islamaumaroc

دور العرب في المستقبل

  محمد الغربي

22 العدد

في هذا الوقت التي تتقرر فيه مصائر الشعوب، فتكثر التكتلات والاتحادات، ويقف الاستعمار متأهبا لخوض معركته الأخيرة، وفي هذا الوقت الذي تبرز التجمعات الاقتصادية وتتحالف المناطق النقدية الرأسمالية لحصار الدول الصغرى وإرغامها على الاستسلام والخضوع، في هذا الوقت الذي تبرز التجمعات الاقتصادية وتتحالف المناطق النقدية الرأسمالية لحصار الدول الصغرى وإرغامها على الاستسلام والخضوع، في هذا الوقت وفي هذا الوقت بالذات يجدر بنا كشعب تحدق به الأخطار وتتجاذبه التيارات وتحاك حوله الدسائس، وكشعب مارس استقلاله حديثا أن نعرف حدود المكان بالنسبة إلينا، وهذا المكان أو مجالنا الحيوي على وجه الأرض ليس هو حدودنا الدولية، بل أنه يوجد خارج تلك الحدود أنه يمتد إلى المكان الذي يأتينا منه مختلف التيارات التي تؤثر فينا وأنه المكان الذي نتفق مع أهله في الكفاح من أجل مستقبل أفضل.

إذا نظرنا إلى خارطة العالم وإذا رجعنا إلى أنفسنا وعواطفنا والى التاريخ نجد أننا مرتبطون بوشائج متينة مع غيرنا:
1) نحن من هذا المغرب العربي الكبير.
2) ونحن أفارقة.
3) ونحن عرب.
4) ونحن مسلمون.
لقد جمعنا التاريخ والحضارة والمظاهر الجغرافية وجمعتنا الآلام والآمال والمصير مع إخواننا في الجزائر وتونس، ووضعتنا الأقدار في باب إفريقيا الشمالي، وحددت لنا دورنا في هذا الصراع الذي ينشب اليوم بين مائتي مليون إفريقي وخمسة ملايين اروبي، أخضعتنا لنتائج ومعطيات هذا الصراع الذي يدور حول مستقبلنا كإفريقيين، ويجتذبنا ويؤثر في حياتنا هذا الوطن العربي الذي ننتسب إليه وتجمعنا وإياه روابط جغرافية وتاريخية وفكرية، ونسير وإياه في خطى واحدة نحو مستقبل مشترك.
وعندما نسرح بأعيننا في قارات العالم ونجتمع مع ثلاثمائة مليون مسلم في كل من الباكستان واندونيسيا والشرق الأوسط وخمسين مليونا في كل من الصين وروسيا وعشرات الملايين غيرهم في أمكنة أخرى من العالم، نجد رابطة الدين وموقفنا جميعا من تيارات الإلحاد والمادية وصراعنا المشترك ضد الاستعمار تخلق منا قوة لا حدود لامكانيانها وعناصرها
ولا يختلف اثنان اليوم في أننا عرب، وفي أن قوتنا تكمن في أحكام صلاتنا بعرب المشرق، فلم يعد للشعوبية أو الإقليمية مكان في العالم الحديث الذي تتحلق دولة حول اتحادات وتكتلات طلبا للقوة وسعيا وراء الاكتفاء الذاتي، ولكن الشيء الذي لا يزال موضع شك عند بعض شبابنا هو الفائدة العاجلة المباشرة الكامنة وراء اتحادنا مع الأقطار العربية الأخرى، ولا يستغرب ذلك في زمن السرعة الذي تعيش فيه، ولا في شباب شعبنا الذي أصبح الآن فقط – بعد أن ناضل في سبيل الاستقلال السياسي – متفرغا للتفكير فيما يوجد وراء حدوده الدولية
لقد مر أخوننا في سوريا ولبنان ومصر في نفس الطريق عقب حصولهم على الاستقلال، فسوريا التي هي اليوم بحق قلب العروبة النابض ظلت حتى سنة 1948 لا تفكر إلا في الاتحاد على شاكلة سوريا الكبرى أو الهلال الخصيب، وقد كان الحزب (القومي السوري ) آنذاك أقوى حزب نضالي، وكانت الفكرة التي يعتنقها أن السوريين ليسوا عربا، ثم لم يلبث الشعب أن أدرك أن جذوره لا توجد تحت أرضه فقط، وأن مصيره لا يمكن أن يقرر في دمشق أو بيروت كما لا يسمح له أن يقرر في لندن أو باريس أو واشنطون. وعليه فقد اجتازت الفكرة ظروفا صعبة قبل أن تتشبث وتتدعم في سوريا، وقبل أن تنتقل بعد ذلك إلى العراق والأردن ومصر والخليج العربي والمغرب العربي .
وليس الآن مجال للتحدث في بحوث نظرية تتناول القومية العربية ومقوماتها بل أن الموضوع الذي أحب أن أعالجه هو تلمس أسباب القوة التي تتوافر غليها هذه المجموعة الغربية وكيف يمكن تفجيرها وتحويلها إلى طاقات تفيد منها المجموعة كلها.
وقبل أن نحلل عناصر تلك القوة يجدر بنا أن نتساءل: هل يستطيع العرب أن يتغلبوا على مظاهر التخلف عندهم ويستفيدوا من إمكانياتهم ويصبحوا مجتمعين في مصاف دول العالم العظمى؟ ليست الثقة بالنفس وحدها هي التي يجب أن تدعونا للجواب على ذلك بـ: نعم .
إن الله قد وزع العقول على الناس بقدر متساو لا فرق في ذلك بين أسود وأبيض أو بين عربي واروبي، وعدم التساوي الظاهر بين عقليات الأفراد والشعوب مرده إلى التدريب الفكري فقط فالفكر مثل السيف إذا ترك في غمده صدا ولم يعد قاطعا، وكذلك عضو الإنسان إذا ترك في قالب (الجبص) مدة ضمر وجف واحتاج إلى التربيض والممارسة ليعود إلى حالته الأولى ويدعى لأمارك بان البطة كانت عبارة عن طائر مائي كان له جناحان قويان وأصابع طويلة ولم يلبث أن تغير المناخ عليها وزادت الأمطار وانتشرت المستنقعات المليئة بالأوحال والاثربة، فبدأت البطة تتكيف مع الوضع الجديد فتوسع ما بين أصابعها حتى ظهرت الوشائج اللحمية التي نراها في أرجل البط، ويعتقد آخرون بأن الدجاج كان طائرا عاديا قبل أن يدجن منذ بضعة آلاف سنة ونضمر أجنحته ويصبح غير قادر على الطيران.
والشعوب مثل ذلك لا يوجد تفاوت ورائي طبيعي فيها، والتفاوت الذي نشاهده ظاهري جديد خلقه التدريب والتربية ومزاولة العمليات الفكرية منذ الصغر.
وقد كان الصينيون القدماء أصحاب صناعات واختراعات في حين كانت توجد قبائل متوحشة في أروبا، وكان اليونانيون في مضمار الفكر والايطاليون في مضمار القوة السياسية والعسكرية والتنظيم يأتون في طليعة الشعوب المتحضرة يوم كان الرعاة هم سكان أروبا، وكذلك الشأن عند العرب فقد أهتم الفنيقيون منهم بالملاحة والجغرافيا والفلك والبابليون بالطب والمصريون بالعمارة وتنظيم الري، وكان العرب أسيادا في الشرق الأدنى والأوسط يلعبون دور الحكم والموجه، ثم صار أمرهم إلى الانحطاط منذ القرن الثالث قبل الميلاد فنشأ عن ذلك الصراع المرير بين العرب والرومان وتحولت المنطقة ميدانا للفوضى الضاربة.
وعندما عاد العرب إلى قوتهم ووحدتهم في القرن السابع والثامن ظهروا كأقوى إمبراطورية في العالم تبسط حكمها على جنوب اروبا ونصف كل من إفريقيا وآسيا، تفتحت عبقريتهم في الطب والفلسفة والفلك والآداب والجغرافيا، ولم يشهد العالم الوسيط تركيزا علميا كما شهدته (دار الحكمة) التي أسسها المأمون في بغداد، ونأتي بمثال بسيط على العبقرية العربية آنذاك هو توصل علماء العرب إلى قياس محيط الأرض ورسم خطوط العرض والطول بحيث لم تختلف تلك المقاييس إلا قليل عما وصل إليه العلم الحديث اليوم.
فما دهى العرب حتى تخلفوا عن الركب الحضاري وأعطوا الزمام للشعوب الأوروبية؟ هل السبب في ذلك هو أنهم لا يتلاءمون مع العصر الحالي المستنير أو أن إمكانياتهم محدودة بالنسبة لدول أروبا؟.
لقد رأينا في فقرات سابقة أن العقول موزعة بالقسطاط بين الناس وسنرى في الفقرات التالية أن إمكانيات العرب لا تقل عن إمكانيات غيرهم في المجال الاقتصادي والبشري عامة فالسبب إذا في التخلف الظاهر عن الركب الحضاري الحديث راجع لعوامل أساسية هي:
أولا  الاختلاط: فلقد كان امتزاج العرب بغيرهم من الشعوب التي دخلت في الإسلام منشطا للحضارة العربية وباعثا لها كما كان من جهة أخرى سببا في اختفاء الخصائص العربية العشيرية والعصيبة التي هي عصب القوة والمنافحة كما يقول ابن خلدون، وشيوع التفسخ والتبذل اللذين طوحا بالدولة العربية في المشرق والأندلس، وانصراف العرب إلى اللهو والعبث عن النضال والحياة الفكرية العلمية، بذلك كله أخذت أسباب الضعف والانحلال طريقها إليهم، فكما كان للفرس  اليد في تقويض الحياة الاجتماعية فقد عمل الترك الذين جلبهم المعتصم على تقويض الحياة السياسية والإدارية.
ويعتقد فيلسوف النازية (روزنمبرغ ) في كتابه (أسطورة القرن العشرين) أن الاختلاط هو الذي طوح بحضارات الهند وإيران واليونان والرومان والمصريين، هذا هو العامل الأول: الاختلاط.
أما العامل الثاني: فهو الهجمات البربرية التي قام بها على المشرق المغول والتتار في الوقت الذي كان أسطول المغرب في صراع مع قراصنة أروبا.
والعامل الثالث: هو الهجوم الصليبي .
والعامل الرابع: هو الاستعمار التركي الذي ينعته المؤرخون والأدباء بصفة (عصر الانحطاط) لما تميز به من تعطيل للحياة الاقتصادية والفكرية.
وأما العامل الخامس: فهو الاستعمار الأوروبي الذي هدف إلى نهب البلاد العربية وتحطيم شوكتها.
وبعد فلنا أن نتساءل هل للعرب  بعد هذه الغفوة وهذا التعفن أن يعودوا إلى أمجادهم فيفرضون وجودهم على غيرهم ويحتلون كالشعوب الأخرى مكانهم تحت الشمس؟ وهل في إمكانهم أن يصبحوا دولة عظمى في تاريخ المستقبل؟
توجد أمثلة كثيرة في التاريخ عن تحول شعوب ضعيفة هزيلة إلى دول من الدرجة الأولى فاليابان انقلبت قي ظرف قرن واحد من مجموعة إقطاعيات «سماوية» إلى دولة عظمى، والاتحاد السوفياتي كانت حاله في عام 1920 دون حالة العرب اليوم، ولم نذهب بعيدا فنحن العرب قد أقمنا صرح أعظم دولة في التاريخ خلال نصف قرن فقط بعد أن كنا مستضعفين متأخرين.
قد يضحك البعض من ذلك، وقد لا يصدقه آخرون وقد يتساءل فريق ثالث: هل يمكن أن تفوق في يوم ما الأوروبيين في مجال التفنن والتصنيع؟ وهل يمكننا أن نلحق بالأمريكيين في إمكانياتهم الاقتصادية؟ وهل يعقل أن نشبه روسيا في تقدمها العلمي والعسكري، وابريطانيا في سيطرتها على البحار واروبا في مجال التنظيم؟.
لا أريد أن أقول «نعم» قبل أن ترى الإمكانيات نفسها ففيها يمكن الجواب ويتحدد.
فما هي مكانة العرب الاقتصادية في عالم الغد؟.
إن أول ما يتبادر إلى الدهن هو البترول والمواد الخام، وينتج العالم العربي من البترول 150 مليون طن أي ما يقارب إنتاج الولايات المتحدة وأكثر من إنتاج فنزويلا وروسيا وليست أهمية البترول العربي في أنه أكثر أو أقل من إنتاج تلك الدولة أو هذه بل أهميته تأتي من الأمور الآتية:
1) وفرة الاحتياطي المخزون تحت الأرض في الوقت الذي تجف كل سنة آبار البترول في أمريكا وروسيا.
2) قرب البترول العربي من أماكن الاستهلاك أي أروبا الغربية والشرق الأقصى، ونحن نعلم كيف تأثر العالم الغربي من أزمة حرب السويس التي سدت في وجهه منافذ البترول.
3) تكاليف الإنتاج البخسة وقد قدر أن برميل الزيت في أمريكا الشمالية يكلف 78 سنتا وفي أمريكا الجنوبية 43 سنتا وفي البلاد العربية 10 سنتات فقط.
4)غزارة إنتاج الآبار المكشفة وهي ما يوضحها المثال الآتي:
 تنتج بئر في الولايات المتحدة 11 برميلا، وفي فنزويلا 230 برميلا وفي البلاد العربية 400 برميل في اليوم، فهذه المادة التي تتزايد الحاجة إليها في العالم تضعها الأقدار في يدنا كعنصر من عناصر قوتنا في المستقبل، ولنا أن نتصور أنفسنا وقد أقمنا صناعات هائلة وأممنا البترول ومنعنا سيلانه إلى خارج حدودنا لاشك – عندما نصل إلى ذلك – في أن مركز الصناعة سينتقل من اروبا إلينا وستصبح مصانع أروبا متاحف يرى السائح فيها حالة الصناعة في النصف الأول من القرن العشرين.
وعن العنصرين الآخرين من عناصر القوي المحركة وهما الكهرباء والفحم فإنهما لم يستغلا في الوقت الحاضر استغلالا كافيا، والمشاريع فيهما أكثر من المنجزات فالمغرب مثلا يوجد فيه اثنا عشر سدا لتوليد الكهرباء والري يبلغ إنتاجها جميعا 700 مليون كلوات ساعي، ولكنه لا زال يستخرج الكهرباء من الفحم في جهات كثيرة .
وفي مصر ستتم كهربة خزان أسوان في سنة 1960 ليعطي (1950 م . ك . س ) أي ما يقارب سد بين الويدان عندنا ويجري هناك أيضا بناء السد العالي على خمسة مراحل تكلف المرحلة الأولى فقط 500 مليار من الفرنكات، وعندما ينتهي بناؤه بعد خمسة عشر عاما سيكون أعظم خزان ومولد في العالم كله.
وأما الفحم فهو يوجد في كل مكان من بلاد العرب وخاصة في العراق والمغرب وتجري تحريات عنه في مصر واليمن، وأما المعادن فهناك الحديد في المغرب ومصر والمنغنيز والكوبالت والزنك ينتج المغرب وحده منها عشر ما ينتجه العالم بأسره كما أنه يأتي بعد الولايات المتحدة في إنتاج الفوسفاط، ولا يمكن حصر بقية المعادن وأماكن وجودها وكميتها الاحتياطية ولكننا إذا أخدنا المغرب وحده كمثال على الفاعلية المعدنية عند العرب نجد أنه يستغل على نطاق تجاري ستة وعشرين معدنا هاما يبلغ إنتاجها العام أربعين مليون طن في عام 1958.
ومن هذه اللمحة نرى أن البلاد العربية توجد فيها جميع المعادن المتعددة في الصناعة والقوى المحركة اللازمة لها فهي لا تشكو ا فرنسا من وفرة الحديد وقلة الفحم أو ما تشكوه جميعا من انعدام البترول...
إن العقبات التي تقف في طريق التطور الصناعي في بلاد العرب يمكن التغلب عليها لأنها غير أساسية أو رئيسية ويمكن إجمالها فيما يلي:
1) الحاجة إلى تجهيز صناعي: وإن هذا التجهيز قد بدا على ساق الجد في غير ما موضع وخاصة في الجمهورية العربية والمغرب فهناك مشروع خمس سنوات لتصنيع الإقليم الشمالي بميزانية قدرها 73 مليارا من الفرنكات، ويهدف البرنامج إلى إقامة 43 مشروعا صناعيا يستفيد منها 100 ألف عامل، وأما برنامج التصنيع لخمس سنوات في مصر الذي ينتهي في عام 1960 فيبلغ رأسماله 325 مليارا من الفرنك.
وقد سار المغرب في نفس الطريق فأعدت وزارة الاقتصاد برنامج التسيير لسنتي 1958 و 1959 ثم وضعت برنامجا للنهوض الاقتصادي مدته خمس سنوات سيدخل في التنفيذ اعتبارا من هذه السنة.
2) وأما العقبة الثانية في طريق التصنيع فهي ندرة اليد الخبيرة وهذا أمر لا يمكن أن يستعصي طويلا.
3) رؤوس الأموال: غير أن موارد البلاد العربية الهائلة يمكن أن تمول المشاريع الإنمائية المختلفة وقد أنشأت جامعة الدول العربية بنكا عربيا لتمويل المشاريع الاقتصادية وتجهيزها، هذا وقد شعر العرب أخيرا بعد أن وضعوا مرارا تحت الحصار الاقتصادي الغربي، وبعد أن ظهرت أخيرا السوق الأوربية المشتركة بضرورة التعاون المثمر ضمن سوق عربية مشتركة تمهيدا للوحدة الاقتصادية الشاملة التي يدرسها اليوم المجلس الاقتصادي العربي. 
لقد وضعت الدول الغربية قيودا على الاستيراد إليها، وخفضت بعضها من قيمة عملتها ووضعت أخرى قيودا نقدية، فما يؤخر العرب أن يقدموا على تكامل اقتصادي فيما بينهم مع العلم بأن ذلك ممكن من الوجهة العملية؟.
هذا عن قوة العرب الاقتصادية وهي معيار عالم اليوم ولكن مكانة العرب في عالم الغد لا يثبتها الاقتصاد اليوم ولكن مكانة العرب في عالم الغد لا يثبتها الاقتصاد وحده بل تقيمها أيضا قوتهم المكانية في العالم أي موقع بلادهم الاستراتيجي.
إن عقد الوصلات العالمية تحتكرها البلاد العربية وهي قناة السويس ومضيقي جبل طارق وعدن فيما يخص المواصلات البحرية، والدار البيضاء والجزائر والقاهرة وبيروت في مجال الاتصال الجوي والبحري، وقد كانت البلاد العربية منار حروب منذ القديم لموقعها الممتاز، ونتذكر على سبيل المثال الصراع بين الفرس والبزنطيين وبين الأتراك والانجليز والروس وبين الألمان والحلفاء، وأخيرا حرب السويس التي شبت بسبب تأميم مصر لقناتها البحرية، ولا زالت سحب الحرب الباردة والحامية تتلبد فوق الشرق الأوسط والمغرب فالصراع على اشده بين المعسكرين في منطقتنا وسنصلي منه بسبب وجود قواعد عدوانية فوق أراضينا.
فما هو الحل يا ترى للاستفادة على نطاق واسع من هذا التوسط المكاني مع إبعادنا عن الأطماع والمؤامرات، أني أجد ذلك الحل في أمرين هما:
1) الوحدة العربية.
     2) الحياد الايجابي وعدم التبعية الذين سارت عليهما الجمهورية العربية والعراق واليمن والمغرب
وهناك ناحية أخرى تضمن للعرب فوقهم في عالم الغد وهي الناحية الفكرية والمعنوية، فالحضارة الحديثة في الغرب وفي العالم الاشتراكي لا تفسح فيها مجالا للقوى المعنوية التي تستند إلى الدين والقومية في حين أن هذه القوة تأتي كأهم المقومات في حياة العرب المستقبلة، وأنه لتكمن في الدين الإسلامي جميع القيم الأخلاقية والإنسانية كما أنه من دعائم وحدة الأمة العربية لارتباطه بحياتها وتاريخها ومقوماتها.
أما القومية العربية  التي تشق طريقها اليوم نحو النماء فهي أقوى ضمانة لاستمرار كفاح العرب من أجل عزتهم وقوتهم لأنها تذكرهم دائما بأمجادهم وترتفع بهم عن الشعوبية والفوضى الاجتماعية والانحلال المذهبي، ويقدم لنا التاريخ أمثلة واضحة عن انتصار شعوب كثيرة بسبب سلوكها الطريق القومي كدول أروبا الشرقية السلافية وألمانيا وإيطاليا، وأن أهم صخرة سيتحطم عليها الاستعمار العسكري الاستيطاني في إفريقيا والاستعمار الاقتصادي في جنوب أمريكا هي الشعور العنصري والقومي عند الأفارقة واللاتين.
ومن مقومات قوة العرب الفكرية أيضا اللغة العربية وتأتي قوتها من أمرين أولهما أنها قابلة للتطور والثانية هي أنه لا يوجد غيرها في بلاد العرب.
ونحن نسمع بعض شبابنا يتحدثون عن قصور اللغة العربية وعدم تمكنها من مسايرة ركب التقدم الفني، ولكن ما رأى هؤلاء في كليتي الطب والعلوم في دمشق اللتين لا تدرس فيهما أية مادة بغير اللغة العربية؟ وما قولهم في أن دوائر الدولة لا توجد فيها أي آلة طابعة بلغة أجنبية وفي أن الروس أو الأمريكيين أو الفرنسيين إذا مروا بشوارع دمشق مثلا اضطروا أن يراجعوا دليل السائح والقاموس في كل لحظة، وبعد ذلك ما رأيهم في أن سوريا التي يوجد فيها كل ذلك تتقدمنا في مضمار التطور.
أما العنصر الرابع من عناصر القوة الفكرية فهو التاريخ العربي نفسه الذي هو تذكير بالأمجاد واجترار للأحداث لاجتناب أخطاء الماضي ووضع خطط المستقبل.
وتبرز من بين أسباب قوة العرب في المستقبل الوفر البشري الذي هو قوام الجيوش والحياة الاقتصادية، ويجدر أن نسأل أولا هل زيادة السكان في حد ذاتها موطن ضعف في الدولة؟ الواقع أن الجواب عن هذا السؤال يحدده مقدار ما وصلت إليه الدولة من تجهيز اقتصادي، وسوية حياتية، أننا نشكو اليوم من البطالة ونحاول أن نجد لها حلولا، ونفس الوضع كانت عليه ألمانيا في سنة 1932 واليابان في 1911 والولايات المتحدة بعد الحرب الأخيرة، وبينما كان الألمان يفكرون في تحديد النسل وتقليص الأسرة حتى لا يضاف جيش جديد من العاطلين إلى عشرة ملايين كانت لا تجد لها عملا نراهم بعد خمس سنوات فقط يقدمون إعانات للأسر وللمتزوجين الجدد سعيا وراء زيادة النسل لان الإمكانيات التي تكشف عنها البلاد الألمانية خلقت الحاجة إلى اليد العاملة للعمل فيها وفي تضخيم الجيوش، وكذلك كان الأمر في فرنسا بعد عام 1938 عندما بدأ انقراض الشعب الفرنسي.
فعندما يبدأ العرب في كتابه أسطر مجدهم المقبل سيجدون أن عدد السكان الحالي يجب أن يضاعف، فبدلا من ثمانين مليونا الحالية يجب أن يكون هناك مائة وخمسون، ولن يجد العرب صعوبة في رفع أعدادهم لان الخصب الجنسي والتوليد عندهم أصبحا مضرب الأمثال في علم السكان.
وهكذا فالحل الضروري لهذه الزيادة ليس هو تحديد النسل بل هو تجنيد الإمكانيات وتفجير الفعاليات الاقتصادية وضمان حياة اجتماعية أفضل، ولا مكان لمثل أفكار مالتوس في بلاد غنية بكر كبلادنا العربية.
بقي هناك عنصر هام في مظاهر القوة وهو التصميم والعزم أو ما يسمى بالقوة النضالية، والواقع أن الشعب العربي لم يسالم المعتدي في أي وقت ففي القديم نذكر صراع المغاربة ضد الرومان والوندال،والسوريين ضد الرومان، وفي العصر الوسيط والحديث كان صراع بين العرب والغزاة المغول والتتار وبينهم وبين الصليبيين والبرتغال والأسبان، وكذلك الصراع ضد العثمانيين الذي تبلور في الثورة العربية الكبرى سنة 1916 وضد الأجانب في شمال إفريقيا والشرق، ومما يدل على حيوية هذا الشعب وقدرته على الكفاح الثورة المصرية التي قامت ضد محترفي السياسة والكفاح في سوريا ضد الدكتاتورية وفي المغرب ضد أذنابه، ولا زلنا نشهد إلى اليوم كفاحا جبارا يخوضه الشعب الجزائري والعماني، وأن قبوع اللاجئين الفلسطينيين في خيامهم الممزقة ينتظرون اليوم الذي يعودون فيه إلى بلادهم ويرفضون جميع الحلول لإقرار سلام أو تسوية لهو أعظم دليل على قوة  هذا التصميم.
هذه هي مظاهر القوة المستقبلة للعرب: كيان اقتصادي جبار، وضع استراتيجي مرموق، قوة فكرية ومعنوية وفر هائل في الرجال وقدرة نضالية لا تعرف الحدود، فهل بدا العرب يا ترى في قطع الأشواط الأولى في هذا الطريق؟.
لقد وعدوا في الحرب الأولى بدولة عربية واحدة، ولكن النتيجة كانت تقسيم البلاد العربية وإقامة إسرائيل، وإزاء الإلحاح والنضال والدعوة إلى العصيان على «الواقع» الذي هو التجزئة وشجب الكيانات السياسية بدا الاستعمار البريطاني الذي عرف بنظريته في الاستعمار الواقعي في تصعيد هذه العواطف التي خاف أن تتبلور في حركة قومية عارمة، فأوعز بتأسيس دولة سوريا الكبرى ولكنه فشل تم قامت فكرة الهلال الخصيب لضم سوريا إلى العراق وفشلت هي الأخرى ثم وقع ضم فلسطين إلى الأردن سنة 1948، وفي تلك الأثناء كانت الجامعة العربية تتبعثر في خطيئانها وضعفها فلم تستطع أن تؤدب عصابات اليهود أو أن تنفذ مشروعا هاما واحدا والسبب في ذلك هو الأصابع التي كانت تحرك دولها من تحت في ذلك الوقت.
غير أن أوضاع البلاد العربية تغيرت الآن عن ذي قبل فقد ثارت مصر والعراق ولبنان ومات الملك عبد الله واستقلت ليبيا والمغرب وتونس والسودان واجتمع الجميع بروح جديدة وآمال جديدة ورغبة حقيقية في ذلك التعاون، فوقعت معاهدة الدفاع المشترك بين دول الجامعة وظهرت الاتحادات الثنائية والانضمامات الكاملة، وتباشر الجامعة هذه الأيام دراسة مشاريع للوحدة الاقتصادية بين العرب ولإقامة السوق العربية المشتركة وشركتي الطيران والبحرية العربية..
نعم هذا هو البرهان الأول على أن العرب سائرون في هذا الطريق: الوحدة العربية.
أما البرهان الثاني فهو حركة التصنيع التي توجد في كل مكان وأما البرهان الثالث فهو وضوح مكانة العرب في المجال الدولي فقد أشتد التنافس على البلاد العربية منذ الحرب الأخيرة، فأصدرت انجلترا وفرنسا وأمريكا البيان الثلاثي الذي يحافظ على حدود الدول العربية ولا يسمح بأن تربح دولة شيئا على حساب الأخرى، واستدرجت مصر سنة 1952 لتوقيع معاهدة الدفاع المشترك، وفرض حلف بغداد على شعب العراق، ولكن تصميم العرب على عدم جعل بلادهم قاعدة للعدوان جعلهم يتحدون الدول العظمى ويعتنقون الحياد وعدم التبعية، ولم تعجب هذه السياسة دهاقنة الاستعمار وكادوا يشعلون حربا عالمية ثلاث مرات بسببها مرة في عام 1956 عندما أممت القناة ومرتين في عام 1958 عندما نزلت الجيوش الأمريكية ثم الانجليزية في لبنان والأردن
                                                   *
 هذه هي عدة العرب في بناء المستقبل، وهذا سبيلهم إلى القوة والمجد، لقد رسم المستعمر الحدود بين المناطق العربية وأقام الدويلات، فلم نقوم بحراستها والتغني بقدسيتها وتخليد كياناتها، أن الدول الميكروسكوبية كانت دائما هدفا للعدوان وتقع دائما تحت رحمة الدول الكبرى.
وقد انهزم العرب في فلسطين رغم أنهم كانوا سبع دول لسبب بسيط هو أنهم كانوا سبع دول.

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here