islamaumaroc

من أساليب الحرب الفكرية والنفسية: التجسيد والتشويه -3-

  دعوة الحق

172 العدد

فشلت الحرب العقائدية فشلا ذريعا في اجتثاث العقيدة الإسلامية من أعماق المسلمين رغم نجاحها في حصرها وعزلها في المساجد وذلك بشهادة المبشرين أنفسهم، فلا زال الإسلام يعيش في الضمائر والوجدانات والقلوب، وينعكس على الأذهان والأفكار كمرآة ساطعة وصورة مشرقة وضاءة، وقوة حية نابضة متحفزة للطفو على السطح واستئناف مسيرتها السباقة ولذلك سلطوا أدواتهم الشيطانية على هذه المرآة في محاولة لطمسها أو تشويهها على الأقل. وأسلوب التجسيد والتشويه يعني إلصاق فكرة – تعذر تحطيمها كفكرة مجردة- باسم شخص، ثم تشويه اسم ذلك الشخص لينعكس التشويه على الفكرة. كتجسيد الإسلام في شخص الرسول، والعلماء، والمسلمين عامة، ثم محاولة تشويه سيرة الرسول صلى الله علية وسلم لينعكس ذلك على الإسلام، وتشويه سمعة بعض العلماء واتخاذ ذلك دليلا على انحراف الدين، ثم المقارنة بين حياة المسلمين حاليا وبين المسيحيين واتخاذ تأخر المسلمين دليلا على تأخر الإسلام.
وقد تعرض المرحوم مالك بن نبي في كتابه "الصراع الفكري" إلى أسلوب التجسيد الذي يهدف إلى تحطيم فكرة من خلال إلصاقها باسم، ثم تحطيم الشخص لينعكس الأثر على الفكرة، فقال: "إنه ينبغي أن تتصور الفكرة كهدف يصوب إليه الاستعمار مدفعيته فالفكرة كهدف يمكن إصابته، منفصلة أو متصلة بصاحبها...إننا نراه يصوب مدفعيته على اسم كاتب ليصيب فكرته بحيث يصبح الاسم نقطة القياس لتوجيه خط النار لمدفعيته"(1) "...والطريقة في ذاتها تتسم ببساطة ملحوظة، حيث أنها تمثل في صورتها النظرية ما يمكن أن نسميه "مرآة الكف" أي المرأة التي تعكس حالة الحرمان، أو حالة نفور إزاء الشيء الموضوع للانعكاس... وهذه القاعدة تطبق أيضا في الإطار العقلي فموضوع الانعكاسات هو هنا "فكرة" نريد أن نعطي عليا صورة معينة، ربما أن الفكرة شيء لا يرى، أي شيء لا يمكن عكسه على مرآة مادية، فيجب أن نعكسه على مرآة ذهنية،  بإضافة ما يجعله مرئيا في هذه المرآة، فمتى أجل هذا يكون من المفيد أن نعلق الفكرة باسم صاحبها..."(2) " وبعبارة أخرى، أن هذه العمليات تجري في الواقع على اسم صاحب الفكرة، ثم يعلق أثرها النفسي بالفكرة بالتبعية، أي أن الانعكاسات التي تسلطها "مرآة الكف" على الاسم تنعكس في النهاية على الفكرة"(3).
ولقد أشار المرحوم عباس محمود العقاد إلى محاولة تحطيم الإسلام عن طريق محاولة تشويه الرسول فقال: "....فلما هالهم هذا النفوذ الفكري –للإسلام- وأزعجهم شيوعه في معاقل الفكر ومعابد العبادة، أقبلوا على تأليف الكتب التي اجتهدوا غاية الاجتهاد أن يصبغوها بالصبغة العلمية ليضمنوا رواجها بين طلاب المعرفة وإقناعها لمن يطلبون الدليل، ولا يقبلون أن يخدعوا عقولهم بأباطيل الدعاية والتضليل، وجعلوا همهم كله تشويه الحكمة الإسلامية بتشويه مصدرها الأول، وتمثيل صاحب الدعوة الإسلامية في صورة بعيدة عن التقديس والاحترام، ولا حاجة بهم بعد ذلك إلى البحث في دقائق الحكمة وأسرار الفلسفة لتنفير الأفكار من النبي ورسالته لأن تمثيل إنسان مقدس في الصورة التي تنزع القداسة عنه أيسر جدا من عناء الدراسة في نقض العقائد وادحاض الأفكار(4)" ونتابع الأسلوب في تطوره من محاولة إزالة القداسة(5)  إلى محاولة التشويه، فبعد أن أشار رحمه الله إلى إحدى وسائل تشويه الرسول صلى الله عليه وسلم وهي استغلال زواجه بزينب بنت جحش قالا: "تلك قصة أرسلوها في غياهب القرون الوسطى لينظر الناس في ظلمتها إلى وصمة إنسانية يعاف من أجلها خلق الإنسان ويعاف الدين الذي يدعو إليه من أجله(6)" ومن المطاعن التي توجهها الحرب الفكرية والعقائدية لشخص الرسول صلى الله عليه وسلم، كونه بشرا، وكون الله هداه بعد ضلال، وكونه لا يعلم الغيب.
ومحاولة التجسيد وهدم الإسلام عن طريق مهاجمة الرسول صلى الله عليه وسلم ليست فكرة جديدة، فقد لجأت إليها قريش في بداية الدعوة الإسلامية، وفي هذا المعنى يقول "محمد هيكل" بعد أن أشار إلى فشل قريش في إيقاف مد الإسلام في مكة وخارجها: "...أفآن لقريش أن تلقي سلاحها وأن تصدق الأمين الذي عرفته منذ طفولته وكل صباه وشبابه أمينا؟ أما أنها لجأت  إلى سلاح غير ما قدمنا من أسلحة النضال، وخيل إليها أنها مستطيعة به أن تكتسب الموقعة...كلا لم يئن لقريش أن تذعن وأن تسلم، وهي الآن أشد ما تكون خوفا من انتشار دعوة محمد بين قبائل العرب بعد أن انتشرت بمكة وقد بقى لها سلاح لجأت إليه منذ الساعة الأولى ولا يزال لها في قوته وفي مضائه مطمع، وذلك سلاح الدعاية: الدعاية بكل ما تنطوي عليه من مجادلة وحجج ومهاترة وترويج إشاعات وتوهين لحجة الخصم...الدعاية على العقيدة، وعلى صاحب العقيدة واتهامه فيها واتهامها لذاتها(7)" ثم بين الطريقة التي اتبعتها قريش في سبيل محاربة الإسلام عن طريق مهاجمة شخص الرسول – لا الرسالة – ومحاولة تنفير العرب من رسالته: "لما فكر –أي الرسول- في مباداة الحاج من مختلف قبائل العرب بالدعوة إلى الله اجتمع نفر من قريش إلى الوليد بن مغيرة يتشاورون: ماذا عسى أن يقولوا في شأن محمد للعرب القادمين إلى موسم الحج.. واقترح بعضهم أن يقولوا: أن محمد كاهن، فرد الوليد هذا الرأي، أن ليس ما يقول محمد بزمزمة الكاهن، ولا بسجعه، واقترح آخرون أن يزعموا أن محمد مجنون، فرد الوليد هذا الرأي بأنه لا تبدو عليه لهذا الزعم ظاهرة، واقترح غيرهم أن يتهموا محمدا بالسحر، فرد الوليد أن محمدا لا ينفث في العقد، ولا يأتي من عمل السحر شيئا، وبعد حوار اقترح الوليد عليهم أن يقولوا للحاج من العرب: أن هذا الرجل ساحر البيان، وأن ما يقوله يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته(8)" نرى في إيراد هذه القصة أن فكرة التجسيد فكرة قديمة وأنها تطبق الآن بطرق عصرية مناسبة.
وننتقل الآن إلى تجسيد الإسلام في شخص العلماء، في مجلة الفكر الإسلامي مقال بعنوان: "شهود يهوه" تحدث فيه الكاتب الأستاذ محمد علي الزعبي عن نشاط هذه الجمعية الصهيونية وتعرض لكتاب نشرته بعنوان "الحق الذي يقود إلى الأبدية"
فقال: "ولذا حام هذا الكتاب حول مطلق دين سوى الدين اليهودي، حومات لبقة...فوضع إشارات استفهام حول أديان البشر واتخذ من انحراف بعض رجال الدين دليلا على عدم صحة جوهر ذلك الدين نفسه(9)، ومحاولة تشويه رجال الدين لينعكس ذلك على رسالتهم من أهم أركان الحرب الفكرية والعقائدية، فقد جاء في البروتوكول التاسع عشر: "وقد عنينا عناية عظيمة بالحط من كرامة رجال الدين من الأميين في أعين الناس، وبذلك نجحنا في الإضرار برسالتهم التي يمكن أن تكون عقبة كنودا في طريقنا وأن نفوذ رجال الدين على الناس ليتضاءل بوما فيوما(10) وجاء في كتاب تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة لعبد الله عنان:"...فرجال الدين مثلا، وهم أقوى الطوائف تأثيرا في الرأي العام لا يمكن هدمهم إلا بالسخرية من الدين والتشهير بأقطابه، وتصويرهم أوغادا منافقين...ومن الواجب أن تقوم النشرات القاذفة في كل وقت بحملات جديدة على رجال الدين، فتبالغ في تصوير ترائهم ونعيمهم، وتنسب إليهم كل الرذائل والمفاسد(11)".
ويأتي صاحب كتاب "من هنا نبدأ" فيطبق فكرة التسجيد بمهاجمة علماء الأزهر لينعكس ذلك على رسالتهم فيقول: "رأينا الكهانة المصرية" علماء الأزهر" تختط مذهبا عجيبا، إذ راحت تمطر الناس بخرافتها، وسال جشاؤها حاملا مبادئها الحزينة المدبرة، داعية الناس إلى القناعة المقدسة،بيد أن الكهنة أنفسهم ألد أعداء القناعة،  وأسبق العالمين إلى اقتناص المغانم، والبحث عن المال والجاه"(12) وفي هذا المعنى يقول أحد السادة المنفذين لمخطط الحرب الفكرية والعقائدية: هل نترك خطباء المساجد ينفثون سموم خيالهم المريض وتفكيرهم السقيم ورؤوسهم المظلة، وينقلون خطبهم من أوراق صفراء انقضى زمنها، وتغيرت ظروفها، فيكون لكلامهم أثر هدام(13)" وعلى نفس الوتر ضربت نشرة شيوعية وزعت بالمغرب: "أيها الرفاق- إن الرجعية الإسلامية العلمية بدأت ترفع رأسها، وتستخدم أسلوبها الذي أكل عليه الدهر وشرب في محاربة الشيوعية الحرة، وتنويم الشعب الذي رفض الاستغلال الإسلامي، وها هي الرجعية قد جندت مبشريها الجدد لتروج خرافاتها وعقائدها البالية التي لم تعد تصلح لهذا العصر، إن هؤلاء المشعوذين تجندوا لنشر الإسلام (أفيون المغرب) الذي ترك هذا المغرب مستعمرا من طرف الغزاة المسلمين الرجعيين، وأخذوا يستغلون المنابر والمساجد للتشهير بأفكار التحرر والاشتراكية ومحاربة المد الشيوعي المظفر في مغربنا الماركسي، وأننا لن نتهاون في محاربة وهدم صوامعهم، وإحراق مساجدهم وزواياهم، وأن اللجنة المركزية للماركسيين تخبر كافة المناضلين بأنها قررت تنفيذ الإعدام في كل من تسول له نفسه أن يدعو إلى الإسلام " أفيون المغرب" ويعرقل مسيرة الشيوعية الظافرة في المغرب الماركسي اللينيني – الإمضاء- اللجنة الموحدة للماركسيين الثوريين بالمغرب"(14) ومكان الاستشهاد هنا هو قولهم: "...الرجعية الإسلامية العملية،،ونشر الإسلام الذي ترك المغرب مستعمرا من طرف الغزاة المسلمين" والتهمة الأولى مشهورة، وهي قذفة لا يفتأ الشيوعيون يرددونها ويكررونها تنفيذا للمخطط الصهيوني الذي رأيناه فيما سبق يوصي بالحط من كرامة رجال الدين وقذفهم بما يشوه سمعتهم لينعكس ذلك على رسالتهم، أما الثانية –الغزاة المسلمين- فتندرج تحت "تجسيد الفتوح" حيث يشوه سيرة الخلفاء والفاتحين لينعكس ذلك على الإسلام اقتداء بصاحب كتاب "الخليفة عمر المستعمر العربي" الذي حاول تشويه سمعة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مستهدفا إيقاف مد الإسلام من خلال ذلك(15) والشيوعيون هنا يضربون على نفس الوتر عند ما يرددون نغمة المستعمرين الغزاة.
ويبقى أخيرا محاولة تجسيد الإسلام في حياة المسلمين، ثم اتخاذ ذلك دليلا على تأخر الإسلام ويجب أن نعترف أن هذه التهمة أمضى سلاح تلجأ إليه الحرب العقائدية في سبيل تحطيم الإسلام، ومحاولة إظهار تأخره، لا في نظر الأجانب فحسب بل في نظر معتنقيه ليتحللوا منه أو على الأقل من شريعته ومذهبه الاقتصادي والاجتماعي، وهم في محاولة تضخيم صورة التأخر يقولون: انظروا إلى الأمم المسيحية وانظروا إلى المسلمين، لماذا هؤلاء متحضرون ويحيون حياة راقية، ولماذا ترى المسلمين عكس ذلك؟ الجواب بسيط، أن العلة في الدين الإسلامي الذي هو دين الجمود والبداوة وهذه التهمة تردد على نطاق واسع خاصة بين الطبقات المتخلفة، وهي ليست بنت اليوم فقد ولدت مع بداية الهجوم العقائدي على العالم الإسلامي، يقول القسيس "زويمر" "...أن المحاضرات التي يلقيها القسس المبشرون على الحاضرين المسلمين أثناء تمثيل حوادث التوراة بالفانوس السحري والخرائط الإحصائية عن ارتقاء ممالك النصرانية وانحطاط ممالك الإسلام كل ذلك يتم بوسائل التعليم البروتستاني(16)" وفي نفس المعنى يقول القسيس هاريك: "...يرى بعضهم أن الموازنة بين حياة وأخلاق النصرانية وحياة وأخلاق الأمم الإسلامية تنتج دائما رجحان النصرانية على الإسلام"(17). والملاحظ أن الاستعمار وهو يحاول استغلال المقارنة بين المسلمين وغيرهم، كان يتعمد خلق الظروف التي تتيح إبقاء المسلمين على جهلهم وتأخرهم، وتاريخه في إفريقيا السوداء وآسيا خير دليل, فإنه كلما دخل قطرا متعدد الأديان إلا وسلط عذابه على المسلمين دون غيرهم، فيصادر ثرواتهم ويبعدهم عن التعليم والإدارة والحكم، وبالمقابل يرفع من شأن المسيحيين واليهود ويسلمهم مقاليد الأمور، نعم إن هذه حالة جزئية، لا تحل مشكلة التخلف العام بالنسبة لكل العالم الإسلامي، والفكرة التي تطرحها الحرب الفكرية – وهي أن تأخر المسلمين يرجع الإسلام- لا زالت تلقي القبول في بعض الأوساط، وأعتقد أن على حركة البعث الإسلامي أن تعبر هذه التهمة قدرا غير يسير من جهودها، لأن البناء لا يتم إلا على أساس سليم، واعتقد أن الجهود العاجلة يجب أن تتجه إلى إبراز وإيضاح أن تخلف المسلمين لا علاقة له بالإسلام، وإنما هو ناتج أساسا عن الابتعاد عن الدين وإهمال مبادئه وأنظمة تشريعاته. أما الجهود الأساسية –ذات المردود الآجل- فتتجه إلى العمل على الرفع من مستوى الحياة في المجتمع الإسلامي، والدفع بالمسلمين في مدارج الرقي والتقدم، وبغير هذا لا يمكن أبدا لتهمة تأخر الإسلام أن تزول من الأذهان، مهما دمنا نقول ونكرر أن العلة فينا لا في الدين(18) ...وإلى اللقاء في الحلقة القادمة مع أسلوب "الحصر والعزل وكف الفعالية".

(1) - الصراع الفكري ص 83 الطبعة الثانية.
(2) - نفسه ص .87
(3) - نفسه ص 88.
(4) - ما يقال عن الإسلام، الطبعة الثانية ص 206.
(5) - يطلب منا صاحب كتاب " في سبيل البعث" أن ننزع القداسة عن الرسول؟ فيقول:" حتى الآن كان ينظر إلى حياة الرسول من الخارج، كصورة رائعة، وجدت لنعجب بها ونقدسها، فعلينا أن نبدأ بالنظر إليها من الداخل، لنحياها، كل عربي في الوقت الحاضر يستطيع أن يحيا حياة الرسول العربي..." في سبيل البعث الطبعة الأولى ص 53.
(6) - ما يقال 209.
(7) - في إيراد مثل هذه التهم الزائفة وهي كثيرة، ثم الرد عليها أنظر "القرآن والمبشرون" الطبعة الأولى ص 257 وما بعدها.
(8) - حياة محمد لهيكل، الطبعة الثالثة عشر ص 170
(9) - مجلة الفكر الإسلامي اللبنانية عدد 3 سنة 2 ص 67.
(10) - البروتوكولات ترجمة محمد خليفة التونسي ص 204.
(11) - نقلا عن الأفعى اليهودية في معاقل الإسلام ص 16.
(12) - من هنا نبدأ ص 24.
(13) - الاستعمار أحقاد وأطماع ص 429.
(14) - دعوة الحق دجنبر 73 ص 40.
(15) - أنظر ما يقال عن الإسلام ص 71.
(16) - الغارة ص 97
(17) - نفسه 69
(18) - أنظر الكتاب الهام جدا "حتى يغيروا ما بأنفسهم" للأستاذ جودت سعيد

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here