islamaumaroc

أساليب النشاط الاقتصادي الأمريكي -2-

  عمر السعدي المنجرة

22 العدد

2) استيعاب إمكانيات السوق:
وهذا مجال نشاط تجاري صرف يمكن أن نقول عنه أنه ينحصر في توفير بعض المدخرات من المنتجات وذلك في مكان وزمان معينين، وإذا كان كل فرد أن جماعة صغيرة تنتج لحسابها الخاص، فلا سبيل للاتجار. إن التجارة تبرز وتتضاعف بقدر ما يتشعب الاختصاص، ثم أن ازدياد المبادلات التجارية يستلزم وجود منظمة خاصة باستيعاب إمكانيات السوق. هذا وتطلق عادة كلمة الوسطاء على الذين يقومون بهذا النشاط، ففي الولايات المتحدة التي تلجأ بكثرة إلى مثل هذه المنظمات، فإن الأعمال الموكولة إلى الهيئات الخاصة باستيعاب إمكانية السوق، عديدة ومتنوعة، وينحصر عمل هذه المنظمات في التنسيق بين ما يتطلبه المستهلكون، وبين كميات المواد الغذائية قصد إرضاء هذه الطلبات. أما استيعاب إمكانيات السوق فهو يتلخص في المهام الرئيسية التالي: جمع المواد، فرزها، نقلها، تمويلها، بيع المنتوجات ، ثم تحمل الأخطار الناتجة عن هذه العمليات.
ومن ثم تظهر لنا أهمية هذا النشاط وفوائده. غير أنه يجب أن نميز بين هذا النشاط – ونعني هنا النشاط في حد ذاته – وبين الشخص الذي يقوم به، فإذا نحن قللنا من عدد الأشخاص الوسطاء، فلا نكون بعملنا هذا، قد حذفنا مختلف الأعمال الرئيسية التي تقع بين مرحلة الإنتاج ومرحلة الاستهلاك، ولهذا يصبح استيعاب إمكانيات السوق – ضروريا، أضف إلى ذلك أنه من المفيد أن يكون هذا الاستيعاب فعالا، لان نتائجه تتجلى في انخفاض يطرأ على الثمن الذي تباع بها المنتوجات للمستهلك.
ولقد كان هذا النشاط ينمو في الولايات المتحدة، في نفس الوقت الذي كانت تنمو فيه الصناعة، كما أن التخصيص في هذا الميدان أصبح له اليوم مميزاته فإن «الوسطاء» يتخصصون في هذه البلاد، أما حسب الفروع التجارية، أو حسب المهام الموكولة إليهم. ثم أن مهام التاجر الذي يبيع بالجملة تختلف عن التي يقوم بها البائع بنصف الجملة، كما أن أعمال البائع بنصف الجملة، كما أن أعمال البائع بالتقسيط الذي يتحتم عليه أكثر من غيره، أن يهتم برغبات الزبناء وبأذواقهم وميولاتهم، ويحرص على أن يقدم لهم منتوجات أكثر تنوعا من التي توجد عند غيره، والسبب في كل هذا هو أن البائع بالتقسيط وثيق الصلة بجمهور المشترين.
وتوجد بالولايات المتحدة عدة أصناف من البائعين بالتقسيط:
أ‌) دكان عام وهو يوجد في البوادي .
ب‌) دكان متخصص شبيه بدكاكين البقالة الكبرى الموجودة عندنا والتي تتوفر على كمية ضخمة من المواد المتنوعة.
ج) «سلسلة الدكاكين» التي تتجر في الكميات الضخمة من البضائع، وهي تبيعها بأثمان معتدلة، كما أنها قادرة على التخفيض من تكاليف النقل والإشهار، وشحن البضائع، وعلى تشغيل المديرين لتسيير فروعها.
د) وهناك «المتاجر الكبرى» وهي شبيهة بالأروقة الكبرى التي بالمغرب وفي أوربا.
ر) ثم نجد «مؤسسات الإرسال عن طريق البريد» وهي متخصصة في تزويد المستهلكين بالنماذج المصورة تعرض فيها عليهم جميع المنتوجات مع ذكر أثمانها وجودتها، وتستطيع هذه المؤسسات تزويد زبنائها ( الذين يسكنون عادة بعيدا عن المدينة) بكل ما يرغبون فيه.
ف) وأخيرا نجد «السوق الرفيع» وهو آخر ابتكار تجاري حدث بالولايات المتحدة، وهي مؤسسة كبرى تبيع المواد الغذائية، واللوازم المنزلية غير أنها تتوفر على ساحة واسعة لإيداع السيارات، والواقع أن هذا الابتكار هو نتيجة مباشرة لتضخم عدد السيارات بالولايات المتحدة.
وجميع هذه النظم الخاصة بالاتجار، وبنقل المنتجات وبيعها، كلها ناتجة عن التخصص العظيم الذي تمتاز به مرافق النشاط الاقتصادي الأمريكي، فالتنسيق بين مختلف المرافق التي تعمل فيها مؤسسة واحدة، والترتيب الهندسي والعملي للمتاجر، وتطبيق أساليب التسيير القياسي والحرص على جعل زيادة الزبون سارة مريحة، عملية، كل هذه الأشياء تدخل ضمن الأساليب الخاصة باستيعاب إمكانيات السوق، وهي أساليب تتطور بقدر ما يتضاعف التخصص وحسب ازدياد الموارد التي يتوفر عليها المستهلكون.

استيعاب إمكانيات السوق بالمغرب
ما من شك أن هذه الأساليب غير شائعة بالسوق المغربية بنفس التطور الذي عرفته في أمريكا، غير أننا نقدر على القول بأن السوق المغربية بحكم ارتباطها بدرجة التخصص، لن تكون مسرحا لنشاط واسع من هذا القبيل، إلا عندما تصبح السوق المغربية أكثر تشعبا – أي حين يصبح المستهلك أغنى مما هو عليه الآن، وبالتالي يكون حينئذ قادرا على خلق طلبات ضخمة بفضل موارده ونفقاته، غير أنه يمكننا من الآن إدماج عدد كبير من العمليات التي تربط بين مرحلة الإنتاج أو الإستراد، وبين مرحلة الاستهلاك في النطاق التجاري المغربي، فإن تقنين الأساليب، والتخصص في المهام التجارية، واحترام المستهلك بمزيد من العناية، كل ذلك لا يؤدي إلا للخير، ومن جهة أخرى فليس من واجب السلطات المحلية أن تدافع عن هذا المستهلك فقط، الذي يجد نفسه في الأخير مضطرا لأداء واجب عدد كبير من الوسطاء، بل وعلى السلطات كذلك أ، تحمي البائع بالتقسيط من شره البائع بنصف الجملة، وأن تقي هذا الأخير من البائع بالجملة، وقد يطلب منها في بعض الأحيان أن تحمي البائع بالتقسيط من التاجر بالجملة.
فالمغرب يتوفر على إمكانيات تطوير هذا الميدان الذي يشمل عددا كبيرا من الأعمال المتنوعة التي تربط بين صانع المنتوج ومشتريه.
إن الأساليب العلمية للإدارة والتسيير العام يجب أ، تكون منقونة إذا أردنا أ، نصل إلى هذا التطور، ذلك لأنها أساس الفعالية التي تتولد عن تنسيق الأعمال المختلفة وانسجامها وضبط سيرها.
                                                      *
3- أساليب الإنتاج
هذه مسألة تتصل بالصناعات بصفة خاصة، والأمر هنا يتلخص في التأكيد بأن هذه الأساليب تصبح متشبعة وتتطلب المزيد من التنسيق والتصميم والمراقبة بقدر ما ينمو التخصص في إنتاج المصنع.
وفي الولايات المتحدة فإن هذه الأساليب لا تتطور حسب هذا التخصص فقط، بل وكذلك حسب ظروف المزاحمة التي تطفي على السوق وعلى المستوى الفني للصناعة، ومهما كان الأمر، فإننا نستطيع إبراز القواعد العامة التي ترتكز عليها هذه الأساليب:
1 -«تصميم» عمليات الإنتاج
1) مراقبة الإنتاج: إن أهمية تصميم حسن للإنتاج، ناتجة عن كون الوقت والتحويل يجب أن يكونا متناسقين طبقا لقواعد دقيقة شاملة – ثم إن التكاليف التي تنتج عن ضياع في الوقت أو في تحويل المنتوج الخام أو المصنوع، يجب التخفيض منها إلى أن تبلغ أدنى حد ممكن.
ب) طبيعة تصميم الإنتاج
إن المشاكل التي تسوى بفضل هذه العملية هي:
1 – في مدة قصيرة:
- ماذا يجب إنتاجه؟
- متى، وكيف وأين ينبغي إنتاجه ؟
ومن جهة أخرى فإن المصالح المكلفة بتصميم الإنتاج، تهتم ب:
- عمليات الأعداد التي تشمل طلبات الإنتاج، والحصول على العتاد والآلات الخ...
- استعمال الزمان الذي يهدف إلى استغلال التسهيلات المحلية استغلالا أفضل
- العلاقات التي تربط بين مصلحة التصميم ومتجر البيع.
لهذا فإن عمليات الوقت، والسرعة والفعالية، تحتل مكانة هامة كما أن التنسيق بين التصميم والتنفيذ، قائم على الدوام وفي كل وقت.
2 – في مدة طويلة، يتلخص التصميم في:
أ‌) تحديد المهام وتصميم العمليات .
ب‌)  القيام بالتخمينات الخاصة بالحاجيات المالية قصد تبليغها إلى علم المصالح المختصة، وذلك مع مراعات ما قد يطلب من المنتجات المصنوعة، أن هذه التخمينات تمكن من وضع نطاق للنتاج وتساعد على مراقبة الميزانية، وتضمن الاستقرار في الإنتاج والتشغيل والتخفيف من أخطار العمليات وتؤدي إلى تحديد الأثمان المناسبة للمنتجات.
ت‌) – الإنتاج نفسه
من مميزات الإنتاج ، تقسيمه حسب أعراف علمية، ذلك لان كل مهمة تدرس بصفة مفصلة كما أن تحليلها يمكن من تحديد الفروق التي تفصل بين كل مرحلة من مراحلها، وهكذا فان تطبيق أساليب تراعى فيها الفعالية ، والتفكير البشري، وضبط الطاقة الفردية، وإمكانيات الإعياء، كل فد يؤدي إلى جعل مرحلة واحدة تمكن من القيام بمجموعة العمليات التي تشكل ما نسميه بـ «مهمة  - الوحدة».
وفي هذا المضمار فإن مبادئ تقوية الإنتاج، تحتل الصدارة كما تطبق الأبحاث الخاصة بالزمان والحركة، ولا فائدة لنا في التحدث عن التفاصيل الفنية لهذه المبادئ الخاصة بتقوية الإنتاج غير أننا يمكن أن نذكر هنا أن :
- ضبط الأعمال
- سهولة الحركة
- السرعة
- التعجيل بالإنتاج في الزمان
هي الأهداف التي ترمي أليها المبادئ الفنية لتقوية الإنتاج.
ج – مراقبة الإنتاج
ولمراقبة الإنتاج نفس الأهمية التي يكتسبها التصميم والتنفيذ، ذلك لأنها تمكن من تحسين الإنتاج بصفة دائمة، وتساعد على وضع معيارات يمكن بفضلها القيام بالتخمينات أو التغييرات وبالتالي التخفيض من أخطار العملية وتكاليفها.
تلك هي الأفكار الرئيسية لأساليب الإنتاج الصناعي بالولايات المتحدة. هذا ولا يمكننا الدخول في التفاصيل الفنية والحسابية لهذه الأساليب ولذلك نكتفي بأن تكون لنا فكرة عامة عنها.
أما في المغرب فإن هذه الأساليب لا تطبق بأقصى ما يمكن من الاستغلال وذلك نظرا لطبيعة معظم مؤسساتنا الصناعية، ومن المفروض أن نفكر بجد، وفي نطاق تصنيعها، في استعمال هذه الأساليب التي تمتاز بحرصها على ربح الوقت، والفعالية والسرعة في العمل – وكل ذلك يرتكز على تخصيص واسع النطاق.
إن فهم تصميم الإنتاج الصناعي المغربي وتطبيقه يجب أن يرتكزا على أكثر الأسس ترتيبا، كما أن التخمينات والمراقبة يجب أن تتم في أحسن الشروط القياسية.
ولا جدال في النتائج الاقتصادية التي تتمخض عن تطبيق هذه الأساليب:
- عمليات الإنتاج أكثر فعالية .
- السرعة والربح في الحركات
- وصول سير الإنتاج إلى مستوى أفضل
- تخمينات أكثر صلاحية
- ازدياد ٍفوائد الاستثمار
أما النتائج الاجتماعية فهي تظهر بعد زمن طويل غير أنه يمكن أ، نلخصها كما يأتي:
- يصبح العمال أكثر تخصصا في مهنهم
- ويكونون أكثر اختصاصا وأكثر تهذيبا في القيام بأعمالهم
- يصبح المسؤولون أكثر تقدمية في فهمهم للعمل والتصميم.
- ويصبح التنسيق القائم بين العمل أو المهمة وبين الذي يضطلع بها، أكثر قوة وصلاحية، الأمر الذي يتسبب في إيجاد توازن سعيد يسري بين مجموع العمال.
- كما سيكون الارتياح العام أهم وأرضى لأنه سيتولد عن قوة أفضل الإنتاج، وستنتج عن هذا الارتياح – زيادة في الدخل، وتخفيض فيما – يكلفه صنع المنتجات.
    تلك النتائج التي تؤدي إليها تطبيق الأساليب الأمريكية للإنتاج في الميدان الصناعي للبلاد.
                                                      *
4- أبحاث حول السوق.
أن للأبحاث الخاصة بالسوق، أهمية كبرى بالنسبة للاقتصاد الأمريكي، ولذلك فقد توسع نطاقها تحت تأثير المزاحمة المفرطة القائمة بين المؤسسات، وبتأثير كذلك من طلب المستهلكين الذي يزداد صعوبة وحجما، وقد جاء ذلك التوسع، آخر الأمر، كنتيجة للتطور الذي طرا على المرافق الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.
وتتلخص هذه الأبحاث الخاصة بالسوق في استعمال طريقة التنقيب والأساليب الإحصائية قصد دراسة:
1) حاجيات المستهلكين
2) أذواقهم والأسباب التي من شانها أن تغير هذه الأذواق
3) ما يفضلونه فيما يخص الشكل الذي تقدم فيه المنتجات.
4) تأثير الإشهار على المستهلكين
وذلك قصد تحديد أو تقدير:
أ‌) المبيعات المتحملة للمنتجات
ب‌) العلاقات الواقعة بين تغيرات المستهلكين ومواقفهم إزاء المنتجات
ث‌) الطلب المضبوط والطلب المؤقت للمنتجات
د) مركز المؤسسات داخل السوق إزاء المؤسسات المزاحمة لها.
ر) إمكانيات التوسع في السوق.
هذا وترتكز الأبحاث عادة، على دراسة الطلب المحلي للمنتجات وعلى تحديد العلاقة الواقعة بين هذا الطلب وبين ثمن المنتجات وما يكلفه صنعها.
وهناك استجواب تقوم بها فرق الباحثين ويمكن بفضلها وضع علاقات تربط بين عدد المستهلكين وبين كمية المنتجات التي تم بيعها، وتساعد هذه الاستجوابات على معرفة النسبة المائوية الخاصة بالتغييرات التي تطرأ على الطلب والتي تناسب التغيرات الحاصلة في الأثمان – وفي شان هذه الأخيرة يمكن الاستناد على التغيرات الحاصلة في تكاليف صنع المنتجات، ثم هناك مبادئ علمية يمكن تطبيقها لتحديد هذه العلاقات ويساعد على القيام بتخمينات متفاوتة في الدقة تمكن هي الأخرى من صنع المنتجات المطلوبة وتخزينها واستيرادها أو تحويلها.
ولبلوغ هذه الغاية، من الضروري الحصول على الخبراء الفنيين كما أن تمويل دراسة خاصة بمنتوج معين، ليس بالأمر السهل، ولهذا فان القيام بهذه الأبحاث كان دائما خاصا بكبريات الشركات التي كانت تقدر، بفضل مركزها الاحتكاري داخل السوق، على تسديد النفقات الناتجة عن هذه الأبحاث. على أن اعتمادات مستخلصة من الميزانية تخصص لهذه الأبحاث، وما من مؤسسة أمريكية كبرى إلا ولها اليوم قسم خاص بالأبحاث يضم أحيانا، علماء مبرزين في الاقتصاد، ومهندسين واختصاصيين في علوم الاجتماع وعلوم النفس. أما الفوائد المنتظرة من هذه الأبحاث فهي معروفة من طرف جميع التجار الصناعيين الأمريكيين الذين تدفع بهم حالة المزاحمة القائمة بالسوق، إلى التعرف على المستهلكين وتتسم قصد الوصول إلى توجيههم عند الاقتضاء نحو حاجتهم عن طريق الإشهار، ويقصد من ذلك أيضا الحفاظ أو مضاعفة كمية المنتجات التي يبيعونها في السوق. ويجب أن نعترف هنا مرة أخرى، أن المستهلك هو المنتفع الرئيسي من هذه الأبحاث. فهو يتبع في طلباته وأهوائه، بغية إرضاء حاجياته وأذواقه في كل حين. فما عليه إلا أن يدفع الثمن المفروض، وفي هذا الشأن فان المستهلك يصبح ذا نفوذ  كان الأمر يتعلق بمنتجات قامت بصنعها مؤسسات صغيرة أو متوسطة، ولكنه يفقد ذلك النفوذ إذا ما رغب في شراء أشياء تقوم بصنعها مؤسسات احتكارية كبرى. ومهما يكن من أمر فان المستهلك يفوز بالمنفعة لان إرضاءه يستلزم الإفراط في العمل والإتقان من طرف البائع.
أما في المغرب، وهو بلاد متخلفة اقتصاديا، فلا سبيل في الوقت الراهن، إلى التفكير في القيام بأبحاث واسعة النطاق حول السوق المغربية، وذلك لكون المؤسسات المحلية لا تتوفر على  الأموال الطائلة لتمويل هذه الأبحاث، ونظرا كذلك هذه لكون أذواق المستهلكين  المغاربة لا تختلف بعضها عن بعض.
غير انه من الممكن بل ومن الواجب القيام بأبحاث غير عميقة مع مراعاة النظم المحلية، وسلوك المستهلكين من السكان، وتطور مستوى معيشتهم.
ويمكن أجراء هذه الأبحاث بثمن ضئيل نسبيا قصد تحديد العناصر الحقيقية التي يستند عليها الطلب المحلي والعناصر التي لا تنصهر مع هذا الطلب (وهي إذن عناصر قابلة للتغيير)، والمقصود من ذلك هو تقدير ما يباع من المنتجات في ثلاثة أشهر أو في السنة، وتتبع المستهلكين بصفة أحسن، وعند الاقتضاء توجيههم نحو السبل اللائقة بهم، وذلك بواسطة الوسائل الاشهارية.
ومن رأيي – وهذه مميزة يتصف بها اقتصاد جميع البلدان المختلفة – وكما حصل ذلك فيما يخص الإشهار – هناك تردد منن طرف التجار والصناعيين يجعلهم يعدلون عن القيام بهذه الأبحاث المفصلة. ويرجع هذا الإعراض إلى أسباب مادية (عدم وجود الإحصاءات والفنيين، والباحثين، والمعلومات الخاصة بالعناصر المسببة للطلب المحلي، وبمعلومات حول النظم الاجتماعية وحول الفرد الخ..) وهناك أسباب مالية وفي بعض الأحيان يكون المانع هو الحذر. ويبدو أن مؤسسات كبرى بالمغرب قد أخذت تعمل في هذا الميدان وتلجا في ذلك إلى الاختصاصيين من الأجانب، غير انه من الملاحظ أن معرفة البلاد تنحصر في «الحياة» مع سكانها، واعتبار المشاكل التي تعنيهم والتطور الاجتماعي الذي يطرأ عليهم، كل هذه العناصر يتوقف عليها نجاح أبحاث من هذا القبيل.ولهذا يجب مراعاة البيئة قبل الشروع في أعمال التنقيب. وذلك بيت القصيد: لان تكوين باحتين مغاربة من طرف المؤسسات المحلية الكبرى، وتشجيع التكوين التقني للإطارات ولمسيري هذه الأبحاث، من المشاكل التي يجب أن تشغل بال التجار والصناعيين بهذه البلاد.
هذا وان الصبغة النفعية التي تمتاز بها هذه الأبحاث لا تنتابها شك ولا ريب لان كل أموال تنفق قصد اكتساب المزيد من التعرف على الطلب المحلي وعلى أسباب تغيراته وقابليته للتوسع، هي أموال استعملت استعمالا حسنا.
ولهذه الأبحاث أيضا، تأثير اجتماعي هام. فبعد مدة طويلة يتجلى ذلك التأثير في تهذيب السكان وتوجيههم نحو بعض الأذواق المعينة وذلك رغم كون عدد غير محدود من العوامل الغير القياسية يتوقف عليها طلب السكان سواء فيما يخص المدة أو الزمن.

5- الإدارة في الميدان الاقتصادي
10- ففي الولايات المتحدة فان التنظيم الإداري للمؤسسات التجارية والصناعية يمتاز حتما بالتشعب والأهمية الكبرى. والواقع أن كل إنماء اقتصادي يتسبب في خلق طلب كبير بالنسبة للمسيرين ذوي الكفاءة، وذلك سواء كان الأمر يتعلق بالأعمال الحرة أو بالإدارة العمومية. ثم أن البلدان الضعيفة، يكثر فيها عادة، التجار الذين يحذوهم الشره الرامي إلى كسب الأموال عن طريق شراء المنتجات بابخس ثمن ثم بيعها بأغلى الأثمان أو بواسطة تقديم القروض مع المطالبة بقدر مائوي مرتفع، والذي تحتاج إليه هذه البلدان ليس روح الابتكار، ولكنها في حاجة إلى خبرة الإدارة، وإذا كان المشرقون على تسيير المؤسسات الكبرى، يتوفرون على الكفاءة التي تجعلهم يقومون بذلك بصفة فعالة، فان الاقتصاديات الناتجة عن الإنتاج بكثرة، تؤدي إلى زيادة ضخمة في الدخل. ولهذا فما من شك أن ضعف البلدان المتخلفة اقتصاديا يتلخص في معرفة واختيار هذه المشاكل الخاصة بالتسيير من حيث هو أهم مرافق الأعمال.
إن تكوين الإطارات ومديري المؤسسات الكبرى أمر يمكن تحقيقه. ولكن حظ أن المسيرين الكبار يولدون بهذه الصفة ولا تجود بهم سائر الأيام (وأشير بكلامي هذا إلى آل فورد، وديون وولوورت بالولايات المتحدة).
غير انه من الممكن بذل جميع هذه الجهود للوصول إلى خلق طبقة من رجال الأعمال ينصفون بالنشاط والإقدام  ويتحلون بأجمل الصفات الثقافية والخلقية والجسمانية.
ولنتطرق الآن إلى الكلام عن بعض المظاهر التقنية لتسيير الأعمال كما هو في الولايات المتحدة:
1) إن الأهداف الرئيسي الذي ترمي إليه أساليب ومبادئ «تسيير الأعمال» هو الوصول إلى تنظيم فعال، سريع، منسجم، منسق، مختصر، قياسي ومراقب مراقبة محكمة. ولبلوغ هذه الغاية فان العوامل الأساسية ثلاثة:
- التصميم
- التنسيق في التنفيذ
- مراقبة المنجزات
وتستلزم هذه العوامل الثلاثة:
أ‌) التنظيم
ب‌) التسيير
ج) الإدارة
فالتنظيم ضروري لتنسيق نظام العلاقات الناتجة عن وجود عوامل يجب تظافرها (صلة الفرد بالفرد أو الجماعة. الآلات الفلانية مع الشكل الفلاني للتجهيز).
أما مهمة التسيير فهي تنحصر في تحديد نظام العلاقات التي يجب أن تربط بين مختلف أفراد المؤسسة، وفي تغييره أن اقتضت الظروف ذلك، أن أعضاء مجلس الإدارة مطالبون بوضع هذا النظام وبتغييره عند الاقتضاء وذلك أما قصد تحسين الإنتاج، أو للتخفيض من الاخسارات.
كما أن الإدارة تتلخص في مراقبة العمل الذي يجب انجازه لتتيقن أن ذلك العمل قد تم طبقا لبرنامج الأشغال المبنية في منهاج التنظيم.
أما واجبات المديرين واختصاصاتهم بالنسبة للمستخدمين، فهي مفسرة في ذلك المنهاج الذي يحضره أعضاء مجلس الإدارة للمؤسسة.
أن فائدة تطبيق هذه الأساليب تتجلى في رغبتنا الدائمة في التقليل من طرق العمل المتشعبة فيما يخص وضع العلاقات الرابطة بين مختلف المرافق والمصالح، كما أنها تتجلى أيضا في تحسين الخدمات التي تقوم بها لفائدة المستهلك، وفي حرصنا على كسب الوقت الذي يمكننا من حشد وسائلنا بكيفية أفضل الأمر الذي يساعدنا على حل مشاكلنا الخاصة بالتنسيق والتنفيذ والمراقبة.
ولا تخفى على هذه الأساليب التقنية الإدارية، المظاهر النفسية والاجتماعية للتنظيم الصناعي أو التجاري.ولهذا هناك جداويل تحدد مهام كل «خلية» إدارية وتعنى بالعوامل البشرية، وبطبيعة العمل وملماته، وبسرعة المهام وسهولتها، كما أنها تهتم بالرفاهية العامة للمستخدمين وبأحاسيسهم وعواطفهم. ثم أن تأثير النظم الاجتماعية والعادات المحلية، وطبيعة طبقة المستخدمين مؤهلاتهم، كل ذلك محط الاهتمام قصد إعطاء التنظيم القائم أكثر ما يمكن من التنسيق والقياسية والانسجام.
تلك هي الخطوط الكبرى للأساليب الإدارية المطبقة في عالم الأعمال بالولايات المتحدة.
2) أما في المغرب وحتى في عدة بلدان أوروبية فان التنظيم الإداري للمؤسسات الصناعية والتجارية لام يبلغ هذا الحد من التطور. ومن المؤكد أن بلوغ هذه الدرجة من التطور يتوقف على النظم الأساسية للاقتصاد وعلى مستوى نموه.
ومهما يكن من أمر فان بالمغرب مجالا واسعا لتحسين سير الإدارة والتسيير في الميادين الاقتصادية أما في المرحلة الأولى فيجب إعطاء الأهمية للعوامل التالية:
أ‌) التصميم وما شمله:
- تحديد الأهداف
- التخمينات
- التنسيق
ب‌) التنفيذ القياسي مع:
- التحسين المستمر لطرق العمل
- تحديد دقيق للمسؤوليات
- التخصص
- اعتبار مستمر من الخسارات المادية والمتاعب، ومن مصاعب أو سام المستخدمين.
- ضمان فوائد الاستثمار الاقتصادي وكذلك حدوث التأثيرات النفسانية والاجتماعية السعيدة.
ج‌)  المراقبة، ويقصد منها معرفة ما:
- إذا كانت التخمينات المقررة في مرحلة التصميم قد تم انجازها
- إذا كان يجب إدخال بعض التعديلات
- إذا كان من الضروري القيام بإعادة التنظيم المادي أو الإداري
- إذا كانت تكاليف الإنتاج لا تتعدى حدود ما تقرر في تصميم.
د) اختيار الإطارات، وتراعى فيه:
- مؤهلات الأشخاص الذين تعطى لهم المسؤولية والنفوذ داخل المؤسسة.
- طبيعة الجماعة الاجتماعية التي يتم ضمنها التشغيل.
- الأساليب التي من شانها أن تأتي بتحسين تكوين المستخدمين وتتميم هذا التكوين من الناحية الإدارية والتقنية.
- تقديرهم لمهامهم «كرؤساء مسؤولين»، وتراعى كذلك في اختيار الإطارات، شخصية المستخدمين وقوة إمكانياتهم في الإنتاج.
أما في المغرب فمن رأيي أن هذه المبادئ قد أصبحت قادرة على تحسين أسس التنظيم والتسيير بالنسبة لعدد كبير من مؤسساتنا التجارية والصناعية فإذا اقتبسنا مما أنجز بالولايات المتحدة وبالأخص في المسائل المتعلقة بعالم الأعمال الذي تغمره المزاحمة والذي يتطلب بذل أقصى ما يمكن من الجهود، أمكننا عندئذ أن ننتج في بلادنا ونبيع بأثمان غير مرتفعة، ونحصل على قوة للإنتاج تزداد بكيفية مستمرة.
وخلاصة ما سبق، يمكن القول بان الوسائل الراهنة التي تتوفر عليها المرافق التجارية والصناعية للاقتصاد المغربي، عاجزة عن تطبيق الأساليب التي ذكرنا. فان عدم وجود مستخدمين تقنيين أكفاء، ومعلومات إحصائية عامة أخصائية وجهل المظاهر النفسانية للشخصية الاقتصادية التي يمتاز بها المغربي، وجهل العوامل التي تحتم عليه أو تتسبب في جعله بغير سلوكه كمستهلك، وكون الأهمية لا تعطي للروح التقدمية في الإنتاج وفي سير الأعمال، ولا للتنظيم والتسيير القياسي المثمر – كل هذه الأسباب تحول دون تطبيق الأساليب التي ذكرنا من طرف المؤسسات التجارية والصناعية، على أن الولايات المتحدة والبلدان المتقدمة الأخرى كفرنسا، في إمكانها أن تساهم بحظ وافر  في تحسين الوضعية التي يعيش فيها المغرب. ومن جملة الأسباب التي لها تأثير حميد على هذه الحالة نذكر المساعدة الفنية الخاصة بتكوين الإطارات المهنية، وبجمع المعلومات الضرورية لاستيعاب الميادين، وبقوة الإنتاج، واليد العاملة.
أما فيما يرجع لمرافق النشاط الحرة، فسنجد أنفسنا مضطرين إلى الاعتناء بهذه الأساليب التقنية بغاية الاهتمام، وذلك بقدر ما يتطور اقتصاد المغرب، ويزداد الدخل ويتضاعف طلب المستهلك. ثم أن المزاحمة القائمة بالسوق، والتخصص في الإنتاج والمبادلات، ضرورة إرضاء الرغبة الملحة للمستهلكين كل ذلك سيحتم على تجارنا، وصناعيينا، وأصحاب الابناك، وجميع المشتغلين بالاقتصاد، أن يغيروا أساليبهم التقليدية، ويقتبسوا من البلدان المتقدمة ليبلغوا مستوى مرتفعا في إنتاجهم وفي تصريف منتجاتهم.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here