islamaumaroc

رباعيات الإمام البخاري -2-

  دعوة الحق

171 العدد

علو الإسناد طريق مرغوب فيها عند المحدثين ولذا كان السلف يتزاحمون ويتسابقون على نهجه، وسبيلهم إلى ذلك كثرة الرحلة والسفر طلبا للسند العالي لأنه يحقق الغرض من الرواية.
وقد أكثر الإمام البخاري الترحال إلى الأمصار والأقاليم وأطال السفر إلى الحواضر الإسلامية طلبا لعالي الإسناد ورغبة فيه وتحقيقا للمقصد الأسمى منه: قال الحافظ المزي:(1)
و"أكثر الحاكم من عد شيوخه (أي البخاري) وذكر البلاد التي دخلها ثم قال: وإنما سميت من كل ناحية جماعة من المتقدمين ليستدل على عالي إسناده، فإن مسلم بن الحجاج لم يدرك أحدا ممن سميتهم إلا أهل نيسابور".
ولذلك أجهد الإمام البخاري نفسه وكان يقطع المراحل ويقصد الأقاليم مهما ناءت من أجل رواية حديث واحد أو حديثين طلبا لسند عال قل رواته ورجاله، وكان شديد القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم (2)، وإذا كان للإمام البخاري فضل الريادة في علم الحديث باعتباره أول من صنف الحديث وأول من صنف صحيح الحديث مجردا حتى اعتبر كتابه الصحيح أصح كتاب بعد كتاب الله، ولقب أمير المؤمنين في الحديث(3) واعتبر مسلم "أستاذ الأستاذين وطبيب الحديث في علله ". كما اعتبر الترمذي الإمام البخاري أعلم أهل عصره بمعرفة الأسانيد والعلل والتاريخ قال:
"لم أر بالعراق ولا بخراسان في معرفة العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل البخاري".
لذلك جاء كتابه ( الجامع الصحيح ) نموذجا لكتب الحديث منذ ألف في الصحيح، وظل من أجل ذلك قبلة العلماء والمحدثين سواء في طريقته أو الأسلوب الذي نهجه البخاري في جمعه وتأليفه وانتقاء الحديث الصحيح، خاصة وأنه خرج جامعه من ستمائة ألف حديث مما صح عنده على شروطه، وهو ما لم يتعد سبعة آلاف حديث ونيف مما ورد في كتابه الصحيح، ثم طول أناته في مدة تأليفه وبحثه الطويل الذي استمر ستة عشر عاما، وفي طريقة أخذه للحديث وروايته عن الشيوخ الذين بلغوا ألفا وثمانين نفسا، ثم إلى تعدد الأمصار والأقاليم التي رحل إليها وقصدها من أجل رواية الحديث، فإنه لم يكتب في الجامع كل ما سمعه أو رواه، كما لم يصح عنده كل ما تلقاه من الشيوخ بل كان يعمل عقله ونهجه وطريقته فيما يأخذ ويروي ويتثبت ويتحرى قبل أن يكتب في الصحيح(4)، ومن حيث طريقته في التحديث امتاز البخاري بالبحث الدقيق عن الرواة الذين يأخذ عنهم ويسمع منهم، وذلك من أجل معرفة منازعهم الفكرية وأهوائهم السياسية وسيرتهم الخلقية.
كما كان يهتم اهتماما بالغا بالبحث عن كيفية اتصال الراوي بشيخه في الحديث والبحث عن متن الحديث وهل هو موافق للسنة وما رواه الثقاة مما جعل طريقة البحث عند البخاري والوسائل التي اتبعها والمنهج الذي التزمه منهجا علميا ومقياسا دقيقا لم يسبق إليه ولم يلحق فيه، وحتى كان أبو الحسن المقدسي يقول في الرجل الذي يخرج عنه البخاري في الصحيح "هذا جاز القنطرة".(5)
من أجل ذلك كله لا يوجد كتاب في الإسلام بعد كتاب الله العزيز اهتم به المسلمون اهتمامهم بالجامع الصحيح حفظا ودراسة وتعليقا وشرحا واستدراكا وترجمة إلى غير ذلك من مظاهر العناية بكتاب الصحيح.
وقد آثرت أن أشارك العلماء وأهل الحديث اهتمامهم وعنايتهم بكتاب الجامع الصحيح وأدلى بدلوي فيه وأربط نشاطي بنشاطهم وبحثي ببحثهم في مجال اكتشاف أوجه عبقرية هذا الرائد العظيم في كتابه الخالد الجامع، واخترت أن أدرس موضوعا يتعلق برجال إسناده كما يتعلق بمتون أحاديثه سواء في أسانيده الرباعية أو متونه الرباعية، وهو موضوع مبتكر جديد ندر من ألف فيه أو بحث عنه من المحدثين والعلماء وقد قسمت هذا البحث إلى ثلاثة أقسام:
1- رباعيات البخاري في السند أي في رواية الحديث أو الأسانيد الرباعية.
2- رباعيات البخاري في المتن أو المتون الرباعية.
3- رباعيات البخاري في وصيته.

رباعيات البخاري في السند:
المقصود برباعيات الإمام البخاري في السند أي في رواية الحديث أو ما نسميه الأسانيد الرباعية هي الأحاديث التي تكون أسانيدها رباعية أي أن يكون بين البخاري -أي قوله- وبين حديث النبي صلى الله عليه وسلم أربعة رواة.
وذلك بأن يروي الحديث أربعة من الصحابة أو التابعين بعضهم عن بعض في سند لمتن واحد.
مثاله "حديث الزهري عن السائب بن يزيد"1، عن حويطب بن عبد العزى2، عن عبد الله بن السعدي3، عن عمر بن الخطاب4، مرفوعا، .... ما جاء الله به من هذا المال من غير إسراف فخذه ومالا فلا تتبعه نفسك".
وكحديث البخاري في "كتاب الإيمان "من باب "دعاؤكم إيمانكم":
حدثنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان".
فهذان الحديثان الواردان في صحيح الإمام البخاري رواهما أربعة رجال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون بين البخاري وبين النبي صلى الله عليه وسلم أربعة رواة.
وإذا كان أطول أسانيد البخاري التساعيات فإن أعلى ما للبخاري في صحيحه الثلاثيات كما ذكر محمد ابن عبد الرحمان الكزبري.(6)
أما ثلاثيات البخاري فقد درسها أهل الحديث واهتموا بها وألفوا وجمعوها، وأشهر من قام بذلك الحافظ ابن حجر، وعمنا المحدث عبد الحي الكتاني والملا إبراهيم الكوراني وغيرهم من المحدثين.
أما رباعيات البخاري في الجامع الصحيح فلا نجد من اهتم بها أو ألف فيها أو جمعها إلا النادر القليل، على عكس الأمر في الثلاثيات، وقد ذكر حافظ المغرب محمد بن جعفر الكتاني في الرسالة المستطرفة(7) أن لأبي عبد الله البخاري رباعيات، وقد شرحها (بعضهم) في كتاب سماه "درر الدراري في شرح رباعيات البخاري"، ولم يذكر مؤلفه بل عبر عنه: وقد شرحها بعضهم، بينما نجد حاجي خليفة في "كشف الظنون"(8) ذكر الكتاب نفسه وسماه "درر الدراري في شرح رباعيات البخاري" أو "الدرر الدراري"، وسمى مؤلفه وهو أحمد بن محمد الشامي الشافعي.
وقد أورد صاحب كشف الظنون بأن أولها هو:
"الحمد لله الذي نزل أحسن الحديث، استخرجها من الجامع الصحيح مستمدا من شرح الكرماني وتنقيح الزركشي مع زيادات".
كما ذكر صاحب كشف الظنون رباعيات أخرى غير هذا الكتاب، ولكنها لا تتعلق بكتاب الجامع الصحيح.
كما نجد كتابا آخر في رباعيات البخاري، جاء في "فهرس الفهارس"(9)، وهو كتاب "جناح الجناح بالعوالي الصحاح"، ويسمى أيضا "لوامع اللآلي في الأربعين العوالي"(10)، للبرهان إبراهيم الكوراني المدني المجدد على رأس المائة الحادية عشرة للهجرة.
وقد خرج الكوراني في جناح الجناح أربعين حديثا من العوالي الصحاح وقدمها بمقدمات في شرف أصحاب الحديث وطرق حديث من حفظ على أمتن أربعين حديثا ثم أتى بالعشاريات السيوطية بإسناده الموصل إلى السيوطي، ثم ترجمة البخاري وتفريع أسانيده إليه من طريق أبي ذر والمعمرين وغيرهم، ثم ساق حديثا من رباعيات البخاري، ثم أتى بخاتمة اشتملت على تنبيهات ساق فيها ثلاثيات البخاري، ثم أتى بعشرين حديثا مسلسلا بالصوفية، وهو في نحو ثلاث كراريس، مفيد جدا لطالب هذا الشأن، أتمه سنة 1083".(11)
وقد ذكر عمنا سيدي عبد الحي الكتاني أن بمكتبته نسخة من هذا الكتاب المخطوط أخذت من النسخة التي أرسلها المؤلف هدية إلى الشيخين عبد الرحمان ومحمد ابني عبد القادر الفاسي، إلا أنني لما بحثت عنها بين كتبه بالمكتبة العامة لم أعثر لها على أثر للأسف الشديد.
ونجد للبخاري أيضا نوعا من الرباعيات في رواية الحديث ملحقة بالثلاثيات(12) وهي حديثان فقط:
وذلك أن يروي الحديث تابعي عن تابعي عن الصحابي، أو صحابي عن صحابي، فيحسب التابعيان أو الصحابيان في درجة واحدة، فهما اثنان في حكم الواحد، فإذا كان منهم راو أخذ عنه المؤلف يقال فيه رباعي في حكم الثلاثي، وهذا السند يكون مشتملا على أربعة رجال منهم صحابيان أو تابعيان فيكون من حيث العدد رباعيا ومن حيث النوع ملحقا بالثلاثي، ولا نجد غير هذين الكتابين المذكورين آنفا فيما يتعلق برباعيات البخاري من حيث السند أي كتاب آخر يتعلق بها أو يهتم بها، على أن الكتابين المذكورين نفسهما لم نعثر على أي واحد منهما بمكتباتنا العامة أو الخاصة بعد طول التتبع والتنقيب.
هذا وقد تصديت بالبحث والاستقصاء والتتبع والدراسة للجامع الصحيح كي أجرد رباعيات البخاري من حيث الرواية وقمت بجمعها كي يكون لي فضل جمعها ونشرها واستخراجها والتصنيف فيها، لذا أطلت قراءة البخاري ودراسته وتكررت تلك القراءة والمراجعة، وكلما أعدت القراءة والمراجعة اكتشفت رباعية جديدة، ولذلك رجعت إلى نسخ كثيرة من الجامع الصحيح قديمها وحديثها في أثناء دراستي الطويلة للجامع، غير أني اعتمدت في تجريد الرباعيات وتخريجها على شرح الكرماني لصحيح البخاري، وهو المسمى "الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري"، الطبعة الأولى منه بمصر سنة 1351، وذلك لكونها مضبوطة ومشكولة ولكونها أسهل من غيرها من حيث البحث والقراءة والدرس والاستقصاء.

(1) - طبقات الشافعية للسبكي.ج2. ص 2.
(2) - قواعد التحديث ص 108، علوم الحديث صبحي الصالح ص 236.
(3) - حياة البخاري للشيخ جمال الدين القاسمي ص 11.
(4) - طبقات الشافعية ج2. ص 7
(5) - الإمام البخاري محدثا وفقيها للدكتور الحسيني ص 14.
(6) -فتح الباري لابن حجر.
(7) -الرسالة المستطرفة ص 98.
(8) -كشف الظنون لحاجي خليفة ج1. ص 832.
(9) - فهرس الفهارس للشيخ عبد الحي الكتاني ج1. ص 229 و368 و372.
(10) - أصلي مساند على الرحمان في أعلى أسانيد علي بن سليمان للبرجموعي الدمناتي ص 20
(11) - فهرس الفهارس ج1. ص 229و230.
(12) - الرسالة المستطرفة ص 98 و99.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here