islamaumaroc

الإسلام ضرورة حضارية

  دعوة الحق

172 العدد

1- مما لا شك فيه أن الحضارة المعاصرة قد قفزت بالإنسان المعاصر إلى مرابع كانت من قبيل الأحلام التي راودت البشر من أقدم العصور، وقدمت له من الانجازات العلمية الهائلة التي أذهلت هذا الإنسان ذاته.
فقد اختصرت له المسافة الزمانية والمكانية، وصغرت أمامه ما كان كبيرا ويتهيبه، وكبرت ما كان يراه صغيرا ويحتقره، واختصار الزمان والمكان ليس بالأمر السهل ولا البسيط خصوصا إذا عمم في مجال الممارسة اليومية.
فأول صورة فوتوغرافية التقطها الإنسان مثلا عام 1826 استغرقت ثماني ساعات من الزمن، والآن تستطيع آلات التصوير أن تلتقط أكثر من ألفي صورة في الثانية الواحدة، ففي نفس الزمن الذي أخذت به أول صورة يمكننا أن نلتقط أكثر من سنتين مليون صورة، أي سرعتنا زادت ستين مليون مرة !! وقس عليها سائر أمور الحضارة.
وكان المأمول أن يقترب الإنسان بهذا الاختصار إلى واحة السعادة وأنباء الاطمئنان، ولكن الواقع أثبت غير ذلك، فكل هذه الأشياء التي كرست، وهذه القوى التي فجرت طاقاتها لم تدخل على البشرية نفحة السكينة ولا نسمات الدعة والاستقرار وأصبح حاله كما قال الله تبارك الله تعالى:" إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث".
ولست الأول ولا الأخير الذي يقول: إن الحضارة أو البشرية بتعبير أدق تقف اليوم على شفا جرف هار، فلقد قال هذا كثيرون غربيون وشرقيون، مسلمون وملحدون، والأمر في هذا لا يقتصر على حملة الأقلام والمتخصصين في الميادين العلمية-بل شاركهم فيه دهاة السياسة، وأصحاب المراكز الرسمية، وإذا كان الدكتور الكيسن كريل يقول عن هذه الحضارة:
إن الحضارة العصرية تجد نفسها في موقف صعب لأنها لا تلائمنا، فقد أنشئت دون معرفة بطبيعتنا الحقيقية إذ أنها تولدت من خيالات الاكتشافات العلمية، وشهوات الناس وأوهامهم، ونظرياتهم ورغباتهم، وعلى الرغم من أنها أنشئت بمجهوداتها إلا أنها غير صالحة بالنسبة لحجمنا وشكلنا، (الإنسان ذلك المجهول ص 30) إذا كان رجل العلم هذا دون شهادته هذه، فإننا نجد مضمونها عند الرئيس الأمريكي ولسون في مقال كتبه قبل وفاته بأسابيع، وختمه بقوله: إن اختصار المسألة بأسرها هو ما يلي: إن حضارتنا لا تستطيع الاستمرار في البقاء من الناحية المادية إلا إذا استردت روحانيتها...
ونجد مضمون هذه الشهادة عند الشيوعيين والملحدين، وأقوال الكاتب السوفييتي سولنجستين في هذا الصدد تناقلتها وسائل الإعلام العالمي من أقصاه إلى أقصاه، وفي كتابه-أرخبيل كولاك-الشيء الكثير من هذا، وناهيك بأقوال العسكريين وعلماء الدين والاجتماع.
كل هذا يؤكد لنا ما نبه إليه هؤلاء على اختلاف لغاتهم وأوطانهم واتجاهاتهم من أن اتجاه الحضارة نحو الجحيم، فالمشاكل الاقتصادية تتزايد يوما بعد يوم، والمشاكل الاجتماعية قد أزمت واستعصت على الحل، والأخلاق لا ترضي في وضعها هذا أحدا، حتى أن القوانين التي وجدت لتفصل في الخصومات بين الناس، أصبحت بحاجة إلى من يفصل في قضاياها !! وهذه
المشاكل المستعصية نرى أن حلها دائما يتناول بطريقة جزئية، وبجور وحيف من أحد أطراف المشكلة على بقية شركائه فيها، فلو أخذنا مثلا مشكلة التضخم لوجدنا أن الحلول التي اقترحت لحلها حتى الآن لم يتفق على واحد منها لهذا السبب ذاته.
المنقذ: إن المنقذ الوحيد لهذه الحضارة هو الإسلام والإسلام فحسب !! لماذا؟
أما على مستوى الأديان، فالساحة البشرية تعرف الدين اليهودي، والنصراني، والزرادشتي على قول!!  ثم الإسلام.
واليهودية-كما هو معلوم- دين مغلق، لا يبشر به أهله ولا يدعون أحدا إلى اعتناقه، ربما لان باب الاصطفاء الإلهي –بزعمهم- قد أغلق، وامتلأت رحابه!! ثم عن التشريع المسوي في أصله تشريع جزئي وقاس، وجزئيته هذه تجعله لا يحيط بالمشاكل الإنسانية، ولا يبلي الحاجة البشرية المتزايدة وهو في وضعه الراهن ومنذ قرون قد ضاع مصدره الأصيل، وتعرض لتحريفات متوالية، جعلت جانبا منه ألغازا ومعميات، وجانبا آخر أساطير لا تدخل العقل البدائي بله عقل إنسان الحضارة!!
أما النصرانية هي على الطرف الآخر المقابل لليهودية أخذت جزءا بسيطا من الساحة البشرية وتعلقت به فاقتصرت على الروحانيات، والتهذيب النفسي، ولهذا تعتمد النصرانية على التشريع الموسوي في المعاملات والنصارى يقسمون كتابهم إلى قسمين: أسفار العهد القديم، وأسفار العهد الجديد، كما أن المسيحية لم تعرف التطبيق العملي على مستوى الأمة في واقع الحياة يوما واحدا، ولم تنتشر النصرانية، بل ترومت كما قيل، وغلفت الإطار الوثني للحضارة الرومانية بطلاء رقيق!!
ثم إن الوصاية الكنسية وأسلوب الكهانة هو الذي سبب انحراف الحضارة المعاصرة عن الدين، وجعلها تفر من حظيرة الإيمان، وقام بين المجتمع والكنيسة ذلك الصراع المرير الذي دام مئات السنين.
أما الزراديشتية، فعلى التسليم بأنها دين سماوي، فقد بقيت معزولة في مجتمع الشرق الأدنى، ولم تتكامل مقومات الدين لها.
أفلا يكون هذا الإنقاذ عن طريق فلسفة حية قوية، تتكلم بلغة العصر، وتدرك الواقع الحاضر؟!! لا، لن يكون الإنقاذ عن طريق فلسفة مهما كان نوعها، ومهما كانت قوتها وحيويتها وذلك للأسباب التالية:
أولا: الفلسفة منهج لمعرفة الوجود، وليست منهجا تجعل الإنسان يشعر الوجود، فغايتها المعرفة ليس أكثر من ذلك بخلاف الدين فغايته الإيمان.
ثانيا: الفلسفة هي نتاج بيئة معينة وزمان معين، فقد تصلح اليوم، ويأتي الغد حاملا في طياته ما يفسدها ويفسد إصلاحاتها نظرا لتغير البيئة أو غيرها.
ثالثا: لا ننسى أن الفلسفة عمل إنساني، يتحكم فيه كل ما يتحكم في الطبيعة الإنسانية من تقلب وبطء.
رابعا: القصور البشري عن الإحاطة والشمول للماضي والحاضر والمستقبل، هذه الإحاطة وهذا الشمول اللذان يجعلان من الإنسانية وحدة متكاملة تسير في اتجاه واحد.
خامسا: الفلسفة ليست إلا معاناة شخصية، وتجربة في غالب الأحيان، فردية.
على أن العلم الحديث قد ضرب الفلسفة ضربة قصمت ظهرها، وذلك لأن الفلسفة حتى العصور الحديثة كانت توجه اهتماماتها إلى ما وراء الطبيعة، وتبقى مسائل الطبيعة والواقع على هامش أبحاثها، وقد تبخرت أوهام الفلسفة والفلاسفة فيما يتعلق بما وراء الطبيعة تحت شعار الاكتشافات الحديثة والتقدم العلمي، وبانتشار الفكر المادي لم يعد لها مجال في ميدانهم، فاضطرت الفلسفة أن تنمي ذلك الجزء الذي كانت تعده هامشيا، وسارت في اتجاه جديد هو اتجاه تأطير العلوم وفلسفتها.
ولا يخفى أن الفلاسفة منذ أقدم العصور كانوا في كل مسالة متنازعين مختلفين مذاهب قددا، وما زال هذا شأنهم ولم نجد أن فلسفة واحدة استطاعت أن تسيطر بفكرة على مجتمع واحد، فكيف بمجتمعات عديدة؟!! وبأي الآراء الفلسفية المتكاثرة نأخذ، ونزعة الأنانية التي تنبثق من "الشخصانية" والإقليمية ومفاهيم الوطنية تغذي هذه الآراء؟!! إن هذا عائق كبير كذلك.
وإذا أجلنا النظر في عالم الواقع وجدنا أن أكثر الفلسفات المعاصرة أتباعا وأشياعا هي الماركسية فهل استطاعت الماركسية أن تحل مشاكل البشرية؟!! 
إنها قد عجزت عن حل المشكلات التي حملتها معها إلى الوجود، فأنى لها بمداواة آلام الآخرين، وتضميد جراح المكروبين؟!! وفي مقال سابق لنا بعنوان: " شيخوخة الفكر الماركسي" بينا سخف هذه الفلسفة وفشلها الذريع في مجال التطبيق.
ولقد ساد المذهب النفعي الذي بشر به (بنتام) الانجليزي، وأشياعه ردحا من الوقت، فهل حل المعضلات؟ هل استطاعت أن توقف ( الوجودية) طوفان الآفات وسيلها الزاحف؟؟ إنها جميعا قد ساهمت بشكل أو بآخر في تشكيل " السراب الفكري" أمام البشرى فحجبتها به عن معين الماء وسلسبيله.
إذن الإسلام هو طريق النجاة الوحيد، لأن الإسلام مبدأ إلهي وتشريع سماوي فهو:
1- منهج لمعرفة الوجود، وسبيل لإدراك حقائقه، يجمع غاية الفلسفة مع غاية الدين، المعرفة، ثم الإيمان " فاعلم أنه لا إله إلا الله".
2- يشمل الزمان والمكان، وينفذ إلى دخائل الإنسان، لأنه من وضع خالق هذه الأشياء.
3- لا يتأثر بالزمان ولا بالمكان، لأنه ليس نتيجة المعاناة والتجربة.
4- يقوم على العدل والمساواة المطلقين بدءا ونهاية.
وبهذه الخصائص المتميزة يستطيع الإسلام أن ينقذ الحضارة المعاصرة من أعتى ورطة عرفتها البشرية في تاريخها.
إنه وحده الكفيل بحل المشاكل الاقتصادية التي تعقدت، وهي تسير في اتجاهين اثنين:
الأول: هيمنة القلة الرأسمالية عن مقدرات الأمم والشعوب، وثانيهما: رد الفعل والدعوة إلى المساواة التامة التي تتخذها الماركسية سبيلا للسيطرة على العالم الثالث.
أما الاتجاه الأول: فهو حيف وظلم حاربه الإسلام اشد المحاربة جملة وتفصيلا، حاربه في لون الاستعمار العسكري حين يستولي-عنوة- صقع على صقع، ويرغم أهله، وحاربه في لون الربا الذي يستتبع ذلك النظام، وهذه الجزئية هي حجر الزاوية في البناء الرأسمالي، ولم يحل الاستعمار العسكري في بلد إلا وسارع على فتح "البنوك" والمؤسسات الربوية، كما أن المعاملات الدولية اليوم أصبحت تقوم عليه، تذهب من جراء ذلك أقوات الشعوب إلى جيوب المرابين الكبار.
والإسلام وحده هو الذي حرر الإنسان من شراك الربا-فأبى أكثر الناس إلا كفورا!!- حين قال الله تعالى في محكم تنزيله ((وأحل الله البيع وحرم الربا)) سورة البقرة 275. ((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون)) البقرة 278-279.
والإسلام وحده الذي أقام التعامل على أساس الأخوة الإنسانية وبميزان العدل والقسط (( ويل للمطففين، الذي إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنهم يخسرون، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم؟!!)).
وقد حدد طرق تحصيل المال والثروة بوسائل مشروعة بعيدة عن الاعتداء والبغضاء، وفتح الآفاق النظيفة لتنمية الثروة والمحافظة عليها، ورتب عليها الحقوق المعقولة المقبولة حتى أنه لم ينس حق الجوار وحق الضيافة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، والضيافة ثلاثة أيام، فما بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل أن يثوى حتى يحرجه) الشيخان وغيرهما.
أما الاتجاه الثاني، مسار المساواة التامة، وهو حلم ذوى المدارك الهزيلة الثقيل!!
فالمساواة التامة في كل شيء لا تتحقق إلا في العصور البدائية الهمجية، ولن تكون إلا في عصور الانحطاط فإن الإسلام قد قوم هذا المسار ووجهه الوجهة الصحيحة الفطرية، فقد اهتم بالطبقات الفقيرة أيما اهتمام، لكنه ليس اهتمام المحافظة على فقرها وبؤسها، بل اهتمام الأخذ بيدها إلى المستوى الرفيع والمرتبة العالية، رتب لها في أموال الأغنياء والدولة حقوقا، ولكنها حقوق لا تدفع إلى التراخي والكسل، وفرض العمل عليها وحثها عليه، وجعله سبيل التفاوت الدنيوي والأخروي ((ولكل درجات مما عملوا وليوفينهم أعمالهم وهم لا يظلمون)) سورة الأحقاف الآية 19. (( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)) سورة النجم الآية 39، وأموال الأغنياء كذلك مصونة إذا أدى منها حق الله وحق الأمة.
الإسلام وحده الكفيل بحل المعضلات الاجتماعية، وقد أصبحت من الخطورة بحيث أنها لا تقل خطورة عن مهاجمة دولة لأخرى، فمشاكل الأسرة، الزواج والطلاق، وما يترتب عليها من مآسي إلى أخرى أنتجتها الحضارة المعاصرة هي مشكلة الأولاد غير الشرعيين، الذين ترتفع نسبتهم بشكل مذهل ففي نشرة إحصائية للأمم المتحدة عام 1959 أن نسبة الأطفال غير الشرعيين قد ارتفعت إلى ستين بالمائة، ففي (بناما) على سبيل المثال قد تجاوزت خمسا وسبعين بالمائة فكل أربعة أطفال بينهم طفل واحد شرعي والثلاثة الآخرون غير شرعيين(عن الإسلام يتحدى ص 256) ونتج عن ذلك (جرائم الأطفال) التي أصبحت جزءا من المجتمع الحديث، ولم يعرفها الإنسان في تاريخه كله، وهاتان الظاهرتان  الخطيرتان لم تبرزان حتى الآن بشكل كبير في البلاد الإسلامية، لما للإسلام من آثار باقية في السلوك الفردي والاجتماعي، ومشاكل المرأة، والسطو والاغتيال..لن تجد لها حلا إلا في الإسلام.
وإن التفات كثير من دول الحضارة إلى الاقتباس من التشريع الإسلامي في الميادين الاجتماعية ليؤكد لنا عظم الحاجة إليه.
الإسلام وحده هو الكفيل بحل مشكلة العلاقات الدولية، والسلم والحرب الدولي، والسباق الرهيب في ميادين التسلح، وأن قانون العلاقات الدولية ماضيه وحاضره، باستثناء التشريع الإسلامي في هذا الميدان قانون قائم على القوة والغلب، رغم دعاوى السلام المنشود، والذي تطلبه التكثلات المعاصرة بدورها ولما تصل إليه بعد.
فالسلام مبدأ إسلامي أصيل، ومثل أعلى نبيل، دعا إليه القرآن الكريم ((الله يدعو إلى دار السلام)) سورة يونس الآية 25. (( وإن جنحوا إلى السلم فاجنح لها وتوكل على الله)) الأنفال 61، وطبقه الرسول الكريم في صلح الحديبية وغيره، وسار على هديه الصحابة رضوان الله عليهم والتابعون في غير ما مرة.
ولكنه السلام القائم على العدل الذي تحترم فيه العهود والمواثيق، وتوفى الذمم، وتؤدى الأمانات إلى أهلها (( وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا)) الإسراء الآية 34، (( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)) المائدة1.
ولا تكون الحرب في الإسلام إلا لضرورة من دفاع عن النفس أو دفاع عن مظلومين، أو تحقيق لحرية الدين والكلمة، كما قال تعالى في محكم تنزيله (( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)) البقرة 190، ويقول تعالى: (( وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها، واجعل لنا ربنا من لدنك وليا وأجعل لنا من لدنك نصيرا)) النساء 75، (( وقاتلوا حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله)) الأنفال 39، وهذه الضرورة إن حدثت فيمنع فيها العدوان والانتقام، (( ولا يجرمنكم شنآن قوم أن يصدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا، وتعانوا على البر والتقوى ولا تعانوا على الإثم والعدوان)) المائدة 2، وليس فيها تخريب أو دمار (( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها)) ولا يقتل إلا من اشترك في القتال ولا يجوز قتل النساء والأطفال  والشيوخ، والعباد، ولا يجوز الإجهاز على الجريح، وتتبع الفار إنه تشريع عادل متكامل في هذا الميدان، شتان بينه وبين القوة الطاغية بمدمراتها النووية وأساطيلها البحرية، وهي تجوب القفار والحار وتبحث عن فريسة لاقتناصها.
إن هذه المشكلات العالمية الراهنة لن تجد لها حلا إلا في هذا الدين الإلهي الذي ارتضاه الله للبشرية، ((اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)).
• حاجة فردية: إنها حاجة يحتاجها كل إنسان بمفرده، فلا يكفي تحققها في أفراد دون أفراد بل هي قاسم مشترك بين جميع أبناء الجنس البشري، تلكم هي العقيدة الدينية، يقول معجم لاروس للقرن العشرين: إن الغريزة الدينية مشتركة بين كل الأجناس البشرية، حتى أشدها همجية وأقربها إلى الحياة الحيوانية، وان الاهتمام بالمعنى الإلهي، وبما فوق الطبيعة هي إحدى النزاعات العالمية الخاذلة للإنسانية (تحت مادة الدين).
العقيدة الدينية هي هذه الحاجة الفردية وتبرز ضرورتها وعدم الاستغناء في عدة مجالات:
1- تحقيق الإنسانية الكاملة، بالتوفيق بين المادة والروح، لان التطرف إلى أحد الجانبين لا يخدم مصلحة الإنسان، بل يقلقه ويضيق عليه سبل الحياة الفسيحة، فالميل إلى جانب الروح وجعلها كل شيء  بتركيز الاهتمامات نحوها فقط-كما فعلت المسيحية والمذاهب الهندوكية، إنما هو دعوة إلى انقراض الجنس البشري، وتهديم الحضارة الإنسانية، والإسلام وقف من التطرف إلى جانب الروح موقفا شديدا وحازما فالله تبارك وتعالى نص على أولئك الذين يعرضون عن مباهج الدنيا، ويحرمون على أنفسهم زينتها، وينسبون ذلك للدين، قال الله تعالى:(( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده، والطيبات من الرزق؟!! قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا..)) الأعراف 32، وقوله تعالى ((رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم)) الحديد 27.
ولما بلغه عليه الصلاة والسلام خبر عبد الله بن عمرو أنه يقوم الليل ويصوم النهار، استدعاه وقال له: (يا عبد الله إن لأهلك عليك حقا، فأعط لكل ذي حق حقه).
وخبر الثلاثة النفر الذين جاءوا إلى حجرات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: أين نحن من رسول الله وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم، أما أنا فأصوم ولا أفطر وقال الآخر: أما أنا فأقوم ولا أرقد، وقال الآخر: أما أنا فلا أتزوج النساء، فلما سمع عليه الصلاة والسلام ذلك قال، أما أنا فأصوم وأفطر، أصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني، وهو في صحيح البخاري وغيره.
والتطرف إلى جانب الروح إرهاق شديد، ومرارة قاسية لم تطلب من الإنسان، ولا تحقق له الدخول إلى ملكوت السموات ونخشى أن تكون هي عاقبة الحضارة هذه نظرا لرد الفعل ضد المادية المعاصرة.
والتطرف إلى جانب المادة جور عظيم  كذلك، وجناية كبيرة، وهي أعظم جناية ارتكبتها الحضارة المعاصرة ضد الإنسان، حين ألغت جانب الروح نهائيا واعتقدت أن الإنسان مجرد لحم وعظم، ودم وعصب، فأصبح الإنسان تحت تأثير هذه المذاهب المادية، كمن يصب ماء البحر ليرتوي به حتى أوشكت أن تنفجر أمعاؤه، فاختل نتيجة ذلك سائر أعضاء جسمه، فهذا هو حال الإنسان المعاصر الذي سلخ من الإيمان، وأن هذه المادية الرعناء إنزال للإنسان من برج إنسانيته إلى مستوى الحيوان الأعجم الذي يتصرف بدافع الغريزة فقط، بعيدا عن هدى الروح، ويقظة الضمير.
ولهذا كان الدخول إلى رحاب الإسلام لا يتم إلا بالاعتماد عالم الروح التي استوى بها خلق الإنسان عند ما نفخ فيه ربه تعالى من روحه بدافع الغريزة فقط، بعيدا عن هدى الروح، ويقظة الضمير.
ولهذا كان الدخول إلى رحاب الإسلام لا يتم إلا بالاعتقاد بعالم الروح التي استوى بها خلق الإنسان عند ما نفخ فيه ربه تعالى من روحه "فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين" سورة الحجر الآية 29، وسورة ص الآية 72، وأن آخر آفة أخرجها القضاء على عنصر الروح في الإنسان، والإغراق في المادية، هي سلسلة الأمراض العصبية والنفسية الفتاكة، وقد أكدت إحصائية أن ثمانين بالمائة من مرضى المدن الأمريكية الكبرى يعانون أمراضا ناتجة عن الأعصاب من ناحية أو أخرى، يقول عالم النفس البروفيسور (يانج): طلب منى أناس كثيرون في جميع الدول المتحضرة مشورة لأمراضهم النفسية في السنوات الثلاثين الأخيرة، ولم تكن مشكلة أحد من هؤلاء المرضى الذين جازوا النصف الأول من حياتهم وهو مابين 35 سنة إلا الحرمان من العقيدة الدينية، ويمكن أن يقال: أن مرضهم لم يكن إلا أنهم فقدوا الشيء الذي تعطيه الأديان الحاضرة للمؤمنين بها في كل عصر. ( عن الإسلام يتحدى ص 281).
ووقفة الإسلام أمام الذين قالوا: "إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر" لا تحتاج إلى بسط وإيضاح هنا لأنها معروفة معلومة.
وعظمة الإسلام في هذا الجانب أنه أقام العلاقة المتوازنة بين هذين الطرفين المتآلفين، طرف المادة وطرف الروح.
وتحقيق هذه الإنسانية الكاملة تمكننا من الاستفادة الكاملة من إنجازات الحضارة ومنتجاتها العلمية وتسخيرها لأغراض الخير والسعادة.
2- المنهج الواضح الذي يحدد العلاقة بين الإنسان وربه من جهة، وبينه وبين أبناء جنسه من جهة أخرى، وبينه وبين الكون والحياة من بعد ثالث، ووضح هذا المنهج أمام الإنسان يعطيه التقييم الصحيح لنفسه وللوجود.
فعلاقته بربه علاقة مباشرة، ودون وساطة أو شفاعة، علاقة عبودية وخضوع – يتساوى في هذا البشر كلهم بما فيهم الأنبياء- هذه العبودية ملؤها الحب والتعظيم للخالق الرازق، القوي العليم علاقة ترفع الإنسان إلى رفع درجات التكريم والاحترام،
بقوله تعالى: "ولقد كرمنا بني آدم، وحملناهم في البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا" الإسراء الآية 70، وباجتبائه سبحانه وتعالى "هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج" الحج الآية 78 وعلاقته مع أبناء جنسه علاقة تعاون ومحبة، وأخوة ووئام "وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" والتفاضل يكون على أساس القيم لا على أساس الثروة والجنس والجاه" إن أكرمكم عند الله أتقاكم".
وأما علاقته بالكون، فالإنسان سيد الوجود، والله تبارك وتعالى سخر له هذا الكون ليكتشف نواميسه ويخضعه لإرادته، ويستفيد من خيراته، إنها " علاقة تسخيرية" وليست علاقة صراع، "ألم تر أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض" سورة لقمان الآية 20 "الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره" الجاثية:12، " وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه" الجاثية الآية 13، " وهو الذي جعل لكم الأرض ذلولا  فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه" سورة الملك 15، وإن تحديد هذه العلائق في جهاتها الثلاث لهو أكبر عاصم للإنسان من تعدى تطوره، وتجاوزه حدود قدره.
3- التصور الصحيح لبداية الكون ونهايته، وصفات خالقه ومعبوده، والبحث عن هذا التصور رافق مسيرة الإنسانية وسيستمر، وهذه المسألة تخبطت فيها العقول و الأفهام، فالدين يقدم لنا التصور الصحيح عن ذلك، وينفي أهم أسباب الحيرة والقلق التي عبر عنها ذلك الشاعر الحائر بقوله:
جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت    ولقد أبصرت قدامى طريقا فمشيت
والدين الإسلامي يقدم لنا الجواب الصحيح عن الكثير من ألغاز هذا الوجود، بله العالم الآخر، وحل هذه الألغاز يتوقف عليها الكثير من التوازن البشري واستوائه.
وأن هذا التصور الصحيح هو الذي يجعل الإنسان يشعر بالقرب من الله، ويجعله مراقبا له في كل حركة وسكنة، ويفتح أمامه نافذة الأمل والعمل، وينفخ فيه روح الثبات والاطمئنان.
وهذه الأمور الثلاثة –الإنسانية الكاملة- والمنهج الواضح، والتصور الصحيح لا تجتمع إلا للدين الإسلامي، فالأديان الأخرى قد يوجد فيها شذرات من هذه ولكنها ملفوفة بسحب الخرافة والأوهام، أما المذاهب الفلسفية على اختلافها، فهي قاصرة عن هذا قصورا كبيرا.
وأن هذه الحاجة الفردية ملحة في أعماق كل إنسان، ما أجمل ما قاله كريسي مورسيون في كتابه (الإنسان لا يقوم وحده): لسوف تقضي الحضارة بدون العقيدة  والدين، سوف يتحول النظام إلى فوضى وسوف ينعدم التوازن وضبط النفس والتماسك، سوف ينتشر الشر في كل مكان إنها لحاجة ملحة أن نقوى من صلتنا وعلاقتنا بالله.
وصدق الله العظيم إذ يقول في كتابه الحكيم: "ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا، ونحشره يوم القيامة أعمى، قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا؟ قال: كذلك أتتك آياتنا فنسيتها، وكذلك اليوم تنسى".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here