المعرفة؟ وما هي الطرق المؤدية إليها؟
أول ما يتبادر إلى عقلنا حينما نتكلم على المعرفة بذهنيتنا التقليدية هو تقسمها إلى منقول ومعقول، ومنا من يتعدى هذا التقسيم فيرى نوعا من المعرفة يأتي عن طريق الشعور، ونوعا آخر جربته الصوفية وسمته «بالذوق».
ولكننا إذا نظرنا  إلى المعرفة كعملية نفسية، انفتح أمامنا عالم واسع تشعبت فيه النظريات الفلسفية أيما تشعب، وتعددت فيه الآراء بتعدد المذاهب، لا ن مشكلة المعرفة من المشاكل الأساسية التي تهتم بها الفلسفة .
بيد أننا نرى أنه منذ بداية التفكير الإنساني إلى عصرنا هذا يوجد دائما في هذا الموضوع تصادم منتج بين من نسميهم بالمثاليين والواقعيين، أو الشعوريين والعقليين.
ونعلم أن المذهب ذا النزعة الواقعية العقلية قد أفل نجمه في العالم الإسلامي منذ ابن رشد ثم ابن خلدون اللذين لم يكن لتعاليمهما أي صدى في البلاد الخاضعة للثقافة العربية.
ولكن هذه النزعة كانت قد تسربت في خطوطها الكبرى إلى أوربا باسم تعاليم أرسطو، حتى جاء ديكارت وأنشأ المذهب العقلي، ثم جاء التجريبيون وكانت على يدهم الوثبة العلمية الكبرى، فاعتقد كثير من المفكرين أنه لا وجود للحقيقة إلا إذا أقرتها التجربة العلمية، فكان الكثير في أواخر القرن الماضي ينكر وجود الروح مثلا لأنها لا ترى في المخبر، ويسمى هؤلاء المؤمنون بالعلم وحده «علمانيين»، وكانت طائفة أخرى تقول بأن العقل البشري عاجز عن اكتشاف حقائق ما وراء الطبيعة والروحيات، وهؤلاء هم الوضعيون، وجاءت جماعة من العلماء في ألمانيا تقول بأنه يمكن وزن العمليات النفسية في امتدادها وقوتها كأنها أشياء تخضع لقوانين الفيزياء.
هذا الجو المسرف في الاعتماد على العلم التجريبي هو الذي عاش فيه (بركسون) في أواخر القرن الماضي، فقام ثائرا على أخطاء العلمانيين، وبدا أ ول ما بدا بمراجعة معاني المعرفة.
وكانت أول نظرية له برزت للوجود هي أن العقل والكلام المعبر عنه ملتصقان بالعالم الطبيعي، بحيث تكون المعرفة العقلية التجريبية مجرد معرفة للماديات. فنحن إذا أردنا أن نبحث في النفسيات استعملنا العقل، وهو كما يقول بركسون أداة غير صالحة لأنها لم تخلق لهذا النوع من العمليات.
فالعقل جزء من عالمنا النفسي، مخصص في الأشياء الخارجة عن النفس، ولكنه ملكة تطغى قوتها على الملكات الأخرى مثل المخيلة والذاكرة والشعور.
فعلمنا النفسي مقسم إلى قسمين: قسم سطحي ، وقسم عميق، والعميق منهما مغطى بالماديات حسب تمثيل بركسون كما تغطى بركة الماء بالأوراق المتناثرة فوقها، والعقل من مظاهر الـ«أنا» السطحي الذي تحكمت فيه الماديات والعادات الاجتماعية، ويكون هذا الـ «أنا» السطحي قشرة تحيط بالـ «أنا» العميق من كل جانب، ولا سبيل إلى بروز هذا الـ «أنا» إلا بإزالة القشرة عنه، فيجب قبل كل شيء أن ننزع عنا المعارف التجريبية التي هي مجرد ماديات ونتحرر من سيطرة العقل الذي هو بطبيعته أداة لها، إذ ليس مطابقا للصواب، إذا أردنا معرفة بعض الحالات النفسية التي هي من الجزء العميق، أن نحكم فيها الجزء السطحي، وإذا استطعنا بعد ذلك أن نمزق الستار الذي يحجب  عنا الـ «أنا» العميق فنصل إليه مباشرة، وتغمرنا بداهته وبساطته وصفاؤه.
فالعقل هو المسيطر في الـ «أنا» الخارجي والموصل إليه، وهو بهذا أداة للمعرفة العلمية التجريبية
وهناك ملكة أخرى هي المسيطرة في ألـ «أنا» الداخلي والموصلة إليه وهي بهذا أداة للمعرفة البديهة، وهذه الملكة هي الحدس.
إننا حين نذكر الحدس عند بركسون نتصور من أول وهلة أنه ملكة نفسية ذات مظهر واحد واستعمال واحد، فهو القوة الروحية التي تدرك الحقائق بالبداهة، وهو الملكة المخصصة في الأبحاث النفسية.
والواقع أن معنى الحدس ووظائفه قد تطورت وازدادت عنى عند بركسون بمرور السنين واتساع الأبحاث.
إننا نجد في كتبه ومقالاته عبارات مثل «الحدس الصرف» أو «الحدس الأولي» أو «الحدس البديهي» كأنه يريد أن يقول أن الحدس ليس بالملكة النفسية التي تتصرف بكامل الحرية، فإذا وقع استعمالها في المعرفة الروحية صارت عرضة لتدخلات العقل الذي يمس باستقلالها، وكأنه يوصينا بأن تكون على يقظة مستمرة لوقاية  الحدس من العقل التجريبي حتى لا يفقده بداهته وصفاءه.
ويتجلى هذا التباين بين الحدس الصرف والعقل التجريبي خصوصا في المؤلف الشهير لبركسون «التطور الخالق» حيث يدخل عامل جديد للمقارنة بينهما إلا وهو الغريزة.
إن ما يعبر عنه بر كسون بالتيار الحيوي، وهو تلك الدفعة الأصيلة التي انبثقت منها كل حياة، يتشعب في عالمنا هذا إلى ثلاثة أنواع من التطورات والتجارب تتفاوت في درجة الوجدان بقدر ما تتفاوت في درجة الحرية والحركة.
فالاتجاه الأول من التيار الحيوي تكيف في النباتات التي تأخذ قوتها مباشرة من الأرض، ولا تتحرك من مواضعها، فوجدانها قليل بسبب قلة حركتها وعدم استقلالها عن المادة.
فالاتجاه الثاني من التيار تكيف في الحيوانات التي تتحرك لتأخذ قوتها من النبات فتتصل بالمادة في مظاهر مختلفة وتتعرف بها بواسطة أداة خاصة وهي الغزيرة، ومن خصائص المعرفة الغريزية أنها معدة للتعرف بالعالم المادي بقصد التصرف فيه، وأنها من جهة أخرى معرفة غامضة، ومن خصال الغريزة أنها بديهية ومتصلة مباشرة بالتيار الحيوي الذي تأخذ منه وحيها.
ويقول بركسون: «انه لو أمكننا استفتاء الغريزة، ولو كان في إمكانها أن تجيبنا لأعطتنا معلومات عن تيار الحياة التي هي ملازمة لها»
وأما الاتجاه الثالث للتيار الحيوي فقد تكيف في الإنسان.
تتجلى في هذا الكائن الحي ملكة تفوق الغريزة من حيث الوضوح، وتمكن من معرفة العالم المادي بوعي أكثر، وهذه القوة الموضحة هي العقل. فيه يتحرر الإنسان من المادة ويتسلط عليها، وبه يتميز عن الحيوانات لأنه يكسبه قبل كل شيء قدرة على صنع آلات يستعين بها في أعماله، ثم أن العقل يخول الإنسان معرفة بالماديات هي المعرفة التجريبية التي ذكرنا آنفا.
ولكن المعرفة التجريبية والقدرة على صنع الآلات يقصدان اتجاها واحدا وهو التصرف في العالم المادي، ويلتقيان في هذا الاتجاه بالغريزة لان الكل يندفع بطبعه إلى العالم الخارج عن النفس.
وأما الحدس فهو شبيه بالغريزة في ملازمته للتيار الحيوي واستمداد وحيه منه، وهو يكون مرحلة تقدمية بالنسبة إلى العقل لأنه أداة صالحة للدخول آلة العالم الروحي الممنوع على العقل، فإنه لا يمكننا أن نحصل على المعرفة المتعلقة بالـ «أنا» إلا إذا بلغنا هذا النوع من التحرر من ربقة العالم المادي بعملية تستوجب كثيرا من الإرادة والجهد، فتقرر أول الأمر التجرد من كل ميل إلى العمل المادي، ونطرح جانبا كل الأدوات التي حملتنا الحياة للقيام بهذا العمل: من عقل ولغة وحواس، ونأخذ الأداة الصالحة لمعرفة الروحيات وهي الحدس، ونجعل اتجاهنا كله صوب التيار الحيوي فيوحي إذ ذاك إلينا هذا التيار بمعارف بديهية أخذت من عنصرها الأول غير مشوهة بالماديات ولا بالعقل المخصص لها ولا بالكلام، لان الكلام يصدر عن عمليات العقل، فتكون بهذا فد خصصنا كل أداة في وظيفتها داخل ميدان المعرفة.
ثم نرى في كتاب «منبعي الأخلاق والدين» أن الحدس قد تطور في معانيه بتطور معنى المعرفة عند بركسون، نجد في هذا المؤلف الشهير أن هناك أخلاقا نتوارثها وتفرض على الـ «أنا» الخارجي فرضا، فتبرز في قواعد ينظمها العقل حسب المقتضيات الاجتماعية، ولهذه الأخلاق سيطرة على الفرد نسميها ضغطا اجتماعيا، فهي أخلاق عقلية. وقد رأينا أن بركسون يجعل  العقل تابعا للـ «أنا» السطحي المخصص في الماديات والاجتماعيات، ومن عيوب هذه الأخلاق أنها تخضع للوسط وأنها غير حرة في اتجاهها، فهي على حد تعبير بركسون «الأخلاق المغلقة» أغلقها العقل بقوانينه السطحية والمجتمع بضغطه، وبحصره إياها في الوسط المحدود الذي هو الأسرة والقبيلة والأمة.
وهناك نوع آخر من الأخلاق أكثر حرية من الأول وليست له قواعد أساسية، بل يستمد وجوده من الاقتداء بما هو أحسن ومن الميل إلى الكمال، ويرجع هذا النوع من الأخلاق إلى الشعور، لا إلى العقل، ويسميه بركسون « بالأخلاق المفتوحة» فتجهل الشعور لأنه نفسية أكثر غنى وعمقا من العقل، وفتحها ميلها إلى الكمال وتطورها بحرية مطلقة وقدرتها على الشمول، والواقع أنا لا نجد أخلاقا مغلقة صرفة وأخلاقا مفتوحة صرفة، فالأخلاق كلها في الحقيقة خليط من هاتين النزعتين.
وعظماء الإنسانية ليسوا إلا المجددين الكبار الذين لا يدينون بالأخلاق المغلقة، بل يكسرون قيودها ويثبون إلى الإمام بشعور عميق وحدس قوي صاف فيحققون بذلك تطور البشرية وتقدمها.
فسر عظمتهم أنهم يضعون أنفسهم في اتجاه التيار الحيوي، فلا تغريهم عنه الماديات والعقليات بل يبقون متمسكين بالحدس والمعرفة البديهة، فيأخذون الحقائق في صفائها.
كان هذا شأن عيسى بن مريم إذ أتى بحرارة جديدة، أخدها مباشرة من عنصر التيار الحيوي ووثب بها إلى الأمام  بانفتاح وحرية، فكسرت قيود القواعد الدينية والأخلاقية وحققت مرامي الحياة في التطور والانبثاق.
يظهر مما ذكرناه عن المعرفة والحدس البركسوني أن هناك تباينا بين العقل الباحث والحدس الصرف، ولكننا نشوه فلسفة بركسون أن وقفنا عند هذا الزعم وتناسينا التدقيقات التي تتهم هذه النظرة الإجمالية، فالفلسفة الحدسية لا ترفض العقل الباحث تمام الرفض، بل تؤمن بأنه القوة المؤدية إلى الوضوح على حد تعبير بركسون «النواة المضيئة التي لا تبدو حولها الغريزة والحدس، إلا ضبابا غامضا» وإنما الشيء الذي تعيبه الفلسفة الحدسية على العقليين هو تمسكهم بنظريات صلبة لا تلصق بتشعب الواقع ولا تقوم بأي تجديد في ميدان المعرفة الإنسانية، بل هدفها تنظيم المعارف السابقة وترتيبها، بينما الحدس  يأتي بالفكرة الجديدة البسيطة المستوحاة بواسطة الاتصال المباشر بالواقع.
إن ما ينسب إلى العقل من قدرة على فض جميع المشاكل بتحريك نظريات صنعتها الحياة الاجتماعية من أجل الحياة الاجتماعية مجرد ادعاء، لان السبيل الوحيد لفض المشاكل إنما هو العمل المجهد المثمر الذي يمزق الحجب عن «الكلمات » ليتصل «بالأشياء» ولكن العقل لن يزال بسبب وضوحه وقدرته على المقارنة والتنظيم يكون المرحلة الحاسمة في سبيل الوصول إلى الحدس المجدد الباعث .
فكأنما يريد بركسون أن ينبهنا في هذه التدقيقات المتعلقة بالعقل والحدس أن لنا أدوات لا نحسن استعمالها، إذ نجعل أنفسنا تحت الضغط الناتج عن ميلنا إلى العمل، إن العقل قد تعود على تحليل المادة وتقطيع أجزائها ثم إلصاق هذه الأجزاء بعضها بالبعض، وهو محصور في مرمى واحد وهذا المرمى هو العمل الذي يعود بالمنفعة على الإنسان، بينما كان من حق العقل الباحث التحليلي  أن يعين الحدس على الالتصاق بالمادة نفسها ليطلع على حقيقتها  حيث أن المادة ليست بالنسبة إلى الروح كالضد لضده يتنافران مطلقا، بل يوجد بينهما اتصال نشاهده أول ما نشاهده في لبس التيار الحيوي للمادة الجسمية وهو اتصال الروح بالجسد.
فإذا اتجهنا بالمعرفة صوب هذا المرمى المجرد من فكرة الانتفاع وجعلنا العقل معينا للحدس لا ضاغطا عليه حققنا مرحلة عظيمة  في سبيل التحرر .
والمعرفة الحدسية كلها ليست في نظر بركسون إلا تحررا، أنها تحرر حينما تقول للوضعيين  والتجريبيين والعلمانيين أخطأتم بزعمكم أن الفكر البشري غير قادر  على تمزيق الحجب التي تعوقنا عن التعرف بالنفس تعرفا مباشرا، بل العالم الروحي ميدان لنا القدرة على الخوض فيه واكتشاف أسراره، ولنا من أجل ذلك الأداة الصالحة وهي الحدس.
والمعرفة الحدسية تحرر لأنها تمزق الأغلال  التي تقيد «الأنا » العميق وتجعله مغطى بالـ «أنا» السطحي.
وهي تحرر لأنها تجعل حدا لحرماننا من وحي التيار الحيوي الذي «انحرفنا عنه».
وهي تحرر لأنها ثورة ضد الثقافة العقلية المغلقة التي تمخض الأفكار القديمة منظمة أو مقارنة، مدعية أنها تكشف بهذه الطريقة عن أشياء جديدة.
وهي تحرر لأنها تكسر قيود القواعد الاجتماعية والأديان الشكلية لتثب بنا نحو أخلاق حرة تماشي التيار الحيوي وتستضيء بنوره.
                                                      *
ولكن يجب أن نتساءل هل يمكن في الواقع تحقيق هذه الحريات البركسونية في تعددها: من كشف عن الـ «أنا» العميق، ومماشاة للتيار الحيوي، وتكسير لقيود الثقافة المغلقة والقواعد الاجتماعية.
وهل في الإمكان تطبيق هذا المذهب الحدسي في الفلسفة والتوصل بواسطته إلى اكتشافات جديدة؟
الحق أنه يصعب الجواب على هذه الأسئلة بكيفية حاسمة، وان البركسونيين يمكنهم أن يقولوا بأنهم فتحوا أمامنا عوالم كان مضروبا بيننا وبينها سور من جديد، ولا ينكر أحد أن علم النفس مثلا قد تقدم بخطوات عظمى منذ بروز البركسونية إلى يومنا هذا ، ولا ينكر أحد أننا عرفنا وثبة روحية عظيمة في القرن العشرين، ولكن هل كان الحدس وحده هو السبب في مثل هذا التقدم؟ كلا بل كانت التجارب والأبحاث العقلية أكبر عامل في جميع الميادين على وثبة الإنسانية نحو التقدم والرقي، وكثيرا ما نتساءل إذا القينا نظرة واحدة على هذه المطامح البركسونية هل هي حقائق أم أوهام، فالعقل الذي نحكم عليه بالعقم، إذا ألقينا نظرنا إليه بمنظار بركسوني، أليس هو أكثر قٌواتنا النفسية مرونة على اكتشاف الحقائق، فهل من الصواب أن نسكت هذه الملكة الإنسانية المرنة لتستفتي غيرها سيما وأن هذا الغير لم يعطنا نفس الضمانات الكافية فنقبل تسلطه.
ثم إذا نظرنا في التشوف إلى الحرية وجدنا أن العقل والعلم اللذين تعدهما الحدسية قيودا بسبب مراميها الانتفاعية العملية، إنما هما في الحقيقة سبب عظيم في تحرر الإنسانية من ربقة المادة، وهل جربنا حتى الآن وسيلة أكثر منهما قدرة على القيام بهذه المهمة التحريرية؟ لقد استطعنا بالعقل والعلم التجريبي أن نزن الكون مع عظمته ونخترق أسرار العالم الغير المتناهي في الصغر والعالم الغير المتناهي في الكبر وننتقل من فتوحات إلى فتوحات أكبر منها حتى صرنا لا نيأس اليوم من صنع الحياة نفسها «في المخبر» على حد تعبير العلمانيين، فليس الحدس بل العقل والعلم هما اللذان علمانا مثلا أن المادة والطاقة شيء واحد، أو لا يعد هذا الاكتشاف من أكبر مراحل التحرر؟.
ثم أن العقليين يعيبون مع بركسون هذه الثقافة «المغلقة» وهذه الأخلاق «المقفلة» التي تصير الأفكار الإنسانية عقيمة، والعقل أول من ُثأر على الشكليات الاجتماعية وحتى العقلية، فديكارت مثلا هو الذي حطم منطق أرسطو، والعلماء والمفكرون العقليون هم الذين حطموا قيود القواعد الاجتماعية للدعوة إلى مجتمع أحسن والطموح إلى الكمال والحرية، وهم مع كل هذا واقعيون يعملون أنه لا يمكنهم التحرر من المجتمع وميزاته وإيحاءاته لأنهم يفكرون بناء على أفكار غيرهم أو بالنسبة لها.
ثم إن المذهب الحدسي نفسه  لم يأت من ناحية أخرى إلا تابعا للمذهب الشعوري الذي عرفناه في القديم عند الافلوطينيين ثم الاشراقيين من المسلمين مثل الغزالي والسهراوردي وجماعة الصوفيين وحتى ابن سينا في بعض مظاهر فلسفته.
ولم تبرز الحدسية إلا في إطار الثورة على أفكار الوضعيين والتجريبيين مثلما ثار الغزالي على الفلاسفة في كتاب «التهافت».
فالمذهب الحدسي إذن خاضع للقواعد الاجتماعية من حيث هو استمرار وتتابع في سلسلة الاشراقيين ومن حيث هو ثورة على العقل.
ولم يكن منهج بركسون في البحث وإقامة صرح فلسفته بمنهج حدسي، إنما كان بركسون يأتي بالحجج المنطقية ليبني هذا الكل الفلسفي الذي هو المذهب الجديد.
وهل يوجد مذهب دون تحليل وتركيب، وهل بعد التحليل والتركيب إلا وظيفتين من وظائف العقل.
إنه شأن جميع المفكرين الذين قالوا بعجز العقل، فهم يقيمون دائما مذهبهم على مناهج معقولة. هكذا كانت طريقة الأشعري في ثورته على المتكلمين، وهكذا كان منهج الغزالي في قيامه على الفلاسفة، ولولا ذلك لما عدوا من المفكرين.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here