islamaumaroc

محمد الثالث ومحمد الخامس

  عبد الهادي التازي

22 العدد

تاريخ يجب أن يكتب :
في كل مطالعة، وعند كل مناسبة يجد الباحث نفسه أمام هذا السؤال الذي تردد ذكره منذ حقبة طويلة : «هل ان تاريخنا كتب حقيقة ؟» وقد نجد جانبا من الناس يقنعون ببعض هذه المؤلفات التي ظهرت لحد الان، ولكن الذين كتب لهم ان يلقوا نظرة على تاريخ الامم الاخرى يتملكهم الخجل عند ما يشعرون بهذا «الفراغ» العميق الذي يوجد بالنسبة للمؤرخين، واظن ان الوقت ليس بمناسبة لرثاء هذا «الخصاص» فخير ان نقبل على العمل دون ان نكلف نفوسنا عناء البكاء على الماضي، ولعل في صدر من اوجعتهم مضاضة ذلك «الفراغ» اولئك المستشرقين الذين تفرغوا للدراسات المغربية بل لعل اسوا ما قيل عنا من بعضهم كان بسبب هذا «الخذلان» من التاريخ فهم وقد امنوا جانب المزاحم، ابوا على الاختلاف والابتداع حتى ولو فيما لا يستساغ فيه ذلك، وهكذا كنا نخشى ان نجد انفسنا امام «تاريخ مفتعل» ليس لنا ولسنا منه، ولكن ماذا كنا ننتظر من مؤرخين يعتمدون فيما يكتبون على الخيال والافتراض ؟

فرصة مواتية :
ومن حسن الحظ ان تتهيا الظروف اليوم اكثر من أي وقت مضى للظفر ببعض العناصر التي صنعت ذلك التاريخ المجيد فنحن الان في مغرب حر مستقل، وان ايدينا لفي استطاعتها ان تتسرب لسائر الرفوف التي تكتظ بها خزائن المخطوطات بالمغرب فمنها ما اصبح فعلا من ممتلكات الدولة، وفي العدد الكبير من الخزائن الشخصية التي يبدي اصحابها استعدادا طيبا لجعلها تحت تصرف «البحث العلمي» الذي يهدف إلى مثل هذه الغابات النبيلة، على اننا من جهة اخرى نمتلك «عن طريق ديبلوماسيتنا» ذخرا كبيرا لا يقل عن هذا الزاد الذي تنعم به في الداخل، فان سائر الدول التي كان لها في الماضي صلة بالمغرب اضحت مرتبطة به اليوم بنفس التعهدات التي تكون عادة بين الدول الصديقة، وفي وثائق هذه الدول الشيء الكثير عنا : في فرنسا وبلجيكا واسبانيا والبرتغال، وانجلترا وامريكا وغير هذه... وان اول طلب منا لهؤلاء الاصدقاء لكافي بان يجعل ذلك «الوثائق» في متناول المؤرخين الباحثين

المغرب العربي :
ولعل في ابرز النواحي الهامة من تاريخنا القديم هذه الصفحات الطوال التي كتبت عن وشائج القربى والصداقة التي ظلت تربط بين اجزاء المغرب العربي طيلة هذه المراحل من التاريخ... ستقف «متى اردنا نفسها... سنقرا عن رايتنا الحمراء وهي ترفرف على مراكبنا الوطنية على مقربة من جبل طارق، وسنشاهد وصفا «حيا» للسهرات «الفولكلورية» التي كانت تقام احتفاء بمقدم سفرائنا في البلاد الاروبية، كما وفي استطاعتنا ان نعرف شيئا عن البروتوكول» المتبع في الاستقبالات الرسمية. كل هذا في المخطوطات التي اخدت تعرف اليوم طريق النور... ولكن كل هذا لا تريد في هذه المرة ان نتتبعه، والشيء الذي نريده هنا هو ان نتناول في سطور قليلة هذا «التجارب الدائم» الذي يوجد بين اقطار المغرب العربي من خلال بعض هذه المخطوطات ايضا...

بعثة ديبلوماسية :
وسوف يقتصر حديثي على مظهر واحد من تلك المظاهر التي تجلى فيها ذلك «التجاوب» ففي اواخر القرن الثاني عشر الهجري أي منذ قرنين تقريبا وجه سلطان المغرب العظيم سيدي محمد بن عبد الله سفيره محمد بن عثمان للقيام لدى اسبانيا ببعض المساعي تهدف من جهة إلى تدعيم العلاقات بين البلدين، ولكنها من جهة اخرى ترمي إلى الترفيه عن الشعب الجزائري وهكذا تم فيسما بين 20 شوال 1193 وبين 26 رمضان 1194 السفر إلى هذه الديار في رحلة رسمية...

بروتوكول مدريد :
ولقد وصل السفير المغربي إلى «مدريد» بالالف كما يلذ له ان يكتبها «يوم الاربعاء رابع محرم 1194 الموافق لـ 11 يناير 1980 وهنا اتصل بالسلطات المركزية حيث تم الاتفاق بعد مفاوضات ومساومات كذلك على اطلاق سراح اكبر عدد ممكن من الاسرى، وبمجرد ما ان حصل الوفد على هذه البغية وكانت اقصى ما يمكن ان يصل اليه ديبلوماسي مثل ابن عثمان في الحنكة والمرونة... ومن مدريد اتجه الوفد شمالا نحو مدينة شقوبية (SEGOVIA)  حيث المعتقل الاول : لقد كان الاسرى يقيمون في حصن بعيد عن المدينة «وكان اول ما سمعناه – يقول السفير – هتاف الاسرى بحياة السلطان حتى ارتجت القصبة»، وبعد حديث مؤثر معهم، وبعد استفسار عن احوالهم جميعا رجعوا إلى المعتقل في انتظار بشرى الخلاص، ومن شقوبية نزلوا جنوبا عن طريق طليطلة إلى المدينة الساحلية «قرطاخنة» حيث كان هناك معقل من العن المعتقلات التي نصبت للمجاهدين الاحرار من ابناء الشمال الافريقي، وكان ايضا هتاف ومعروف وبكاء ايضا...

الشباب اولا...
وكان قد فوض إلى السفير المغربي بشان «الاساس» الذي سيقع بمقتضاه اختيار هذا الفوج من المحررين، وهنا تظهر مرة اخرى بصارة السفير ورجاحة عقله، انه امام مركزين من مراكز الاعتقال، ولكن الذي يوجد منهما على الساحل كان اكثر ارهاقا من الذي يقع على مقربة مدريد، فليختر اذن من هؤلاء اثنين وتسعين، ومن ذاك ثلاثين، تلك مائة واثنان وعشرون ثم بعد هذا ممن يختار هؤلاء ؟ لقد كان من رايه ان يجعل بسراج «الصغار» خلافا لما كنا نتوقعه، فانهم – يقول السفير – عرضة لغلبة الكفر عليهم اكثر من غيرهم» فخير ان تنقذ عقائدهم من تهديد محتمل... وخير كذلك ان يعدو من جديد للساعات الشداد، ثم بعد هؤلاء ياتي دور الشيوخ والمتضررون وذوو الاعذار ومن طال مكنه بالسجن من امد بعيد

وقبل هذا الفا اسير.
وكان عدد الاسرى من الذين وقعوا في قبضة الاسبان يناهز ثلاثة الالف نسمة، ولكن العاهل المغربي كان يتصيد المناسبات والقرص ليفاتح ذوي الحل والعقد من الاسبان في شانهم ولا يتردد – اسبغ الله علبه الرحمات – دون استعمال بعض «الوسائل»« التي تساعد على تهيء الجو لتلك المفاتحات، وهكذا توصل إلى اطلاق سراح عدد مهم يناهز الالفين في فترات متتابعة...

والأسرى كلهم من الجزائر
واذا كان السفراء يختارون من الاسرى طبقات معينة، فانهم – وقد زودهم السلطان بتوجيهاته – يجعلون نصب اعينهم «مبدا» لا يحيدون عنه، ذلك ان يتم الاختيار لا على اساس مغرب اقصى او مغرب اوسط ولكنه المغرب العربي المسلم، بل وامعن من هذا في العطف وادخل ان العاهل الكريم كان يوحي إلى مبعوثيه بايثار ابناء المغرب باعتبارهم اولى بالسند والمناصرة، ولست هنا بصدد الحديث عن موقف الولاة الاتراك آنئذ من الاسرى الجزائريين الذين ينتسبون إلى اتصل عربي، فان ذلك لا يعنينا بقدر ما يعني ان نبرز هنا موقف السلطان المغربي حيال فكرة «لا جزائر ولا مغرب، وانما هي نقطة تجمعها اواصر الدين والعروبة.

25 شتنبر 1980 بسلا
وبالرغم من ان كتب التاريخ ظلت خرساء عن يوم من اغر الايام التي عرفها المغرب على عهد السلطان محمد الثالث، فقد استطعنا ان نقف اخيرا على وصف لهذا اليوم في سطور مختصرة، ولكنها مليئة بالمفاخر والمناقب، كان هذا اليوم من ايام رمضان ليلة القدر من سنة 1194 (أي يوم 25 شتنبر 1780) حيث تم بالمكان الذي يدعي لحد الآن «ظهر المجاز» بضواحي سلا استعراض حافل حضره الملك المعظم في خيل عظيم لاستقبال هذا الفرج من الاسرى المجاهدين، لقد وردوا وكلهم يحمل جملة من المخطوطات التي راحت بها «البعثة الديبلوماسية» كهدية من ملك اسبانيا إلى الملك المعظم، هذه المجموعة التي حبس نصيب منها – فيما اعتقد – على خزانة جامعة القرويين.. اقبل موكب السلطان فامتزجت هتافات الاسرى بدوي الطلقات التي كان الفرسان يرسلونها في الفضاء. وتفضل الملك فنزل عن فرسه، وبعد برهة خشع فيها الجمهور نطق بهذا الدعاء الكريم : «اللهم تقبلها منا ذخرا» وعلى اثر ذلك اتجه نحو القبلة، وعلى مراى ومسمع من هذا الجمهور سجد في هذا المكان شكرا – الله الكبير المتعال، ثم ودع القبلة واقبل على اسرى يهنئهم ويسلم على عشائرهم ودويهم، وبعد ان صافحهم اجمعين فاه بهذه الكلمات الطيبات : «الحمد لله الذي انقذكم.. وجمع شملكم باخوانكم المؤمنين، فاحمدوا الله على نعمه واشكروه يزدكم من كرمه».

الأحرار ينقلبون إلى تلمسان
ولما كان الناس على ليالي العيد فقد طلب اليهم السلطان ان ياخذوا راحتهم بضعة ايام هنا في الجزء من وطنهم : «انتم منذ الآن في ضيافتنا حتى نوجهكم إلى ناسكم ومسقط راسكم» ومضت بقايا رمضان وحل العيد فوصلهم بهيات سنية وكان – وهذا دليل الاهتمام ايضا- لا يعتمد على وزير ولا ظهير في القيام بذلك ولكنه يجد المتعة في مباشرة ذلك فهو بعد ويحسب ويسلمهم المقادير بيده الكريمة. وبعد ايام العبد اصدر اوامره للسفير ان يصحب الاسرى إلى فاس حيث يتوجهون منها إلى وجدة ثم إلى مدينة تلمسان..

25 شتنبر 1956 بوجدة
وها مائة واثنان وثمانون سنة يخطوها تاريخ المغرب فماذا تجده في هذا التاريخ ؟ ان سياسة المغرب الخارجية التي كان ينتهجها سيدي (محمد الثالث) حيال الجزائر كانت هي بالذات السياسة التي يقتنع بها جلالة محمد الخامس، فالعطف على الجزائر ظل «متوارثا» بين الملوك عبر التاريخ، ولقد كنت وانا اقرا هذه السطور المكتوبة بالصمغ على هذا الورق العتيق، كنت اخال نفسي اقرا تاريخا حاضرا كتب إلى عهد قريب. افليس انه في هذه الايام نسمع عن نفس المساعي تتكرر من قبل صاحب الجلالة مع دولة يفصلها هي الاخرى عن الجزائر البحر والدين واللغة ! وهل ننسى ذلك اليوم التاريخي بوجدة والعاهل المغربي ما يزال يعاني من عناء المنفى السحيق، هذا اليوم الذي اراده التاريخ ذكرى ليوم سلا، يحمل اسم الشهر ونفس اليوم (25 شتنبر) لقد قال الملك المعظم : «ان الشمال الافريقي يكون وحدة في الجغرافية والجنس والدين واللغة والتقاليد ولذلك فمصيره – كما كان ماضيه – واحد والمغرب بحكم الروابط العديدة التي تربطه بالجزائر الشقيقة وبحكم جواره منها وتاثره بكل ما يجري فيها لفي طليعة الدول التي يهمها استتباب السلام في ربوعها ضمانا لسلامة الشمال الافريقي كله.. من اجل ذلك نهيب بمن ببدهم الامر ان يسرعوا لعلاج المشكل فيضعوا بذلك حدا للالام ويعيدوا للجزائر الشقيقة السلام..»

«ليسوا بلاجئين..!»
ولم يكن خطاب وجدة في الحقيقة الا حلقة من سلسلة خطابات وتصريحات، افلم نسمعه منذ ايام فقط يصرح لوزير الدفاع في الحكومة الجزائرية الموقتة بهذه الكلمات : «ان حرية الجزائر شرط اساسي لتشييد وحدة المغرب العربي وضمان مصيره واستقلاله».. وبعد هذا فهو الذي اجاب رجال جيش التحرير الجزائري عندما شكروه على ضيافته للاجئين، اجابهم بانه لا يسمح بتسميتهم لاجئين فهم في بيوتهم وبين ذويهم حتى يرجعوا إلى ناسهم في الجزء الاخر من الوطن !..

الموقف المشين
واذا كانت هناك من مهزلة تستدعي الرثاء فهي انتعاض بعض الجهات من اشفاق سلطان المغرب على حرية الجزائر، افلسنا نرى رؤيا عين ان اسلافه بالامس كانوا يبذلون في سبيل تلك الحرية ما وسعهم البذل لم يعتبروا ذلك فضولا ولا تطاولا على حقوق غيرهم.. ولئن صح ان نستغرب من بعض المواقف المفاجئة فانه ما كان يصح – ولن يليق ان يصح – الاستغراب من موقف ظلت الاجيال تتوارثه، وعلى العكس مما يدعون فان الاعتراف بحقائق التاريخ في ابرز الصفات التي يتحتم على السياسيين ان يستشعروها وعلى القادة ان يقتنعوا بها، وهذا فقط طريقنا إلى اكتساب المعركة..
وبعد فان الذي يعني بدراسة التاريخ المغربي لابد ان يلحظ كثيرا من التشابه بين خطوات الماضي وخطوات الحاضر فهل سيثمر المؤرخون عن سواعدهم للمقارنات والمفارقات بين الامس واليوم وبالتالي فهل سنكون بارين بهذا التاريخ.. ؟

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here