islamaumaroc

قراءة في الجزء الخامس من "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد"

  دعوة الحق

172 العدد

صدر عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الجزء الخامس من كتاب ((التمهيد، لما في الموطأ من المعاني والأسانيد)) تأليف الحافظ ابن عبد البر، بتحقيق الأستاذ سعيد أحمد أعراب.
وكتاب "التمهيد" هو موسوعة حديثية فقهية قل أن نجد لها نظيرا بين سائر ما ألف في الموضوع منذ أن صنف الإمام مالك رحمه الله كتابه "الموطأ" إلى يومنا هذا.
وكانت هذه الموسوعة قابعة على رفوف الخزائن ما شاء الله لها أن تحتجب عن عيون الناس، ولم تحظ بلفت أنظار الباحثين والناشرين رغم سعة الحركة التنقيبية عن نفائس التراث لندرة وجودها ووعورة سبيلها، إذ لم تجد الأيام منها حسب ما عرف حتى الآن سوى بأجزاء متفرقة متناثرة، كحبات الجمان التي تنتظر كواشف النور كي ينتظم عقدها ويشع ضياؤها.
وتظهر لنا نذرة الكتاب وقلة وجود أجزائه أنه لم يهتد الباحثون عنه رغم التتبع والاستقصاء إلا إلى أجزاء منه متفرقة تنتمي إلى نسخ مختلفة وأصول متباينة، مما جعل الأستاذ المحقق يعتمد طريقة التلفيق في تحقيقه لهذا الجزء، ومعلوما أنها الطريقة العلمية حيث تنعدم النسخة الأم فيلجأ المحقق إلى محاولة استخلاص النص وإثبات ما يظهر له أنه الأصوب أو الصواب، مجتهدا حسب الوسع في تلك الفروق  والاختلافات وما إلى ذلك من تقديم وتأخير وزيادة ونقصان.
والنسخ التي توفرت لتحقيق هذا الجزء أربع:
1- نسخة المكتبة القادرية ببغداد، وقد وصفها الأستاذ المحقق في مقدمة الجزء الرابع من هذه الموسوعة بقوله: (نسخة مصورة، منقولة عن نسخة خطية مودعة بالمكتبة القادرية ببغداد، كتبت بخط مشرقي واضح، في أواسط القرن الثامن الهجري، لكن كاتبها كان قليل الحظ من المعرفة، حرف كثير من الجمل والعبارات، وبها تقص في مواضع يصل أحيانا إلى عدة صفحات، وانفردت هي الأخرى بزيادات جد مهمة ورمز لها بحرف الباء.
2- نسخة الخزانة الملكية بالرباط، وصفها الأستاذ المحقق بقوله: (نسخة مصورة) منقولة عن نسخة خطية محفوظة بالخزانة الملكية تحت رقم 4186 وهي غير مرتبة، أكثر حروفها غفل من النقط، بها بتر في مواضع، وقد أصابتها الرطوبة فانمحت بعض سطورها وكلماتها، وهي مع ذلك قد أفادتني كثيرا، وانفردت بزيادات لا توجد بغيرها من النسخ). ورمز لها بحرف الميم.
3- نسخة الجلاوى: وقد وصفها الأستاذ المحقق في مقدمة الجزء الخامس بقوله: وهي صورة منقولة عن نسخة خطية للجلاوي، مودعة بالخزانة العامة بالرباط رقم ج 13، وهي مبتورة الأول والآخر، تبتدئ بأوائل حديث خامس وثلاثين لزيد بن أسلم، وتنتهي بحديث سادس لابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله، ورمز لها بحرف الجيم.
4- نسخة دار الكتب المصرية، وصفها الأستاذ المحقق بقوله: وهي صورة منقولة عن نسخة خطية، محفوظة بدار الكتب المصرية رقم 315، والنسخة بها زيادات مهمة، لكنها لم تسلم هي الأخرى من داء التصحيف والتحريف، والنقض أحيانا)، ورمز لها بحرف الدال.
ويلاحظ في هذا الجزء اختفاء نسخة اسطنبول التي يقول عنها الأستاذ المحقق في مقدمة الجزء الرابع أنها أصح النسخ، والتي استفاد منها في ذلك الجزء بالإضافة إلى نسخة المكتبة القادرية ببغداد والخزانة الملكية بالرباط، وذلك لما فيها من بتر يبتدئ في الصفحة الثامنة والستين من الجزء الرابع من هذا المطبوع، ويقدره الأستاذ بنحو جزأين من تجزئة المطبوع، ولعلها ستعود إلى الظهور في الجزء السادس إن شاء الله.
والأستاذ المحقق معروف ببحثه العلمي ونشاطه الدؤوب وخاصة في مجال تحقيق التراث، وكان في تحقيقه مثالا للأمانة العلمية والبحث النزيه مما تتطلبه طريق التلفيق بين النسخ وكثرة ما بينها من اختلاف واضطراب، حيث أشار إلى أنه لم يعتبر من الزيادات إلا ما انفردت به إحدى النسخ مما توثق عنده أنه من نص الكتاب، وجعل ذلك بين قوسين، ثم يبين في الحاشية النسخة صاحبة الزيادة. أما العبارات التي اختلفت فيها النسخ أو كانت الزيادة يرفضها النص فاكتفى بإثباتها في الفروق دون صلب الكتاب.
وبالإضافة إلى حاشية الفروق فقد خصص المحقق حاشية ثانية لتخريج الأحاديث وإرجاع كل نص إلى أصوله ما أمكنه ذلك، مع الترجمة لبعض الأعلام الذين رأى الحاجة ملحة إلى التعريف بهم مكتفيا في الأكثر بالإحالة إلى مصادر الترجمة.
ولم يفقه إيضاح بعض الكلمات أو العبارات التي يكتنفها شيء من الغموض.
ولا بد لي من أن أنوه بالمجهود العلمي القيم الذي بذله المحقق في إعداد فهارش الكتاب، إذ ذيله بثلاثة عشر فهرسا على هذا النسق:
1- (فهرس الموضوعات)، حسب ترتيب المؤلف على طريقته المعروفة في كتابه هذا، إذ أنه رتب أحاديث الموطأ قبل شرحها ترتيبا لم يسبق إليه، وذلك على أبجدية شيوخ المؤلف، أي حسب ترتيب حروف الأسماء لشيوخ الإمام مالك رحمه الله في موطئه. وهذا الترتيب لأحاديث الموطأ بهذا الشكل يذكرنا بترتيب الحافظ الطبراني رحمه الله لمعجميه الصغير والأوسط.
وقد ذكر في هذا الفهرس مع كل حديث أهم المسائل التي وردت في الشرح من روايات وآراء وتفسيرات ومناقشات.
2- (فهرس الآيات) القرآنية الكريمة الواردة في الكتاب، حسب حروف المعجم.
3- (فهرس الأحاديث) النبوية.
4- (فهرس الآثار) المروية عن الصحابة والتابعين.
5- (فهرس مصطلح الحديث)، وقد تتبع فيه الأستاذ المحقق كما قاله الحافظ ابن عبد البر في هذا الجزء من الحكم على حديث أو إسناد من حيث الصحة أو  الحسن أو الضعف، والاتصال أو الإرسال، والرفع أو الوقف، وما اخطأ فيه بعض الرواة وما يصلح للاحتجاج أو لا يصلح وما إلى ذلك من الأحكام على الحديث أو السند مما يدخل في دائرة تطبيق قواعد  "المصطلح".
وفي جملة أحكام بن عبد البر على حديث بعينه تمر إشارات خاطفة لبعض قواعد المصطلح مما يجدر أن توجه له عناية خاصة للتعرف على آراء هذا الإمام الحافظ في علم مصطلح الحديث، ومن تلك الإشارات قوله:
- الذين وصلوه حفاظ مقبولة زيادتهم. ص 19.
- الحديث إذا رواه ثقة عن ثقة حتى يتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم حجة يعمل بها، إلا أن ينسخه غيره. ص 42.
- رواية أسلم عن مولاه محمولة عند أهل العلم على الاتصال. ص183.
- حديث زيد بن أسلم مرسل، وليس معا يعارض حديث ابن شهاب. ص 205.
- رواه ابن عينية مرسلا، فسقط الاحتجاج به. ص225.
- حديث منكر، لا يجوز أن يحتج عند أهل العلم بمثله، ص 226.
- حديثان ثابتان من جهة الإسناد، ولا حجة فيهما لأنهما محتملان للتأويل، ص 229.
- حديث يعقوب بن شيبة منكر لأنه انفرد فيه بهذا الإسناد ص 290.
6- (فهرس الجرح و التعديل) وهو إما حكم به ابن عبد البر على أي راو من رواة الحفظ وما إلى ذلك من الأحكام الدقيقة التي كان أئمة النقد يصفون بها الرواة بكل صراحة ونزاهة، صونا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتسرب ما ليس منه.
7- (فهرس الكلمات المشروحة).
8- (فهرس الأبيات الشعرية)، وقد ذكر فيه صدر البيت الذي أورده المؤلف – والأبيات أو الشطر- والقافية وعدد الأبيات والقائل.
9- (فهرس الأعلام) وهو في غاية الأهمية للباحثين وخاصة بالنسبة للموسوعات من مصادر التراث، وبما أن كتاب التمهيد لابن عبد البر من أكبر الموسوعات الحديثة الفقهية فقد بات من الضروري فهرسة أعلامه، وإلا لأصبح البحث فيه عن أراء الأئمة والعلماء أمرا عسيرا غر ميسور إلا لمن غاص في بحره ومسر أغواره.
وقد اتبع فيه الأستاذ المحقق طريقا أبجدية في الترتيب حسب الحروف الهجائية ليست طريقة أسلافنا من العلماء، إذ لم يسقط كلمة "بن" و "أبو" و "ابن أبي" و "ابن أخي ابن" وكانت عادة علمائنا الأقدمين إسقاطها في ملحظ الترتيب.
ومما يلاحظ أن الأستاذ ذكر الأسماء في الفهرس على حالها في صلب الكتاب دون أن يجمع الاسم الواحد في موضع واحد من الفهرس، فذكر عبد الله بن عباس من حرف الألف والثاني في عبد الله بن عباس من حرف العين، وذكر سعيد بن المسيب رحمه الله في موضعين الأول في ابن المسيب من حرف الألف والثاني في سعيد بن المسيب من حرف السين، وذكر عبد الله بن مسعود مفرقا على ثلاثة مواضع: في ابن مسعود وفي عبد الله مطلقا في أول العبادلة ثم في عبد الله بن مسعود وذكر محمد بن وضاح في موضعين: في ابن وضاح زفي محمد بن وضاح، وهكذا وعلى ذكر اسم عبد الله مطلقا غير منسوب فقد ذكر الأستاذ أنه في ثلاث صفحات: 7،33،96.
وهو في الصفحة 7 شيخ من شيوخ ابن عبد البر حيث قال: وأخبرنا عبد الله حدثنا عبد الحميد،،، بينما هو في الصفحة 33 عبد الله بن مسعود الصحابي، أما في الصفحة 96 فغير موجود فيها من اسمه عبد الله لكن يوجد في الصفحة 196 ذكر لعبد الله وهو ابن مسعود كذلك.
10- (فهرس الشعوب والقبائل والطوائف والفرق)، مرتبة على حروف المعجم.
11-  (فهرس البلدان والأماكن).
12- (فهرس مصادر المؤلف)، وهو ثبت بأسماء الكتب التي ذكرها ابن عبد البر ونقل عنها، ومنها يتبين مدى سعة اطلاعه والكتب التي كانت متوفرة لديه.
13- (فهرس مراجع التحقيق)، وهو ثبت بأسماء الكتب التي رجع إليها الأستاذ المحقق في تعليقه على هذا الجزء، وهي مجموعة مهمة من عيون مصادر التراث الإسلامي تبين مدى الجهد المبذول في التحقيق والتعليق، وتشتمل على نفائس من كتب التفسير والحديث ومصطلحه وطبقات رجاله والأصول والفقه والتراجم والنحو ودواوين الشعر ومعاجم اللغة.
والحقيقة هي أن كتاب "التمهيد" موسوعة قيمة ومصدر أساسي، وهو جدير بكل عناية وجهد. وأن هذه الفهارس الثلاثة عشر لهي بحق مفتاح الغوص على درر وغرر هذا السفر العظيم.
وهذه الفهارس القيمة وزيدها نفعا وإفادة أن يضاف إليها مزيد من الفهارس الموضوعية فيزداد التيسير على الباحث المستفيد ويعظم الانتفاع، ومن ذلك فإنني أرى أن يضاف إلى ما سبق فهرسان:
1- فهرس أبجدي لرؤوس المسائل الفقهية.
2- فهرس لآراء ابن عبد البر واختياراته واجتهاداته.
وعلى كل حال فإن هذا الجزء قد صدر في حلة ؟؟؟؟؟ وإخراج أنيق عن "وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية" وفقا للتعليمات السامية لأمير المؤمنين الحسن الثاني وفقه الله نصره، والله سبحانه أسأل أن يوفق العاملين على إخراج وإتمام هذه الموسوعة العلمية النفيسة وغيرها من الجواهر الغالية، وهو ولي التوفيق.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here