islamaumaroc

الوثائق المغربية في عهد جلالة الملك الحسن الثاني

  دعوة الحق

174 العدد

لم يفتأ المؤرخون والسياسيون المغاربة I وحتى علماء الاقتصاد والاجتماع منهم يشعرون بالحاجة الماسة إلى الاطلاع على الوثائق والمستندات المغربية للاستعانة بها على كتابة ما يرغبون في تأليفه من كتب وإعداد ما يحضرونه من دروس ومحاضرات، ومنهم من يرغب في الاطلاع عليها بدافع وطني لمقارنتها بما نشره الأوربيون والأمريكيون عن بلادنا من وثائق ومستندات تحتفظ بها المكتبات الرسمية وغير الرسمية ببلدانهم، تلك التي بنوا عليها أحكاما واستنتجوا منها نتائج تبدو أحيانا لمفكرينا وشبابنا الغير متحيزة وبعيدة عن الصواب، ماسة ـ بالتالي ـ بكرامة المغرب وما رسخ في أذهانهم عما لماضيه من مفاخر وأمجاد.
والمفكرون المغاربة والشبان منهم على الخصوص عندما يحسون ذلك الإحساس ويرغبون تلك الرغبة انما يصدرون عن عاطفة نبيلة وطموح حميد، لأنهم يستهدفون من جهة تقصي الحقائق، كما يستهدفون من جهة أخرى درأ أكثر ما يمكن درؤه من الشبهات عن ماضي الوطن المغربي الذي لم يكن كل ما كتب عنه من طرف الأجانب خالصا سليما بعيدا عن الغرض المقيت والهوى المطاع.
وكان يزيد في لوعة مفكرينا وشبابنا وحسرتهم ان الاطلاع على هذه الوثائق والمستندات لم يكن بالأمر الهين ولا الاهتداء إلى مكامنها والوصول إلى مخابعها بالشيء الذي لا يكلف عناء ولا يرهق عسرا، فالمستندات المغربية بقيت حبيسة غميسة مفقودة الأخبار مجهولة الآثار حتى حسب الكثير أن المغرب ليست له وثائق بالمرة، وأحسن الناس ظنا وأطولهم أملا من تخيل أن ما كان منها موجودا استولى عليه الأجانب أيام حكمهم وأتلفوه أو نقلوه إلى مكاتب بلادهم وحرموا الاستفادة منه على غير مواطنيهم.
والحقيقة أن الوثائق والمستندات المغربية موجودة وكائنة منذ كان المغرب دولة، إذ من شروط الدولة ومستلزماتها أن يكون لها جهاز حكومي وإداري يشرف على تدبير أمورها وتسيير شؤونها، وهذا التدبير يتوقف على جهاز كتابي يتولى تبليغ التعليمات الحكومية والتوجيهات الإدارية إلى ولاة الأقاليم وقضاة الأحكام، وقواد الجيش وجباة المال وسفراء الدول كما يتلقى أجوبتهم عنها أو يتلقى منهم المكاتيب التي يكتبونها بدءا بانتظام.
إنما الذي لم يكن يفهمه المغاربة ـ ومن الفضية أن نعترف بما ارتكبنا في ماضينا من أخطاء ـ أن رجال الدولة والموظفين منهم على الإطلاق كانوا يعتبرون المراسلات الصادرة عنهم أو الواردة عليهم حال ممارستهم للوظيف وتلبسهم بالحكومة ملكا شخصيا لهم لمجرد أن أسماءهم مذكورة فيها، فلهذا كانوا ينقلون معهم إلى دورهم تلك المستندات الحكومية والإدارية عند ما يتخلون عن الوظيف بمحض إرادتهم أو عندما يقصون عنه بغير اختيارهم، وبذلك تشتت شمل المستندات وانتشر سلكها وتفرقت شذر مذر وذهبت أيادي سبأ، وصارت موزعة مجزأة في قصور الوزراء والموظفين السابقين بدل أن تبقى محفوظة بالدواوين الحكومية والمكاتب الإدارية.
ولم تقف المصيبة عند هذا الحد، فإن تلك المستندات كانت بعد انتقالها إلى دور الخواص تطرح غالبا في زوايا الإهمال وتترك بدون أدنى عناية، معرضة لآفات الطبيعية من مطر السماء ورطوبة الارض ونخر الارض وقضم الجرذان، وأفظع من هذا وأشنع أن أيدي الجهال كانت تمتد إليها فتأتي عليها حرقا وإتلافا وأحيانا كانت تبيعها بثمن الورق الرخيص لمن يكمش فيها القطاني أو يلف البهارات من الباعة المتجولين.
وفي العقد الثاني من هذا القرن العشرين شرعت الحكومة المغربية تجمع ما تفرق من وثائق المغرب ومستنداته مما عثر عليه في مكاتب الموظفين المخزنيين أو صادرته مع ما صادرت من ممتلكاتهم وممتلكات قنصليات الدول المعادية خلال الحرب العالمية الأولى، ولما أنشأت بالرباط المكتبة العامة أنشأت بجانبها قسما للوثائق كما أنشأت بباريس (قسما تاريخيا) (عهدت إليه بجمع كل ما تحتوي عليه مكاتب الدول الأوربية مما يتعلق بالمغرب، وعمل هذا القسم التاريخي عملا جليلا بما جمع وترجم ونشر، ولا مثل سلسلة الكتب المعنونة بـ (المصادر الغميسة لتاريخ المغرب).
وسارت الحكومة أشواطا في جمع الوثائق، وتضخم قسم المستندات في الخزانة العامة بالرباط بما حفظ فيه من وثائق القنصليات الفرنسية بالمغرب ومن الوثائق الحكومية والإدارية التي كانت تبعث إليه للحفظ من دواوين الحكومة بالعاصمة أو من مكاتب الإدارة بالإقليم، كما نشط بعض المواطنين المغاربة والأجانب لنشر عدد من الوثائق على حدة كـ (الرسائل الشريفة) التي نشرها الكمندان نهليل، و(الرسائل الموحدية) التي نشرها المستشرق ليفي بروفنصال، و(رسائل سعدية) التي نشرها الأستاذ عبد الله كنون، أو تضمينها الكتب التاريخية والمدونات القانونية التي ألفوها وجمعوها ونشروها، كـ (إتحاف أعلام الناس) لسلفي مؤرخ الدولة السيد عبد الرحمان بن زيدان، و(مدونة القوانين) الخاصة بمنطقة الحماية الفرنسية، والأخرى الخاصة بمنطقة الإدارة الدولية بطنجية.
ولكن هذه العملية الأولى الناجحة أصيبت بنكسة عندما استعاد المغرب استقلاله في أواخر سنة 1955 لأن دولتي فرنسا واسبانيا حاميتي المغرب السابقتين عمدتا إلى نقل أكثر ما كان بالمكتبات الرسمية المغربية من المستندات إلى بلديهما ولم تبقيا بها إلى القيل منها.
حدثني الأستاذ محمد الفاسي أول وزير للتربية الوطنية في المغرب المستقل أن سيارات الجيش الفرنسي حضرت ذات صباح في أوائل سنة 1956 إلى المكتبة العامة بالرباط ومعها الجنود بكامل أسلحتهم، ففتح لهم محافظها. وكان يهوديا جزائريا متفرنسا، أبوابها ومكنهم من جميع ما كان مخبوعا فيها من المستندات فنقلوه إلى قشلة من قشلاتهم ثم أرسلوه فيما بعد جوا وبحرا إلى فرنسا بواسطة القواعد الجوية والبحرية التي كانت يومئذ تحت قبضتهم بالمغرب.
ومرت السنتان الأوليان على إعلان الاستقلال والدولة المغربية منصرقة إلى معالجة المشاكل المترتبة على إلغاء الحماية كتثبيت السلطة ومغربة الإدارة وإنشاء الجيش وفرق الأمن وإجلاء القوات الفرنسية والإسبانية والأمريكية عن القواعد التي تحتلها بالمغرب وتحرير الاقتصاد والعملة من التبعية للأجانب، وكانت مسائل ذات أهمية ثانوية في ذلك العهد كجمع الوثائق والمستندات وترتيبها ونشرها آخر ما يخطر على البال ويصرف إليه الاهتمام، على أن الدولة بدأت تصطدم بالمشكلة منذ البداية، لأن الفرنسيين والإسبانيين لم يدروا إلى المغرب جميع أراضيه السليبة بالجنوب والشرق والجنوب الشرقي رغم تعهدهم بالمحافظة على وحدة ترابه بمقتضى الاتفاقيات التي عقدوها معه في مارس وأبريل 1956، فإسبانيا لم تعد إليه قطاع سيدي يفني وإقليم طرفاية دع عنك الساقية الحمراء ووادي الذهب، كما أن فرنسا لم يكفها ما قصت في الماضي من أقاليمه في الجنوب والشرق وألحقته بمستعمراتها في شمال افريقيا وغربها، فاحتفظت لأسباب عسكرية محضة بأجزاء أخرى بقيت تسير من طرف مندوبيتها السامية بالرباط إلى آخر أيام الحماية وألحقتها رغما عنه وجعلت من بعضها حقولا لتجاربها الذرية، فكان المغرب وهو يحاج ويحتج في أشد الحاجة إلى مستندات أصلية يثبت بها صحة دعواه ويقيم بها الحجة على الدولتين الحاميتين السابقتين، فلم يجد منها إلا ما نشره الأجانب في فترات متقطعة من عهد الاحتلال والاستعمار، وهو لا يفي حق الوفاء بكل ما كان يبغي الاستدلال به ويتمناه.
ولفتت نظري هذه الظاهرة، ظاهرة فقدان الوثائق والمستندات المغربية في ذلك الوقت الذي اشتدت فيها الحاجة إليها، وصار من أكبر ما يشغل بالي كعضو في الديوان الملكي وواحد من المهتمين بتاريخ المغرب البحث عن مخابعها والسعي في ترتيبها استعدادا لدرسها ونشرها ولما أسند إلى جلالة الملك المرحوم محمد الخامس (09 – 1961م) طيب الله ثراه أمر خزائن الكتب المحفوظة في قصوره في خريف سنة 1958 عثرت على عدد من الكتب والكنانيش المخزنية سجلت فيها مراسلات ملكية ترجع إلى العصرين السعدي والعلوي، وعدد آخر من المستندات الأصلية التي لم تقيد في كتاب ولم تسجل في كناش كعقود بيعة السلطان المرحوم مولاي يوسف (1882 ـ 1927)، كما سلم إلى الوزير المرحوم السيد محمد المعمري (1885 ـ 1970م) عددا من المعاهدات والاتفاقيات التي عقدها المغرب مع الدول الأجنبية، من بينها مجموعة الاتفاقيات المتعلقة ببناء منار رأس سبارتيل الواقع إلى الغرب من طنجة في أعلا نقطة بالساحل الغربي للقارة الافريقية، وضممت إلى هذه الكتب والمستندات، مستندات حديثة ترجع إلى السنوات الأخيرة لعهد الحماية والسنين الأولى لعهد الاستقلال، عثرت عليها بالديوان الملكي، وكذلك المجموعة الكبيرة النفيسة من الوثائق والمستندات التي صودرت من دار الوزير الأول السابق الحاج محمد المقري (1860 ـ 1956م) وهي الوثائق المتعلقة بأيام خدمته الأولى مع الدولة إلى سنة 1912.
ولما تربع على عرش المغرب صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني يوم 26 يبراير 1961 وزار فاس زيارته الرسمية الأولى لفتت نظر جلالته إلى الكتب المحفوظة في خزائن قصرها الملكي والتي لم تر النور سنين طويلة، فأمر جلالته بفتح تلك الخزائن فإذا هي تضم في مرافعها جزءا من الكتب السلطانية التي كانت تحفظ في قصر فاس منذ العهود المرينية والسعدية والعلوية الأولى، كما كان بعض هذه الخزائن مليئا بالكتب التي طبعها الملوك العلوييون داخل المغرب وخارجه من عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمان إلى عهد السلطان عبد الحفيظ، وكانت هذه الكتب في حالة يرثى لها من الإهمال بحيث لم يكن من الممكن إبقاؤها حيث هي إلا إذا أريد أن تزداد ضياعا وتلفا، فأمرني جلالته بنقلها إلى القصر الملكي بالرباط فنقلت ووجد من بينها عدد من الكتب والكنانيش التي قيدت فيها مراسلات الملوك والحكومة وحسابات المالية، ثم نقلت إليه بأمر جلالته بعد ذلك جميع ما كان ببتائق فاس وأهرينه من الرسائل والأورا التي عانت فيها الجوانح الطبيعية وأيدي الجهال عينا فظيعا، وكانت هذه الأوراق أكثر ما عثر عليه قبل وبعد من المستندات عددا وأكبرا قيمة، وبها وحدها صار من الممكن إنشاء قسم خاص للمستندات والوثائق بالقصر الملكي.
ولما زار جلالته مراكش بعد ذلك زيارة رسمية أحيط بما في بنائق قصرها وأهريته من سجلات وأوراق، فأمرني بنقلها إلى قصر الرباط وضمها إلى ما نقل إليه من قصر فاس، وخلال ذلك وضعت الترتيبات لتصفح ما يوجد داخل 53 خنشة من أوراق صادرها جيش التحرير في قصر الحاج التهامي الكلاوي (1878 ـ 1956) باشا مراكش أوائل سنة 1956 وتم إنقاذها وحفزها في أقباء الأمانة الملكية الخاصة، فتصفحت وضمت إلى ما سبقها من نظائر وأشباه.
وعرفت المكتبة الملكية بعد ذلك ثلاث مجموعات مهمة من الوثائق والمستندات، الأولى المجموعة المهمة التي كانت محفوظة بالقصر الملكي بمكناس وآلت إلى المكتبة الزيدانية قبل أن تؤول هذه بدوزها إلى المكتبة الملكية، والثانية المجموعة التي كانت محفوظة بقصر السيد الطيب المقري بفاس والتي تكمل مجموعة أبيه الوزير الأول الحاج محمد المغرب المشار إليها من قبل والثالثة مجموعة السيد الحاج محمد بن المدني بنيس أمن الأمناء في عهدي السلطان سيدي محمد الرابع وابنه السلطان مولاي الحسن الأول، التي كانت محفوظة عند ورثته في حانوت بفندق القاطنين بفاس، ثم نقلها بأمر من جلالة الملك إلى الرباط يوم السبت 31 مايو 1975، يضاف إلى هذه المجاميع مجموعة أخرى تم تصويره من مستندات ووثائق الحاج المهدي المنبهي وزير الحربية السابق المحفوظة عند ورثته بطنجة، مع مستندات أخرى متفرقة قليلة العدد كثيرة الأهمية ضمت أصولها إلى صورها أو نسخها إلى المستندات التي تقدمتها.
ومن جهة أخرى جدت الدولة في البحث عن الوثائق وجمع المتفرق منها بالحيازة أو النسخ أو التصوير، فأنشأت مركزا وطنيا للمستندات بكتابة الدولة في التخطيط. وامتازت وزارة الدولة المكلفة بالشؤون الثقافية على الخصوص بجهودها الموفقة الحكيمة في هذا الباب، ولاسيما بتنظيمها لمعارض المخطوطات والوثائق التي أمكن بواسطتها تصوير عدد من المستندات المعروضة كل سنة، كما نشط أيضا الأفراد لدراسة الربائد ونشرها خصوصا في هذه السنين التي يناضل فيها المغرب النضال المرير لاسترجاع صحرائه وإثبات ما له من حق في أقاليمه الأخرى التي سلبت منه أيام ضعفه وتآمر القوى الاستعمارية الأوربية عليه، ونذكر منها: الاتفاقيات الدولية للسلطان سيدي محمد بن عبد الله التي نشرها الأستاذ كايي بالرباط سنة 1960 ورسائل مولاي اليزيد التي نشرها الأستاذ ضون ماريانو أريباس بالاو بتطوان سنة 1960، والوثائق العربية في دار المحفوظات بمدينة دوبرونيك (يوغوسلافيا) التي نشرها الأستاذ نسيم قورقوت بسراييفو سنة 1960، والرسائل المتعلقة بإقليم توات التي نشرتها بالرباط سنة 1962، ورسائل السلطان مولاي إسماعيل إلى الأسرة الفاسية التي نشرها الأستاذ الوزير السيد محمد الفاسي بالرباط وتطوان سنة 1962 بمناسبة مرور ثلاثة قرون على تولي مولاي إسماعيل الملك، ورسائل مولاي اسماعيل على ولده الأمير مولاي المأمون التي نشرتها بالرباط سنة 1967 ومجموعة الرسائل القيمة التي ضمنها الأستاذ البحاثة السيد محمد داوود موسوعته عن تاريخ تطوان والأخرى التي ضمنها الوزير المرحوم السيد المختار السوسي موسوعته القيمة عن تاريخ زاوية الغ المسماة (المعسول) وكتبه القيمة الأخرى عن إقليم سوس، ومجموعة الوثائق التي نشرتها طيلة تسع عشرة سنة في كتاب (انبعاث أمة) الذي يتضمن كل الآثار المنطوقة وبعض الآثار المكتوبة لجلالة الملك المرحوم محمد الخامس وخلفه المنصور جلالة الملك الحسن الثاني وكتبا أخرى غابت عني أسماؤها في هذا الوقت، دع عنك مئات الوثائق التي نشرت في الصحف والمجلات الوطنية حجة لحقوق المغرب في أقاليمه المغتصبة، وكذلك الفهارس القيمة التي وضعتها الخزانة العامة بتطوان لجزء من الربائد المحفوظة بها.
وإزاء توافر عدد هذه الوثائق وتكاثرها وتعاقب وصول مجاميعها وما ينتظر أن يلحق بها مستقبلا صار من الحتم اللازم والواجب الأكيد إنشاء جهاز إداري متميز يعنى بحفظها وتبويتها وفهرستها وتيسير الاستفادة منها على الباحثين والدارسين، مثلما يعنى بالحصول على كل ما يمكن الحصول عليه من المستندات والوثائق المغربية المتفرقة في جميع أنحاء العالم وخاصة في خزائن ومكتبات الدول الأوربية التي كانت تربطنا بها في الماضي روابط الكراهية والعداء تارة وروابط الصداقة والتعاون تارة أخرى. وهذا ما فعله الملك العالم المثقف صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني الذي أنشأ مديرية الوثائق الملكية ابتداء من فاتح يناير سنة 1975 وعهد إلي بإدارتها.
ليس في نيتي أن أتحدث الآن عن الوثيقة الربيدة فأضع لها التعاريف وأورد مفاهيمها اللغوية والاصطلاحية في أدمغة العلماء، ولا أن أتعرض لعلم الربادة أو الارشيف فأذكر تاريخ نشأته ومراحل تطوره وعناية الأمم المتقدمة به فإن ذلك هو من لغو الحديث وسخف القول بعدما ألف في هذا العلم من كتب ونشر عنه من دراسات بمختلف اللغات، وإنما الذي أريد أن أضيف إلى ما تقدم أننا الآن أمام ثروة ضخمة من الوثائق الربيدة والمستندات الغميسة المغربية نعتقد جازمين أن أعدادها ستتكاثر مستقبلا ومددها سيتوافر بما سيرد منها على مديرية الأرشيف الملكي بطريق الشراء أو الهدية أو التصوير أو النسخ أو الاسترجاع القانوني، والذي أمكن جمعه منها حتى الآن بعضه موجودة أصوله في أوراقها التي كتبت فيها لأول مرة مختومة بخواتم الملوك والرؤساء أو ممهورة بإمضاءاتهم أو إمضاءات الوزراء والسفراء والقناصل والعمال والقضاة والأمناء وحتى الجواسيس والمخبرين المتطوعين، وبعضها منقولة نصوصه في الكنانيش الحكومية والسجلات الإدارية والدفاتر الرسمية، وكذا في الكتب التاريخية والأدبية والمجامع الإنشائية التي أثبتت فيها لعدد من فرسان البلاغة كتاب القصور وأمناء أسرار الملوك نماذج مما كتبوه عنهم وبأمرهم، وهي تتناول جميع ما كان يهتم به المسؤولون على مختلف المستويات ومراتب الولايات من القضايا الداخلية والخارجية، والخصوصية والعمومية.
وان تصنيف هذه الوثائق والمستندات التي تعد لحد الآن بعشرات الألوف واستخراجها ليتطلب جهدا جهيدا وأمدا طويلا وصبرا جميلا، كما يتطلب وجود نخبة مثقفة واعية متخصصة في هذا الفن مقتدرة على العمل ثاقبة الذهن عارفة بالمقاصد مستجمعة للأدوات، غيورة قبل كل شيء على تاريخ وطنها شديدة التعلق بأمجاده كثيرة الحرص على تبيين الحقائق بدون تأويل منبعث عن التعصب منبثق عن الكبرياء، لأن من الوفاء للوطن والنصح للشعب أن ندل بنيه بالبينة على مواطن القوة والعظمة في حياته الماضية ليترسموها ويسيروا في هديها، ونرشدهم بالحجة إلى نقط الضعف في سياسات حكوماته ومفاهيم مجتمعاته ليتجنبوها ويبتعدوا عن طريقها حتى لا نتعرض لهزات وانتكاسات كالتي تعرضنا لها في عصورنا المتأخرة وصرنا بها في المؤخرة بينما سار غيرنا في طليعة الموكب ومقدم القافلة، ولم يخلق الله شعبا متحليا بالفضائل كلها أو متخليا عن الرذائل جميعها، لذا وجب أخذ العبرة ممن ارتفعوا بالفضيلة إلى القمة أو انخفضوا بالرذيلة إلى الحضيض، وهذا هو سر التاريخ على الخصوص وحكمة وثائقه ومستنداته على الأخص.
وقد يتخيل المتخيل ـ بعد أن شوقناه إلى الوثائق وأطلعناه على المصاعب والمتاعب المترقبة ـ أنه سينتظر السنين ذوات العدد قبل أن يطلع عليها ويكتشف ما فيها، ولإزالة مخاوفه نبادر فنقول: إننا نشرع فورا في نشر كل ما تم ترتيبه منها سواء كان مما خدم عهده أو قرب زمنه. وسواء كان يتعلق بشؤون السياسة والديبلماسية، أو أمور الاقتصاد والاجتماع، أو كان أسرويا، مقدمين كل وثيقة بدراسة أو كلمة تحدد زمانها وتبين أعلامها وتشرح مضامينها، فاسحين المجال لكل من يبغي نقدها أو تكيل ما يراه ناقصا في حقها أو مقارنتها بنصوص أخرى وطنية أو أجنبية.
وستكون الوثائق التي تنشر متعاقبة بتعاقب ازمانها متلاحقة حسب تواريخها، معززة بعض نصوصها المطبوعة بصور أصولها، مزينة بما له ارتباط بها من رسوم زيتية أو صور فتوغرافية، وكل ما نعتقد أن الفائدة منها تزداد به كأنواع الخطوط وأشكال الزخرف وطوابع الملوك وخواتم الولاة وعلامات القضاة وإمضاءاتهم.
وسننشر مع كل مجموعة من هذه الوثائق يصدر بها كتيب أو كتاب فهرسا ملونا يسهل على الباحثين والدارسين الوصول إلى الوثيقة التي يرغبون في الاطلاع عليها، إذ سيكون بجانب كل موضوع رقم أو أرقام ترتيبية ترشد إلى مكان الوثيقة أو الوثائق التي نشرت متعلقة بذلك الموضوع.
ونعتقد جازمين أن هذا العمل سيتيح الفرصة لتصويب كثير من الأخطاء التي ارتكبت عن قصد أو بغير عمد في حق تاريخنا، وتصحيح كثير من المفاهيم المتعلقة بسياسات حكوماتنا وأوضاع مجتمعنا. ويكمل نقصا كبيرا ويسد ثغرات طالما أحس بها الباحثون والدارسون وهم يضعون الموازين لتقييم الأدوار التاريخية التي قام بها الشعب المغرب في مختلف الأزمنة والعصور، ويخرس لسان كل حسود لئيم يستنقص قدر المغرب ويفقأ عين كل حقود زنيم يزعم في قحة أنه لم يكن في تاريخه دولة متميزة، فالوثائق الثابتة الصحيحة السليمة من كل شائبة هي وحدها الكفيلة بتوضيح الرؤية وكشف الحقيقة سواء كانت لنا أو علينا، وبدون وثائق بصبح التاريخ والتقييم مجرد تخمينات وتقديرات واجتهادات، وبدونها أيضا لا يمكن الجزم بصحة رأي ولا القطع بوجهة نظر.
وإذا كان لي من كلمة في الختام فهي الإقرار بالفضل لصاحب الفضل، والاعتراف بالجميل لمسدي الجميل جلالة الملك الحسن الثاني أيده الله ونصره الذي رأت بعنايته هذه المديرية عالم النور، وانبعثت برعايته وثائقنا ومستنداتنا للظهور والنشور، فلجلالته يدين كل باحث بما يسر له، ويمتن كل دارس بما وفر له من مادة ووفر عليه من جهد.
أطال الله أيامه، ونصر أعلامه، ومنحه النصر والتمكين والفتح المبين.
الرباط ـ السبت I محرم 1396 ـ 3 يناير 1976

I المقدمة الضافية التي صدر بها الأستاذ بنمنصور العدد الأول من الدورية الجديدة الوثائق.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here