islamaumaroc

الروح والإشراق

  دعوة الحق

171 العدد

الإشراق والإشعاع والإضاءة والإنارة كلمات لها معنى واحد لمفهوم واحد هو إصدار النور.
والشيء الذي يشرق  ويشع ويضيء وينير يمتلك طاقة حرارية نورية تساعده على الإشراق والإشعاع والإضاءة والإنارة .
فالشمس مثلا تشرق لأنها تملك طاقة حرارية نورية ذاتية تساعدها على الإشراق والإشعاع والإضاءة والإنارة بصورة دائمة .
والقمر يضيء وينير لأنه  يستمد طاقة حرارية نورية من الشمس ويعكس عكسا إشعاعيا .
والمصباح – أي مصباح  - هو الآخر يضيء وينير عندما يكون مخزونه  من الوقود والطاقة  الحرارية النورية الأخرى كافيا ويساعده على الإضاءة والإنارة حتى إذا ما انتهى مخزونه أو توقف ، توقف هو أيضا عن إصدار الضوء والنور .
فاستمرار عمليات الإشراق والإشعاع والإضاءة والإنارة تتطلب استمرار مخزون الوقود أو الطاقة الحرارية النورية الأخرى . وتستحيل عمليات الإشراق  والإشعاع والإضاءة والإنارة بفقدان الوقود أو الطاقة الحرارية النورية .
هذا هو الإشراق وهذه هي عمليات الإشراق والإشعاع والإضاءة والإنارة  بالمفهوم الفيزيقي (الطبيعي) كما نعرفها ونشاهدها في حياتنا اليومية .
فالإشراق، إذن ، أصبح عندنا الآن واضحا ومعروفا فيزيقيا ، بهذه الأمثلة البسيطة المذكورة .
وتستعار كلمات الإشراق والإشعاع والإضاءة والإنارة أحيانا لاستخدامها استخداما ميتافيزيقيا للتعبير عن مفاهيم روحية ومعنوية وعقلية وثقافية .
والإشراق بالمفهوم الميتافيزيقي هو الذي يهمنا هنا في  هذا الموضوع الروحي والعقلي لعلاقته الوثيقة بروح كل إنسان منا .
ويتطلب الإشراق الميتافيزيقي ( الروحي والعقلي ) هو الآخر بدوره ما يتطلبه الإشراق بالمفهوم الفيزيقي ( الطبيعي والمادي) من ضرورة وجود مخزون الوقود أو الطاقة الحرارية النورية الذاتية أو المستمدة من موجودات أخرى لا مكان القيام بعمليات الإشعاع والإضاءة والإنارة الروحية والعقلية والمعنوية والثقافية .
وإذا كان مخزون الوقود أو الطاقة الحرارية النورية في الإشراق الفيزيقي فيزيقيا ( طبيعيا وماديا )  فإنه بالنسبة للإشراق الميتافيزيقي  ( الروحي والعقلي ) يكون ميتافيزيقيا ( روحيا وعقليا ومعنويا وثقافيا ) .
-فما هو سر هذا المخزون الميتافيزيقي للوقود
أو الطاقة الحرارية النورية الضروري جدا للإشراق الروحي والعقلي ؟
والجواب على هذا السؤال معلوم يعرفه القارئ ، وهو بكل بداهة ودونما حاجة الى التفكير العميق :
-الايمان بالله الخالق وبدينه الحنيف ، وحبه ، والتعلق  به ، والتشوق الدائم اليه .
وللروح دور أصلي أساسي ومهم في هذا الاشراق الميتافيزيقي لأنه أولا وأخيرا اشراقها : منها واليها ، بها ولها .
فهي ، كما هو معروف ، من أمر الله الخالق ، وترتبط به ارتباطا وثيقا ، وهي رسوله الميتافيزيقي (الغيبي الباطني ) في الإنسان المؤمن المسلم .
وهي تستمد من الله الخالق بواسطة هذا الارتباط الوثيق  والمباشر استمرارية مخزونها الميتافيزيقي لوقودها أو طاقتها الحرارية النورية وأبديتها التي تمكنها من الاشراق والإشعاع والإضاءة والإنارة .
وكلما زاد ايمانها وقوى تضاعف مخزونها الميتافيزيقي ( الغيبي الباطني ) لوقودها أو طاقاتها الحرارية النورية .
وكلما صفت وتطهرت وزكت واطمأنت زاد نورها وقوى وتضاعف .
والايمان نور ، وهو من الله .
والله الخالق نور .
وفي هذا يقول عزل وجل في القرآن الكريم :
" الله نور السموات والأرض ... الآية  " (1)
والروح من أمر الله الخالق ، وقريبه منه ما دامت مؤمنة مسلمة ، وتحظى برضوانه .
فهي ، كما نراها تستمد نورها من نور الله .
وفي هذا يقول الله الخالق في القرآن الكريم :
" يهدى الله لنوره من يشاء " (2)
" ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ". (3)
فالله الخالق هوة المعين المباشر الذي تستمد منه الروح المؤمنة المسلمة نورها.
والايمان بالله وبدينه الحنيف و سبيلها وصراطها ووسيلتها الى استمدادها هذا النور الذي يتجلى في اشراقها وإشعاعها واضاءتها وإنارتها .
وعليه ، فإشراق الروح المؤمنة المسلمة من اشراق الله الخالق .
وبعبارة أخرى :
إن الاشراق الميتافيزيقي ( الغيبي الباطني ) الروحي والعقلي من الاشراق الإلهي المطلق اللانهائي واللامحدود .
هذا هو الاشراق بالنسبة للروح المؤمنة المسلمة التي تكون روحا نورانية ربانية عليا .
أما بالنسبة للروح الكافرة فإنها تفقد اشراقها لكفرها بالله الخالق ، وابتعاداها عنه ، وتصبح روحا قائمة مظلمة سفلى .
وفي هذا يقول الله تعالى في القرآن الكريم :" والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ".
" أو كظلمات في بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض ".
وتؤكد لنا الآيتان الكريمتان أهمية الايمان بالله وبدينه الحنيف كشرط أصلي وأساسي للإشراق الميتافيزيقي ( الغيبي والباطني ) للروح .
والقرآن الكريم ، كتاب الله الخالق ، روح ونور لأنه يهدي الأرواح الى الايمان بالله وبدينه الحنيف ، ويطهرها ، ويصفيها ، ويزكيها .
ونور القرآن الكريم من نور الله الخالق ، وروحه من روحه الإلهية الأزلية السرمدية .
ولهذا يشعر القارئ والسامع بروحانية كلماته وآياته تسري في روحيهما ، وبنورانيته تشرق في أعماقهما ، وتشع فيهما فيستجيبان لمعانيها الدقيقة ، ولمفاهيمها العالية الراقية .
وحقيقة هذه الاستجابة هي أن روح الله الخالق بواسطة القرآن الكريم تخاطب الأرواح تدعوها للإيمان والتدين ، وتسري فيها .
وفي هذا يقول الله تعالى في القرآن الكريم :
" هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات الى النور ، والله بكم لرؤوف  رحيم".(4)
وفي حياة ما بعد الموت تعرف أرواح المؤمنين بالنور وأرواح الكافرين بالسواد.
ويوم القيامة أثناء البعث والحساب والجزاء يكون النور علامة المؤمن الذي يفوز بالجنة أما السواد فيكون علامة الكافر الذي يعاقب بالجحيم .
وفي هذا يقول الله تعالى في القرآن الكريم :
" يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم ".(5)
ويقول سبحانه وتعالى في حق أهل الايمان والكافرين في القرآن الكريم :
" والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم ، والذين كفروا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ".(6)
فالإيمان بالله وبدينه الحنيف نور ، وجزاؤه نور وجنات .
أما الكفر فظلام وسواد وعقابه نار الجحيم .
والايمان ينبوع النور والاشراق .
ومن لا ايمان له لا نور له .
ومن لا نور له لا اشراق له .
وهكذا نجد أنفسنا وجها لوجه أمام حقيقة الاشراق .
إن الذي يشرق ، إذن ، هو الايمان بالله وبدينه الحنيف داخل اعماق الإنسان الميتافيزيقية ( الباطنية ) أي روحه ، أو نفسه ، أو عقله .
وبإشراق نور الإيمان بالله وبدينه الحنيف في أعماق الإنسان الميتافيزيقية ( روحه أو نفسه أو عقله ) تستمد قدرتها الاشراقية الإشعاعية ، وتصبح مشرقة ومشعة تصدر الإشراق والإشعاع الى ما حولها .
فروح الإنسان عند التمثيل كالقمر سواء بسواء .
القمر يستمد نوره من الشمس فيغدو مشرقا مشعا ، ويعكس هذا النور الى ما حوله .
أما هو فلا نور له ، وإنما له قابلية استمداد النور من الشمس والإشراق والإشعاع .
وروح الإنسان تستمد نورها من نور الله بواسطة الإيمان به وبدينه ، وتصبح مشرقة ومشعة ذات اشراق وإشعاع ، وتأخذ في عكس هذا الإشراق وبث إشعاعه بحكم مسؤوليتها في تبليغ أمانة الايمان بالله وبدينه الحنيف .
ويؤكد لنا الاشراق ، كما نرى ، قيمة الايمان بالله وبدينه الحنيف لأنه هو النور الذي يتوقف عليه إشراق الروح واشعاعها والا ظلت مظلمة سوداء معتمة شأنها شأن القمر إذا غابت عنه أشعة الشمس .
وعند دراسة الاشراق الميتافيزيقي ( الغيبي الباطني ) نجد أمامنا هذين النوعين البارزين :
-الاشراق الروحي : ( الديني والصوفي ) .
-الإشراق العقلي : ( الفلسفي والعلمي والشعري).
ويتحد النوعان غالبا فيتكون من اتحادهما ما يمكن أن نسميه بالأسماء الآتية :
-الإشراق الصوفي الفلسفي : كما هو الشأن عند الإمام الغزالي ومحيي الدين بن عربي الحاتمي وأبي بكر ابن طفيل .
-الإشراق الصوفي العلمي : كما هو الشأن عند ابن رشد.
-الاشراق الصوفي الشعري : كما هو الشأن عند ابن الفارض .
ويكون الإشراق الروحي أحيانا دينيا صوفيا صرفا كما هو الشأن عند مولانا عبد السلام بن مشيش العلمي وسيدنا أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنهما وغيرهما .
ولعل أروع أمثلة الاشراق الروحي الديني الصوفي الصرف أو الصوفي  الفلسفي هي تلك التي يقدمها لنا أولئك الأميون الذين لم يعرفوا في حياتهم مدرسة ولا دراسة منظمة ، وأصبحوا بفضل عباداتهم ومجاهداتهم ( أي جهادهم النفسي) ، وتأملاتهم الباطنية العميقة في الوجود والكون والحياة مستنيرين وعلماء أجلاء وفلاسفة كبارا لهم تعاليمهم ومذاهبهم ، ولآرائهم قوة روحية وعقلية وعلمية يستشهد بها ، ولهم فوق كل هذا شهرتهم كأعلام بارزة بروز القمم في أعالي الجبال الشاهقة .
وهذه الأمثلة جديرة بالدراسة لأهميتها الموضوعية بالنسبة لبحث موضوع الاشراق الروحي الديني الصوفي الصرف ، والإشراق الروحي الصوفي الفلسفي .
وأول مثال عظيم للإشراقيين الكبار سيدنا ابراهيم الخليل عليه السلام.
هذا المراهق ابن النجار صانع الأصنام والتماثيل المولود في مدينة " أور " عاصمة سومر ( العراق) رفض عبادة أبيه وقومه ، وحطم أصنامهم ، وحكموا عليه بالحرق في نيران أعدت لذلك ، ونجاه الله الخالق ، وأخذ بعد ذلك يتأمل النجوم والقمر والشمس في السماء الزرقاء اللامتناهية اللامحدودة باحثا فيها عن إله حق حتى تجلى له الله الخالق بالوحي فأصبح مؤمنا حنيفا ، ونبيا ورسولا من أولى العزم .(7)
لقد هداه الإلهام الباطني في البداية وحفزه الى رفض عبادة الأصنام ثم وجهه بعد ذلك الى التأمل .
وأثناء التأمل الفكري العميق كان فكره يتطلع الى الأعلى لاستجلاء المعرفة الحقة مشتاقا الى تبين سرها فاستجاب الله الخالق رغبته وتجلى له بوحيه .
وهذا المثل العظيم للإشراقيين الكبار يعيد نفسه عند سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .
فسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : رفض عبادة ما كان يعبده قومه من أصنام وأوثان ، وتسامى عن اعرافهم وتقاليديهم الفاحشة ، وتخلق بالأخلاق الحميدة ، وكان مثالا فذا في الأمانة .
وكان يقصد غار حراء للتحنث والتأمل .
كان يتطلع أثناء تأمله الفكري الى الأعلى لاستجلاء المعرفة الحقة مشتاقا أيضا الى تبين سرها فاستجاب له الله الخالق مثلما استجاب لأسلافه الأنبياء والرسل ن قبله ، وتجلى له ، مثلهم ، بالوحي.
وصار سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : مؤمنا مسلما نبيا ورسولا من أولى العزم ، وخاتما للأنبياء والرسل . هذان مثلان لشخصيتين تاريخيتين في الاشراقيين عند الأنبياء والرسل .
وإذا كان هناك ما يوضحانه لنا هذان المثالان فهو أن الإشراق الروحي قديم قدم الوجود الإنساني على كوكبنا الأرضي.
والأصل في الإشراق الروحي أنه ديني صوفي ( إلهي) يتجه من الإنسان الملهم الهاما غيبيا باطنيا ، في كل زمان ومكان ، نحو الأعلى لتلقي المعرفة الحقة ، واستجلاء حقيقة الإله الحق، خالق الوجود والكون والحياة ، ورب العالمين وسائر المخلوقات والموجودات ، وبعد أن يتجلى له الله الخالق ، ويغدو مؤمنا مسلما حنيفا ، ويرتبط به برباط العبادة الخالصة والحب الصادق يتطور الاشراق الى علم  ديني يلقيه الله عز وجل اليه بعد اصطفائه وارتضائه ، عقب عمليات الجهاد النفسي ( المجاهدة ) ، بشتى الوسائل الإلهية القاء باطنيا بواسطة أحد الطريقين : العقل ( الرأس ) أو القلب ( الصدر) أو بواسطتهما معا .
وإذن ، في البداية كان الاشراق الروحي العقلي ( الفلسفي الايماني ) لأن الفلسفة جاءت بعد دين الله الحنيف ، وانبثقت منه انبثاقا مباشرا في الاصل ثم أصبح بعد ذلك انبثاقا غير مباشر لنزوعها الى الاستقلال عنه استقلالا تاما أو شبه تام بالتدريج .
والفلسفة التي تهمنا في موضوع الاشراق الروحي والعقلي ( الفلسفي  الايماني) ، هي الفلسفة المؤمنة وحدها فقط لأن الاشراق كنور ، كما هو معلوم ، شرطه ينبوعه الايمان بالله الخالق وبدينه  الحنيف ، ولا نور بدون ايمان ، ولا إشراق بدون نور .
وإذا كانت الروح في الاشراق الروحي الديني الصوفي هي الوسيلة الأصلية والأساسية لتلقي المعرفة بواسطة الإلهام ( الغيبي الباطني) ، وبواسطة الوحي عند الأنبياء والرسل) ، وبواسطة التلقي الديني ( عند الصوفيين والعباد والفلاسفة الصوفيين ومن يصطفيهم الله الخالق ويرتضيهم من الأتقياء والصالحين ) فإن العقل هو الوسيلة الأساسية في البحث عن المعرفة بواسطة الدرس والتأمل انطلاقا من معطيات معلومة رصد استجلاء غايات علمية واكتشافها ، وتوضيحها .
والعقل اسم من أسماء الروح .
ويعني هذا أن العقل كوسيلة أساسية في البحث عن المعرفة إنما يعتبر مظهرا فعالا من مظاهر نشاط الروح أثناء اجتهادها لتلقي المعرفة الحقة بكيفية تأملية وتجريبية بينة واضحة لتيسير أسباب الاقتناع وتسهيل أساليب الاقناع بعد ذلك .
إننا هنا أمام تجربة من تجارب " التعلم الذاتي " بواسطة التأمل والتفكير العميق المتدعم على الإيمان بالله ، والتقوى ، والرغبة الأكيدة الجازمة في التحرر والتخلص " مما هو مادي" صرف في الحياة الدنيا ، التوق العارم بشوق قوى متزايد الى كل " ما هو وحي " في العالم الروحي في الحياة الآخرة بعد الموت .
والاشراق الروحي الديني الصوفي الصرف ( الإلهي) إذا لم يكن وحيا ونبوة ورسالة خاصة لأمة معينة من الأمم أو رسالة شاملة عامة للعالمين كافة فإنه يكون في الغالب تجربة شخصية ذاتية باطنية ، لها رتبة الولاية ، ويومر مجربها بكتمان سرها كتمانا تاما فلا يتهم بتهمة الزندقة أو بتهمة ادعاء النبوة أو بغيرهما من التهم ، ويعاقب عقابا شرعيا كما حدث للحلاج في بغداد ولشهاب الدين يحيى السهر وردي في حلب .
ويعتبر التلقي الباطني للعلم اللدنى فضلا عظيما امن به الله الخالق على الإنسان المؤمن المسلم العابد الصالح الفاضل .وفي هذا يقول الله تعالى في القرآن الكريم :
"وعلمناه من لدنا علما ".
العلم اللدنى هو العلم الذي يتلقاه الإنسان المؤمن العابد الصالح الفاضل تلقيا باطنيا مباشرا من لدن الله الخالق ، ويؤمر بكتمانه ، وينتفع به فيما أراده الله تعالى .
أما الاشراق الروحي العقلي الفلسفي ) فإنه تجربة عقلية وروحية ظاهرة مفتوحة وشاملة ينتفع بهما كل من يهمه أمرها  ويبتغي نفعها .
والعقل يأتي بالبراهين والأسانيد ، ويناقش الحجج بالحجج ، ويقرع الأدلة بالأدلة ويحاور حوارا حضوريا مباشرا أو غير مباشر .
وهو ، بطبيعته هذه ، يعتبر وسيلة ظاهرة ، مفتوحة ومنطقية للإقناع والاقتناع ، ولذلك فإن تأثيره في النفع والاستفادة أشمل وأعمق وأقوى من تأثير التجربة الباطنية الذاتية الشخصية " المسدودة " التي لا ترى  ويصعب تصديقها .
والإنسان مجبول على تصديق ما يرى ، وما هو معقول ، وما هو منطقي يقنعه ويقتنع به .
هذه الأسباب هي التي جعلت العقل يضطلع بأعباء المسؤوليات الروحية والعقلية والثقافية والعمرانية في الحياة الإنسانية على كوكبنا الارضي قبل الموت في هذه الدنيا .
وعندما يرتقي الاشراق العقلي ( الفلسفي) ارتقاء عاليا يتعانق مع الاشراق الروحي الديني الصوفي ( الإلهي) ويمتزجان امتزاجا التحاميا ويصبحان اشراقا روحيا دينيا صوفيا فلسفيا .
ويؤكد لنا هذا أن العقل ، كاسم للروح في مرحلة من مراحل تطهرها وتصفيتها وتزكيتها ن يرتقي ويصبح روحا عند اجتيازه جميع مراحل التطهر  والتصفية والتزكية الضرورية .
وإذا تمعنا الاشراقيين الروحيين : الاشراق الديني الصوفي الصرف ( الإلهي) والاشراق الروحي العقلي ( الفلسفي ) تمعنا فاحصا عميقا يتضح لنا أنهما يشتركان في عناصر معينة ، هي :
-هداية الله الخالق .
-الإلهام ( الغيبي الباطني).
-التأمل .
-الميل الى التحنف والفضيلة .
-البعد عن الرذيلة والأعراف والتقاليد الفاحشة .
-التجلي الإلهي ( في حالة الوحي عند الأنبياء والرسل ، وفي حالة الفتح الرباني عند الاشراقيين الآخرين).
-اتساع آفاق الرؤية العقلية اثناء التأمل الفكري ( الفلسفي) واتضاح معالم المعرفة الحقة ، ووصول العقل الى تبين حقيقة الله الخالق والايمان به وبدينه الحنيف .
-العبادة الصادقة .
وإذا كان الله الخالق يتجلى في الاشراق الروحي الديني الصوفي الصرف ( الإلهي ) لمن يصطفى من عباده تجليا مباشرا ( كما هو الشأن في قضية تكليمه عز وجل لنبيه سيدنا موسى ) أو بواسطة ملائكته (كما هو الشأن في قضايا الأنبياء والرسل الآخرين) فإنه في الاشراق الروحي العقلي ( الفلسفي) يتجلى تجليا غير مباشر بواسطة الإلهام ، واللطف ، والتوفيق ، والهداية وغيرها من نعم القربى التي يهبها من يشاء ، ذلك لأن العقل هو الذي يبحث حتى يصل الى ايقان جازم خالص ، ويؤمن ويزداد ايمانا صادقا ، وكلما زاد إيمانه جزما وصدقا ازداد قربا من الخالق البارئ ، وازداد فهما لنعم لطف الله ، وازداد إدراكا لفضله ومننه.
ويتطلب الاشراق الروحي الحقيقي الكامل العمل الروحي الديني الصوفي والعمل العقلي ( الفلسفي ) للوصول الى المعرفة الحقة ، لأن العقل كان منذ وجوده الوسيلة المنطقية للعلم والمعرفة واليقين .
وإذا حصل هذا فإن الإنسان المؤمن المسلم العابد الصالح يكون قد وصل أعلى مرتبة من الاشراق الروحي وأرفعها .
ولعل هذه المرتبة العالية الرفيعة من الاشراق الروحي هي التي قال الله تعالى في حقها في القرآن الكريم :
"يؤتي الحكمة من يشاء ، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ".(8)
والاشراق الروحي مرتبط بالايمان بالله الخالق وبدينه الحنيف وبعبادته عبادة صادقة ، وبالسلوك سلوكا اخلاقيا فاضلا ،وبالتأمل الفكري العميق في الوجود والكون والحياة والروح والمصير بعد الموت وغير هذا من القضايا الروحية التي تهم الإنسان .
هذه هي مهمة الاشراق الروحي .
إنها مهمة يقوم بممارستها الإنسان المؤمن المسلم الصالح الفاضل العابد لله عبادة صادقة في كل زمان ومكان .
والإنسان يستمر في الوجود في كل زمان ومكان الى ما شاء له الله .
وما دام الإنسان موجودا في كل زمان ومكان الى ما شاء الله فإن الاشراق الروحي يستمر بدوره موجودا.
وعليه ، فمادام الاشراق الروحي قديم قدم الوجود الإنساني على كوكبنا الارضي فإنه باق أيضا ببقاء الإنسان المؤمن المسلم الصالح الفاضل العابد الى ما شاء الله حتى يرثه الله وكوكبه الارضي .
والإشراق الروحي قبل الموت في الحياة الدنيا يستمر بعده باستمرار الحياة في الآخرة ، لأن المعرفة الروحية خالدة ، لا نهائية ولا محدودة ، مادام الإيمان بالله الخالق وبدينه الحنيف خالدا وأبديا ودائما ، ومادامت عبادته عبادة خالدة أبدية ودائما ايضا .
وكلما وصل الإنسان الى تحقيق غاية من غايات المعرفة الروحية تاقت روحه الى غايات أخرى .
وكلما أشرق نوره طمحت روحه الى زيادة إتمامه وكماله .
وفي هذا يقول الله تعالى في القرآن الكريم :
"يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا ؟؟؟؟؟؟؟ كل شيء قدير ".
وبقدر ما اقترب الإنسان المؤمن المسلم الفاضل؟؟؟؟؟؟؟؟ صالح العابد من الله الخالق ازداد تعلقه به ، ؟؟؟؟؟؟؟؟؟اشتياقه إليه ويزداد إشراقه الروحي.
ولماذا ؟
لأن روح الإنسان نفحة من روح الله ، وقبس؟؟؟؟ نوره الإلهي ، أي بعبارة أخرى ، روح الله هي الاصل وروح الإنسان الفرع ، وروح الله مطلقة ؟؟؟؟الجلال والجبروت والتعالي والإشراق والإشعاع ، ؟؟؟؟؟روح الإنسان جزئية في إشراقها وإشعاعها ولذلك فهي ؟؟؟؟؟ما ارتقت في معارفها ومكتسباتها الروحية تاقت إلى؟؟؟المزيد وطمحت الى الحصول على الأكثر ، وهذا ؟؟؟-لاريب – طموح محمود في نشدان الكمال الممكن من الارتقاء الروحي.
مهما كان اقترابه من الخالق ، ومهما ازداد إشراقه الروحي فإن الله هو الخالق المتعال الأزلي  السرمدي المطلق القدرة والارادة والعلم والمعرفة ذو النور الإلهي المطلق الاشراق .
إن دراسة موضوع الإشراق الروحي تبين لنا ان؟؟؟؟ الروح نور مشرق ذو إشعاع عندما تكون مؤمنة مسلمة، وأن الإنسان المؤمن المسلم الصالح العابد الفاضل العابد نور وان كان يبدو في الحياة اليومية جسما عاديا مثل سائر الأجسام.
وقيمة الإنسان بعد الموت في الحياة تقاس بقدرة اشراقه الروحي أي بقدر ما يصدر من روحه من نور وهاج أي بقدر ايمانه بالله الخالق وبقدر محبته له
وكلما زاد النور اشراقا وإشعاعا ولمعانا كلما كانت مرتبة الروح عالية ورفيعة .
إن النور هو علامة الايمان والفوز والسعادة في الحياة الآخرة بعد الموت .
ولكن هذا النور الرفيع له ثمنه الغالي أيضا في الحياة الدنيا قبل الموت.
إن ثمنه هو الإيمان بالله ، وبدينه الحنيف ، وعبادة الله حق عبادته ، والالتزام بالفضيلة والتحلي بمكارم الأخلاق، واجتناب ما أمر الله الخالق باجتنابه ، وحب الله – والسبيل معروف وواضح.
والاشراق الروحي في متناول كل إنسان شرط أن يعمل على استيفاء الشروط المطلوبة المذكورة .
وبعد هذا فإن موضوع الاشراق الروحي أصبح واضحا تمام الوضوح ، وأصبحت غايته وهي غاية روحية نورانية عليا جلية جلاء بينا .
والقرآن الكريم ، كتاب الله الخالق ، هو معين الاشراق الروحي الاصلي للإنسان المؤمن المسلم الصالح الفاضل العابد.
وبعده حديث رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .
وينال كل إنسان حسب اجتهاده وسعيه وكدحه نصيبه وحظه الأوفى ن فضل الله .
" وما يلقاها الا الذين صبروا ، وما يلقاها الا ذو حظ عظيم ".
ومن الأفضل لمن يريد حياة اشراقية روحية ، نظرية وعملية ، سعيدة وهانئة مطمئنة أن يأخذ  الإشراق الروحي في القرآن الكريم وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الأخذ ( التعليم ) المباشر . أما أخذ الإشراق عن طريق دراسة آثار رواده الكبار في الفكر الإسلامي العربي وهو الأخذ ( التعليم ) غير المباشر فإنه يتطلب وقتا طويلا ، وبحثا عميقا ، وجهدا كبيرا .
ويتطلب الوصول الى النتيجة المطلوبة التوبة ، والتقوى، والاقتداء بالسلوك القرآني ، والسلوك المحمدي ، وبذل جهد باطني ذاتي ، والالتزام بالصفاء الباطني والظاهري.
إن الدراسات العقلية ( الصوفية الفلسفية ) تعد متعة وسعادة للروح ، وتفيد كثيرا في الحصول على معرفة روحية واسعة وعميقة .
ومهما يكن من أمر فإن المعرفة الروحية ضرورية جدا للانفتاح الاشراقي الواعي على آفاق عالم الروح ، وللإحاطة بأسرار وأسباب صفائها وتزكيتها وإسعادها إحاطة حقة .
ودراسة الإشراق في الفكر الإسلامي العربي موضوع آخر مستقل ليس مكانه هنا.
وتوضح لنا دراسة الفكر الإسلامي العربي أن الإنسان المؤمن المسلم في المجتمعات الإسلامية العريقة اهتم بالروح، ودرسها ، وبحثها ، ودون آراءه فيها وخلد تراثا رحيما عظيما يطلب من الأجيال الصاعدة نفض الغبار عنه ، وبعثه من جديد في حلل أنيقة حديثة وقشيبة .
إن الجوهر الأصلي الأصيل يستمر ويبقى أما المفاهيم فإنها تتبدل في كل زمان ومكان حسب المؤثرات المجتمعية المتنوعة والمتعددة التي تسود .
والعلم الحق لله الخالق .
 
(1) - الآية 35 من سورة النور .
(2) -الآية 40 من سورة النور .
(3) الاية 39 من سورة النور .
(4) -الآية 9 من سورة الحديد .
(5) -الآية 12 من سورة الحديد .
(6) -الآية 19 من سورة الحديد.
(7) -الآيات : 74-75-76-78-79-80-81-82-83 من سورة الانعام في القرآن الكريم .
(8) -الآية 269 من سورة البقرة .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here