islamaumaroc

تأثير الشعر العربي في الأندلس في الآداب الغربية

  محمد الفاسي

22 العدد

إن من مسائل الأدب المقارن التي شغلت أفكار المستعربين والعلماء الاختصاصين في تاريخ الآداب الرومانية (وهي آداب اللغات المتولدة عن اللاتينية) قضية ظهور الشعر البروفنصالي في القرون الوسطى  بشكله الذي لا يشبه الشعر اللاتيني لا في عروضه ولا في المواضيع التي يطرقها.
ومن المعلوم أن الأدب في أوربا في القرون الوسطى كان منحصرا في الأديرة والمدارس الدينية، وكانت اللغة التي يؤلف بها الرهبان أذكارهم وأدعيتهم هي اللغة اللاتينية وإن كانت قد فقدت إذاك صفاءها ومميزاتها  الأصلية حتى صارت تدعى "لاتينية الكنيسة"، ومنهم من ينبزها بهذا التعبير "لاتينية المطبخ"، وكانت الشعوب اللاتينية المختلفة التي تكونت من قدماء الرومانيين الفاتحين ومن أهل البلاد الأصليين تتكلم لغات أصلها لاتيني ولكنها ابتعدت بعدا كبيرا عن اللغة الأم بتأثيرات اللغات القديمة من سلتيه وإيبرية  وغيرهما، وتولدت عن هذا المزيج لغات جديدة تدعى رومانية لتمييزها عن اللغة اللاتينية الفصحى، وأخذ رجال الشعب ينظمون الشعر باللغة التي يتكلمونها على غرار ما كان يفعله الشعراء الزجالون بالأندلس وشعراء الملحون عندنا بالمغرب.
وكان هؤلاء الشعراء الشعبيون في جنوبي فرنسا يدعون تروبادور TROUBADOURS   أي "الواجدون"، بمعنى الذين يحسون ويشعرون (من الوجدان)، وكانوا ينظمون شعرهم باللغة البروفنصالية، وهي إحدى اللغات الرومانية المتولدة عن اللاتينية، وكانوا في نقس  الوقت مغنين وموسيقيين يؤلفون أجواقا تقصد قصور الأمراء وبيوت الأكابر لتسليتهم ومدحهم، ووقع إقبال كبير على هذا النوع من الأدب الجديد، وأخذ الأدباء حتى من طبقات الأمراء ينظمون الشعر في هذه اللغة الشعبية وعلى طريقة "الواجدين" .
ولكن الشيء الجديد الذي يلاحظ هو أن شكل هذا الشعر البروفنصالي وموضوعه لم يتقدم لهما نظير من قبل، فمن حيث الموضوع ترى أن الغرام الذي يصفه التروبادور هو عاطفة سامية عذرية رقيقة أشبه بشعر العذريين أو الصوفيين المسلمين، ومن حيث الشكل ظهرت في عروض الشعر البروفنصالي القافية وترتيبها على نحو أزجال الأندلس، فمن هنا أخذ المشتغلون بهذه الدراسات يبحثون عن وجوه الشبه بين هذا الشعر والشعر العربي بالأندلس.
وقد كان للمستعرب الاسباني الكبير خوليان ربيرا الفضل في إظهار وجوه الشبه هذه مما أداه إلى قولته الشهيرة وهي" أن الزجل يعتبر المفتاح السحري الذي يشرح لنا أساليب الأشكال الشعرية في مختلف الطرائق الغنائية عند الشعوب المتحضرة في القرون الوسطى."
وقد ارتكز ريبيرا في حكمه هذا الذي أخذ به كثير من المستعربين والمختصين في الرومانيات على دراسته للشعراء الواجدين أمثال جوفر روديل   JAUFRE RUDEL وسيركامون CERCAMON والكونت دي بوانيي وغيرهم، وقد لاحظ ربيرا والعلماء الذين درسوا هذه المسألة أن قصائد التروبادور تتركب من قطع (أو أقسام كما يعبر عنها شعراء الملحون عندنا)، لكل قطعة تحتوي على أربعة أبيات يكون للثلاثة الأولى منها قافية واحدة تختلف من قسم للقسم الآخر وقافية البيت الرابع تتكرر في أقسام القصيدة على هذا النحو ا ا ا ب، وهذا النظام لا نجده في الشعر اللاتيني، وهو نفسه الذي نراه في الأزجال الأندلسية كما سنمثل له من بعد.
ثم إن لكل قصيدة لازمة (أي الحربة كما عند شعراء الملحون) تدعى عند الشعراء التروبادور TORNADA، وهي كذلك في أزجال أهل الأندلس.
والقصيدة تتركب من خمسة أقسام إلى تسعة كما هو الشأن أيضا في الأزجال الأندلسية.
(كل هذه المشابهات ترجع إلى الشكل الجديد الذي ظهر في شعر التروبادور من حيث العروض وتركيب القصائد، ولكن هناك مشابهات أخرى ترجع لصلب المواضيع الشعرية التي يطرقها الشعراء «الواجدون»، وهي في أغلبها ترجع للحب ولمدح الأمراء، ومن خصائص هذه العواطف أنها مثل ما نراه عند الشعراء العرب -وبالتالي عند أهل الأندلس- تتولد أحيانا عن مجرد نظرة ساحرة، ويتفنن التروبادور في وصف هذه النظرات ويصفون المحبوب بالقسوة والتيه والدلال مما يسبب للعاشق الولهان آلاما تتجلى في البكاء والسهر والنحول والذهول، وربما أدت به إلى الموت. هذه الصفات شيء عادي في الأدب العربي ولم يكن له مقابل في الشعر اللاتيني الذي كان هو الأدب الوحيد الذي يمكن أن يقتبس منه التروبادور.
ومن وجوه الشبه أيضا أن العاشق في شعر التروبادور يستعمل الرسل بينه وبين معشوقه، ونراه يتكلم على الرقيب وعلى الواشي مثلما نراه في الشعر العربي عموما وفي الأزجال والملحون بوجه خاص، والرقيب المسمى الحراز في الملحون يلعب دورا مهما حتى أن شعراء الملحون عندنا ينظمون قصائد خاصة في وصف هذا الرقيب العنيد، ومن الملاحظ كذلك أن الجو الذي يحيط بالشعر البروفنصالي هو جو الطبيعة الضاحكة المزدهية بأزهارها المتفتحة الذكية وأطيارها المغنية الشادية وجداولها المترقرقة المنسابة تحت الأشجار الباسقة كأن الحياة كلها ربيع لا ينقطع، وهذا الجو الشعري نعرفه كذلك عند شعراء الأندلس في تواشيحهم وأزجالهم.
كل هذه المشابهات جعلت ربيرا ونيكل التشيكي وبيدال الاسباني وأبيل المختص في الدراسات الرومانية يؤمنون بأن التأثير العربي الأندلسي في شعر التروبادور هو تأثير عميق مباشر، وقد عارضهم بعض النقاد من الاختصاصيين في الرومانيات(1)، وجرت مناقشات في المجلات المختصة بين الفريقين ولكن قوة حجج مدرسة ربيرا كان لها التفوق.
(وكانت أهم الانتقادات الموجهة لتأثير الشعر العربي في الشعر البروفنصالي هي أن التروبادور لم يكونوا يحسنون العربية، فكيف أمكنهم أن يتأثروا بالإنتاجات الشعرية العربية؟ والجواب عن هذا الاعتراض هو أن الحالة الاجتماعية في الأندلس، من انتشار الثقافة العربية بين المسيحيين، وتقليدهم للعرب في كل شؤونهم، حتى تكونت طبقة منهم تدعى mozarabes أي المستعربين، تعيش في كل شيء حياة عربية، حتى أنهم كانوا يستعملون العربية في صلواتهم وينظمون الشعر بالعربية، وهم في نفس الوقت يعرفون اللغة الإيبرية الرومانية أخت البروفنصالية، وهم كانوا الواسطة بينهم وبين أبناء جلدتهم ممن لا يحسنون العربية، وكانوا يترجمون الآثار الشعرية خصوصا الشعبية منها إلى لغتهم، وكان التروبادور من جيرانهم من وراء جبال البرتات (البريني) يقصدون قلاع الأمراء المسيحيين ويغنون لهم أشعارهم ويسمعون كذلك ما عند زملائهم، وهناك اطلعوا على الأساليب العربية عند سماعهم لطرب الزجالين، ولا ننسى أن الزجل هو في نفس الوقت شعر وموسيقى كما هو الشأن في الملحون وكما كان الأمر عند التروبادور.
ومن الانتقادات الموجهة كذلك لنظرية تأثير الشعر العربي في الشعر البروفنصالي أن أهم شاعر زجال من أهل الأندلس يرتكز عليه أصحاب هذه النظرية لتعضيدها هو ابن قزمان، ومواضيع شعره بعيدة عن الروح العذرية وعن الحب السامي الذي نراه عند التروبادور.
والجواب عن هذا الاعتراض الوجيه هو أن اهتمام نيكل وغيرم من المشتعلين بهذا الموضوع بديوان بن قزمان يرجع قبل كل شيء للناحية العروضية من جهة، ثم لوجوه الشبه الأخرى التي أشرنا إليها من جهة أخرى، على أن هذا الديوان لا يخلو أحيانا من بعض القصائد والمقطعات التي تسودها تلك الروح الطاهرة التي يمتاز بها شعر العذريين، ثم إن أحدا لم يقل بوقف التأثير العربي في الشعر الغربي على ابن قزمان، ولا يلزم أن يكون المستعربون  mozarabesمن الاسبانيين ولا التروبادور اطلعوا بالخصوص على ديوان ابن قزمان، وكان بالأندلس زجالون كثيرون دون ابن قزمان، وإنما الشاعر ساعده الحظ بأن حوفظ لنا على نسخة فريدة من ديوانه بإحدى خزانات روسيا، قام بنشر صورة فوتوغرافية لها أحد المستشرقين ببرلين سنة 1896، وكان هذا الديوان أول ما عرفه المستعربون من الإنتاجات الزجلية الأندلسية، وهو الذي أوحى بهذه المشابهات التي لا يمكن أن تكون نتيجة صدفة، وللتمثيل لذلك من ناحية العروض إليك هذه القطعة من قصيدة للكونت دي بوانيي.
PUS DE CHANTAR M,ES PRES TALENS
FARAI UN VERS DUN SUI DOLENS
NON SERAI MAIS OBEDIENS
DE PEYTAN NI DE LEMAZI
والشاهد فيها أن القوافي الثلاث الأولى كلها هكذا ENS والقافية الرابعة ZI تتكرر في كل القصيدة على نحو هذه القطعة من قصيدة لابن قزمان:
وكن لمرسولي قريب الحجاب
وإن كان وترضى وترسل كتاب
بدمي نسطر لك الجواب
ونبرى عظامي مكان القلم
وكذلك هذه القطعة من قصيدة أخرى له:
لم يعطي الله أحدا ما عطى لك
ليس في النسا زينة بحالك
ثلاثة في الخلقة من خصالك
بيضا ونقية ووفية
أما العواطف السامية التي أضحت من مميزات الشعر البروفنصالي فلا شك أن التواشيح الأندلسية وكتب الأدب، من أمثال طوق الحمامة لابن حزم وغيره، كانت معروفة في أوساط المسيحيين المستعربين الذين كانوا يقلدون كل شيء يأتي عند العرب، حتى أنهم جعلوا مآذن لكنائسهم على عادة المغلوبين الذين ينظرون دائما بعين الإكبار والإجلال لكل ما يتصف به الغالب، ومن ثم صار من الظرف عند المتأدبين أن ينسجوا على منوال الشعر العربي في المواضيع التي يطرقونها وفي أوضاعه وعنهم أخذ التربادور.
وكما أشرنا إليه فإننا نشاهد هذا التأثير في الفن المعماري يقع بواسطة المستعربين mozarabes، فقد كانوا يبنون كنائسهم على غرار الأساليب الإسلامية في بناء المساجد أيام الخلافة الأموية، ولم يقتصر هذا التأثير على الكنائس المبنية في البلاد الخاضعة للنفوذ الإسلامي، وإنما نراه كذلك في نواحي شمال الجزيرة الأندلسية المستقلة، بل نراه أيضا في الفن المعماري الفرنسي المسمى الروماني، بنفس الكلمة المستعملة للتعبير عن اللغات المتولدة عن اللاتينية كما قدمنا، حتى أن هذا التأثير وصل إلى بلاد أوفرنيا في وسط فرنسا، وهذا التأثير أمر اتفق عليه كل الباحثين، لأن آثاره بقيت قائمة للعيان، وقد بين العلماء المختصون في هذه الدراسات أن تأثير الفن المعماري العربي خارج اسبانيا لم يكن أقل عمقا مما كان عليه في الأندلس نفسها وأنه كان كلما ظهر تجديد في الفن المعماري بقرطبة في القرنين الرابع والخامس إلا ونجد أثره في الفن المعماري الروماني(2).
وعليه فلا غرابة أن يتأثر الشعراء البروفنصاليون بالشعر العربي بدون أن يكون لهم ضرورة إلمام باللغة العربية ما دامت الثقافة العربية كانت بلغت من الانتشار في أوساط المسيحيين تلك الدرجة التي جعلت الرهبان والوطنيين المنادين بجلاء المسلمين عن الجزيرة ينددون بأبناء جلدتهم الذين يقلدون العرب حتى أن أحد أساقفتهم وهو الباره القرطبي ترك صفحة بديعة في التفجع على شباب وقته الذين ابتعدوا عن ثقافتهم ودينهم وأخذوا يلهجون بالأدب والشعر العربي؛ قال ما ترجمته عن الاسبانية: إنهم يتلذذون بقراءة القصائد والقصص العربية ويدرسون مذاهب المتكلمين والفلاسفة المسلمين، لا ليدحضوها، ولكن ليكتسبوا أسلوبا عربيا جميلا صحيحا، أين يوجد اليوم من غير الرهبان من يقرأ الشروح اللاتنية للكتاب المقدس؟ آه، إن الشبان المسيحيين الذين يمتازون بالتفوق في المعرفة لا يعرفون إلا اللغة العربية والآداب العربية! إنهم يقرأون ويدرسون الكتب العربية .. وإذا تكلمت لهم عن الكتب المسيحية أجابوك باحتقار: إن هذه الكتب لا تستحق أن يلتفت اليها، وا ألماه!! إن المسيحيين قد نسوا حتى لغتهم، ومن بين ألف لا تكاد تجد أكثر من واحد يستطيع أن يكتب بلغة لاتينية سليمة رسالة لصديق، وبالعكس إذا كان المقصود الكتابة العربية وجدت عددا كبيرا من الناس يعبرون عن أفكارهم بلغة جميلة، وينظمون القصائد التي تفوق من الناحية الفنية قصائد العرب أنفسهم(3).
وما دام الغزو الثقافي العربي بلغ هذه الدرجة التي ندد بها الأسقف الباره بهذا الحماس فهل يستبعد هذا التأثير الذي ذكرناه والذي يقول به اليوم أكثر العلماء الاختصاصيين في هذا الموضوع؟
إن تأتير الحضارة العربية في الغرب، من حيث العلوم النظرية والعقلية من منطق وفلسفة ولاهوت، ومن حيث العلوم الرياضية من حساب وجبر وهندسة وفلك وتعديل، ومن حيث العلوم الطبيعية من فيزياء وكيمياء وحيوان ونبات، كل هذا معروف مدروس قد وضعت فيه المجلدات في مختلف اللغات الحية، وأما تأثير الأدب العربي في الآداب الغربية فهو أمر لم يتعد بعد أوساط بعض الاختصاصيين، لذلك أردت أن ألفت إليه أنظار الباحثين والمثقفين وهو باب مهم من تاريخ الحضارة العربية وإشعاعها في العالم المتمدن ومساهمتها في النهضة الأدبية بأوربا.

(1) قد كنت نشرت بحثا بالفرنسية في هذا الموضوع في عدد خاص لمجلةCAHIERS DU SUD سنة 1943 تحت عنوان LA POESIE ARABE ANDALOUSE ET SON INFLUENCE SUR LES TROUBADOURS FRANCAIS
(2)  انظر مقالا بالفرنسية للأستاذ لامبير في مجلة هيسبريس الجزء 17(سنة1933) ص 29 وما يليها
(3) عن كتاب بلانسيا: تاريخ الآداب الاسبانية (باللغة الاسبانية) برشلونة سنة 1928 ص 271-272

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here