islamaumaroc

منهجية تدريس اللغة العربية -1-

  دعوة الحق

171 العدد

المناهج التربوية من الأمور التي يعنى بها الافراد، والجماعات والحكومات منذ أقدم العصور، والفرد في المجتمع البدائي يحلم دائما أن يورث ابنه ما عرف هو عن البيئة التي يعيش فيها والحياة التي يحياها، فلا يفتأ يدربه ويعلمه ويوجهه منذ الطفولة حتى الرشد، وحتى يطمئن الى أنه قادر بعده على حمل الأمانة، ومغالبة صعاب الحياة التي يحس بما هو(1)، فإن فشل في تلك المهمة حاسب الزمان وصار مأساة كاملة الفصول، وقضى حياته سقيما دنفا، تعصره الكروب، وتتقطع أحشائه لهفا واسفا، وتفنى أيامه بالحسرة وأعوامه بالتأوه، وتتحول غضاضته الى قحل القيظ، وتعمى مذاهبه، وتظلم كواكب غسقه وتتقول عليه شفاه الكذب التي تنطلق بالصلف، والبأو  والكبر: والازدراء، ويصبح هزؤا لأخلائه، لأن  حق البائس في رأي المسعود الإهانة، كما لو كان جمرا تحت رماد، أو بابا خارجيا لا يصد ريحا ولا يرد عاصفة، أو قبرا يلوث ناقله، ودلوا منقورا يبلل حامله، او كما لو كان عارا أي عار، او سوءة شنعاء ومعرة دهماء  باقية في الأعقاب، أما ذووه فلا يرون فيه الا داء عباء، أو حريقا مخوفا، أو دينا فادحا لتخبطه في أوحال الجهل، وضباب الغواية، وفراغ التجربة، وهو إذ لم يوفق له نمط من أنماط السلوك يلبسه ويرضاه له مجتمعه وأسرته، صار عندهم بهيمة أنعام، أو فرسا يحيا بغير فهم زينته الحكمة (2)، والرسن يشد هما عند جموحه وشماسه وتعذر انقياده، بل لا يرون فيه الا إناء متلفا من فخار مكسور لا يرقع ولا يشعب، ولا يعاد طينا، فهو لا يطمئن الى حال ولا يهدأ له ضمير يغلو في جهالته، ويركب متن غروره، وتستبهم عليه معالم القصد، تعاوده العلة فيقبع قبوع القنفذ، وينتكس بين أمواج الحيرة، يقذفه الريب فيتلقاه الشك، وتعبث به الظنون . ذلك أن الإنسان مخلوق أدبي لا تنمو قواه المعنوية الا بفعل مميز يظهر أثره عليه، بخلاف الحيوان الذي يجعل همته في نمو جسمه، فلا يكفي أن يربي الانسان بالاحوال الطبيعية التي تحكم تربية الحيوان، بل هو مضطر لزوما الى أحد من بني جنسه يعرفه الغاية الإنسانية . ويأخذ بيده نحو تربية  روحه وعقله، ولذلك ألقى الله سبحانه في قلوب  الوالدين رأفة طبيعية وحدبا غريزيا، ومحبة فطرية الى أبنائهم .
والمواطنة الصالحة لا يقوم لها ساق . ولا تنهس لها حجة . الا على التربية السليمة التي هي مناط عوامل التقدم الاجتماعي . والسير به في مدارج الكمال على ارض سهلة . وطريق لا حب، وبقدر تطور الزمن . وتعدد مسارب الحياة تعقدت أمور العيش، وازدادت أهمية التربية في أعين الناس لا. فشغلوا باعداد ابنائهم  عن طريقها اعدادا يضمن لهم السعادة في الدارين بمراعاة الجوانب المختلفة لإنسانية الانسان . وتعهدها بالذكاء الطيب والانماء السليم.
ونحن اليوم إذ نستورد كثيرا من نظريات الغرب في شتى حقول المعرفة . يجدر بنا أن نتمثلها، ونمثلها ولا يغنينا ترديدها بقدر ما تغنينا الاستفادة منها ، والأخذ بأنسبها وأحسنها، والنظريات اللغوية الحديثة ينبغي أن تعاش وتمارس في مضمارها وميدانها الذي هو اللغة نفسها، جملة وتفصيلا، مسايرة لغيرها من العلوم سواء بسواء .
وغني عن البيان أن المدرسين هم صناع الأمة الحقيقيون، يصوغون مستقبلها بقدر ما يبذلون من جهد واخلاص في العمل التربوي المنوط بهم، وهم بذلك يعكسون بالمدارس التي يعملون فيها الصورة الدقيقة لمدى النهضة الشائعة في الأمة، وكذا نوع الثقافة التي تجمع بين ابنائها وتسود تصرفاتهم أقوالا وأفعالا، والصور التربوية التي تعكسها المناهج التي تتعهدها المدرسة بالذيوع والنشر، تحمل في طياتها التعبير عن الحياة برمتها في البلد الذي تعيش فيه، وهي بذلك تحمل مسؤولية قصوى في إنهاض المجتمع(3) والتربية علم، وبدونها تصير التجربة والخطأ نزعات اعتباطية  تصيب مرة وتخطئ عشرات المرات، وتاريخ التفكير التربوي يمثل سلسلة من المحاولات في سبيل الوصول الى أصلح الطرق لتربية النشيء، فمنذ أقدم العصور حاول افلاطون، وأرسطو، وشيشرون أن يبينوا لنا كيف ينبغي أن يكون التدريس، وقد حاول هذه المحاولة رجال في العصور الوسطى منهم القديس اغسطين والإمام الغزالي وابن خلدون والقديس توما الاكويني وفي العصور الحديثة بستالوتزي، ومنتسوري، وفروبل، وروسو ولوك، وهربارت، وديوي، وغيرهم كثير، كل واحد من هؤلاء حاول جهده أن يقدم لقومه نظرية في التدريس، وعزز دينه جريا وراء الاصلح اللائق.
واللغة العربية  وهي لغتنا، قد أثبتت أنها قادرة على التعبير عن شتى فنون العلم، وأنها استوعبت ما نقل اليها من علوم أخرى، في الفلسفة وفي الطب، وفي الصيدلة وفي الرياضيات، و" أن اللغة العربية هي لغة القرآن ما في ذلك شك، ولكنها في الوقت نفسه، لغة الذين يتكلمونها، فمن الحق عليها أن تستجيب لأصحابها وأن تساير تطورهم، وتجاري حياتهم في ظروفها المختلفة، وهي قد فعلت في العصور الأولى، فلم تكد تخرج من البادية العربية حتى لاءمت الحضارة الحديثة ووسعت علومها وفلسفتها، وحتى تطور أدبها نفسه مع هذه الحضارة، فأدى في يسر واسماح ما لم يكن يخطر للأعراب البادين على بال من الخواطر والمعاني والآراء "(4). " إن العربية ليست لغة الشعر والخطابة، لغة السماويات فحسب، إنما هي بعد، لغة العلم في انتصاراته، لغة المختبر في كشوفه، لغة الفضاء في ريادة كل بعيد، لغة حية، لها من ماضيها ركيزة استمرار لمستقبلها، كأنما النسغ المحيي، يمتد عبر جذور غلست في ظلمة الثرى الى فروع ذهبت غصونها في الجهات وفي العلو، مصابيح رؤى تؤكد أن للعرب  في تربة الشعوب شجرة، هي السدرة بين الشجر الطالع  من تراب الارض" (5)، ونحن اليوم إذ نريد بعثها يتوجب علينا احترامها، وعدم ظلمها بحشر الألفاظ وتركيب العبارات قبل أن يسري فيها مائية العربية، وقبل أن تشرب روح هذه اللغة .
إن وظيفة اللغة وظيفة مجتمعية، ولا يمكن أن تفصل اللغة عن المجتمع لأنها منه واليه، واللغة لا تعيش لوحدها كتحفة من التحف أو أثر من الآثار التاريخية، حياة اللغة برواجها بين الناس كالسلع تماما، تغلو  وترخص حسب الاسواق ،وضمان سلامتها هو أول ضمان لبقاء العلم والثقافة، فاللغة إذا اطمأنت أنها لا يكيد لها كائد، سارت في أمان وسكينة، كالقاضي يشعر بالاستقرار والاطمئنان، ولكل مجتمع طابع وروح، واللغة ترقى برقي بيئتها، وتنحط بانحطاط أهلها، وتنحصر وظيفة اللغة الاجتماعية في أمرين هامين :
الأول : أمر فردي هو قضاء حاجات الفرد في المجتمع، ولذلك يقال : ان الانسان لا يعرف الا باللغة لأنها المميز الوحيد الذي يميزه عن غيره من الموجودات وهو ما يرمي  اليه المناطقة حين يقولون :"إن الإنسان حيوان ناطق" وما يقصده علماء الاجتماع إذ يقولون :" إن الإنسان حيوان اجتماعي " لأنه يتواصل مع غيره من بني الإنسان بواسطة الكلمات والالفاظ التي يصور بها أفكاره، وما يتردد في وجدانه وعقله .
الثاني :  أمر اجتماعي بحث، هو تهيئة الوضع المناسب والملائم لتكوين مجتمع ما ونشوء حياة اجتماعية ما، وهنا تصبح اللغة، مسموعة كانت أو مكتوبة، مصدرا عظيما من مصادر الحصول على المعلومات، وتنظيم العلاقات بين افراد المجتمع، واللغة تزداد أهميتها في المجتمع كلما ارتفع مستواه الحضاري وضرب في حقل التقدم بنصيب .
و" قد ظلت اللغة فيما مضى قرونا عدة وهي قانعة بمجال محدود في البحث العلمي، لا تكاد تتجاوزه أو تتعداه، حتى تنبهت الأذهان الى ما تضمنته الكلمات من دلالات، وبدا الدارسون يرون في تلك الدلالات الغاية والهدف من كل لغة، وأن اللغة في حقيقتها لا تعدو أن تكون وسيلة من وسائل تنظيم المجتمع الإنساني، تربط بين الأفراد، وتربط بين الجماعات، وتربط بين الشعوب . وبذلك أخذ اللغوي الحديث يدرس اللغة في ضوء الحياة الاجتماعية، وظهر له بوضوح دور اللغة في تشكيل المجتمع وتنظيمه ".(6)
واللغة تظهر في طبيعتها، وتبدو في كل فرد، بحيث لا يمكن أن تراه يخبز، وينسج، ويزرع، ويفلح الأرض، ويدرس ويطب في آن واحد . ولذلك يلجأ الإنسان الى غيره من أصحاب الحرف التي لا يمارسها هو، فيتصل بهم لقضاء مآربه بالتفاهم معهم بوسيلة  الاتصال التي هي اللغة، والوجود البشري يعتمد على الكيان اللغوي اعتمادا كبيرا، ولو سلمنا جدلا أن الله سبحانه علم آدم اللغة أو علمه اسماء كل شيء حتى القصعة والقصيعة، فإن ذلك إنما تم لتكون اللغة مبثوثة بين الناس، فورثها آدم من خرجوا من ظهره، فتشكلت وتنوعت كأي كائن حي في هذه الدنيا . فأصبحت بعد صلة الوصل بين البشر . واللغة هي إحدى وجهي الفكر، كأحد  وجهي الدينار، والذي لا يمارس لغة قومية تامة صحيحة لم يكن له أي فكر قومي صحيح، والا فكيف يمكن تصور تاريخ بلا لغة، أو دين بلا لغة، أو أدب بلا لغة، أو علم بلا لغة ؟
والقاسم المشترك في كل ذلك هو الحياة الاجتماعية التي لا تتسم بسمة الإنسانية الا بوجود اللغة، ذلك أن تحليل أي فكرة أو صورة ذهنية، أو معطى من معطيات العلم الى أجزائه وخصائصه، لا يتسنى الا بالتوسل باللغة، فيتأتى بذلك تركيب الصورة مرة أخرى، فاللغة تخضع لعوامل كثيرة نفسية واجتماعية، ويزداد هذا الخضوع بازدياد الرغبات عند الإنسان، ونمو مطالبه، واللغة تتسع وتنمو وتتنوع بقدر ما تسمح به البيئة والمجتمع، أما نواحيها الوظيفية فضاربة في أعماق النفس الإنسانية التي لا تحيا قوة وفعلا بأي نشاط سوى النشاط اللغوي، ويمكن تلخيص تلك النواحي فيما يلي :
1-أنها تزود المرء بادوات التجديد الفكري والتأملي، وهو ما تفتقده عند الكثرة الكاثرة من شبابنا وتلاميذنا، وهو ما يشكوه مدرسو الفلسفة، مثلا، لعدم استطاعة التلاميذ التعبير عن مكنون صدورهم عن معطيات في الفلسفة، والمنطق والاقتصاد " فالتجريد أعلى درجات القوى العقلية التي يصل اليها الحيوان المفكر، فألفاظ المعاني البحث كالحياة والقدرة، والشجاعة، والمروءة إنما تدل على تصور المدركات العقلية المجردة عن المادة، أي تدل على معان جردها العقل عن الاشخاص والاشياء التي تتصف بها "(7) وتعتمد ثقافة الإنسان باللغة اعتمادا كبيرا ليعبر عن مثل هذه المعاني، ويظهر أنه لا أحد ينكر الموقف الحرج الذي يفقه وهو يسمع ناسا يتحدثون لغة لا يفهمها  وكم مرة نحرم متعة تذوق قصيدة من القصائد لمجرد ورود كلمة أو كلمات فيها لا نفهم معانيها .
2-انها جسر العبور لأفكار الناس، عن طريق الكلمات المنطوقة أو المكتوبة أو المسموعة، سواء أكان الاتصال بسيطا سهلا كما في مخاطباتنا في حياتنا اليومية العادية، ونحن نتحدث عن مأكلنا ومشربنا وذهابنا وجيئتنا، مثلا، أو غير ذلك من الاشياء المحسوسة  المادية المتمثلة في الصورة الواقعية التي تنم عنها كل كلمة من كلمات مخاطباتنا، وسواء أكان الاتصال معقدا رفيعا، حيث تتعدى اللغة المجالات الحسية الى مجالات أخرى، أرحب وأوسع من الإنسان الى حالات نفسية متشعبة تنشأ عن ردود فعل في الاعصاب،  وضغط في الدم الذي يعمل تحت امرة الدماغ ولغة كل امرئ تكون بمقدار مستواه الفكري، ولذلك يقال:" العقول الكبيرة تناقش الأفكار، والعقول المتوسطة تناقش الاحداث، والعقول الضعيفة تتحدث في شؤون الناس "، فلغة العلماء والمثقفين ليست هي بلغة سواء الناس، فالعلماء والمثقفون يتفاهمون فيما بينهم بكثير من السهولة، ويحدث العكس لو خاطبوا الجهال والعوام، ولقد كان الشاعر العربي محقا حين قال :

الصنف بالصنف في الأشياء منطبع           والخير ويحك في الأرذال ممتنع
أرسل الوغد للوغدان بليت به                 إن الطيور على أجناسها تقع
 
3-إنها أصدق شاهد حضاري على الاطلاق، فهي تحفظ التراث  الثقافي للأمم، جيلا بعد آخر، فلولا اللغة مكتوبة ومنطوقة، ما وصلنا شيء من أخبار
سلف من الماضين، وما عرفنا عن القرون الغابرة، والأمم البائدة، والحضارات الماثلة والفانية، وما وصلنا شيء من المأثورات الشعبية، وانقطعت بذلك حبال العاطفة نحو الماضي المجيد، والعز التليد.
4-إنها وسيلة تساعد المرء على تكييف سلوكه وضبطه، وكبح جماحه كي يتناسب وتقاليد المجتمع وسلوكه، وكثيرا ما يغضبنا الغير فنهم بشتمه بألفاظ نابية أو مقنعة، فنعدل عن ذلك الى السكوت، لما نرى فيها من نشاز يأباه السلوك العام، أو ترفضه الأخلاق، او يستكنف عنه الدين، أو يمس الآباء والأجداد وما خلفوا، فالتقاليد هي  كل ما انتقل الى الإنسان من آبائه وأجداده ومعلميه ومجتمعه من العقائد والعادات، والعلوم، والأعمال، ولا يصح في عقل، أو يدور في خلد، أن يتم انتقال ذلك أو جزء منه، وصيرورته الى الغير، جيلا عن جيل وعصرا عن عصر الا بواسطة اللغة .
5-إن اللغة استعمال ومزاولة، وميدان حركة، ووسيلة حياة، وهي بذلك تجعل للمعارف والافكار البشرية قيما اجتماعية، بسبب استخدام المجتمع لها والتواصل بها للدلالة على ما يضطرب  فيه، ويعتمل في أحضانه، إنها وسيلة لصبغ الفرد بالصبغة الاجتماعية، والفرد كلما أوغل في عضويته للمجتمع اللغوي، لعبت اللغة دورا متزايدا في حياته الاجتماعية، وفي سلوكه وإحساسه الشخصي، أما عضويته الفعالة في مجتمعه، فتعتمد مباشرة على قدرته على الاتصال بزملائه، وقدرة الاتصال بدورها عامل أساسي في  نموه، باعتباره فردا (8)، ويظهر أن الذين نسميهم انطوائيين أو منزوين على أنفسهم، ما هم في الحقيقة الا أناس مدفوعون لعدم الاتصال بغيرهم اتصالا اجتماعيا يخولهم الاندماج في الناس، والتفتح على آفاقهم، لأسباب قد تكون نفسية يعكسها عجز ذخرهم اللغوي، وانقباضهم عند الحديث لقلة تجاربهم أحيانا  أو لجلهم الذي يسبب لهم انكسارا في القلب، أو شعورا بالخزي، ولقد بلغ من قوة الصلة بين التفكير والتعبير أن بعض علماء النفس يرون أنهما ليسا الا مظهرين لعملية عقلية واحدة، وأن نمو  كل منهما وارتقائه  مرتبط بنمو الآخر وارتقائه كل الارتباط، وأن كلا منهما مرتبط بتجارب الإنسان وخبراته في الحياة، فالتجارب محك الرجال، ولذلك يقول الشاعر :
لا تمدحن أمرا حتى تجربه            ولا تذمنه من غير تجريب  

6-انها الرافد الأكبر للقوى العاقلة، وهي عضدها الأول، وساعدها الأيمن وقوتها المحركة، فبفضل اللغة يزيد نماء الفكر ويمتد إهابه، وهي غذاء للروح وأطيب زاد للعقل، فيها يتسع الخيال وتبعد النظرة، وكلما كانت ثقافة الانسان للغة راقية كان فكره أرقى، ولا يخفى أن لغات البدائيين فقيرة أو تميل الى ذلك، لأن بيئاتهم ومدركاتهم ساذجة محدودة ضيقة، ونلاحظ ذلك أو شبيها له عند العوام أو الجهال، فإنهم يغضبون عندما نمازحهم، لأتفه الأسباب، ولأقل الألفاظ إقذاعا، لضعف تصورهم لما وراء الالفاظ، ولعدم تمرسهم بالسخر الفنى الذي يتم عن طريق ألفاظ اللغة أو الكلام، والإنسان يطل باللغة من كوة الآداب والعلوم، على عالم تمتد ظلاله بلا آفاق وبلا حدود، وهو باللغة يتكلمها أو يقرؤها، أو يسمعها، يدق خياله وضبطه للأشياء، وتتسع مداركه، ويزداد رأيه سدادا ويطفح علما وحكمة، ولذلك قال الشاعر :
بقدر لغات المرء يكثر نفعه                 وتلك له عند الشائد أعوان
فبادر الى حفظ اللغات مسارعا             فكل لسان في الحقيقة إنسان

7-إن كتاب الله الخالد حين يقول :" وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين "(9).أو حين يقول : " فذكر إنما أنت مذكر "(10) إنما يرمي الى حقيقة هامة، وحجة باهرة وأمر واقع، ذلك أن التذكير يكون بالعظة الحسنة للنهوض من الغفلة، أو بالكلمة البليغة للاعتبار لأولي الأبصار، أو للتنبيه على أمر قد طواه النسيان، أو طغت عليه عوادي الزمان، وكل ذلك لا يتم الا بواسطة الكلام واللغة، ولذلك يقول النحاة عندما يعرفون الكلام : انه " هو القول المفيد بالقصد، والمراد بالمفيد ما دل على معنى يحسن السكوت عليه "(11)، بحيث لا يصير السامع منتظرا لشيء آخر، ولا يطلب زائدا على ما سمع، لأن المفيد، الكلام هو ما أفاد فائدة تامة وترتبت عليه، لا عند المتكلم وحده، بل حتى عند السامع، لأن أولهما يلقي، وثانيهما يتلقى، ولا يتصور الثاني من غير وجود الأول ويفهم ذلك من قول القائل :
وقصدنا سكوت من تكلما       وقيل سامع وقيل بل هما(12)  
فاللغة هي مفتاح الحافظة والذاكرة، فقد تذكرنا الكلمة الواحدة نسمعها او نقرؤها بكثير من الأمور ما كنا لنتذكرها، بل كثيرا ما نراجع نفوسنا ونقيم سلوكنا لمجردة كلمة، تؤثر فينا، أو تهز مشاعرنا، أو تثير عواطفنا ويظهر أن المصحبين، وهم المجانين الذين يحدثون أنفسهم كمن يحدثون غيرهم، إنما كبتوا بحرمانهم عن التعبير والكلام باطمئنان في وقت من الأوقات  أو ظرف من الظرف، كالذي يحدث في بعض البيوت حيث يحكم الآباء أفواه أبنائهم في صباهم، بل حتى في شبابهم، فينشأون على القهر، والقسر، وقتل الارادة، وهم بذلك تخبو جذوتهم ويكتمون كلامهم ومكنون صدورهم لفقدهم نصرا هاما من عناصر الحياة بالنسبة للأطفال إذا ما فتحوا عيونهم على هذه الدنيا، ذلكم هو التشويق والسرور والجمال الذي يعبر عنه  بشتى أنواع التعبير كالكلام والكتابة والاشارة، واستساغة اللغة إنما يكون بامتزاج عباراتها بالنفس وقوة تأثيرها في القارئ أو المستمع، ولذلك يقال :" القلوب أوعية الاسرار، والشفاه أقفالها، والألسن مفاتحها " وقال الشاعر :

إنما تنجح مقالة المرء                   إذا صادفت هوى في الفؤاد
8-إن اللغة من أهم الوسائل لتوحيد التفكير، ورأب الصدع، وجمع الشمل، لأن أهل اللغة الواحدة يتكلمون لغة واحدة، ويكون لهم نسق متقارب من السلوك في التفكير، بل حتى أذواقهم تتقارب وقد تتحد فيما يحبونه، وما يكرهونه، وما يقدرونه وما يميلون اليه وما لا يأبهون له، قيل إن قبيلتين عراقيتين ذواتي آصرة حدث بينهما نزاع فكان ممن ندب للصلح بينهما المرحوم الشاعر علي الجارم، فقيل إنه نجح نجاحا عظيما حين استشهد بقول البحتري:
شواجر أرماح تقطع دونها                   شواجر أرحام ملوم قطوعها
إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها            تذكرت القربى ففاضت دموعها  
فبكى لسماع هذا الشعر رجال القبيلتين وتصالحوا (13)، فاللغة هي التي يتم بها التواصل بين الناس، فتوحد بين الافراد رغم الفروق التي تسودهم وكذلك تفعل فعلها في الجماعات، وهي فوق ذلك مهارة وفن وشعور وتعبير، وفيها تتجمع خلاصة التجارب البشرية، للترفيه عن الأرواح، ولتثقيف العقول .
9-إن اللغة تؤثر في الفكر، هو يوجهها وهي تقوده، وهي بذلك وسيلة لإيضاح المعاني الغامضة، وتنسيقها تنسيقا معينا، إذا خفيت أعلامها وضلت صواها، أو غام أفقها واستسرت آفاقها " وتأثير اللغة في وضوح المعنى وتنظيمه في ذهن المخاطب أمر لا شبهة فيه، والذي يمارس التدريس أو التحرير، قد يحس في نفسه معاني مجملة أو مختلطة، فيأخذ في معالجتها بالبسط أو التنسيق، وإنما يستعين على بسطها أو تنسيقها بكلام نفسي، وليس هذا الكلام النفسي الا صور ألفاظ لغوية تتسرب، قوة الحافظة الى المفكرة، فاللغة تأثير على الفكر من قبل أن يعبر عنه بالقلم أو اللسان "(14)، كما أن للفكر أثرا في اللغة عظيما، ولولا الفكر لفقدت اللغة خواصها ولم يكن لوجودها أية فائدة، وان الانسان لعاطل عن الفكر بطال إن لم تكن له لغة، لأن من خصائص  الإنسان الكلام المفصل البين المفهوم، وهو بذلك يقتل الصمت ويزيل العجمة ويطرد الوحشة، وهو لو عاش بدون لغة لكان كالغول، يخوف به ولا وجود له على حد قول الشاعر :
الغول والخل والعنقاء ثالثة              أسماء أشياء لم توجد ولم تكن
ولذلك قال أحد الفلاسفة :" الافكار التي لا تودع في الالفاظ كالشرارات التي تبرق الا لتموت "، والألفاظ يربطها الفكر بمعانيها، فيعمد اليها وهي أصوات فارغة، فيردها كالأصداف تحمل من درر المعاني ما يبهر العقل، أو كالأغصان تحمل من الثمار ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، ويجعلها محفوظة باقية، ينميها عامل الزمن والمكان يتناقلها أو تدارسها أو تأييدها، أو تفنيدها .
فاللغة إذن، ليست شيئا جامدا عديم الحركة والحياة، بل إن طاقتها تنمو وتزكو بقدر ما تزاول وتمارس، واللغة ممارسة وسلوك، لأنها الأداة الطبيعية التي يستعملها الناس، وهم أحياء، ليتفاهموا ويتعاونوا على تحقيق منافعهم الخاصة والعامة، فيحققون بذلك دورهم الفردي والجماعي في الحياة ، لأن اللغة جيوب للأفكار، وأوعية للوجودانات، بما لها من امتداد في الزمان، ونهوض بالأداء عن العلاقات المعنوية، فهي المستودع الأكبر للتراث الاجتماعي، وما تركه السابقون، وبواسطتها يتم لهذا التراث الذيوع والانتشار  في الناس، ليصل في النهاية الى تواصل بين الإنسان وربه والطبيعة، والكون الذي يعتبر الإنسان جزءا منه، بل إن الإنسان ذلكم الكائن العجيب الذي قتل الصمت باللغة، هو تاج الخليقة وبطل الرواية الكونية.

(1) -الأصول التربوية في بناء المناهج، تأليف دكتور حسين سليمان قوره ، ص 19 ، الطبعة الرابعة 1975 ، دار المعارف بمصر .
(2) -الحكمة ، بفتح الحاء والكاف : حديدة في اللجام تكون على أنف الفرس وحنكه ، تمنعه عن مخالفة راكبه ، وفي الحديث:" ما من آدمي الا وفي رأسه حكمة " وفي رواية :" في رأس كل عبد حكمة إذا هم بسيئة ، فإن شاء الله تعالى أن يقدعه بها قدعه "، ولما كانت الحكمة تأخذ بفم الدابة ، وكان الحنك متصلا بالرأس ، جعلها تمنع من هي في رأسه كما تمنع الحكمة الدابة ، وكانت العرب تتخذ الحكم من القد بكسر القاف ، وهو سيور تقطع من جلد فطير غير مدبوغ ، ومن الأبق بفتح الهمزة والباء ، وهو القنب لأن قصدهم الشناعة لا الزينة ، قال زهي :
القائد الخيل منكوبا دوائرها     قد أحكمت كمات القد والابقا
(3) -الأصول التربوية في بناء المناهج ، ص 23
(4) -خصام ونقد للدكتور طع حسين ، ص 182 ، الطبعة السادسة ، يناير 1975 دار العلم للملايين بيروت .
(5) -من مقدمة الشيخ عبد الله العلايلي للسان العرب المحيط لابن منظور ، ج اعداد وتصنيف يوسف خياط ونديم مرعشلي ، كانون الثاني 1970 شوال 1389 دار لسان العرب ، بيروت .
(6) -من تصدير للدكتور ابراهيم  أنيس لكتاب " اللغة في المجتمع " تأليف م ، م ، لويس ترجمة الدكتور تمام حسان ، ص 3 دار إحياء الكتب العربية 1959 .
(7) -المدخل الى دراسة النحو العربي على ضوء اللغات السامية ، بقلم عبد المجيد عابدين ص 16 الطبعة الأولى 1951 مطبعة الشبشكي بالأزهر  صر .
(8) -اللغة في المجتمع ، ص 31
(9) -الآية 55 من سورة الذاريات .
(10) -الآية 21 من سورة الغاشية .
(11) -مغني اللبيب عن كتب الأعارب لجمال الدين ابن هشام الأنصاري ، ج2. ص 419 ، حققه وخرج شواهده الدكتور مازن المبارك ومحمد علي حمد الله – راجعه سعيد الأفغاني – دار الفكر الحديث لبنان .
(12) -حاشية أحمد بن محمد بن حمدون السلمي المعروف بابن الحاج على شرح الشيخ خالد الأزهري على متن الأجرومية، ص 12 ، الطبعة الثانية ، 1351هـ ، مطبعة المعاهد بالقاهرة .
(13) -اللغة العربية معناها ومبناها للدكتور تمام حسان ، ص 340-341 الهيئة المصرية العامة للكتاب 1973.
(14) -دراسات في العربية وتاريخها لمحمد الخضر حسين، ص 12 المكتب الإسلامي، مكتبة دار الفتح دمشق، الطبعة الثانية 1380-1960م.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here