islamaumaroc

مشاكل القومية في المغرب العربي

  ادريس الكتاني

22 العدد

فسرت القومية العربية عشرات التفاسير، وقد يكون من المفيد أن نضيف لها تعريفا سهلا بلغة الحساب والأرقام، وهي اللغة التي يفهمها قادة الغرب الاستعماري، كما يفهمها رجل الشارع في المغرب، عندما يضرب بها مثله الشعبي «قد ما عندك قد ما تسوى» وحسب هذه اللغة فان «القومية العربية» هي قوة عالية تتكون من 90.000.000 من العرب (أي ما يعادل سكان فرنسا وبريطانيا معا)، و 13.447.633 كيلومتر مربعا (أي ما يعادل مساحتهما بـ 17 مرة)، تمتد من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، على حدود نهر السنغال، وتسير على اخطر المواقع الاستراتيجية العالمية، وتنتج جميع المنتوجات الزراعية، وتتوفر على معادن الحديد والرصاص والقصدير والفوسفاط والزنك والالمنيوم والفحم الحجري والمنغنيز والكوبالط والنحاس والذهب والفضة والرصاص الاسود والتوتيا والرخام والكبريت والزئبق وغيرها، وتتنج فوق ذلك ربع بطرول العالم، كما تتوفر على 65% من مجموع الاحتياطي العالمي للذهب الاسود.
ارض واسعة، وثروة ضخمة، ورجال يخطئهم العد، تلك طاقات «القومية العربي» التي صهرتها اللالام والدماء والدموع، فتدافعت بعضها إلى بعض، تلتئم وتنسجم وتلتحم، وزحفت جموعها كالامواج من قلب الشعوب العربية، لتتحد بعد شتات، وتستغني بعد فقر، وتتقوى بعد ضعف، وتعز بعد ذلة، ولتصبح صخرة عالية يتحطم عليها الاستعمار والاستعباد والاقطاعية، وتظل هي في مكانها قوة للبناء والسلم والحرية، وحصنا للانسانية المظلومة المعذبة. روحي، من الخطا اعتبارها دفاعا عن مثل عليا فقط، مثل الثورة كمثل الانسان ذاته: انها تتركب من جسم وروح، علينا ان نغذي الجسم لننعش الروح في نضالها من اجل القيم، لا سماء بدون ارض، جريمة اذن هي القطيعة بينهما ، ان الثورة التي لا تعتني بالصناعة  في مختلف نواحيها، تكون ثورة فاشلة، والمجتمع لا يزدهر الا بالعلم، ومن العلم كانت الصناعة، ومن هنا كان تصنيع العروبة امرا واجبا».
ويجمل الاستاذ عبد الرحمن البزاز عميد كلية الحقوق ببغداد خصائص القومية العربية فيما يلي:
1) هي «قومية» بالمعنى الحضاري الشامل، ولكنها ليست عنصرية.
2) وهي «الاشتراكية» تدعو إلى تدخل الدولة لزيادة الانتاج، وتحقيق العدل في التوزيع، ولكنها ليست شيوعية.
3) وهي «شورى» تومن بسيادة الامة، وتضع مصلحتها فوق كل شيء، وترى في الديمقراطية الصحيحة السليمة الطرق السوي الذي يكفل الحرية والكرامة والخير العام للامة.
4) وهي ترى ان كل حيث نظام استبدادي، يناهض طبيعة الامؤ العربية من حيث الاساس، ويعارض الحقائق النهائية التي ترسبت لهذه الامة من تاريخها المجيد.
5) وقوميتنا بعد هذا «تقدمية» تاخذ بكل وسيلة مجدية لاعلاء شان العرب، ورفع مستواهم الاجتماعي والثقافي والاقتصادي».
                                                   *
واذا كان الغرب قد ادرك في القرن التاسع عشر اهمية التكثل، تكثل الشعوب داخل قومياتها، وتمثل الايدي العاملة في المصانع والحقول، وتكثل رؤوس الاموال في المشروعات الضخمة، وكانت هذه التكثلات مصدر القوة التي زحف بها الاستعمار من الغرب إلى افريقيا وآسيا، فان القرنه العشرين يشهد انبعاثا جديدا لهذه التكثلات في الشرق باسم القوميات، في طليعته «القومية العربية».
والجماهير العربية التي تنشد الحرية، ادركت في آخر الحساب، ان الحرية هي ثمرة القوة، وان القوة هي الوحدة، ولذلك آمنت بان الوحدة، وحدة الشعوب العربية، هي مفتاح باب «العالم الافضل» الذي تبحث عنه.
ولم تكن شعوب المغرب العربي لتتخلف عن ركب الثورة العربية الا قليلا من الزمن؛ فلم تلبث شرارة هذه الثورة ان اندلعت في الجزائر وتونس والمغرب، ولم يلبث الايمان بالوحدة ان اصبح من مبادئ هذه الشعوب، وهكذا انعقد المؤتمر «وحدة المغرب العربي» بطنجة في ابريل سنة 1958.
ومع ذلك، فان العروبة تواجه في المغرب العربي عدة المشاكل هي في الحقيقة من مخلفات 130 سنة من الفرنسية والاحتلال بالجزائر، و75 سنة بتونس، و44 سنة بالمغرب؛ فقد نشات اجبال لا تعرف عن تاريخها وحضارتها وعروبتها الا الجانب الذي لا يقلل من اعتراف المغربي للمستعمر الفرنسي بتفوقه العنصري والحضاري، ولا بغير شيئا من طبيعة الاستسلام والتبعية التي يقتضيها الاعتراف بهذات التفوق.
                                                   *
واول مشكلة واجهتها القومية العربية في المغرب المستقل هي مشكلة التعريب، تعريب لغة الدولة في الادارة والتعليم؛ واليوم تطالب الجماهير الشعبية بتعريب التفكير ايضا، بعد ما احست بان كثيرا من هؤلاء الذين يحكمون، ويوجهون، ويديرون جهاز الدولة، لا يتكلمون فقط بلغة المستعمر، بل يفكرون ايضا بتفكيره، ويستعملون منطقه واسلوبه. والواقع ان الفكر واللغة شيء واحد كما يقول ماكس مولار، وهو يشبههما بقطعة النقد ويقول «ان ما نسميه بالفكر ليس الا وجها من وجهي النقد، والاخر هو الصوت المسموع». ومن البديهي ان العروبة لا يمكن ان تسترجع مكانتها الادبية، ودولتها السياسية، في المغرب العربي، طالما ان هناك من لا يزال يحس بمركب النقص بالنسبة للغته وامته العربية، تجاه تفوق المستعمر الفرنسي.
فنحن في المغرب، ونحن في تونس، كثيرا ما نتجاهل فضل الحضارة العربية على حضارة الغرب، والدور الذي قام به المغرب العربي في غرب اوربا، ونتجاهل ان اللغة العربية كانت هي «اللغة العالمية» خلال القورن الوسطى، وان الغرب حتى القرن الخامس عشر ظل بشعر بتفوق العرب ولغتهم، ويقصوره عن مجاراتهم، وان دعاة النهضة الاروبية، اضطروا لبذل جهد كبير لازالة الشعور بالنقص من مواطنيهم تجاه التفوق العربي. وها نحن اليوم، بعد ان دار الزمن دورته، نجد اننا في بدء نهضتنا الجديدة، نقف من الغرب نفس الموقف الذي كان له اتجاهنا، في بداية نهضته خلال القرن الخامس عشر، نعاني كثيرا من مركب النقص تجاه التفوق الاروبي واللغات الغربية، وننظر إلى طاقاتنا ولغتنا نظرة مفعمة بقلة الاكثراث، وعدم الثقة، بينما يسند الاستعمار الفكري هذه النظرة كل يوم، ليوهن عزائمنا، ويشيع روح الانهزام في نفوسنا، هذه هي العقد النفسية التي تعانيها اجيالنا الحديثة، والتي تقف حجر عثرة في سبيل تطور سريع البناء القومي.
ومن هنا نجد ان التوجيه الذي تسير عليه «وحدة المغرب العربي» يطبعها بطابع الوحدة الاقليمية الجغرافية، اكثر مما يصوغها في قالب الوحدة القومية؛ لننظر مثلا طابع هذه الوحدة كما جاء في الدستور التونسي الذي اعلن امس، والذي نهنئ تونس الشقيقة بميلاده بعد كفاح طويل، لقد جاء في الفصل الثاني منه : «الجمهورية التوونسية جزء من المغرب الكبير تعمل لوحدته في نطاق المصلحة المشتركة» فان حذف كلمة «العربي» لم يكن بدون هدف، والاستعاضة عن «المغرب العربي» حتى في ديباجة الدستور باسم «المغرب الكبير» مع ان الاسم السابق هو الذي وقع الاصطلاح عليه حتى الان، تعني ان هذه الوحدة تقوم على اساس الارتباط الاقليمي، لا على اساس الارتباط القومي.
ومن الجدير بالملاحظة، انه منذ انعقد بالقاهرة «مؤتمر المغرب العربي » في يبراير 1947 وهذا الاسم «المغرب العربي» هو الذي تستعمله الحركات الوطنية في الصحافة والاذاعة والخطب الرسمية، بل انه نفس الاسم الذي تستعمله الصحافة الفرنسية الحرة، بينما تعدل عنه الصحافة الاستعمارية إلى اسم «المغرب الكبير» حتى لا تعترف ضمنيا بعروبة الجزائر في الوقت الذي تؤكد فيه انها فرنسية.
ولا يمكن الاعتذار عن هذا التحفظ، بان البربر يسكنون المغرب وهم ليسوا عربا، فعروبة المغرب لم تقم في وقت من الأوقات – بفضل العقيدة الإسلامية – على أساس العنصرية والدم، بل على أساس اللغة والدين والتاريخ المشترك، والأكثرية الساحقة من البربر تتكلم العربية، وبها يتفاهم السوسي مع الريفي، والشلح مع القبائلي، لا بلهجاتهم البربرية المختلفة اشد الاختلاف. يضاف إلى هذا ان البربر يحرصون على تعلم العربية لكونها لغة دينهم، ولكونها اللغة العلمية القومية الوحيدة التي تساعد على تطورهم الفكري، بينما لا تقي لهجاتهم البربرية بأكثر من معاني التخاطب.
ومع ذلك، فان الزمن والاستعمار معا، يخدمان «القومية العربية»، وتطورها في المغرب العربي مرهون بانتشار التعليم، واشتداد الوعي السياسي، وإدراك أهمية التكتل القومي كأقوى سلاح لمحاربة التكتل الاستعماري؛ على اننا لا نزال في المرحلة الأولى من المراحل التي اجتازها الشرق العربي قبلنا، فمنذ اقل من عشرة أعوام كتب الدكتور احمد زكي في جريدة الوفد «المصري» يقول: «ما العرب وما الفراعنة؟ انما نحن قوم مصريون» !، واليوم هو رئيس تحرير مجلة «العربي» احدى السنة العروبة، بل ان مصر التي كان كتابها يدعون للفرعونية بالامس القريب، هي بطلة «القومية العربية» اليوم.
بيد ان سوريا كانت اسبق الشعوب العربية وعيا واسمانا بالوحدة العربية، وكان دستورها الصادر سنة 1950 اسبق الدساتير العربية في التنصيص على ان الشعب السوري جزء من الامة العربية، كما جاء في مادته الاولى؛ وجاء دستور الاردن سنة 1953 فنصت مادته الاولى ايضا على ان «الشعب الاردني جزء من الامة العربية»؛ ثم صدر دستور الجمهورية المصرية سنة 1956 فجاء في ديباجية: «ان شعب مصر يشعر بوجوده متفاعلا في الكيان العربي الكبير، وبقدر مسؤولياته والتزاماته حيال النضال العربي المشترك لنصرة الامة العربية ومجدها ثم نصت مادته الاولى ايضا على ان «الشعب المصري جزء من الامة العربية»؛ واخيرا صدر الدستور المؤقت للجمهورية العراقية، فنص على ان الشعب العراقي جزء من الامة العربية» وكان الدستور السوري قد ذهب إلى ابعد حد، عندما ادخل في مادتيه 46 و 47 الخاصتين بالقسيم الذي يؤديه النواب ورئيس الجمهورية عبارة«... وان اعمل على تحقيق وحدة الاقطار العربية»، وبرت سوريا بقسمها برا لم يسبق له نظير في التاريخ.
وهكذا نجد ان الدول العربية اعترفت كلها بحقيقة «القومية» التي تربطها؛ فاذا كان الدستور التونسي اليوم لم ينص على ان «الشعب التونسي جزء من الامة العربية» فانه اكد في ديباجته بان الشعب التونسي «ينتمي للاسرة العربية» وهي خطوة جديرة بالتقارير في دستور تونس «الاول» تعبر بدقة عن المرحلة التي وصل اليها تطور الفكرة.
ويجب ان لا ننسى ان الاستعمار الفرنسي، كان إلى قبل الاستقلال، يتهمنا في المغرب، كما يتهمنا في تونس، باننا لسنا امة، ويتساءل : هل عندنا «شعور قومي» ؟ !، ويحاول ان يثبت للعالم باننا خليط من الشعوب، كان له فضل توحيدنا وتهذيبنا !، تماما كما يتهمنا اليوم ايضا في الجزائر؛ والذي اغراه بهذا الاتهام هو فعلا ضعف «الشعور القومي» عند شعوبنا التي تكونت وتربت على اساس انها «امة اسلامية»؛ فالمغربي عندما تساله عن هوية شخص مثلا، بجيبك : انه «مسلم» و «نصراني» بدلا من ان يقول : «مغربي» او «فرنسي» وهذا يعني ان الحدود الدينية، هي اهم الحدود الفاصلة والمميزة عنده، ولما كان الفرنسيون لا ينظرون لهذه «القومية الدينية» النظرة الفسيحة التي يراها المغربي، فقد استغلوا ذلك لاتهام المغربي والتونسي بفقدان الشعور الخاص بانه عضو في «امة» بمعنى «مجتمع قومي»، من غير ان يقدروا شعوره القوي بانه عضو في «امة» بمعنى «مجتمع ديني».
واليوم، بعد ان طغت المفاهيم القومية في العلاقات الدولية، على المفاهيم الدينية، واصبح للاولى حقوق شرعية في عرف القانون الدولي، غطت على حقوق الثانية، فان حكومات المغرب العربي التي تقدر مسؤولياتها الجديدة، لا تجد مفرا من الاختيار، فاما ان تقوم سياستها على اساس إعطاء الاولية لتدعيم المواطن بالانتساب إلى «الأمة» بمعنى المجتمع القومي، وهذا يعني تدعيم القومية العربية، او إلى «الأمة» بمعنى «المجتمع الديني»، وهذا يعني تدعيم القومية الإسلامية. اما التحفظ والتردد في سلوك السياسة الأولى، واعتبار السياسة الثانية خيالية او رجعية، فهذا يعني البقاء بدون «سياسة قومية» على الإطلاق، وبالتالي، عدم القدرة على الاختيار، لعدم نضج الأيمان بفلسفة قومية خاصة.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here