islamaumaroc

أسس التربية الإسلامية

  دعوة الحق

172 العدد


معنى التربية:

هناك من يقول أن التربية تعديل في النمو الفطري، ومن يقول أن التربية صناعة لإنتاج المواطنين الصالحين، ومن يقول: أن التربية عملية تجعل عيون الفرد تتفتح، وشخصيته تنمو، والناحية الاجتماعية من حياته تقوى، حتى يصير عاملا فعالا في حياة الجماعة التي ينتمي إليها، سواء أكانت هذه الجماعة كبيرة أم صغيرة.
ولو أننا عدنا إلى لغتنا – لغة العرب – لوجدنا أن كلمة "التربية" في أصل معناها تدل على الزيادة والنمو والعلو، تقول العرب: ربا الشيء، أي زاد، والربوة هي المكان المرتفع، وأربت الحنطة زكت، وتقول: ربيته إذا غدوته، وفي لغتنا كلمة أخرى بمعنى التربية هي كلمة "التربيب" ومن مادتها جاءت كلمة "الربيبة" بمعنى الحاضنة لأنها تتكفل بشأن من تحضنه، ومن المادة أيضا "ربة الدار" التي تتعهدها، وكلمة "الرب" بمعنى القيم والمصلح، والعرب تقول: رب شيء أصلحه، ورب الأب ولده أي رباه، والله تعالى هو الرب، لأنه مصلح شؤون خلقه.
ومن هنا نلحظ في مادة التربية – أو التربيب – معنيين أساسيين هما الزيادة والإصلاح، أي الإصلاح للموجود، والإضافة إليه، وهذان المعنيان نلحظهما بصفة عامة عند استعراضنا لتاريخ التربية عند العرب.
وإذا كان هناك من يفرق اليوم بين التعليم والتربية بأن يجعل عماد التعليم قائما على الحفظ وشحن الذهن بالمعلومات، وبجعل عماد التربية قائما على التدريب والتهذيب، فإن مفهوم العلم عند البصراء من رجال الأمة العربية يضم معنى التأثر والتهذيب بما يعلمه الإنسان، وفي القرآن المجيد: "إنما يخشى الله من عباده العلماء" . ويقول ابن مسعود: "ليس العلم بكثرة الحديث، ولكن العلم الخشية". ويقول ابن عبدون أحد رجال التربية الإسلامية: "التعليم صناعة تحتاج إلى معرفة ودربة ولطف، فإنه كالرياضة للمهر الصعب الذي يحتاج إلى سياسة ولطف وتأنيس حتى يرتاض ويقبل التعليم".
ونحن نفهم اليوم أن الغرض من التربية هو الإعداد للحياة الفاضلة،  بتكوين العقل السليم في الجسم السليم، مع بناء الشخصية على أسس متينة من الأخلاق الكريمة، وهذا المفهوم يلوح لنا خلال التاريخ الطويل لامتنا، وإن اختلف الأخذ به والالتزام له قوة وضعفا، باختلاف الظروف والأحوال.
وما دمنا نؤمن بأن الأمة الكريمة على نفسها، العزيزة في حياتها، لا تقطع صلتها بماضيها، وبخاصة ماضيها الذي يتضمن أمورا تتصل بقيمها ومثلها التي تعتز بها وتركن إليها، فلنعد إلى هذا الماضي نستعرض فيه الأسس التاريخية التي نهضت عليها التربية عند أمتنا العربية.

في عصر الجاهلية:
هذا هو عصر الجاهلية في تاريخ العرب.
إننا مهما اختلفنا في تحديد القيمة العلمية والحضارية للأمة العربية في العصر الجاهلي، فلن نستطيع أن ننكر ما كان لها من عناية بالتربية، على حد مفهومها الخاص بها حينئذ.
وكانت البيئة العربية في الجاهلية ذات تأثير كبير في توجيه التربية إلى ما يلاءم هذه الحياة، لقد كانت الحياة العربية تنبسط في سداجة وسهولة على رمال الصحراء  الواسعة المتشابهة المسالك والأطراف، المنطلقة الهواء، المكشوفة السماء، القليلة النبات والماء، فنشأت بينهم المعارف المتعلقة بالنجوم والرياح، والقيافة والعيافة وتتبع الأثر، ومنابع الماء ومواطن الكلأ.
وكانت الحياة قاسية عليهم، فدعاهم ذلك إلى التمدح بالكرم والشجاعة وحماية الجار والدفاع عن الأصل والعشيرة، وإجابة الصريخ ظالما كان أو مظلوما، وكانوا يعملون على تنشئة أولادهم في ظلال هذه الصفات.
وكانت "الكلمة" ذات تأثير عميق فيهم، سواء أكانت مادحة أم قادحة، ولذلك عنوا بالشعر، وتبادلوا التهنئة عند ما ينبع فيهم شاعر...وهكذا.
وفي إيجاز: كانوا في تربيتهم يريدون من ناشئتهم أن يكونوا قادرين على مواجهة الحياة الخشنة في البادية، وأن يكونوا نافعين لأهليهم، حربا لأعدائهم، لا ينامون على ثأرهم، فنحوا في تربية أولادهم هذا المنحى، ولم يسلموا في ذلك من مظالمهم أو مآتم، ولا من انحراف أو اعتساف.
وقد نستطيع أن نقول أن الأساس للتربية عند أهل الجاهلية هو مواجهة الحياة، ومع ذلك كان هناك من يدعو إلى إثارة الشعور وتحريك القلب وإيقاظ العقل عن طريق المشاهدة والملاحظة والتدبر، فهذا مثلا كعب بن لؤى – الجد السابع للنبي عليه الصلاة والسلام – يقول في مطلع خطبة له: "اسمعوا وعوا، و تعلموا، وتفهموا تفهموا، ليل ساج، ونهار ضاج، والأرض مهاد، والجبال أوتاد، والأولون كالآخرين..." الخ.
وهذا قس بن ساعدة الأيادي يقول أيضا: "ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، وجبال مرساة، وأرض مدحاة، وأنهار مجراة، ان في السماء لخيرا، وان في الأرض لعبرا". ثم يوجه قومه إلى لون من التفكير الديني، فيقول: " يقسم قس بالله قسما لا ءاثم فيه، إن لله دينا هو أرضى له، وأفضل من دينكم الذي انتم عليه، أنكم لتاتون منكرا". ثم بسوق أبياته المشهورة ومطلعها:
( في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر)
وبرغم مادية الحياة في الجاهلية، ووثنية العقيدة وانطلاق الحرية بلا حدود، والعب من متع الحياة قدر المستطاع، كان هناك من يحثهم على ألوان من مكارم الأخلاق، كالذي جاء على لسان الحارث بن كعب في التربوية الأخلاقية: "عمل السوء يزيل النعمة، وقطيعة الرحم تورث الهم، وانتهاك الحرمة يزيل النعمة، وعقوق الوالدين يعقب النكد، ويخرب البلد، ويمحق العدل، والإسراف في النصيحة هو الفضيحة، والحقد يمنع الرق، ولزوم الخطيئة يعقب البلية، وسوء الدعة يقطع أسباب المنفعة، والضغائن تدعو إلى التباين".
وكالذي جاء في وصية ذي الأصبع العدواني:" ألن جانبك لقومك يحبوك، وتواضع لهم يرفعوك، وأبسط لهم وجهك يطيعوك، ولا تستأثر عليهم بشيء يسودوك، وأكرم صغارهم كما تكرم كبارهم، يكرمك كبارهم، ويكبر على مودتك صغارهم، وأسمح بمالك، وأحم حريمك، وأعزز جارك، وأعن من استعان بك، وأكرم ضيفك، وأسرع النهضة في الصريخ، فإن لك أجلا لا يعدوك، وصن وجهك عن مسألة أحد شيئا، فبذلك يتم سؤددك".
وأسهم الشعر الجاهلي بنصيبه أحيانا في توجيه التربية توجيها أخلاقيا كالذي كان من زهير حين قال:
( ومهما تكن عند امرئ من خليقة     وان حالها تخفى على الناس تعلم)
( فلا تكتمن الله ما في نفوسكم        ليخفى، ومهما يكتم الله يعلم
يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر        ليوم الحساب، أو يعجل فينتقم!)
وقد شاع اصطلاح تقسيم التربية إلى أقسام ثلاثة: التربية الجسيمة، والتربية العقلية، والتربية الأخلاقية، ونلاحظ أن أهل الجاهلية أعطوا هذه الأقسام أقساطا متفاوتة، ولعل التربية الجسيمة قد حظيت بالنصيب الأوفى، وحظيت التربية الأخلاقية –كما نفهمها الآن – بالنصيب الأدنى.
ولسنا في مقام المحاسبة أو المؤاخذة، وكلنا في مقام الرصد لواقع كان، مع محاولة التعليل له، أو بيان الداعي إليه كان، ومما ينبغي التسليم به أن ظروف الحياة الجاهلية هي التي دعت إلى توجيه التربية هذه الوجهة التي تعتمد في جل أمرها على مواجهة الحياة، ومحاولة التغلب على شدتها، مع الاستمتاع بماديتها، دون التزام بوحدة اجتماعية أو قومية أو أخلاقية.
والعرب في الإسلام وبالإسلام صارت لهم عقيدة ورسالة، واتسعت لهم مدنية وحضارة، انبسطوا في أرجاء المعمورة هنا وهناك، واتصلوا أو امتزجوا بهؤلاء من شعوب الأرض وهؤلاء، وأعطوا وأخذوا، وأثروا وتأثروا، فكان من الطبيعي أن تتكيف فيهم أسس التربية لما جد بينهم من قيد وأوضاع.
وعلى الرغم من أن عقيدة "التوحيد" التي جاء بها الإسلام كانت مغايرة لما ساد المجتمع العربي وببقية المجتمعات من معتقدات، فإن المجتمع العربي الإسلامي لم يتردد في الأخذ عن غيره من مجتمعات في مجالات العلم والمعرفة والفن والثقافة وشؤون الحياة الأخرى، وشجعه على ذلك الأخذ العريض الواسع أن الدعوة الإسلامية التي سيطرت عليه قد دفعته إلى ذلك الأخذ دفعا، حيث قال القرآن الكريم: "وقل رب زدني علما" وقال: "قل انظروا ماذا في السموات والأرض" ويقول الحديث: (اطلبوا العلم ولو بالصين). ويقول: (الحكمة ضالة المؤمن فحيثما وجدها فهو أحق بها".
ولم يقتصر المجتمع العربي الإسلامي في هذا المجال على النقل أو التقليد أو المتابعة، بل أخذ وهضم وانتفع، وأعطى فأفاد وأمتع، وتفاعل في فكره وثقافته مع بيئات متعددة تفاعلا كون له هذا المزيج الفكري الثقافي المتعدد العناصر، وإذا كان قد صحب هذا التفاعل نصيب من  الأضرار أو الأخطار، فإن هذا النصيب لم يستطع القضاء على المكاسب الكبرى التي حققها المجتمع العربي الإسلامي بهذا التفاعل المتعدد الجوانب.

القرآن والتربية:
مما لا شك فيه أن القرآن الكريم كان الأساس الأول للتربية والثقافة في المجتمع العربي الإسلامي، ولا نبعد عن الحقيقة إذا قلنا أن أكثر من ثلاثة أرباع المكتبة العربية قد نشأت ونهضت بسبب القرآن، ودارت حول القرآن هو المثل الأعلى أمام المسلمين فيما يقرره من عقائد وعبادات ومعاملات وأخلاق وقصص وحكم وأمثال، ولا غرو فالله جل جلاله يقول: "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم" ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم من خطبة له في مطلع الدعوة:
" إن أحسن الحديث كتاب الله، قد أفلح من زينه في قلبه، وأدخله في الإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أصدق الحديث وأبلغه".
ويقول الإمام علي: " من فهم القرآن فسر به جمل العلم".
ولقد نزل القرآن الكريم أساسا للإسلام، وكان لا بد للقرآن أن يقرأه الناس، فجاءت القراءة، وكان لا بد للقرآن أن يكتب ليظل محفوظا في السطور، فجاءت الكتابة، وكان لابد أن يحفظه حفاظه فجاء التحصيل له في الصدور كما وعته السطور، وكان لا بد للقرآن أن يفهمه الفاهمون، ومن هنا نشأت علوم كثيرة عملت –بطريق مباشر أو غير مباشر- في خدمة القرآن من جهة، وفي تكوين دعائم للثقافة العربية الإسلامية من جهة أخرى.
وإذا كان القرآن عقيدة ودين فإنه في الوقت نفسه كتاب تربية وعلم، وما أوثق الصلة بين الدين والتربية، فالدين تأديب وتهذيب، والتربية تدريب وإصلاح. وميزة القرآن الكبرى في هذا المجال أنه ألقى على التربية ثوبا إلهيا قدسيا، فصارت جزءا من الدين والعبادة، ولأمر ما بدأ كتاب الله بكلمة "اقرأ" والقراءة باب العلم والتربية، وقالت الآية الأولى نزولا من القرآن: "اقرأ باسم ربك الذي خلق" وكلمة "ربك" ذات صلة قوية بالتربية، ومادة "الرب" قد تكررت من كتاب الله أكثر من ألف مرة.
وقد قال المفسرون أن الرب هو المربي الذي يسوس من يربيه ويدبر أمره، وربوبية الله للإنسان تظهر بتربيته إياهم، وهذه التربية قسمان: تربية خلقية - بكسر الخاء – بما يكون به نموهم وكمال أبدانهم وقواهم النفسية والعقلية، وتربية شرعية تعليمية، وهي ما يوحيه إلى أفراد منهم ليكمل فطرتهم بالعلم والعمل إذا اهتدوا به.
كما يقول بعض المفسرين عند ذكر "رب العالمين" أن حظ العبد من وصف الله بالربوبية هو أن يحمد الله تعالى ويشكره، باستعمال نعمه التي تتربى بها القوى الجسدية والعقلية فيما خلقت لأجله، فليحسن تربية نفسه، وتربية من يوكل إليه تربيته من أهل وولد، ومريد وتلميذ، وباستعمال نعمته بهداية الدين في تربية نفسه الروحية والاجتماعية، وكذلك تربية من يوكل إليه تربيتهم.
وإذا كان العلم هو رائدنا وقائدنا إلى تحقيق التربية فنحن نجد القرآن يحيط شان العلم بهالة كريمة من التقدير والعناية، فهو يقول:"يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أتوا العلم درجات" ويقول:"قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" ويقول:" فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"، ويقول :" وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون"، ويقول:" وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما".
وجاء الحديث النبوي من وراء القرآن يؤكد مكانة العلم والعلماء، فقال:"العلماء ورثة الأنبياء"، وقال:" إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع" وقال:"من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة".

ونلاحظ أن التربية في الإسلام تقوم على أسس منها:
1- العلم الصحيح العميق الواسع هو باب الخشية، وطريق التهذيب والتربية، ومفتاح الاستقامة، ويقول القرآن:"إنما يخشى الله من عباده العلماء"، ويقول: "وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم، يقولون آمنا به، كل من عند ربنا، وما يذكر إلا أولوا الألباب، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لذنك رحمة إنك أنت الوهاب".
2-  بداية التعليم والتربية من الله عز وجل، بالفطرة، أو الإلهام، أو الوحي، وفي القرآن الكريم: "علم الإنسان ما لم يعلم"، "وعلمك ما لم تكن تعلم" " فألهمها فجورها وتقواها"، " وعلم آدم الأسماء كلها"، "واتقوا الله ويعلمكم الله".
3- النفس البشرية تخرج إلى هذه الحياة وليس لديها رصيد له قيمة تذكر من العلم أو المعرفة، ولكن الله تعالى هيأ أمامها وسائل التعلم والتثقف والتربية، يقول القرآن الكريم: "والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون"، ويقول: "ألم نجعل له عينين، ولسانا وشفتين، وهديناه النجدين" وفي هذه الآيات وأمثالها حث على إثارة المشاعر، وإيقاظ الحواس وتحريكها لتحصيل التربية والتعليم.
4- التفكير فريضة إسلامية، وطلب العلم واجب على كل فرد، لأن الحديث يقول: "طلب العلم فريضة على كل مسلم"(1)، ولفظه "مسلم" هنا يشمل الذكر والأنثى، ومن واجب المجتمع المسلم أن يعمل على توفير مجموعة من العلماء الفقهاء تكفي لتربية الناس وتفقيههم، والقرآن يقول: "وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم يحذرون".
5- الإسلام يوجه إلى أن تكون التربية دينية دنيوية، مادية روحية، علمية عملية، لأن الإسلام يأمر الإنسان بأن يعمل لأولاده ولأخراه، وأن يتمكن من الوسائل العلمية والتربوية والعملية لإسعاد نفسه في الدارين، يقول القرآن: "وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الأرض، إن الله لا يحب المفسدين". والأثر الإسلامي يقول: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا".
ويوجه الإسلام إلى القوة في الحياة على اختلاف أنواعها، سواء أكانت قوة مادية، أم قوة معنوية،  أم قوة علمية، أم أخلاقية، أم قوة اقتصادية، والقرآن يقول: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة".
ويقول الحديث: "المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف"، ولذلك يزكي الإسلام أي لون من ألوان التربية يؤدي إلى تحقيق أي لون من ألوان هذه القوة، كما أن الإسلام يهدف إلى صيانة الجماعة المؤمنة وتحصيلها ضد عوامل الضعف أو الفناء، فنقول القرآن الكريم: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة"، ويقول: " ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين".
وحين نتعمق في دراسة التربية الإسلامية نجد أنها مزاج عجيب من الإعداد الديني والإعداد الدنيوي، وقد ظهر هذا بوضوح فيما كتبه علماء الإسلام عن التربية والتعليم، ولعل أقرب مثل على ذلك يحضر الذاكرة هو كتاب ((أدب الدنيا والدين)) لأبي الحسن على بن محمد الماوردي المتوفى سنة خمسين وأربعمائة للهجرة، فإن هذا الكتاب شاهد على ذلك المزاج حتى بعنوانه الجامع بين كلمتي الدنيا والدين.
6- يقرر الإسلام المساواة بين الناس في حق التعليم، فالقرآن قد جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، والرسول ما أرسله ربه إلا ليكون كافة للناس بشيرا ونذيرا، والناس كلهم في نظر الإسلام من نفس واحدة، ولذلك يقول القرآن: ((يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا"، ولا بين الأغنياء والفقراء، وإنما يجعل أساس التقديم والتفضيل هو التقوى والعمل الصالح، والتقوى صيانة النفس من كل سوء بسبب غضب الله عليها، والعمل الصالح هو كل ما يحقق خيرا يرتضيه الله للفرد أو الجماعة، وإنما تتحقق التقوى والقيام بالعمل الصالح عن طريق المعرفة والتمييز وقوة الإرادة والتربية القويمة، يقول القرآن: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير".
وفي سورة "عبس" إشارة واعظة وتذكرة بحق المساواة في التعليم، وفي السورة جاء قوله تعالى: "عبس وتولى، أن جاءه الأعمى، وما يدريك لعله يزكى، أو يذكر فتنفعه الذكرى، أما من استغنى، فأنت له تصدى، وما عليك ألا يزكى، وأما من جاءك يسعى، وهو يخشى، فأنت عنه تلهى، كلا إنها تذكرة".
7- من أسس التربية في الإسلام كذلك أن يكون العلم للعمل النافع، وألا يكون العلم للتباهي، أو التفاخر أو التعالم، وما لم يكن علمك نافعا لنفسك أو للناس فإنه يكون عبئا يتنزه عنه العقلاء والفضلاء، وإذا كان العلم ضارا فإنه يصير مذموما في نظر الإسلام، ولذلك كان الرسول صلوات الله وسلامه عليه يقول: "اللهم علمني ما ينفعني، وانفعني بما علمتني، وزدني علما والحمد لله على كل حال". وجاء في الحديث: "نعوذ بالله من علم لا ينفع"، وفي أخرى: "تعوذوا بالله من علم لا ينفع".
ومعنى هذا أن الإسلام يهدي إلى أن يكون التعليم والتربية للحياة وللخير وللنفع الخاص والعام وهو لا يضيق نطاق هذا النفع، فيجعله خاضعا لعصبية قرابة أو جنس أو لون، بل يقول الحديث: "خير الناس أنفعهم لأنفسهم". وفي التربية الإسلامية تبدو النزعة الإنسانية واضحة، ويعزز هذا أن تكريم الله للإنسان جاء عاما شاملا، فقال القرآن: "ولقد كرمنا بني آدم، وحملناهم في البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا".
8- التربية والتعليم في ضوء الإسلام ليس لهما وقت أو زمن مقيد، لأن المعرفة بحر لا ساحل له، ولأن العلم محيط كبير، يغنى العمر قبل أن يستوعب الإنسان كل ما في هذا المحيط، ولذلك نفهم من تعاليم الإسلام أن المرء يظل عالما ما طلب العلم، فإذا ظن بنفسه أنه قد علم كل شيء فقد بدأ يجهل، وإن المرء يظل يطلب العلم من المهد إلى اللحد، والحديث يقول: "لن يشبع المؤمن من خير يسمعه حتى يكون منتهاه الجنة"، والحديث المرسل يقول: "من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحي به الإسلام فبينه وبين الأنبياء في الجنة درجة واحدة".
9- مهنة التربية والتعليم في نظر الإسلام أشرف المهن وهي وظيفة الأنبياء والمرسلين، وفي القرآن الكريم: "ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم"، " هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين".

والرسول يقول: "إنما بعثت معلما"، ويقول: "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم"، ويقول:"العلماء ورثة الأنبياء"، ويقول الغزالي: "أدلة الطريق هم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء"، وجاء في الحديث: "أن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر".
10- إذا كان هناك قدر من "الغيبيات" التي يؤمن بها المسلم، وقدر آخر من الأمور العقلية التي يفكر فيها ويتدبرها، ويحثه الإسلام على استخدام عقله لإدراكها، فإن من أسس التربية الإسلامية أيضا التوجيه إلى إيقاظ الحواس والمشاعر، ومن هنا كثرت الآيات القرآنية التي تتحدث عن مشاهد الكون ومظاهر الطبيعة، وتلفت الأبصار  ومن ورائها البصائر إلى الليل والنهار، والشمس والقمر، والنجوم والأفلاك، والأرض والسماء، والهواء والماء والأنهار والبحار، والأشجار والأطيار...الخ.
يقول القرآن هذه الآيات:
- "أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء".
- "أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج، والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج، تبصرة وذكرى لكل عبد منيب، ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد، والنخل باسقات لها طلع نضيد، رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج".
- "أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها، أو آذان يسمعون بها، فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور".
- "ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا".
وينعى القرآن الكريم نعيا شديدا على الذين يعطلون حواسهم، فلا ينتفعون بها في الإدراك والملاحظة والاعتبار، فيقول:
- "صم بكم عمي فهم لا يرجعون".
- "إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون".
- "ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس، لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام، بل هم أضل، أولئك هم الغافلون".
11- من أسس التربية في الإسلام النزعة الموضوعية في البحث، والتجرد عن الهوى، والبعد عن المؤثرات في تكوين الرأي أو تحصيل المعلومات، ولذلك يقول القرآن الكريم: "ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن"، ويقول "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين".
12- للتجربة قيمتها في هذا المنهج التربوي، لأن هذا المهج يمثل دعوة اعتقاديه تطبيقية، لا يكفي فيها التصديق القلبي، ولا التصديق اللساني، بل لا بد فيها من العمل والتطبيق والممارسة، ولذلك اقترن ذكر الإيمان بالعمل الصالح في لغة القرآن عشرات المرات، والإمام علي رضي الله عنه يقول: "العقل غريزة تربيها التجارب"، ويقول: "لكل شيء صناعة، وحسن الاختيار صناعة العقل".
ويمجد هذا المنهج حرية التفكير واستقلال الشخصية في البحث والاقتناع والاعتقاد، ويستنكر التقليد والإتباع، وهناك من مفكري الإسلام من يرى أن إيمان المقلد غير صحيح، وأقل ما يقوله مفكرو الإسلام في إيمان المقلد أنه غير كامل، ولا بد للإنسان من النظر والتفكير ما دام قادرا على ذلك. ولقد فسح القرآن نطاق الدائرة التي يجول فيها تفكير الإنسان ويصول، فقال:" كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة".
ولذلك يحمل هذا المهج على المتابع العمياء،والتقليد بلا وعي، فيقول القرآن: "وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون"، ويقول: "وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا أنا كنا لكم تبعا، فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء، قالوا لو هدانا الله لهديناكم، سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص". ويقول: "ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل".
13-وكما تتجه هذه التربية إلى تربية الفرد تتجه إلى تربية الجماعة، فالقرآن يتجه إلى الفرد ليرشده ويهديه، فيحذره عداوة الشيطان: "إن الشيطان للإنسان عدو مبين" ويحذره الغرور: "يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك" ويحذره الطغيان: "كلا أن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى، إن إلى ربك الرجعى".
ويذكره بتحمل التبعة: "وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا، ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا".
والقرآن يتجه كذلك إلى الجماعة، فيطالبها بالوحدة والتماسك: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا" وبالمسؤولية الجماعية، فيقول: "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف وينوهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون"، ويقول الرسول: "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم"، ويعلمها روح الجماعة حتى في الدعاء لله والرجاء منه: "إياك نعبد وإياك نستعين، إهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين"، ويذكرها باشتراك أفرادها في تحمل التبعات: "من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا".
وعلمها أن الخير في الجمع بين التفكير الفردي والتفكير الجماعي، فقال: "قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا"، وإذا كان قد قال: "عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم"، فقد قال أيضا: "وأمرهم شورى بينهم"، وقال: "وشاروهم في الأمر"، وقال: "وتعاونوا على البر والتقوى".
14-إذا كان تشجيع الإسلام على طلب العلم بصورة واسعة قد دفع العرب والمسلمين إلى الاغتراف من مناهل العلوم المختلفة سواء أكانت دينية أم دنيوية، أصيلة أم دخيلة، عربية أم معربة، تشتد إليها الحاجة أم تخف، فإن الإسلام قد وجه إلى الاختيار والاصطفاء، حتى يكون العلم نافعا، وحتى تكون التربية مثمرة خيرا أو دافعة  شرا، اهتداء بقول الله تعالى: "فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال"، ويقوله:" الذين يستمتعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب"، وبقوله: " ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب".
15- ويأخذ هذا المنهج التربوي بمبدأ التدرج في التعليم والتربية، ولذلك يقول الماوردي المتوفى سنة خمسين وأربعمائة: " أعلم أن للعلوم أوائل تؤدة إلى أواخرها، ومداخل تفضي إلى حقائقها، فليبتدئ طالب العلم بأوائلها، لينتهي إلى أواخرها، وبمداخلها ليفضي إلى حقائقها، ولا يطب الآخر قبل الأول، ولا الحقيقة قبل المدخل، فلا يدرك الآخر، ولا يعرف الحقيقة، لأن البناء على غير أس لا يبنى، والثمر من غير غرس لا يجنى".
ولا يزال الدارس يتدرج ويترقى حتى ينال من المعرفة ما يستطيع، وقد يعكف على أحد هذه العلوم فيمهره ويتقن ويصبح فيه إماما، ونزعة التخصص تظهر مبكرة في تاريخ التربية الإسلامية، وهذا هو عمر بن الخطاب يقول في خطبة له: "من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبى بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل".
16- عنى العرب في مجتمعهم الإسلامي بطريقة التلقي من المعلم أو الأستاذ أو الشيخ أو المربي أكثر من اهتمام بالاقتصار على الأخذ من الكتب والأوراق، فهذا "ابن جماعة" يذكر أن بعض السلف يقول: "من أعظم البلية تشييخ الصحيفة" أي جعلها شيخا، والأخذ عن الورقة، والمقصود هو الرجوع إلى الكتاب والاعتماد عليه دون معلم، ويقول الإمام الشافعي: "من تفقه من بطون الكتب ضيع الأحكام".
والسبب في ذلك أن التلميذ قد يخفى عليه معنى النص، وقد يصعب عليه فهمه وهضمه، والمعلم يستطيع بعلمه ودربته وتجربته أن ينفخ في النص من روح بيانه وإيضاحه ما يجعله لدى المتعلم مأنوسا مفهوما، وما أكثر الشكوى في عالمنا من قلة انتظام الطلاب في الحضور بين أيدي أساتذتهم، واقتصار هؤلاء الطلاب على شحن عقولهم بالمعلومات عن طريق الكتب أو المذكرات، ليصبوها بلا فهم ولا هضم على أوراق الامتحان.
17- وعنى العرب منذ عهد بعيد بتوجيه التلاميذ في التربية والتعليم حسب مواهبهم وميولهم، وسبق العرب المسلمون غيرهم إلى هذا منذ صدر الإسلام، فهذا عمر بن الخطاب يقول: "الناس بزمانهم أشبه بآبائهم"، وهذا على بن أبي طالب يقول: "لا تقسروا أولادكم على آدابكم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم".
ولقد كان السلف يكثرون من الوصية بتوجيه الناشئ في التعليم حسب تكوينه واستعداده، فلا يرغم على دراسة لا تقبلها طبيعته، ولا تستريح إليها نفسه، وكانوا يرددون قول الشاعر:
إذا لم تستطع شيئا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع)
18-قامت التربية الإسلامية على أساس  ديني، ولعل هذا هو بعض السر في أنها اتخذت المسجد لها دارا، ثم انتقلت إلى "الكتاب" الملحق بالمسجد، ثم انتقلت إلى المدرسة التي نشأت أيضا على أساس ديني، ومع اتساع مجالها، وتعدد أماكنها، ودخول كثير من العلوم  والفنون في نطاقها، ظل أغب أهلها يرون تحقيق التقوى هدفا أساسيا لها، ونحن نلاحظ أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يكثر من قوله: "أوصيكم عباد الله بتقوى الله"، في صدر خطبه، وطالما قرأنا في الخطب والوصايا والرسائل عبارة: "أوصيك بتقوى الله"، حتى جعل بعض الأئمة الأمر بالتقوى شيئا لازما في خطبة الجمعة التي تعد درسا أسبوعيا تربويا في مجتمع الإسلام.
وكان كثير من المدارس يقام في "الربط، والرباط هو الموضع الذي يتجمع فيه الصالحون والمتصوفون للعبادة، وكانوا يجعلون الرباط على الحدود، ويقومون فيه بالتعبد والتربية والمرابطة في سبيل الله، وبهذا يجمعون بين أمور ثلاثة لها وثيق ارتباط بالدين، وهي العبادة والدعوة والجهاد.
ولا ينبغي أن نفهم من هذا أن التربية في المجتمع الإسلامي كانت شديدة صارمة، تعتمد على التخويف والتحذير والتكليف بالأوامر فحسب، لأن الواقع التاريخي يحدثنا بأن عنصر الرياضة واللعب والتنشيط كان يلطف من صرامة هذه التربية، وهذا هو حجة الإسلام الغزالي كان علما من أعلام الدعوة إلى التربية الدينية القائمة على الإيمان والتقوى والعبادة والاستقامة، ومع هذا كان يدعو إلى أن يأخذ التلاميذ حظوظهم من الراحة واللعب والتسلية والبريئة.
كما يرى التاريخ أن أبا القاسم عبد الله بن محمد – أحد علماء المغرب – قال لمعيقب بن أبي الأزهر: ما حال صبيانكم في الكتاب؟
فأجابه معيقب، ولع كثير باللعب.
فقال أبو القاسم: إن لم يكونوا كذلك فعلق عليهم التمائم.
19- وإذا كان عصرنا يفخر بأنه قد وضع في مجال التفكير والتعليم مراحل يسلكها العالم في مجال البحث العلمي، ويتوصل بها إلى تحقيق المعرفة، فمن الإنصاف للحقيقة والتاريخ، بل من الإنصاف لأنفسنا وشخصيتنا العربية الإسلامية أن نقرر أن التربية الإسلامية المستمدة من القرآن الكريم، سبقت إلى وضع المنهج القويم للتفكير والبحث والمعرفة.
لقد أشار القرآن إلى مراحل هذا المنهج، وهي تبدأ بمرحلة التجرد من الميول والأهواء والمؤثرات والتقليد، يقول القرآن: "ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن"، ثم تأتي مرحلة النظر والتأمل: "قل انظروا ماذا في السموات والأرض"، " وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم أفلا تبصرون، وفي السماء رزقكم وما توعدون".
ثم تأتي مرحلة البحث والموازنة والاستقراء، حيث يدرك العقل مواطن الاتفاق بين الأشياء ومواطن الافتراق، ووحدة الشبه أو وجوه الاختلاف تمهيدا لاستخلاص النتائج والأحكام، والقرآن ينبه إلى ملاحظة الموازنة في كثير من الآيات، كقوله: "وما يستوي البحران: هذا عذب فرات سائغ شرابه، وهذا ملح أجاج، ومن كل تأكلون لحما طريا، وتستخرجون حلية تلبسونها، وترى الفلك فيه مواخر، لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون"، وقوله:" وما يستوي الأعمى والبصير، ولا الظلمات ولا النور، ولا الظل والجرور، وما يستوي  الأحياء ولا الأموات، إن الله يسمع من يشاء، وما أنت بمسمع من في القبور".
ثم تأتي مرحلة الحكم المؤيد بالدليل والبرهان: "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين"، "وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا"، "وإن الظن لا يغني من الحق شيئا".
ولسنا نأتي بهذا بدعا من عند أنفسنا، فقد سبقنا إليه أسلاف مجدوا في التربية الإسلامية دعوتها القوية إلى حرية التفكير، وحصانة البحث، ومقاومة التقليد والجمود على ما كان فيه السابقون، ففي كتاب "الوحي المحمدي" جاء ما يلي:
"كل ما جاء من الآيات في مدح العلم وفضله، واستقلال العقل والفكر وحرية الوجدان، والمطالبة بالبرهان، وذم إتباع الظن والحرص فيما يطلب فيه العلم والإيمان –يدل على ذم التقليد، وقد ورد في ذمه، والنعي على أهله، آيات كثيرة، كقوله: "وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل تنبع ما ألفينا عليه آباءنا، أو لو كان آباءهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون"، وقوله تعالى: "وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا، أولو كان آباءهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون".
فذمهم من ناحيتين: إحداهما الجمود على ما كان عليه آباؤهم، والاكتفاء به عن الترقي في العلم والعمل، وليس هذا من شأن الإنسان الحر العاقل، فإن الحياة تقتضي النمو والتوليد، والعقل يطلب المزيد والتجديد.
والثانية إنهم بإتباعهم لآبائهم قد فقدوا مزية البشر في التمييز بين الحق والباطل، والخير والشر، والحسن والقبيح، بطريق العقل والعلم، وطريق الاهتداء في العمل، ويؤيده قوله: "وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها، قل إن الله لا يأمر بالفحشاء، أتقولون على الله ما لا تعلمون؟".
وقال تعالى في عبادة العرب للملائكة: "وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم، وما لهم من علم، إن هم إلا يخرصون، أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون، بل قالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مهتدون، وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون".

الإسلام ومذاهب لتربية:
ونحن نعلم أن هناك مذاهب كثيرة للمعرفة وتحصيل العلم المؤدى إلى التربية، فهناك "المذهب التجريبي" الذي يعتز بالحواس ويعتمد عليها في الوصول إلى المعرفة، وهناك "المذهب العقلي" الذي لا يثق بالحواس وحدها، لأنها عرضة للخطأ والصواب، بل يعتمد أولا على العقل في الإدراك والفهم، وهناك "المذهب النقدي" الذي يستعين في المعرفة بالحواس والعقل معا، وهناك "المذهب الصوفي" الذي يعتمد في الإدراك على الإشراق الروحي الوجداني.... الخ.
والتربية الإسلامية المستمدة من القرآن تؤلف من هذه المذاهب مزاجا متوازنا، عناصره الحواس والعقول والقلوب والأرواح، فالقرآن كما عرفنا يدعو إلى استخدام الحواس كالسمع والبصر في النظر للتأمل: "إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا"، ويدعو إلى استخدام العقل للإدراك والتفكير: "أفلا تعقلون"، "كذلك نفصل الآيات لقوم يعملون"، "وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير"، ويدعو إلى تطهير النفس والقلب ليكون هناك إشراق روحي: "واتقوا الله ويعلمكم الله"، " إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا" أي نور يلهمكم الحق والصواب.
وإذا كانت هناك تربية مثالية فكرية خالصة، وإذا كانت هناك تربية مادية حسية خالصة، فإن الإسلام جاء بتربية مادية عقلية إلهامية إنسانية واقعية، فيها للمثالية نصيب وللمادية نصيب.

مصادر عن التربية:
والمكتبة العربية تزخر بكثير من كتب السلف التي وضعوها عن التربية، وفصلوا فيها القول عن أسسها ومذاهبها وقواعدها وموضوعاتها وطرقها، ونلحظ في أغلب هذه الكتب أنها توحي – حتى عن طريق عناوينها- بالارتباط بين التربية والدين والأخلاق، ومن هذه الكتب ما يلي:
1- فلسفة الأخلاق، لابن المقفع المتوفى سنة 143 هـ.
2- الأدب الصغير، له أيضا.
3- الأدب الكبير، له أيضا.
4- تهذيب الأخلاق، لابن عدي التكريني، المتوفى سنة 364 هـ.
5- تهذيب الأخلاق، لابن مسكويه، المتوفى سنة 431 هـ.
6- مكارم الأخلاق، لمحمد بن جعفر الخرائطي المتوفى سنة 327 هـ.
7- مكارم الأخلاق، للطبرسي، من علماء القرن السادس الهجري.
8- أدب الدنيا والدين، للماوردي المتوفى سنة 450 هـ.
9- تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، لابن جماعة.
10- إحياء علوم الدين، للغزالي المتوفى سنة 505 هـ.
11- أيها الولد، له أيضا.
12- المنقذ من الضلال، له أيضا.
13- الرسالة الدينية، له أيضا.
14- ميزان العمل، له أيضا.
15- فاتحة العلوم، له أيضا.
16- محاضرات الأدباء، للراغب الحسين بن محمد الأصفهاني.
17- تعليم المتعلم طريق التعلم، لبرهان الدين الزرنوجي، من رجال القرن السادس الهجري.
18-تهذيب الأخلاق، لابن عربي الأندلسي المتوفى سنة 638 هـ .
19-الذخائر والاعلاق في آداب النفوس والأخلاق، للباهلي الأشبيلي من علماء القرن التاسع الهجري.
20- اللؤلؤ النظيم في روح التعلم والتعليم: لأبي يحي زكريا الأنصاري، المتوفى سنة 925 هـ.
21- تحرير المقال في آداب وأحكام وفوائد يحتاج إليها مؤدبو الأطفال، لابن حجر الهيثمي المصري المتوفى سنة 994هـ.
22- جامع بيان العلم، لابن عبد البر.
23- معيد النعم ومبيد النقم، لعبد الوهاب السبكي.

(1) ذكر السيوطي في الجامع الصغير عدة روايات لهذا الحديث لم ترد فيها، لفظة "مسلم". وهذه الروايات هي: "طلب العلم فريضة على كل مسلم"، "طلب العلم فريضة على كل مسلم، وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب"، " طلب العلم فريضة على كل مسلم، وان طالب العلم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر"، " طلب العلم فريضة على كل مسلم، والله يحب إغاثة اللهفان" ج 2 ص 54

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here