islamaumaroc

كفاح الجزائر بين الماضي والحاضر

  أحمد مراد

22 العدد

حينما نفض الحلفاء أيديهم من تقسيم تركة (الرجل المريض) في العالم العربي، بعيد الحرب العالمية الأولى، وقف أحد القواد العسكريين الانكليز، في زهو المنتصر، واختيال الظافر، ولعله المريشال (النبي)، على قبر صلاح الدين الأيوبي في سوريا وقال: «الآن انتهت الحروب الصليبية التي أشهرتها دول الاروبا المسيحية، وامتدت غارتها الشعواء على الشعوب العربية بضعة قرون، انتهت منذ ذلك اليوم بفرض السيطرة الأوربية على بلاد العرب، وإحراز النصر لصالح الصليب على الهلال ..
ولكن لذة النصر هذه لم تدم طويلا لدى ساسة الاستعمار الأوربي، بل سرعان ما تبخرت في الهواء بعد أعوام معدودة، إذ استأنف أحفاد صلاح الدين الأيوبي نضالهم لتحرير وطنهم، وتطهير أرضهم الزكية من رجس الاستعمار الغربي، مظهرين في كفاحهم كل ما تأصل في نفوس أبناء العروبة الأحرار من أباء وعزة وشمم، وما فطروا عليه من إيثار للجهاد والتضحية بالنفس لإعلاء كلمة الله، والجود بالنفس أقصى غاية الجود، وبذلك خيبوا آمال أوروبا في (ممتلكاتها) الشرقية .. التي خلت أنها استسلمت نهائيا، وجنحت للدعة والسكون، وقنعت بحظها من حياة الذلة والهوان..
وقد انجلى غبار المعركة بين العرب وأعدائهم عن اندحار المعتدين الصليبيين قديما وحديثا. فاسترد العرب حريتهم وعزتهم وكرامتهم، وأضحت بلادهم خالصة لهم (أو تكاد) من دون الاستعماريين الغاصبين، ولم تبق اليوم إلا بضع خطوات متوثبة يخطوها إخواننا العرب نحو الأمام، في الجزء الذي لم يبرح أبناؤه أرض المعركة الصليبية.. في الجزائر العربية، من أجل تحطيم مشروع (الفرنسية...) الذي طالما حلم الفرنسيون بإنجازه خلال مراحل احتلال القطر الجزائري، ولا زالوا متشبثين بأحلامهم....
وحينما انقضت مائة سنة من عمر الاحتلال الفرنسي في الجزائر، أقام الفرنسيون حفلات الذكرى المئوية، في أهم المدن الجزائرية. وكانت تلك الحفلات تتسم بسمة العنصرية المقيتة، ويغلب عليها طابع الشماتة والتعالي والكبرياء، هذه المساوئ التي لا أبالغ إذا قلت أنها من (ميزات) العنصر الفرنسي في أغلبه، ومن الأوصاف البارزة في تعامل الفرنسيين مع من أخضعوا لعدوانهم، وغدوا ضحية لاستعمارهم، واستخف العجب والغرور ساسة الاستعمار يومئذ، فمضوا يعلنون للملأ – في وقاحة- بأنهم فرغوا من أمر الإسلام في الجزائر، وشيعوا –في زعمهم- ما يسمى بالجزائر المسلمة إلى المقر الأخير. ودشنوا بتلك الحفلات الصاخبة (جزائر العاصمة) لحما ودما. «كبرت كلمة تخرج من أفواههم أن يقولون إلا كذبا»
وبعد سنين قلائل أبى المبشرون المسيحيون إلا أن يضربوا على نفس الوتر، ويسمعونا نفس النغمة، (مع التماس متسع آخر لأحلامهم.. في القطرين المجاورين). فصرحوا –دون أدنى حرج- في المؤتمر الأفخارستي (مؤتمر الكرادلة)، الذي انعقد يومها بتونس، بما يفيد اعتبار شمال إفريقيا كله ضمن نطاق (الممتلكات) التي تشملها الكتلكة برعايتها الأبوية، موهمين أنفسهم بأن سيطرة فرنسا على هذه الأقطار. يخول لهم الحق في اعتبارها أرضا كاثوليكية... كيف لا وفرنسا تعد عند الأوربيين (بنت الكنيسة البكر..) بلا خلاف.
ورغم ما إثارته الدعاوي التي ما انزل الله بها من سلطان يومذاك، من شديد الاستنكار، وما خلفته من سيء الأثر في البلاد العربية الإسلامية، وخاصة في شمال إفريقيا، الذي ينصب عليه هذا التهافت مباشرة، ويحسه في صميم كيانه الروحي والقومي، فإن الضمير الفرنسي المريض بالعجب والكبرياء، لم يشأ أن يصحو من غيبوبة النشوة التي كان مستغرقا فيها، وهو يرى نفسه يومئذ يعيش في غمرة من الأحلام والأماني، بقرب استعادة بناء الإمبراطورية الإفريقية، التي كانت تعيش تحت ظل راية روما في يوم ما، لاسيما والفرنسيون يعتبرون أنفسهم أحق الناس بميراث تلك الإمبراطورية البائدة المنهارة.. وكانوا يعتقدون أنه لا يتسنى لهم أن يقيموا بناءها من جديد، ألا على أشلاء الشخصية العربية الإسلامية، في شمال إفريقيا، وعلى أنقاض ما شيده العرب المسلمون من مدنية وحضارة إنسانية خالدة في هذه الأرض.
ولتحقيق ما سولت لهم به أنفسهم الأمارة بالسوء، فقد درجوا دوما في الجزائر على انتهاج سياسة ذات نزعة صليبية، وإرضاء لعواطفهم الجامحة، وبغية الوصول إلى تحطيم الكيان المعنوي والروحي لهذه الأمة، وقطع كل صلة تربطها بدينها ولغتها، وإبادة كل أثر أو تراث أدبي أو رمادي، يشعر الأجيال الصاعدة بنوع من الاعتزاز والفخر في الماضي أو الحاضر.
وكانت اللغة العربية الهدف الرئيسي لطعناتهم المسمومة، لأنها لغة قومية، ورمز الشخصية الوطنية فحالوا بين أبناء الشعب وبين تعلمها بكل الوسائل، واعتبروها لغة أجنبية في عقر دارها، وبين دوي قرباها كما كان الإسلام هدفا لتحاملهم وهجوماتهم المتوالية، فلم يدعوا أية فرصة تمر دون أن يعملوا معاولهم الهدامة في قواعده، عملوا على تشويه محاسنه في نظر أبنائه، و أطلقوا أيديهم في إنتهاب أوقافه، وأفسدوا ضمائر رجاله والقائمين على شؤونه، فاستعبدوهم وتحكموا في رقابهم. عملوا كل ذلك تشفيا وانتقاما من هذا الذين، الذي احتمت الأمة بجداره كلما تألبت عليها النوائب، ولجأت أنى كنفه الرحب عند كل ملمة تلم بها. فوجدت في الاعتصام بحيله المتين وعروته الوثقى المناعة ضد غارة المبشرين، والوقاية التي تقيها من الغزو الروحي والمعنوي، الذي واصله الفرنسيون بشدة ضد عقيدتها الدينية، ومقوماتها الأدبية. كما واصلوه من الناحية المادية والاقتصادية.
وخيل إليهم غير ما مرة أنهم حققوا مآربهم ومبتغاهم، وأصبحوا قاب قوسين أو أدنى من الظفر بأمانيهم. وطالما انخدعوا بالسراب الذي يبدو لهم من خلال الفترات التي يتوقف أثنائها الشعب، ليستجمع قواه من جديد، ويتابع السير في طريق النضال بعزم أشد، وتصميم أوكد. وهكذا ظنوا أنه بإمكانهم أن يطمئنوا على (الجزائر الفرنسية)، ويناموا ملء جفرئهم ما داموا قد أودعوا الجزائر العربية التراب، وأقاموا مآتم وفاتها في الحفلات المئوية.  
وما بقي عليهم ألا أن يواصلوا مهمتهم (الصليبية..) في تونس والمغرب، بتطبيق نفس السياسة التي اتبعوها في الجزائر، مع تحويل بسيط يقتضيه اختلاف البيئة والمكان والأحوال الاجتماعية. وإبراز عمل للحماية الفرنسية في هذا المجال، هو إصدار «الظهير البربري» المشؤوم في المغرب. وإثارة مشكلة (التجنيس) في تونس، وغير هذين الحادثين مما  تضمنه (تصميم) السياسة الفرنسية، الذي وضعه عباقرة الاستعمار خصيصا لربح الحروب الصليبية في المغرب العربي، كما ربحوها في المشرق العربي.. ولكن...
ولكن يبدو أن واضعي التصميم الصليبي لم يكونوا على قدر كبير من المهارة، لذلك اغفلوا تقدير الواقع، وأهملوا وضع الأمور في نصابها، وربط الفروع بأصولها. فأضاعوا على أنفسهم أسباب النجاح، وفشل مشروعهم، وانهار كل ما شيدوه على الرمال، من حلو الأماني والآمال.. انهار مع وتبات الأحرار في تونس والمغرب على معاقل الاستعمار، وأوبنهم من ميدان المعركة يحملون رايات الظفر والانتصار. ولسان حالهم يشدو مع الشاعر الجزائري بقوله:
للمغرب العربي صولة ضار                  ووثوب مقدام على الأخطار
كذب الذين نعوه بل هو لم يز                  لغاب الأسود وموطن الثوار
يا ويح الاستعمار تقوضت                     آماله كالهيكل المنهار..
ثم ماذا؟
ثم أظهرت الأيام، وأبان الواقع الملموس منذ أكثر من ربع قرن، أن ما منى به الفرنسيون أنفسهم في الجزائر كما في القطرين الشقيقين، أضغاث أحلام، وما هم بتأويل الأحلام بعالمين. بل ما هو إلا سراب بقيعة يحسبه الضمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا وأن ما زعموه من موت الإسلام والعربية في هذا الوطن، ليس له حظ من الواقع ولا نصيب من الصحة، لأن بذور الحياة الكامنة في طبيعة هذا الدين ولغته، وجذور الإيمان الممتدة في أعماق هذا الشعب العربي المسلم، لا تقوى ولن تقوى أية قوة مادية أن تقتلها في مكمنها، أو تقتلعها من منابتها، ولن تستطيع أن تعفي عن آثارها وتأثيرها الفعال في النفوس والعقول. تلك سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا.
وهذا ما تجلى بوضوح خلال معارك الكفاح الوطني، التي خاضها شعب الجزائر العربي الأبي، ضد أعداء دينه، ومغتصبي وطنه، طيلة ربع القرن الأخير، في الميدان السياسي والثقافي والأدبي، قبل أن يضطره أمعان فرنسا في بغيها الاستعماري العنيد وفقدانها منطق الرشد والعقل، لخوض معركة الكفاح التحريري المسلح، منذ ما يقرب من خمسة أعوام، ذبادا عن حمى الوطن المفدى وحقه في الحرية والاستقلال. متمثلا يقول الشاعر العربي الخالد: 
  (السيف أصدق أنباء من الكتب
                     في حده الحد بين الجد واللعب)        
    أن جهاد الجزائر الحالي يوثق الرابطة بين ماضيها الناصع، وحاضرها المشرق، ويعبر بصدق عن أهدافها المعنوية والإنسانية، التي يناضل لتحقيقها في نطاق ما تطلبه منها حقيقتها العربية والإسلامية، من مسؤوليات حاضرة ومستقبلة، ضمن الوحدة العربية الشاملة، ولتختم هذه الكلمة بما صرح به  أخيرا رئيس الحكومة المؤقتة الجزائرية:
«إن الشعب الجزائري يتابع جهاده الآن أكثر من كل وقت مضى، وأن العرب كلهم يؤيدون هذا الشعب في جهاده لتحرير بلاده، أن فرنسا أرادت أن تقضي على عروبتنا وديننا، وأن تجعلنا جزءا من الشعب الفرنسي. إلا أن الجزائريين يأبون ألا أن يحافظوا على عقيدتهم الإسلامية، وقوميتهم العربية».
نحن ثرنا فلات حين رجوع                  أو ننال استقلالنا المنشودا
   

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here