islamaumaroc

المغرب لم يفقد استقلاله

  دعوة الحق

171 العدد

كان احتفال المغرب بالذكرى الأولى للمسيرة الخضراء المباركة مظهرا من مظاهر الاعتزاز بالأصالة المغربية التي تجلت كأروع ما يكون التجلي في الاستجابة الحماسية لنداء قائد الأمة جلال الحسن الثاني.
ولقد تميز يوم سادس نوفمبر هذه السنة بالاستعراض الذي نظمه ممثلو أفواج المسيرة في رحاب مسجد حسان أمام جلالة الملك المعظم الذي ألقى حفظه الله الخطاب التالي:
الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه.
شعبي العزيز:
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم بعد بسم الله الرحمن الرحيم "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا" صدق الله العظيم.
شعبي العزيز:
كانت هذه الآية في تلبي وعلى شفتي صباح اليوم عندما كنت أرتب وأستودع رايات المسيرة وأعلامها، استودعها روح والدي ووالدنا جميعا، وأستاذي وأستاذنا في الوطنية وفي الغيرة على البلاد.
وأنني شعبي العزيز سوف أبقى مدينا لك طول العمر على أن سهلت على المأمورية، وجعلتني أبر بقسمي، ذلك القسم الذي قدمته بين يدي جلالة والدي محمد الخامس طيب الله ثراه، حينما عقد لي بيعة ولاية العهد حينما أقسمت بين يديه وأمامك على أنني سأكون دائما مدافعا عن حوزة البلاد وعن كرامة ترابها.
وهكذا شعبي العزيز، ها هو طرف مما تعاقدنا عليه، قد أديته وصرت بذلك برا بقسمي، ولهذا أقول لك شعبي العزيز أنني سأبقى مدينا لك طول العمر.
في السنة الماضية، شعبي العزيز، في مثل هذا اليوم، أعطينا أمرنا بانطلاق المسيرة، عالمين موقنين بأن النصر لا محالة، سيحالفنا ويواكبنا، ولكن شعبي لم تكن أنت ولم أكن أنا على علم اليقين من المدة التي سيستغرقها نضالنا حتى أن نرجع إلى ديارنا ظافرين منتصرين، وأن الأحداث وسيرها، بل يمكن لي أن أقول وعدوها كذبت جميع التخمينات والتخطيطات التي كانت تجرى في الأذهان بالذات، ذلك أن الله سبحانه وتعالى بنصر وتأييد من عنده جعلنا جميعا بحكمة ورصانة وثبات، نمارس في آن واحد مسيرتنا الخضراء وديبلوماسيتنا واتصالاتنا الرسمية، فكانت تلك الخطتان المتوازيتان، كانتا بمثابة حرب بالكلام وبالحجج وبالقانون وحرب بالواقع على الأرض، حرب سلمية ولكن بسيكولوجية، وما أعظم وأثقل ثقل الحرب السيكولوجية إذا كانت مبنية على الإيمان والحق، وبعد ذلك، وبعد أيام قصيرة توج الله المساعي بالنجاح ورجعنا، رجعنا جميعا تحفنا عناية الله مهللين بالتوفيق مهللين بنوع من الروحانية لأننا خضنا تلك المعركة: الإيمان في قلبنا كتاب الله في يدنا، تسبيحه والصلاة على نبيه في فمنا، فما أعجب تلك الفترة شعبي العزيز فيما بين أقل من شهر قلنا لك تطوع فتطوعت، ثم قلنا لك سر فسرت ثم قلنا لك اجتز الحدود فاجتزت الحدود، ثم قلنا لك قف فوقفت، ثم قلنا ارجع فرجعت كلمات خفيفة على اللسان، ثقيلة في الميزان، ناصعة في كتاب التاريخ وسجل المؤرخين.
إنني أعتبر شعبي العزيز هذه المسيرة وهذه سنة وأنا أفكر في معانيها وما تنطوي عليه من حكم ودروس أعتقد شعبي العزيز أن هذه المسيرة سوف تطبع مغربنا لمدة ثلاثة أجيال أو جيلين على الأقل، لماذا؟ لأن حركة المطالبة بالاستقلال كانت طويلة، وممتدة على عشرات السنين، بل كانت فكرية أكثر مما كانت شيئا آخر، وحتى إذا خرجت من الفكر إلى الشارع، كان الخروج إلى الشارع غير منتظم لا يشمل جميع مدن المغرب، ومتقطعا فيما يخص المدة الزمنية بين المعارك، أما هذه المعركة ودرس المسيرة فلم يستغرق إلا شهرا واحدا، ولكن ذلك الشهر بالوسائل المرئية والمسموعة جعل أن 16 مليون من السكان الشيوخ الكهول الشبان النساء جعل كل هذا الشعب في مدة شهر واحد كأنه أعطى حقنة مليئة دفعة واحدة من الوطنية من الوعي من المسؤولية، وحتى الذين لم يشاركوا في المسيرة كانوا سائرين مع السائرين أكثر من السائرين ربما، فحتى الأطفال حتى الفتيان حتى الذين كانوا لا يعرفون أين تقع لا مدينة العيون ولا الساقية الحمراء صاروا يرددونها في الصباح في المساء بل حتى في منامهم، وهكذا كما قلت لك كانت حقنة مليئة ودفعة واحدة لقنت هذا الشعب لما فيه من الأجيال الحالية والمقبلة، وحينما أقول المقبلة أعني بهذا المقبلة على المسؤولية، لقنت هذا الشعب درسا في الوطنية ودرسا في الوعي ودرسا في المسؤولية.
وهكذا شعبي العزيز يتضح للجميع، يتضح للجميع أن الشعوب والجماهير خلافا لما يظن يمكن بل يجب في حقها أن يعتقد أنها تعرف كيف تفرق بين الهدف وكيف تفرق بين الوسيلة وكيف تحسب الحسابات وكيف تعرف الصبر عند الصبر والأناة عند الأناة.
فمنذ سنتين أو ثلاث سنوات ركزت خطبي كلها على قضية الصحراء وعلى استرجاعها، ولم أقل لك شيئا عن الوسائل التي سأستعملها لاسترجاعها لم أقل بأنني لم أعلم إذ ذاك إلا أنني كنت موقنا أننا لابد من أن نسترجع الصحراء وأنت كنت كذلك موقنا بأننا سنسترجعها، وحينما طالبتك بالمسيرة لم أطالبك في الأول وقبل كل شيء بالسير على الأقدام ولا بالتطوع طالبتك بالوعي طالبتك بالمسؤولية فتمكنت من أن أعرف وأن أعلم أن المغاربة ليسوا شعبا كالشعوب كلا وأن الصغير فيهم والضعيف فيهم والكبير فيهم في إمكانه أن يفهم التخطيط فيدرك الأبعاد فينتظر وقت قطاف الثمرات.
هنيئا لنا حقا شعبي العزيز هنيئا لنا إن أراد الله لنا هذه الأخلاق وأن طبعنا بهذا الطابع، طابع الحكمة وطابع الرزانة، فأصبحت شعبي العزيز بالنسبة لنفسك أو بالنسبة للآخرين، مطالبا بأن تبقى في هذا المستوى مطالبا بأن تبقى متحليا بهذه الحلة متصفا بهذه الأخلاق.
شعبي العزيز:
عليك أن تعلم أنك إن حررت الصحراء فإنك من جهة أخرى قد فقدت حريتك في تصرفك، لأنك أصبحت أسيرا، أسيرا لملحمتك، أسيرا لمسيرتك وسيرتك، فلن يقبل منك أي أحد محبا كان أن غير محب ما يمكنه أن يوصف بالطيش أو عدم الرزانة، وحاشا الله، حاشا الله وأنت تحب وطنك، حاشا الله وأنت تعبد ربك حاشا الله وأنت تتخلق بأخلاق المعاملة الإسلامية النزيهة.
ولا أدل على ذلك شعبي العزيز، لا أدل على ذلك من الظروف التي تعيشها الآن، فالظروف التي نعيشها الآن ظروف غريبة بالنسبة لنا، ذلك أننا نعيش الحملة الانتخابية، وأنت تعلم شعبي العزيز، وأنا أعلم كيف تكون مدة الحملات في الدول الأخرى، ولو المتمدن منها كثيرا والقديم منها في الديمقراطية، فإذا أنت قارنت بين تلك الحملات وبين ما يجري في المغرب تجد نفسك أنت تقرأ وتكتب وتخطب، تقول ما تريد بالكيفية التي تريد، ولكن أراد الله من جهة أخرى أن تقولها وتكتبها وتخطب بها بالأدب باللباقة بشيء كبير من الحرص على أن لا تقول الشيء النابي أو يخرج من فمك ما لا تحمد عقباه.
وهكذا شعبي العزيز، تعطى مرة أخرى الحجة على أنك لست شعبا في طريق النمو، تعطى مرة أخرى الحجة على أنه إن قالت بعض البلاد المستعمرة قبل استرجاعنا استقلالنا، استقل في سنة كذا أو كذا، أقول هذا غلط فالمغرب لم يفقد استقلاله لأننا قضينا أربعين سنة من الحماية لا من الاستعمار وأربعون سنة لا يمكن أن تعد فترة استعمار، يمكن أن يقال عنها أنها حادثة سير في التاريخ كما يقع لجميع الدول.
شعبي العزيز، ستخوض سلسلة من الانتخابات وكن موقنا على أن الجهاز الإداري في مجمله جهاز نزيه، كن على يقين كذلك أن الموظفين الذين يكونون الجهاز الإداري ليسوا أجانب عنك، بل مشاكلهم هي مشاكلك وتخميناتهم تخميناتك، مطمحهم مطمحك عواطفهم عواطفك، والموظفون هم قبل كل شيء مغاربة يهمهم سير الأمور مثلما تهمك، شؤون مدينتهم أو ناحيتهم أو وطنهم هي الشغل الشاغل بالنسبة لهم مثلما هي بالنسبة لك، فلا يمكنني أن أعتقد أن الجهاز الإداري من شأنه أن لا يكون حتى هو كذلك مغربيا في تصرفاته وأخلاقه.
نعم، إذا نحن أحصينا عدد الموظفين الكبار والمتوسطين والصغار منهم تجدهم مآت الآلاف، وفي مآت اٍلآلاف يمكن أن يكون ثلة من الناس وبالأخص في المستوى المنحدر جدا من السلم الإداري، أن نجد بعض الناس لا يتسمون بالنزاهة لهم مشاكل مع فلان أو فلان فيحاولون أن ينتقموا لأنفسهم بمناسبة انتخاب أو مناسبة اقتراع، ولكن هذا استثناء وليس بقاعدة.
فلأولئك الموظفين أقول: أن هذه الانتخابات نفسها ستمكنني من معرفتكم أكثر لأنني لا أعرف منكم إلا النزر القليل، إنني أعلم أن المغرب ولله الحمد يتوفر على أطر سواء في الكم أو الكيف ولكن تلك الأطر جلها مختف في المكاتب وفي الإدارات أو المصالح، فهذه الانتخابات ستظهر منهم الكثير، ومن تقدم منهم للانتخابات ونجح سيفوز بأنه سيرى عمله وستعرف قيمته وسيكون هو بالتالي تلك الجماعة التي أريد أن أحيط بها مصالح الدولة وأحيط بها هذا العرش الذي هو قبل كل شيء من قلب كل مغربي، تلك الجماعة التي أريد أن تكون عن يميني وعن شمالي لا أمامي لأن الأمام هو مسؤوليتي، أن تكون محيطة بي حتى نبني مغربا على مستوى المسيرة وعلى مستوى الأحداث.
شعبي العزيز، قررنا أن نجعل من يوم سادس نوفمبر عيدا رسميا للدولة لأنه يمكن أن يوصف هذا اليوم بأنه ورقة تعريف جديدة للمغرب لمغرب جديد نريد أن نبنيه جميعا.
نعم، ستعترضنا في الطريق صعوبات خلافات تشككات حتى في بعض الاختيارات، فالاختيارات اليوم أصبحت صعبة جدا، ولكن هذا هو الطارئ أما الماكث الباقي هو عبقريتك شعبي العزيز، عبقريتك التي أريد أن تحافظ عليها لأنها أكبر كنز وأثمن كنز عندك ولاشك أنك ستبقى تحافظ عليها، لأن الله سبحانه وتعالى قال:"وكان حقا علينا نصر المؤمنين" ثم قال:"وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا" صدق الله العظيم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here