islamaumaroc

عباس بن إبراهيم المراكشي

  عبد الكبير الفهري الفاسي

22 العدد

فجــع عالم الفكر المغربي بوفاة عالم من علمائه وهو العلامة السيد (عباس بن إبراهيم المراكشي) عن سن ناهزت الثمانين سنة.
ولقد كان الفقيه من خيرة علماء المغرب على الطراز القديم الذي ترى الان البقية الباقية من ممثليه يذهب افرادها القلائل الواحد تلو الاخر. وكان لهذا النوع من العلماء مشاركة في جميع العلوم التي وصلت اليهم او وصلوا إلى ادراكها. فكانوا فقهاء، محدثين مفسرين، موقتين، ادباء، مؤخرين، وحتى سحرة ومتطيبين. حدقوا أكثر الكتب المؤلفة في هذه العلوم وأصبحوا قادرين على تدريسها تدريسا يعتمد على الحفظ والتحصيل والشرح والتعليق والمناقشة والجدال في ألفاظ المؤلفين والتعقيب على من شرحوهم وعلقوا عليهم. فكان ذلك التدريس يمكن ذوي الهمم من طلبتهم- ان يصبحوا مثلهم «نسخا مطابقة للأصل».
وهذا النوع من المشاركة العلمية الممتازة بالاحاطة والشمول كاد ان ينقرض الآن بحكم مقتضيات العهد الذي نعيش فيه، وبحكم أساليب التعليم فيه وهي غير اساليبه بالأمس، والغاية من العلم بالأمس هي غير الغاية منه الان. فهل في ذلك خير للامة ام لا؟ مسالة نترك النظر فيها لمن يهمهم الامر من الاختصاصيين او من يعتقدون في انفسهم ذلك، على ان لنا نظرا فيها نرجئ الكلام عنه إلى فرصة اخرى.
ولقد ظهرت نجابة الفقيد في التحصيل والحفظ وهو لا زال صغير السن حتى انه لما ورد إلى فاس في ركاب المولى عبد الحفيظ رحمه الله في زمرة من جاؤوا معه من مراكش، كالفقيه ابن كبور والسيد احمد الازموري- ادهش علماء فاس واعتبروه اعجوبة هو ورفيقه الأول في العلم والأدب والشعر، والثاني في صناعة الترسل.
فالسيد (عباس ابن ابراهيم) من العلماء الذين لن نجد لهم غدا مثيلا من حيث المشاركة، غير انه غلبت عليه الشهرة بالفقيه وان عرف كذلك بالتاريخ. وهذا ما يهمنا الان من امره.
وقد عرف بتوسيعه في علم النوازل والقضاء، وتقلب في عدة مناصب قضائية زاد فيها تجربة ومعرفة، وتصرف فيها بعلمه الرحب الجوانب وان كان ضيق الصدر عند التطبيق، شان كثير من فقهائنا الذين يعتقدون ان ادنى خروج عن انظار المالكية يبعدهم عن حظيرة السنة والجماعة.
ولا نعرف له من المؤلفات في الفقه الا كتابا في القطاع لم ينشر إلى حد الان. ولكنه عرف بتاليفه في التاريخ حيث ان له معجما كبيرا اسماه «الاعلام بمن حل مراكش واغمات من الاعلام» وقد كتبنا عنه هذه مدة من ربع قرن عندما نشر اول جزء منه وناسف كل الاسف لكونه لم يتم نشره اذ لم يطبع منه الا خمسة اجزاء وبقيت الخمسة الاجزاء الاخيرة مخطوطة.
وهذا الكتاب معجم تراجم اكثر منه كتاب تاريخ، غير انه يضطر للالمام بما يعرض له من الحوادث التاريخية في غضون كلامه عن المترجمين، وهم من جميع الطبقات ما بين مغاربة المولد واندلسيين او غيرهم من الافارقة الواردين على المغرب : فهم علماء وكتاب وشعراء وملوك ووزراء وقواد وقضاة ورجال تصوف وصلاح. وبلغت تراجمه على ما تظن نحوا من الف وخمسمائة ترجمة اخرها ترجمة الباشا والوزير الاسبق المدني الكلاوي.
والفضل الاول لهذا الكتاب هو في جمع تلك التراجم وحشد جميع ما قيل عن اصحابها في كل كتاب مطبوع او مخطوط وقف عليه المؤلف، وهو شيء كثير، ولو تضاريت تلك الاقوال والنقول وتعارضت من غير تمحيص لما هو ممكن مما هو غير ممكن الوقوع، شان كثير من المؤلفات التي وضعت على هذا المنوال «كسلوة الانفاس» مثلا. وهذه طريقة في التاليف تمتاز بالامانة في النقل، والامانة اول صفة يتعين على المؤلف ان يتصف بها قبل غيرها ليكون ثقة عند الاجيال الذين يتلونه في التاريخ. ومسلكه في هذا التاليسف يقضي بان يقدم لك تراجم بما فيها من غث وسمين وبما فيها من احداث هامة او تافهة بحيث لا يمكن ان تستعملها حسب طرق التاليف العلمية الا كالمواد الخام، تاخذ منها وترد، وتعتبرها كنصب تستنبر بها في طريق البحث والتصنيف العلمي.
وليس لنا ان نعتبر هذا النوع من التاليف قصورا او تقصيرا من المؤلفين في تلك البيئات والاجيال، واذا فعلنا ذلك تكون من الظالمين لان اولائك المؤلفين صنفوا كتبهم حسب ما كان معمولا به من الاوضاع في التاليف في وسطهم، ولا يسوغ لنا ان نحاسبهم بقوانين واوضاع لا علم لهم بها، بل لربما كانوا يعتبرونها خالية من كل ضمانة علمية وتاريخية؛ اذ الضمانة التاريخية في نظرهم هي النقل  مباشرة على منقول عنه هو ناقل من غيره، إلى آخر النقلة  حتى تصل سلسلة الناقلين إلى  الحادث او إلى الشخص المترجم له او المحدث عنه. وحين يعملون ذلك انما يطبقون على التاريخ طرائق  اهل الحديث الصحيحة والتي وضعت في عهود كان البحث التاريخي كما نفهمه اليوم لا زال لم  يخلق لان ابن خلدون – وهو اول من فكر فيه – كان نفسه لم يخلق.
ولقد عرف العلماء الاجانب من المستشرقين قيمه هذا الكتاب التاريخية حين اطلعوا على الاجزاء  الاولى منه، حين طبعها حوالي سنة 1934 او فيما بعدها فاستدعت جامعة ليدن المؤلف للحضور إلى هولاندا بقصد تكريمه وفعلا قام برحلة – وهو رحالة كبير- إلى تلك البلاد وكرموه، ومكث بين ظهرانيهم ضيفا مدة اسبوعين على تلك  الجامعة قوبل فيها بكل حفاوة لم يسبق لمؤلف مغربي ان كرم على هذا الشكل.
والان وقد صار مؤلف هذا الكتاب إلى رحمة ربه، لم يبق لنا الا ان نعمل على اتمام طبعه وان كنا نواجه في ذلك عقبات كؤود. لان المؤلفات مثله كثيرة وقد وقع لها مثل ما وقع لكتاب السيد (عباس بن ابراهيم) وبقيت مشلولة لعجز ورثة المؤلفين عن القيام بواجبهم نحو تراثهم الفكري.
فلم يبق الا التوجه والتوسل إلى الهيئات التي تشرف على شؤون الثقافة  والعلم في هذه البلاد وعلى راسها وزارة التهذيب الوطني، اذ لها من الوسائل ما يمكنها من القيام بهذا العمل العلمي المفيد على احسن ما يرام. فما عليها الا ان تواصل السير فيما كان يسير عليه معهد الدراسات العليا سابقا من نشر المؤلفات القديمة والحديثة، الغث منها والسمين، لان المشرفين على ذلك اذ ذاك لم يكونوا مغاربة، فكيف بعقل ان تقف وزارة المعارف الان عن العمل وهي مغربية الرئاسة والاتجاه في طريق سلكه من لم يكونوا مغاربة في شيء؟

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here