islamaumaroc

من معاني الهجرة النبوية

  محمد الطنجي

22 العدد

ليس اثر الإسلام بالشيء الهين في الوجود حتى يغفل وينسى تاريخ ظهوره، سواء بالنسبة لأتباعه أو الخارجين عنه؛ لأنه من أحداث العالم الكبرى التي أحدثت انقلابا عظيما في المعتقدات والأفكار والمعاملات والعبادات وسائر المرافق والأحوال الاجتماعية، وان الباحث المنصف إذا وضع خرائط العالم أمامه وتأمل النقطة التي كانت مبدأ انطلاق الإسلام وكيف انتشر، وتأمل كذلك قصر المدة التي انتشر فيها ليأخذه العجب، وإذا درس أحوال الأمم الاجتماعية سواء في الأمم التي اعتنقت الإسلام أو التي تأثرت به ليندهش من عموم هدايته وسيطرة أخلاقه وآدابه على كثير من بقاع المعمور، ولا يقل إعجاب المفكرين في آثار الإسلام كذلك إذا بحثوا عن تلقيحه للأفكار والعقول، حيث تكونت بهذه الحركات الفكرية والعلمية حضارة مزدهرة صهرت الحضارات التي سبقتها في بوثيقة واحدة وطبعتها بطابع جديد وأخرجتها للعالم تزهو في حلل الجمال والكمال.
فأي حدث عظيم في التاريخ يوازي هذه العظمة؟ وأي دين في الوجود استوعب كل مقوم من مقومات الأمم في أرقى صوره وأبدع أشكاله وأقربه للعقول السليمة والقطر القويمة، فجعله من عناصر التكوين للأمم الإسلامية والعربية الخالدة ؟
وهذا ما دفع الصحابة للاتفاق على جعل هجرة الرسول من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة مبدءا لتاريخ الأمة الإسلامية لأنهم أول المعتقدين به وأول المتأثرين بإصلاحه العام الشامل، وأول المصدقين بوعوده التي تحققت على أكمل الوجوه، ومن أهمها الانتصار على دولتي الروم والفرس وإنفاق كنوز كسرى وهرقل في سبيل الله.
والعرب من اصل الإسلام ومادته وهم عماد نصرته، وأعظم دعاته الممتحنين في سبيله بأنواع المحن والمجاهدين لإعلاء كليته الباذلين لأموالهم ونفوسهم بكل كرم وسخاء.
ومن أعظم هذه المحن والتضحية بالنفوس والأموال، الهجرة التي قام بها الرسول الأكرم وفريق كبير من أصحابه، والتي كانت نقطة تحول في تاريخ الإسلام ومبدأ انتصارفه من خصومه الأولين، والصفحة الأولى من صفحات العزة والمجد التي اخذ الإسلام يسجلها لأول مرة في شبه الجزيرة العربية قبل نشر دعوته في أقطار المعمور، وقد ذكر السهيلي في الروض الأنف أن ابتداء التاريخ الهجري يوخذ من قوله تعالى عند بناء مسجده، حيث قال تعالى : لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه» قال السهيلي: وفي قوله سبحانه من أول يوم – وقد علم انه ليس أول الأيام كلها ولا أضافه إلى شيء في اللفظ الظاهر – فيه من الفقه صحة ما انفق عليه الصحابة مع عمر حين شاورهم في التاريخ، فاتفق رأيهم أن يكون التاريخ من عام الهجرة لأنه الوقت الذي عز فيه الإسلام، والذي أمر فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأسس المساجد وعبد الله آمنا كما يجب فوافق رأيهم هذا ظاهر التنزيل، وفهمنا الآن بفعلهم أن قوله تعالى من أول يوم أن ذلك اليوم هو أول أيام التاريخ الذي يؤرخ به الآن، فان كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اخذوا هذا من الآية فهو الظن بإفهامهم، فهم اعلم الناس بكتاب الله وتأويله، وافهمهم بما في القرآن من إشارة وإفصاح، وان كان ذلك منهم عن رأي واجتهاد، فقد علم ذلك منهم قبل أن يكونوا، وأشار إلى صحته قبل أن يفعل، إذ لا يعقل قول القائل فعلته أول يوم إلا بإضافة إلى عام معلوم أو شهر معلوم أو تاريخ معلوم، وليس همنا إضافة في المعنى إلا إلى هذا التاريخ المعلوم لعدم القرائن الدالة على غيره من قرينة لفظ أو قرينة حال، فتدبره فقيه معتبر لمن اذكر، وعلم لمن رأى يعين فؤاده واستبصر.
ولهجرة النبي وأصحابه معنى خاص قد يغاير كثيرا معنى الهجرة اللغوي الظاهر من هذا اللفظ الذي هو انتقال من مكان استقرار إلى مثوى استقرار آخر، اعتبارا للظروف التي أحاطت بهذه الهجرة، والمبادئ التي حملت المومنين الصادقين عليها، والعصبية التي دفعت المشركين إلى شدة إذابة المسلمين حتى أخرجوهم من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله.
فهجرة الناس كثيرا ما تكون إلى المصالح الدنيوية مثل التجارة أو الزواج أو الحرث وانتجاع المراعي وما يدخل في هذه الأبواب، أما الهجرة إلى الله ورسالة لتقوية جانب المومنين المدافعين عن دين الله، ولنصرة الرسول الأكرم، ولتلقي مبادئ الإسلام وشرائعه من النبي أو من يقوم مقامه في تبيين دعوة الحق، وللرغبة في إقامة الشعائر الدينية في موطن آمن بكل حرية – ولو كلفت تلك الهجرة ترك الديار والأموال ومفارقة العشيرة في أصعب الأحوال – فلما مغزى خاص واعتبار في حقيقة صدق الأيمان، وقد أشار النبي عليه السلام إلى هذا المعنى الجليل، والقصد النبيل، ففرق بين الهجرة لطلب المصالح الدنيوية، والهجرة لنصرة المبادئ والزهد في المصالح المادية، حيث قال الرسول (ص) في الحديث الصحيح : من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله (أي من كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وقصدا، فهجرته إلى الله ورسوله مثوبة وأجرا): ثم قال: ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هجر إليه.
وقد نوه القرآن بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار اعتبارا ببيع أنفسهم لله والرغبة الصادقة في نصرة مبادئ دينه وطاعة أوامره واجتناب نواهيه مع الزهد في كل ما يملك من أثاث ومال صامت وناطق، فهذه الروح التي رفعت قدر المهاجرين إلى عليين، وسجلت أعمالهم المثالية في سجل الأبطال الخالدين يجب أن تبقى حية في قلب كل مومن تحدوه إلى هجر كل قبيح مثلما يدعوه الإسلام إلى عدم تلويح لسانه ويده بمس عرض أي مسلم، أو بدنه بسوء، صيانة للإخوة الإسلامية من خدش كرامتها أو تخيم ديباجتها بمكروه من قول أو عمل، فالكف عن جميع المكروهات مما توحي به الهجرة والإسلام معا، ولهذا الجانب الخاص راعى الرسول العظيم عليه السلام حيث قرن بين المسلم والمهاجر توجيها لهما للمعنى الأليق بهما فقال: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه.
وللهجرة أحكام خاصة، حيث كانت واجبة في حالة القدرة عليها أو عدم التمكن من إقامة الدين بسبب فتنة المشركين للمسلمين عن إقامة دينهم بحرية تامة، ولكن حين فتحت مكة وعز الإسلام بدخول الناس في دين الله أفواجا قال الرسول الأكرم عليه السلام: ذلك الحديث المشهور: لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، واذا استنفرتكم فانفروا، قال الحافظ بن حجر معلقا على هذا الحديث الصحيح لا تجب الهجرة من بلد قد فتحه المسلمون، أما قبل فتح البلد، فمن به من المسلمين احد ثلاثة: الأول قادر على الهجرة منه لا يمكنه إظهار دينه به ولا أداء واجباته، فالهجرة منه واجبة. الثاني: قادر لكن يمكنه إظهار دينه وأداء واجباته، فمستحبة لتكثير المسلمين ومعونتهم وجهاد الكفار والأمن من غدرهم والراحة من رؤية المنكر بينهم. والثالث عاجز بعذر من اسر أو مرض أو غيره فتجوز له الإقامة، فان حمل على نفسه وتكلف الخروج منه اجر.
وجعل الشيخ رشيد رضى في تفسيره السبب الثاني المتعلق بهجرة الفرد هو مشروعية الهجرة للتفقه في دين، فلا يجوز لمن اسلم في مكان ليس فيه علماء يعرفون أحكام الدين أو يقيم فيه بل يجب أن يهاجر إلى حيث يتلقى الدين والعلم.
ثم قال وأما السبب الثالث المتعلق بجماعة المسلمين فهو انه يجب على مجموع المسلمين أن تكون لهم جماعة أو دولة قوية تنشر دعوة الإسلام، وتقيم أحكامه وحدوده وتحفظ بيضته وتحمي دعاته وأهله من بغي الباغين وعدوان العادين، وظلم الظالمين، فإذا كانت هذه الجماعة أو الدولة أو الحكومة ضعيفة يخشى عليها من إغارة الأعداء، وجب على المسلمين أينما كانوا وحينما حلوا أن يشدوا أزرها حتى تقوى وتقوم بما يجب عليها، فإذا توقف ذلك على هجرة البعيدة عنها إليها وجب عليه ذلك وجوبا قطعيا لا هوادة فيه».
فأين هي الدولة النموذجية التي يتحدث عنها الشيخ رشيد في رضى تفسيره حتى نرى حدود شريعة الإسلام مطبقة ومنفذة تنفيذا تاما كاملا.
وأين هذا التعاون المثمر لتقوية جانب الدول الإسلامية حتى تفرض وجودها وتحمي حماها، وتكون مرهوبة الجانب يخطب ودها ويخشى باسها؟ أن من أول الوسائل لذلك الاتحاد والاعتصام بحبل الله. وأين يوجد الاتحاد بين أحزاب وجماعات الأمة الواحدة ؟ فأحرى أن يوجد بين الدول العربية جمعاء والإسلامية كذلك؟ ولكن التوفيق بيد الله (ربنا آتنما من لدنك رحمة وهيئ لنا من امرنا رشدا).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here