islamaumaroc

اللغات الأجنبية: مكانتها في البرامج التعليمية

  محمد عبد الواحد بناني

22 العدد

لا يكاد يشك اليوم أحد في ان اللغة خير اداة للتعبير عن شتى الافكار والمشاعر والقيم، وانها تكون ركنا هاما من الاركان التي تبنى عليها الامم، وانها عامل ايجابي منتج في صهر الافراد ضمن مجتمع واحد، يعمل كل اعضائه متساندين لما فيه المصلحة المشتركة والخير العام.
هذه حقيقة. واخرى، ان مغربنا العزيز عربي دما ولحما، اجمع على هذا الرواة، وتواترت الانباء.. فهو اذن محتاج إلى لغة عربية توحد بين ابنائه، وتكون اداة فعالة في نشر مبادئ المحبة والانسانية والسلام والاشتراكية والمحبة بين ارجائه، بواسطة سياسة تعليمية تربوية تستمد روحها العامة من واقع امتنا الحديثة العهد بالاستقلال، الطامعة في ان تتخلص يوما ما من رواسب الاستعمار.
وكلنا يذكر ان من الاهداف التي كان يسعى اليها الاستعمار ما وسعه الجهد في بلادنا «شمال افريقيا» التنصير والفرنسة، حيث تجلت هاتان النزعتان صراحة في عدة خطب وتقارير منذ احتلال الجزائر، فهذا الملك شارل العاشر يقول في خطاب العرش الذي القاه يوم 20 مارس 1830 ما يلي «ان الترضية الباهرة التي اريد الحصول عليها – حفظا لكرامة فرنسا – ستتحول – بعون الله تعالت قدرته – لمنفعة النصرانية». هذا عن التنصير، اما عن الفرنسة فقد جاء في تقرير رسمي وضع سنة 1849 ما يلي :
«لا ننسى ان لغتنا هي اللغة الحاكمة، وان قضاءنا المدني والجنائي يصدر احكامه على العرب الذين يقفون في ساحته بهذه اللغة، وبهذه اللغة يجب ان تصدر – باعظم ما يمكن من السرعة – جميع البلاغات الرسمية، وبها يجب ان تكتب جميع العقود، وليس لنا ان نتنازل عن حقوق لغتنا، فان اهم الامور التي يجب ان نعتز بها قبل كل شيء هو السعي وراء جعل اللغة الفرنسية دارجة وعامة بين الجزائريين الذين قد عقدنا العزم على استمالتهم الينا، وادماجهم فينا، وتمثلهم بنا، وجعلهم فرنسيين !» كلنا يذكر هذا، ويذكر ايضا الهجومات العنيفة التي كان يقوم بها المغاربة – داخل المغرب وخارجه – على هذه السياسة الجائرة، مؤمنين بانه يوم تحصل بلادنا على استقلالها سيكون الحال غير الحال، اذ ستحل لغتنا القديمة محل اللغة الفرنسية في كل مجال.
والآن، وقد حقق المغرب ما كان يصبو اليه من استقلال، واصبح في وسعه ان يختط من الخطط ويستن من الانظمة ما يحقق له مختلف الغايات والاهداف، فمن اين كان يجب ان يبدا الانطلاق نحو «التعريب» الذي هو ضرورة اجتماعية لا بد من تحقيقها لفائدة حاضر بلادنا ومستقبلها على السواء ؟
وللاجابة على هذا السؤال لا بد من الاستنفادة من تجارب غيرنا الذين مارسوا نفس المشكلة وعانوا نفس الاستعمار، والذين تجمعنا بهم روابط واحدة من الدين واللغة والتاريخ والمصير، وتجارب اخواننا عرب المشرق عامة، اهل سورية، واهل سورية الاشقاء على الخصوص.
لقد بدأوا الانطلاق من حيث يجب ان يبدا، من التعليم الابتدائي، حيث جعلوه عربيا خالصا، اما اللغات الاجنبية فلا يبدا تعليمها الا مع المرحلة الثانوية.
وهنا اترك المجال «لحولية الثقافة العربية» السنة الثالثة، تاليف الاستاذ الكبير ساطع الحصري ص 16، حيث ستتكفل ببسط هذا الموضوع، استنادا إلى البيانات التي القيت على نواب الامة ورجال التعليم في مدرج الجامعة السورية، عند صدور قانون بذلك سنة 1944.
اذ جاء في هذه البيانات ما ياتي بالنص :
ان فكرة حذف اللغات الاجنبية من مناهج المدارس الابتدائية صادفت معارضة شديدة ومقاومة عنيفة من بعض البيئات...
لقد ظن المعارضون ان هذه حركة ارتجاعية تبعد البلاد عن الغرب، وتعزلها عن الحضارة الغربية، وتؤدي إلى انحطاط مستوى الثقافة فيها، وقد حاول هؤلاء ان يبرهنوا على حجة مزاعمهم هذه بالتكلم عن اهمية اللغات الاجنبية، وعن ضرورة الاتصال بالثقافة الغربية.
ولكن هذه المزاعم لا تقوم على أي اساس صحيح : لان حذف اللغات الاجنبية من مناهج الدراسة الابتدائية لا يعني اهمال هذه اللغات في سائر مراحل التعليم، فالبحث عن اهمية اللغات الاجنبية لا يبرهن على أي شيء كان في هذا الموضوع.
اننا لا ندرس في المدارس الابتدائية – مثلا – علم الاقتصاد، فهل يعني ذلك اننا لا نقدر اهمية هذا العلم، واننا نريد ان نحرم البلاد من فوائد علم الاقتصاد ؟ وكذلك اننا لا ندرس فن الجراحة في المدارس الثانوية، فهل يعني ذلك اننا لا نقدر اهمية هذا الفن، ونضع بيننا وبينه سدا منيعا ؟
ان كل مادة تدرس في المدارس لغاية خاصة، وفي الصفوف التي تستطيع ان تحقق تلك الغاية. وعندما نبحث في الواقع الذي نعطيه لكل مادة من المواد، ولكل علم من العلوم في مناهج الدراسة، يجب علينا ان نتساءل :
اولا : ماهي الغاية المتوخاة من تدريس ذلك العلم وتلك المادة ؟
وثانيا : متى - في اية مرحلة من مراحل التعليم، وفي اية سنة من سنى الدراسة- يجب تدريس ذلك العلم وتلك المادة، لتحقيق الغاية المذكورة ؟
وعندما نريد ان نقرر الموقع الذي يجب ان نخصصه لتعليم اللغات الاجنبية في مناهج الدراسة يترتب علينا ان نسير على خطة مماثلة لذلك، فنتساءل اولا :
ما هي الغاية من تعليم اللغات المذكورة ؟
ونفكر بعد ذلك، فيما اذا كانت الغاية المذكورة تستوجب تعليم اللغات الاجنبية في المدارس الابتدائية.
ان تعليم لغة من اللغات الاجنبية يهدف إلى غايتين اساسيتين :
اولا : غاية عملية. وهي الفوائد المباشرة التي تحصل من جراء استعمال اللغة الاجنبية في المعاملات المختلفة، تكلما او كتابة.
ثانيا : غاية ثقافية. وهي الفوائد التي تحصل من تعلم اللغة المذكورة عن طريق توسيع المدارك من جهة، والاستفادة من الكتب الادبية والعلمية المكتوبة بتلك اللغة من جهة أخرى.
ومن البديهي : ان الغاية الاولى تتطلب تدريس اللغات الاجنبية في المدارس التجارية، والغاية الثانية تتطلب تدريس تلك اللغات في المدارس الثانوية، ولكن لا الغاية الاولى ولا الغاية الثانية تستلزم تدريس اللغات الاجنبية في مدارس تؤسس لاجل تعليم ابناء الشعب، ولهذا فانها تحصر اعمالها وتدريساتها في الامور التي يحتاج اليها جميع الناس، والتي لا يستغني عنها احد، مهما كانت المهنة التي سيمارسها، فيما بعد.
ومن الامور البديهية ان اللغات الاجنبية لا تدخل في نطاق هذه الامور :
انها لم تكن من الامور التي يحتاج اليها جميع افراد الشعب والتي لا يستغني عنها احد، ولهذا السبب يجب ان تبقى خارجة عن تدريسات مدارس المرحلة الاولى من التعليم.
هذه حقيقة ناصعة، يعترف بها جميع رجال التربية في جميع انحاء العالم المتمدن...
فاننا اذا استعرضنا مناهج الدراسة الابتدائية الموضوعية في مختلف البلاد الاوربية، نجد انها تقدر هذه الحقيقة حق قدرها، فلا تدخل في هذه المناهج لغة غير اللغة القومية. ولا تشذ الدول عن هذه القاعدة العامة،- ولا تدرس في مدارس المرحلة الاولى من التعليم لغة ثانية- الا في بعض الاحوال الخاصة، وذلك لاعتبارات سياسية محضة.
ان الاعتبارات السياسية تعمل عملها في هذا الشان في البلاد التي تتعدد وتتشابك فيها اللغات البيئية تشابكا يضطر الحكومة إلى تقرير لغتين رسميتين، ولا اراني في حاجة إلى القول : ان في تلك البلاد تصبح «معرفة اللغة الثانية» ضرورة لجميع المواطنين، فتدخل لهذا السبب في مناهج الدراسة الابتدائية.

وتستطيع ان تضيف إلى هذه الاحوال الخاصة، قضايا «التعليم في المستعمرات» بالنسبة إلى الدول المستعمرة ايضا، وذلك لان هناك تتغلب مصالح الدولة المستعمرة على كل شيء، وتعتبر لغة الدولة المذكورة اللغة الرسمية في البلاد، ولا تؤسس المدارس الا لغرض تنشئة «العمال والموظفين» الذين تحتاج اليهم مصالح حكومة الاستعمار ومرافقها، ومتاجر المستعمرين ومعاملهم، ولذلك يعتبر (تعليم اللغة الاوروبية الرسمية) الهدف الرئيسي للمدارس، فلا يلتفت لا إلى مصالح الاهلين ولا إلى مبادئ التربية والتعليم.
واذا استثنينا امثال هذه الاحوال الشاذة - الناتجة من الاعتبارات السياسية، كما قلنا – نستطيع ان نؤكد : ان مدارس المرحلة الاولى من التعليم لا تدرس لغة القومية بوجه عام...
وخلاصة القول : ان اللغات الاجنبية ليست ضرورية في المرحلة الاولى من التعليم، وفضلا عن ذلك يجب ان يلاحظ ان تعليم اللغات الاجنبية في المرحلة الاولى من التعليم لا يخلو من الضرر ايضا : لان تعليم لغة اجنبية لتلاميذ لم يتقنوا بعد لغتهم القومية ، لا يتفق مع قواعد التربية الصحيحة، وينافى مبادئ التربية القومية السليمة.
اذ من المعلوم ان «تجزئة المشاكل ومعالجتها واحدة بعد اخرى» يعتبر من اوليات قواعد التربية والتعليم، ولا حاجة إلى البرهنة على ان تعليم الصغار قواعد لغتين مختلفتين في وقت واحد يخالف هذه القاعدة الهامة مخالفة كبيرة، وهو يشوش اذهان التلاميذ، ويرهق عقولهم، ويعيق نموهم الفكري من جراء هذا التشويش والارهاق.
هذه حقيقة ثابتة من الابحاث والتجارب التي قام بها عدد غير قليل من رجال التربية وعلماء النفس في مختلف البلاد الاوربية.
ان ارادة المعارف في مقاطعة جنيف في سويسرة، درست المشاكل التي تنتج من تعليم الاطفال الصغار لغتين مختلفتين في وقت واحد، واستعرضت التجارب والابحاث التي اجريت في هذا السبيل، فقررت في الاخير ان لا تدرس لغة ثانية، قبل السنة السادسة من الدراسة الابتدائية.
ولكي تقدر اهمية هذا القرار حق قدره، يجب الا ننسى ان مدينة جنيف من اشهر المدن العالمية التي تزدحم فيها الاجناس ويجتمع فيها الاجانب، كما يجب ان نتذكر ان مقاطعة جنيف تنتسب إلى الاتحاد السويسري الذي يعتبر اللغات : (الفرنسية والالمانية والايطالية( «رسمية» في وقت واحد، وعلى حد سواء.
وفي الاخير، يجب ان يلاحظ ان الاضرار التي تنتج من تعليم الصغار لغتين في وقت واحد، تكتسب خطورة خاصة بالنسبة إلى اولاد الناطقين بالضاد، وذلك لعدة اسباب :
اولا : ان اللغة العربية كثيرة التعقيد في حد ذاتها، والخط العربي كثير المشاكل في حد ذاته، ولذلك لا مجال للشك في ان تعليم قواعد هذه اللغة وهذا الخط يتطلب من اطفال العرب جهدا ذهبيا اكبر بكثير من الذي تتطلبه سائر اللغات والخطوط الاوربية.
ثانيا: ان الفروق الموجودة بين اللغة العربية وبين اللغات الاوربية التي يراد تدريسها في المدارس العربية اكبر بكثير من الفروق الموجودة بين مختلف اللغات الاوربية.
ثالثا: ان الطفل العربي يضطر إلى تعليم اللغة الفصحى في المدرسة، ومن المعلوم ان الفروق القائمة بين اللغات الدارجة وبين اللغة الفصحى ليست من الفروق الضئيلة، وهذا ايضا يكلف التلميذ العربي جهودا تفوق الجهود التي يتكلفها امثاله الاوربيون. ولهذه الاسباب كلها، نستطيع ان نؤكد : ان الاضرار التي تنتج من تعليم لغة اجنبية في مدرسة ابتدائية، تكون اكثر واعظم من الاضرار التي تنتج من امثال ذلك في البلاد الاوربية.
ان الذين لا يزالون يتمسكون بمبدا تعليم لغة اجنبية في المدارس الابتدائية يقولون : ان حاجتنا إلى اللغات الاجنبية اكبر من حاجة الاوربيين اليها.
ولكنا نقول ردا على هذه الملاحظة :
ان هذه الحاجة يجب ان تؤخذ بنظر الاعتبار في مدارس المرحلة الثانية من التعليم، لا في مدارس المرحلة الاولى.
ان هذه الحاجة تستوجب الاعتناء باللغات الاجنبية في المدارس الثانوية والمدارس المهنية والمعاهد العالية. ولكنها لا تبرر قط تعليم اللغات الاجنبية في المدارس الابتدائية)
فما راي وزارة التهذيب الوطني، وما راي اللجنة الملكية للتعليم ؟؟

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here