islamaumaroc

من تاريخ اللحى

  عبد القادر القادري

22 العدد

في الأنباء الواردة في شهر ماي الفارط من (هافان) عاصمة (كوبا) ورد الخبر الذي مر به أكثر الناس مر الكرام.
قالت وكالات الأخبار العالمية التي أوردته، ومحطات الإذاعات في العالم أجمع التى أذاعته.. إن فديل كاسترو زعيم كوبا ورئيس وزرائها لم يحلق لحيته بعد، رغم مرور أربعة أشهر على قضائه على الدكتاتور باتيستا ودخوله هافان ظافرا منتصرا على رأس ثواره ( الالحيين). انتهى ما قالته وكالات الأنباء العالمية وما أذاعته محطات الإذاعات العالمية، أوردناه بلفظه.
إلا أن هذا الخبر لا يضعف من قيمة لحية فديل كاسترو، فقد التمس أحد الأثرياء في كوبا من زعيم الثورة الكوبية فيديل كاسترو أن يبيعه شعر لحيته حينما يحلقها، وخصص لهذه الصفقة 25 مليون فرنك، والثري المشار إليه كان يساعد الثوار فيما سبق، ويمدهم بالمال، وهو معجب بكاسترو إلى حد أنه أراد أن «يتبرك» بشعر لحيته، ولكن الزعيم رفض هذا العرض وقال إنه: «ما يزال في حاجة إلى لحيته»، وقد علقت صحيفة العلم على هذا الرفض بقولها: فيا سوء من يحلقها كل صباح مجانا.
وليست لحية كاسترو هي التي لعبت وحدها دورا في ثورة، فقد كان إلزام الملك أمان الله عاهل الأفغان السابق رعاياه من الشيوخ بحلق لحاهم سنة 1929 من الأسباب الرئيسية التي أدت بالقبائل الأفغانية إلى شق عصا الطاعة على الملك أمان الله خان وإقصائه عن العرش الأفغاني بسقوط كابول عاصمة أفغانستان في قبضة زعيم الثوار باجة سغة.
وحلف وزراء يوجندة بإفريقيا سنة 1953 بأيمانهم الغليظة بأن لا يحلقوا لحاهم، حتى يعود ملكهم الكابكا إلى عرشه الذي نزعه منه الإنجليز، قد بر الوزراء بوعدهم، وحلقوا لحاهم عام 1955 عند رجوع ملكهم، وقدموا له شعر لحاهم ليملأ به وسادة فراشه! (انظر مقالي عن رجعة الزعماء المنشور في جريدة العلم عدد 11 يونيو 1956)، ويقول عباس حليم في الحلقة الثانية عشرة من مذكراته المنشورة  في مجلة المصور المصرية عدد 30 يناير 1959: فاروق يطلق لحيته. وتم للإنجليز كل ما أرادوا حتى في الأزهر. ولما جاء فاروق إلى مصر بعد وفاة أبيه كان الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخا للأزهر. ولقي وجوده هوى في نفس أحمد حسنين، وفتحت أبواب القصر للشيخ المراغي، وكان فاروق يتلقى عليه بعض تعاليم الدين. ويا ليت فاروق حاول أن يستفيد من علم الشيخ وفضله. لقد كان ما يهمه ـ هو أيضا - أن يصبح خليفة للمسلمين، وزين له «عقله» أن يعتمد على نفسه في تحقيق هذا الحلم الذي داعبه، فماذا فعل؟ أطلق لحيته.. وراح يظهر بها في الصور التي تنشرها الصحف-.. بل لقد تمادى في إيهام نفسه وإيهام الناس بصلاحه وورعه، فطلب من مريده وأصدقائه المقربين أن يطلقوا لحاهم مثله، ولعلكم تذكرون - يقول عباس حليم - أن فاروق كانت له في وقت من الأوقات ثله من أصحاب الذقون كانوا يروجون بين المسلمين لمسألة الخلافة، ويصفون فاروق قائلين إنه الملك الصالح! وكان فاروق كما عرفنا مندفعا في تصرفاته.. اندفع في إطلاق لحيته ثم طلب إلى أصحابه أن يحلقوها مثله، وكان يقول لهم: «الذقون منفعتش.. احلق يا ولدي»!
ولللحي تاريخ عريق في القدم، ففي أزمنة الكتاب المقدس نالت اللحى عناية فائقة وكانت لبشلزار لحية مجعدة من طبقات منتظمة، ولعله كان يصبغها بمسحوق الذهب، وعندما استيقظ أهل الكهف المذكورة قصتهم في القرآن الكريم لم يعرفهم الناس الذين رأوهم إذ ذاك بسبب كث لحاهم، وفي القرن السادس عشر قبل الميلاد اعتادت ملكة مصر حتشبسوت أن تظهر في الحفلات العامة في لحية مستعارة مرتدية ملابس الرجال، وذلك لتستطيع أن تستأثر بكل سلطة الفراعنة لنفسها، وفي أعقاب إحدى الحروب امتهن الملك هانان ملك «أمون» ممثلي دافيد ملك «جوديان» بأن أمر بحلق نصف لحية كل منهم، فقد أرسل الملك دافيد رجاله في سفارة ودية لدى الملك هانان، ولكن أميرا من أمراء دولة هانان أبدى لمليكه رأيه في أن دافيد قد أرسل هؤلاء الرجال للتجسس، ولما علم دافيد بما قد حدث لرجاله أمرهم بالبقاء حتى تنمو لحاهم إلى ما كانت عليه.
وقد أخبر الاسكندر الأكبر جنوده بحلق لحاهم حتى لا يتركوا للأعداء جذبهم منها، ويقال إن عادة حلق اللحى في روما بدأت بسكيبينو الإفريقي الذي كان يحلق لحيته يوميا، وكان الشاب الروماني يستهل حياة الرجولة عندما يحلق للمرة الأولى، فتقام له الاحتفالات تمجيدا لهذا الحادث الجلل، تشبه حفلة الختان عندنا.
وبدأ تحبيذ اللحى في روما عندما أطلق الإمبراطور هارديان لحيته ليخفي آثار بعض الجراح في وجهه، أما الإمبراطوران انطونيوس بيوس وماركوس أوريليوس فقد أرسلا لحيتهما باعتبارهما فيلسوفين.
وفي القرن السادس عشر كان من أبرز أصحاب اللحى جيوم دوبرات مؤسس كلية كليرومونت لليسوعيين، وقد اجتمع رجال الكنيسة بكامل هيئتهم وقرروا أن هذه اللحية غير مناسبة للبطريق، وأجمعوا على وجوب حلقها، وعندما توجه البطريق بعد ذلك إلى الكنيسة استقبله رئيسها ورجالها بالأمواس والمقصات والصابون والماء الدافئ، ولكنه ما كاد يرى حلاقيه المنتظرين حتى أسرع بالفرار إلى منزله الريفي في بوريجارد حيث توفي بعد مرض قصير سببه له الغضب من هذه المحاولة لحلق لحيته.
وفي روسيا في عهد بطرس الأعظم تعرضت اللحى للحرب من الحكومة بواسطة الضرائب، فكانت تتقاضى عن لحية التاجر من الطبقة الممتازة مائة روبل وعن لحية التاجر العادي  ستين روبلا، أما العبيد وخدام الكنيسة فتتقاضى عن لحية الواحد منهم ثلاثين روبلا فقط، ويسمح لبعض الطبقات من الريفيين بالالتحاء مع إعفائهم من الضريبة إلا في حالة زيارتهم للمدن.
وبلغت حرب بطرس لللحى أقصى عنفوانها في عام 1722 حين أمر المجلس التشريعي باستصدار قانون يحتم على الملتحين ارتداء ملابس العصور القديمة، والشخص الملتحي الذي يذهب إلى مكاتب الحكومة بغير ملابس العصور القديمة لا يفصل، وإنما يتحتم عليه دفع غرامة قدرها خمسون ريالا، وإذا عجز عن الدفع أرسل إلى العمل بما يوازي هذه الغرامة على سطح السفن الحربية، وأبيح للمخبر أن يلقي القبض على أي رجل ملتح يرتدي الملابس العادية وأن يقتاده إلى المحكمة حيث تثبت إدانته ويتسلم ملابس الرجال فضلا عن نصف الغرامة.
أما في انجلترا فكانت اللحى في عهد الملكة اليزابيت مظهرا مرغوبا فيه للرجال وقد شاعت اللحى بين الرجال من كل الطبقات، وبات نموها أمرا بالغ الأهمية بالنسبة للشبان العصريين، وشاعت صباغتها في بعض الأحيان حتى اعتبرت اللحية التي يتركها صاحبها على لونها الطبيعي شذوذا عن المألوف، وتنوعت نماذج اللحى حتى كان منها ما تشبه الشوكة أو ذيل العصفور، والقصيرة المحدبة والطويلة المدببة وغير ذلك، أما لحية الكاتدرائية (الكنيسة) فكانت طويلة عريضة مسترسلة، وقد بدا القساوسة ورجال الكنيسة يتخذونها نموذجا منذ أوائل ذلك القرن.
وقد كتب أحد من مؤرخي تلك الفترة يصف أشكال اللحى فأطلق عليها « لحية كين المصبوغة »، وهي لحية صغيرة مائلة اللون إلى الاحمرار، وسبب التسمية أن « كين » كان يظهر بلحية من هذا النوع - وكذلك كان أيضا جوداس - في التصاوير القديمة، وقد ذكر نفس المصدر أيضا - «لحية قرضتها الفيران » بين أنواع الحي وهي تنمو منقسمة إلى خصلتين الواحدة إلى اليمين والأخرى إلى اليسار.
وفي مسرحيات شكسبير إشارات عديدة إلى اللحى، ففيها تحقير للحى وهزء بها وقسم بها، ففي مسرحية « سيدان من فيرونا » يقول الرجل الثالث الخارج على القانون: «أستحلفك بلحيتي هلا ...» وفي مسرحية "ماكبت" إشارة إلى الاعتقاد الذي ساد منذ عدة قرون بأن المرأة الملتحية ساحرة، فيقول بانكو عندما يلتقي بالساحرات الثلاث: «لا بد أنكن نساء ولو أن لحاكن تمنعني من أن أفهم هذا؟»، والملوك عادة هم الذين يضعون «الموضة» بالنسبة للحى ويتبعهم بلاطهم، فعندما بدأ فرانسيس الأول في فرنسا يرسل لحيته احتذى حذوه مواطنوه مما دفع رجال القضاء والحكومة وقادة الفكر إلى أن  يحلقوا لحاهم.
أما هنري الثامن في انجلترا فقد كان يرسل لحيته أو يحلقها حسب هواه فيما بين عامي 1519 و1535، وفي تلك السنة أمر جميع رجال البلاط أن يقصروا شعورهم كما فعل هو بشعره، كما أمر ألا تحلق لحيته بعد ذلك. وقبل ذلك بخمسة عشرة عاما أقسم هنري أمام السفير الفرنسي أنه لن يحلق لحيته حتى يلتقي بفرانسيس الأول، وقد أقسم فرانسيس أن يفعل ذلك أيضا، وظل محافظا على قسمه بينما نكث هنري بالوعد فحلق لحيته قبل اجتماعهما في سنة 1520 فاعتذر عنه توماس بأن الملكة متضايقة من لحيته، وقد حدث قبل هذا الحادث في فرنسا أن حلق لويس السابع عشر لحيته فتضايقت من ذلك الملكة اليانور وشعرت بالألم لأن لها زوجا حليقا، وفي أوائل القرن السابع عشر انتشرت موضة اللحية القصيرة ثم تلاشت موضة الالتحاء تدريجيا بمرور ذلك القرن حتى اختفت طوال المائة والخمسين عاما التالية، ثم عادت اللحى إلى الانتعاش بين 1850 و1880، وبعد ذلك عزم شباب أوربا عن إرسال لحاهم، وأصبح الالتحاء هناك مقصورا على بعض كبار الرجال ورجال الكهنوت.
وجل ملوك أوربا قبيل الحرب العظمى 1914 - 1918 كقيصر روسيا وغليوم الثاني إمبراطور ألمانيا وجورج الخامس ملك انجلترا وعبد الحميد الثاني سلطان تركيا، كانوا يطلقون لحاهم، ولعل الإمام أحمد ملك اليمن الحالي وهيلاسلاسي إمبراطور الحبشة هما الملكان الاثنان اللذان يطلقان لحيتهما.
والمعروف أن الراهب الفرنسي شار لرفوكو كان يطلق لحيته كلما دخل إلى المغرب قبل عام 1912 للتجسس عليه، وأكثرية الرهبان الأرتوذكس لهم لحى كثة، وما لحية الأسقف مكاريوس زعيم جزيرة قبرص عنا ببعيدة.
وتختلف الأمثال القديمة في تمجيد اللحى أو تحقيرها، فهناك مثل ألماني قديم يقول «إذا لم توجد اللحية لم يوجد الإدراك والفهم»، يناقضه مثل انجليزي من القرن السابع عشر يقول: «لم تكن اللحية في يوم من الأيام مميزة للعقول السليمة»، ويناقضه أيضا مثل عربي يقول: «من طالت لحيته قصرت فطنته»! وفي بعض قصص سكوت إيضاح لمثل إسباني قديم، فقد كتب في سياق القصة: «وانطلقوا بالعربة على نحو ما عبر عنه المثل الإسباني (ولحاهم على أكتافهم) ذلك أنهم كانوا يلتفتون فيما حولهم من وقت لآخر ليحصلوا على أسرع المعلومات عن كل ما يصادفهم، وكلنا يعلم قصة الشيخ الألحى الذي أحرق لحيته بعد ما طالع كتابا في البسيكولوجيا عن لحية الرجل إذا طالت، ففكر في الأمر مليا حتى ثبت لديه حمقه وطيشه، وكتب في طرة الكتاب الذي كان في يده هذه العبارة الشهيرة: «جرب فصح»، وفي المدنيات القديمة كانت لللحى طبقاتها التي تتفاوت رفعة وضعة، والتجعدات المنتظمة في اللحى تعتبر من مميزات قدماء الإغريق والأشورين.
وتعود بي الذاكرة إلى سني الدراسة في الكتاب، ويعارض أحد الطلاب قول الشيخ عبد الواحد ابن عاشر في شروط الإمامة في مرشده المعين: 
شرط الإمام ذكر مكلف        آت بالأركان وحكما يعرف
فيقول:
شرط الإمام ذكر مكلف        لحيته في وجهه قد تعرف
ذلك أن اللحية كانت وقتذاك شرطا لازما في الإمامة بخلاف اليوم حيث تبدلت الأخلاق والعادات.
ومن البديهي أن المسلمين لم يشرعوا في حلق لحاهم إلا بعد احتكاكهم في أوائل القرن العشرين بالأوربيين وخصوصا بعد سقوط معظم الأقطار الإسلامية في قبضة الاستعمار الأوربي، وذلك واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، وينظر المسلمون إلى اللحية المرسلة نظرة احترام نظرا لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرسل لحيته.
والأمر بإعفاء اللحى ورد به حديثان صحيحان من ابن عمر وأبي هريرة، أما حديث ابن عمر فمتفق على صحته، أخرجه البخاري ومسلم عنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خالفوا المشركين وفروا اللحى. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أحمد ومسلم ولفظه جزوا الشوارب وأرخوا اللحى وخالفوا المجوس، ووردت أحاديث أخرى في غير الصحيحين.
ويرى العالم الإنجليزي دروين أن اللحى كانت موجودة في الغالب لدى المرأة والرجل على السواء عند بدء الخليقة، ولكن المرأة كانت تنتزع شعر جسمها ولحيتها أولا بأول - كي تتجمل للذكر - حتى ضعفت منابت هذا الشعر فانقرض.
وليس قصدي من حديثي هذا أن يطلق الناس لحاهم أو يحلقوها وإنما الحديث شجون كما يقولون ولله في خلقه شؤون. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here