islamaumaroc

القضية الجزائرية في شهر

  المهدي البرجالي

22 العدد

الوضع السياسي:
هل ترتسم- حقا- في الأفق ملامح حل سياسي متوسط للقضية الجزائرية؟ إن تطورات الموقف في فرنسا والجزائر، ليس من شأنها أن تمنح الجواب عن هذا السؤال صبغة تأكيديه، فقد سجلت الأسابيع الأخيرة من الشهر الماضي – بالفعل – آيات انتكاس أخرى في مجموع الوضع العام بالقطرين المتقاتلين.
ولقد اتجهت الأحداث مرة أخرى – بالنسبة للوضع الداخلي الفرنسي – اتجاهات معقدة، الأمر الذي لم يعد معه من الممكن استشراف أي سبيل لتطور مرض ومعقول.
ولم يكن لمجموع هذه الظواهر إلا أن يؤكد متانة الرقابة التي يمارسها الغلاة على النظام الحالي، والمدى البعيد الذي بلغته هذه الرقابة الجامحة العرمة.
واستمرار وقوع الجمهورية الفرنسية بهذا الشكل تحث تأثير سيطرة الغلاة، هو ما يمكن أن يفسر مظهر التعقد المصطنع، ذلك الذي تتشح به جميع جوانب المشكلة الجزائرية في مختلف مظاهرها الجزئية والأساسية، فقد تآزرت –فعلا– مصالح الاحتكارية الزراعية والبترولية الكبرى مع الجهات المالية والصناعية في فرنسا والغرب، على إضفاء اردية من التشعب المطلق، والتحجر الكامل، على هذه المشكلة السياسية البسيطة، الأمر الذي تبدو معه وهي تكاد تتميز – من بين جميع القضايا التوسعية العالمية- بمميزات سياسية ونفسانية خاصة.
وقد ساعد مركز فرنسا داخل حلف شمال الأطلسي على ضمان نوع من الحياد السلبي أو «الإيجابي» الدولي أمام الحالة الناشئة عن استمرار المشكلة والنتائج السيئة التي تنبثق عنها.
وعلى هذا النحو أمكن للغلاة أن ينعموا دائما بكثير من حرية العمل في الجزائر، وذلك في جو من الحصانة الدولية التي تجعلهم بمنأى عن التعرض لكل رد فعل معاكس ذي نطاق واسع.
ومع ذلك فقد غدا من المألوف قليلا أن ينفرج الجو السياسي الفرنسي – في بعض الأحايين – عن بعض الاحتمالات الضئيلة التي تتصل بموضوع الحل المرتقب للمأزق الجزائري الحالي. وقد بدت من قبل كثير من البوادر في هذا المقام، ولكنها لم تكن تتوفر جميعها على قوة الإفضاء إلى نتائج إنشائية وحاسمة، وقد تكررت مثل هذه البوادر في السابق، وذلك إلى القدر الذي كان من شأنه أن يفقدها حتى فعاليتها السيكولوجية الصرفة.
وعندما أطل الشهر الماضي، كنا على موعد مع بادرة جديدة من هذا النوع، ويتصل الأمر في هذه المرة بشكل آخر من أشكال الحلول التي ما فتئت تفترض للمعضلة القائمة، ثم تقصر في الغالب عن النفوذ إلى مكامنها الجوهرية الرئيسية، وقد انطلقت الإرهاصات الأولى للبادرة غداة تأكد مشروع اجتماع محمد الخامس- دوكول وابتداء المحادثات التي أجراها ولي العهد في هذا الصدد.
ومشروع الالتقاء بين رئيسي الدولتين يؤول في بدايته إلى عدة أسابيع، ولكنه لم يتخذ صورته العملية الجادة إلا في أوائل الشهر الماضي، عندما ابتدأت المحادثات التحضيرية المغربية الفرنسية، وكانت خطوة أولى في سبيل إعداد اجتماع «القمة» الذي سيضم بين الشخصيتين الكبيرتين المغربية والفرنسية.
والواقع أن هذا الاجتماع المفترض سيستهدف – في أساسه – معالجة كثير من نقط الخلاف في العلاقات بين المغرب وفرنسا، ولكنه أيضا سيكون مناسبة لإثارة بعض النقط الجوهرية التي تتصل بموضوع الجزائر من قريب أو بعيد، وعلى الرسم بعض التأكيدات الموجبة باستبعاد هذا الموضوع من المحادثات فإنه يبدو راجحا – بعض الشيء – إن طبيعة المشكل وارتباطاته الشديدة بموضوع العلاقات الفرنسية المغربية، سوف لا تقصر عن فرض الموضوع على جو الاجتماع بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ومن الواضح أن الجانب المغربي في المحادثات يود –على الأقل– رؤية الفريقين يندمجان في جو تفاوض ودي وهادف، والذي يتجه إليه الرجاء هو أن يكون الجانب الفرنسي في وضع يمكنه من الإحساس بنفس الشعور. على أن هناك بين الجانبين ولا شك نقط اتفاق لها أهميتها الأساسية والجوهرية، ومن بينها الرغبة المشتركة في وضع حد للصراع المستمر في الجزائر، غير أن مفهوم الحل الذي قد يتخذ قاعدة لهذا الإنهاء هو – بالضبط – نقطة التباعد الكبرى بين الفريقين.
ففي الوقت الذي يبدو فيه الجزائريون، وهم لا يتصورون أن يستمروا وحدهم في العالم المظهر الوحيد لبقايا الحركات التوسعية الأوربية في القرن التاسع عشر، يوجد الغلاة وهم لا يريدون أن يدركوا أن هناك حلا غير الإدماج المطلق، يمكن أن يكون صالحا لإنهاء المشكل القائم، ومن هنا كان مصدر هذا المظهر الدراماتيكي العنيف، الذي نتطبع به المشكلة، ويكاد يضفي عليها صيغة المأساة الإنسانية الرهيبة.
والواقع أن عهد الجنرال دوكول لم يكن – كما رأيناه مرارا – إلا عاملا على استمرار أسباب هذه المأساة ونعقد جوانبها، وتضاعف حدتها بصورة تفوق كثيرا تلك التي تميزت بها من قبل العهود الاشتراكية والراديكالية السابقة، ويؤول ذلك بالطبع إلى الملابسات التي أحاطت بقيام هذا العهد والظروف التي تكتنف وجوده الحالي، ومن بين أهم هذه العوامل:
1) اعتماد النظام الحالي في منشئه وفي استمرار وجوده على ولاء الغلاة ومساندتهم.
2) الحالة التي يوجد عليها الوضع الحزبي والتركيب البرلماني في الوقت الحاضر.
3) تضاعف مشاعر التخوف من إمكانية حصول قطيعة كلية أو جزئية بين فرنسا وغلاة الجزائر، وذلك على النحو الذي أصبح يهدد به الكثيرون من قادة هؤلاء الغلاة.
وإذا كان الأمر كذلك، ففي أي إطان يمكننا أن نضع التلويحات التي تكاثرت في أوساط الشهر الماضي، والتي ترتكز معظمها حول إمكانية التوصل لحل أساسي لمشكلة الجزائر؟ هل يجوز لنا أن نقدرها كبادرة دعائية أخرى تندرج ضمن نطاق الحرب السيكولوجية في إطارها الدولي؟ أم يمكننا أن نستدل منها على احتمال طرؤ تغير جزئي أو جذري في موقف المسؤولين الفرنسيين إزاء المأساة العالمية؟
لقد أمكننا أن نستشف من احتمالات الموقف الفرنسي الرسمي – كما تؤكد ذلك بعض الأسبوعيات الباريسية – أن هناك ما يجور أن يكون برنامجا تمهيديا لإيجاد حل معين.
أما تفاصيل هذا البرنامج – الذي قد يتبناه دوكول ذاته – فتتركز في نقطتين أساسيتين:
1) التوقف عن إطلاق النار، مع السماح للقوات الوطنية (وهذا هو المهم) في الاحتفاظ بمواقعها الحالية وضمان استمرار سيطرتها على المناطق التي تقع تحت سلطتها المباشرة.
2) إيجاد حل سياسي عن طريق الاعتماد على سلسلة من العمليات الانتخابية بعيدة المدى.
تلك هي الخطوط العريضة للمشروع، ومع افتراض صحة مضمونة ومأتاه، فإننا نلحظ – مع ذاك – أنه لا ينطوي – كسابقيه – على أية عناصر جوهرية جديدة، إلا فيما يتصل بالتخلي عن المطالبة بالاستسلام العسكري، كما كانت تستجوب ذلك العروض الفرنسية السالفة.
والواقع أن البرنامج في أساسه يكاد يلتقي في كثير من الجوانب مع المناهج الذي كان قد تبناه «مولي» خلال فترة وجوده على رأس الحكومة الاشتراكية الفرنسية السابقة.
فقد كان الزعيم الاشتراكي الفرنسي يرى أنه من الجائز فض المشكل عن طريق الاستشارات الانتخابية، ولهذا فقد عرض منهاجه الذي كان قد وجه عن طريق المناشير من الجو، إلى ضرورة قبول التسليم العسكري المعجل من جانب القوات العسكرية، وفي مدى ثلاثة اشهر يمكن تنظيم عمليات انتخابية «حرة» تستهدف التعرف على اتجاهات الشعب الجزائري، ورأيه في شكل النظام الذي يختاره
ولم يكن أمام الجانب الجزائري إلا أن يقابل هذه العروض بالرفض البات، لأنها لم تكن تشكل إلا أساسا للتهافت على حل رخيص وغير هادف، ويبدوا أن الاعتراضات الجزائرية كانت تتركز بالنسبة لهذا الموضوع في النقط التالية:
1) الشك في سلامة الجو السياسي الذي يتم فيه الاقتراع.
2) التأثير الذي قد يحدثه على سير العمليات الانتخابية وجود قوات احتلالية ضخمة في مجموع مناطق البلاد.
3) إصرار السلطات الفرنسية على رفض أي لون من الإشراف الخارجي.
على أن الأمور قد تطورت بعد ذلك تطورا جوهريا، فقد غدا من الجائز الآن أن يتم انعقاد اجتماع ثنائي بين ممثلي الفريقين المتحاربين، كما أصبح أيضا من الممكن أن يقع تنظيم هذا الاجتماع في باريس نفسها، بيد أن هذه النقطة بالذات أصبحت في الوضع الراهن وهي تكاد تشكل موطنا بارزا من مواطن الخلاف، فالجزائريون يتقبلون مبدأ الاجتماع، إلا أنهم كما يلوح لا يدركون مفهوما لان يعقد بالضبط في العاصمة الفرنسية دون غيرها، سيما وليس هناك من ضروريات مادية أو معنوية تستوجب ذلك. وقد قال وزير الأنباء الجزائري في هذا الصدد: «إن إجراء المفاوضات غير المقيدة بشرط سابق بين الحكومتين الفرنسية والجزائرية- على أن تتم في بلد محايد- هو الحل الوحيد الممكن، وهو المفتاح الذي يعتبر السبيل لإقرار السلام بالجزائر....»
على أن قضية اختبار «المكان» الملائم لانعقاد الاجتماع ليست- في جوهر الأمر – العقبة الأساسية والوحيدة في طريق التفاهم والتقارب، فالأمر أيضا يرتبط بالمبدأ السياسي والقانوني للمشكلة، وبالتالي فانه يتصل –مبدئيا- بالصفة الشرعية التي يقوم عليها الاعتبار السياسي والقانوني  للمفاوضين الجزائريين، وذلك ما لا يجرؤ الكثير من المسؤولين الفرنسيين على الاعتراف به، والعمل بمقتضياته، بل أن هناك من المواقف الرسمية في باريس ما يكاد يحصر موضوع الخلاف حول هذه النقطة المبدئية البديهة، ولهذا فإن القادة الجزائريين لا يبدو أنهم ير ون ضرورة لتفاوض من أي صنف، ما لم يتجه التفكير سلفا إلى اعتبار الأمر كمشكلة سياسية متميزة لها صبغتها القانونية الشرعية.
غير أن حكومة السيد عباس لا تجعل – مع ذلك – للاشتراطات المسبقة سلطانا على عقد المؤتمر، فلم يعد هناك اقتضاء للعمل على تحديد جدول اشتغال معين، كما أن التصريح المسبق بالاستقلال لم يعد تمت ما يجعله  أساسا لإمكانية انعقاد الاجتماع، إلا أن المسيرين الجزائريين  لا يلوح أنهم يستسيغون قبول تحديدات فرنسية سابقة، إلا في حالة ما إذا لم تكن تكتسي صبغة فرض أو إلزام، وإلا فإن المؤتمر في تلك الحالة سوف لا يكون لانعقاده أي موجب معقول.
وقد عبر عن هذه المقتضيات السيد رئيس الحكومة الجزائرية، وذلك حينما أشار في حديث صحفي له إلى «أن الحكومة الجزائرية ترحب بكل البوادر الكفيلة بإنهاء الصراع في الجزائر على أساس احترام المبادئ التي افتقدها الكثيرون من الجزائريين بأرواحهم وبدمائهم...»
كما عبر عنها كاتب الدولة الجزائرية وذلك عندما أعلن إلى مراسل وكالة (بيلكا) «أن المفاوضات لا يجوز أن تستهدف فقط العمل على وقف إطلاق النار، بل يتعين أن ترمي إلى تسوية عامة لمجموع جوانب المشكلة...»
ولكن ما هو السبيل الذي يمكن أن يؤدي عمليا – إلى التسوية المتوخاة؟.
لقد كانت الأسابيع الأخيرة مجالا لتردد الشائعات حول مشروع حل جزائري، يستهدف التوصل إلى هذه الغاية بالذات، وهذا المشروع يعكس – في عمومه – ميلا واضحا إلى جانب التوسط والاعتدال، وهو لذلك يتقارب في بعض المبادرات الفرنسية السابقة، تلك التي كانت ترمي إلى حل المشكلة على أساس «تحرري» متسامح، وإذا ما تأكدت نسبة المشروع إلى المصادر الوطنية الجزائرية – وهذا ما لا أرجحه كثيرا – فإنه سيكون – ولا شك – تعبيرا واضحا عن أكثر وجهات النظر السياسية اعتدالا وتساهلا وتسامحا .
وتتحد خطوط المشروع العريضة فيما يلي:
1) إجراء استفتاء في موضوع رفض الاستقلال أو قبوله، وذلك تحت الإشراف الفعلي لسلطات الأمم المتحدة .
2) إقرار هدنة مؤقتة تمتد على فترة يقع تحديدها، وذلك في سبيل إتاحة الفرصة لإجراء انتخابات جديدة.
تلك هي النقط الأساسية في المشروع، إلا أنه ليس من الضروري أن نعيرها عناية كبيرة، لأنه يبدو أنها لا تنسجم مع وجهة النظر الرسمية الجزائرية تلك التي أمكننا تسجيلها اعتمادا على النشرة السياسية لوزراء أنباء الحكومة المؤقتة الحالية، وإذا ما حللنا مضمون هذه الوجهة من النظر، فإننا نلحظه يتركز في الأساسين الآتيين:
1) ضرورة التأكيد على حق الجزائر في الاستقلال، وحق الأقلية في مستقبل مضمون داخل إطار هذا الاستقلال.
2) استبعاد العمل على إقرار منشآت معينة ما دام ذاك خارجا عن نطاق الكيان الجزائري الذي تحدد تشكيله النقطة السابقة .
ومهما يكن فإن ما يجوز استخلاصه من مجموع  هذه المقابلات في وجهات النظر، هو ما يلاحظ من اتجاه القيادة السياسية الجزائرية نحو إيثار التفاوض كوسيلة مثلى لفض الخلاف، وذلك على النقيض مما يتجلى في مواقف الغلاة من تمسك بمبدأ الحل العسكري وتعلق بأهدابه ومقتضياته، وينعكس هذا التعلق في جريدة «ليكو دالجي» وذلك حينما تعلن أنه «ليس ثمة من سبيل لإضاعة فرصة النصر غير التفاوض» وتؤكد الجريدة ذلك قائلة: «إن كل تفاوض أو هدنة أو توقف حربي على الصعيد الحكومي سوف يكتسي دائما صبغة سياسية، أن كل إيقاف جزئي أو نهائي لا طلاق النار سوف لا يمكن التفاوض حوله  إلا عل الأساس الصحيح، أي الأساس العسكري المحض، وذلك بالطبع مع المسؤولين في القوات المسلحة لا غير...»
وعلى ضوء هذا الاعتبار فماذا يجوز إن تكون قيمة المشروع المفروض لدوكول وذلك باعتبار الرأي العام الداخلي في فرنسا؟ هل يمكن أن يحظى هذا المشروع بمساندة الجماهير الفرنسية بما في ذلك المتطرفون؟
إن الوضع السياسي الفرنسي لا يبيح الاعتقاد بذلك إلى حد بعيد، والحق أن دراسة المخطط الذي يرسم تيارات الرأي في فرنسا قد تجيز – فعلا – تعيين بعض الاحتمالات الإيجابية ، فالتكتلات السياسية التي تنتمي لليسار  أو للوسط تتبنى هي نفسها مبادئ حل ول مماثلة، بل إن من بين عناصر هذه التكتلات (اتحاد القوات الديمقراطية مثلا) من يتولى التبشير بضرورة اعتماد حل استقلالي ناجز، إلا أن الذي يقلص من تأثير هذه القوات السياسية على الصعيد الحكومي هو السيطرة التي ينعم بها الغلاة داخل النظام الحالي، والوسائل التي توفرها لهم ظروف الحياة السياسية – البرلمانية في هذا النظام –فالعهد الحاضر يستند كثيرا على ولاء الجناح اليميني المتطرف، ومساندة العناصر العسكرية والمالية في فرنسا والجزائر، كل ذلك مما لا تتوافر معه للجنرال دوكول استقلال فعال عن تأثير الغلاة المتزايد، وتتضاعف تبعية النظام هكذا لهؤلاء الغلاة وذلك بالقدر الذي تشتد فيه مشاعر الخوف من الاحتمالات الآتية:
1) إمكان قيام حالة من القطيعة بين فرنسا وعسكريي الجزائر.
2) احتمال تفسخ القاعدة السياسية التي يقوم عليها النظام الحاضر .
3) جواز قيام حالات سياسية واجتماعية معقدة داخل القطر الفرنسي ذاته.
على أن آراء دوكول الشخصية نفسها لا تتناقض في صميمها مع اتجاهات الغلاة، وتتحدث «النيويورك تايمس» عن هذه الآراء فتشير إلى أن موقف الجنرال الحالي «يستهدف ضمان نوع من التطور السياسي واقتصادي في الجزائر، فالرئيس الفرنسي لا تحدوه نية التفاوض حول الاستقلال، كما أنه لا يرغب في تجميد الوضع الحالي .. أنه يريد التطور وكفى..»
وإذا كان الأمر كذلك فما هي إذن دواعي التفكير في عرض مشروع من صنف الذي تحدتنا عنه في مطلع الموضوع؟.
الواقع أن بواعثه تبدو وكأنها تنحصر في الأهداف السيكولوجية، وترتبط هذه الأهداف بالمجال الدولي بصورة رئيسية ومركزة، ذلك أن النظام الحالي لم يكن – نتيجة لحرب الجزائر – أكثر حاجة إلى مداهنة الرأي العام الخارجي أكثر مما هو عليه الآن.
فقد تضاعفت – بالفعل – عند مختلف المحافل السياسية الدولية التخوفات والارتيابات من إمكانية استمرار الحرب في الجزائر، مع  ما يمكن أن يفضي إليه  هذا الاستمرار من نتائج مهولة، وتزداد نسبة هذه التخوفات عند الأوساط الغربية بقدر ما يزداد الصراع إساءة إلى الحظوظ التي يتوفر عليها الغرب المنطقة، ومما يزيد في حده هذه المشاعر القلقة شعور الكثيرين بأن الحل العسكري الذي يتبناه الغلاة لا يقوى – في شيء – على فض المشكلة المعقدة القائمة، وقد عبرت عن هذه الحقيقة البديهة «الساندي تايمس» وذلك عندما أكدت بأن «الحل العسكري لا يمكن أن يرادف الانتصار الحربي.. » كما أعربت عن ذلك أيضا جريدة «التايمس» حينما أشارت إلى «أن المعجزة التي كان ينتظرها الكثيرون منذ سنة لم تتحقق مطلقا، قانون الحرب لا يزال مضطربا بالجزائر، وان هناك ما يناهز الأربعمائة ألف جندي – بما فيهم الكثير من الشباب – لا يزالون يواجهون المعركة في مختلف نواحي القطر ، بينما لم يلاحظ وجود أي تخفيف في الأعباء المالية الباهظة ، التي رسيء كثيرا إلى الاقتصاد الفرنسي والتي هي نتيجة حتمية لاستمرار الحرب، هذا في الوقت الذي تتدهور فيه حظوظ فرنسا تدهورا ملحوظا.. »
أما «لا كازيت دولوزان» فقد أمكنها أن تلاحظ هي بدورها  ما يعتقده الكثيرون من «عجز الجنرال دوكول عن العثور على منفذ للخروج من المأزق في الجزائر ...»
والحق أن لهذه الأحاسيس من القلق ما يبررها فالمشكلة الجزائرية توجد في الواقع أكبر من عقبة كأداة في سبيل أي تفاهم إفريقي – غربي؛  كما أنها تسهم - باستمرار – في تدمير إمكانيات استغلال الثروات الطبيعية الصحراوية، بالإضافة إلى ما تشكله من أخطار تتهدد وحدة حلف شمال الأطلسي نتيجة لما يحدثه من استمرارها من انعكاسات متباينة على مختلف أعضاء الحلف، هذا علاوة على ما تخلقه بين الغرب والعالم العربي من عوامل العداء المستحكم، الذي يقوم كعامل مضاد لكل الاحتمالات التقاربية والتعاونية بين الجانبين.
ومما يضاعف من حدة المشكلة أنها – بالإضافة إلى قضايا جنوب الجزيرة العربية- تكاد تكون النقطة الرئيسية التي يستمر على أساسها الخلاف بين الديموقراطيات الغربية من جهة وبين الأقطار العربية من جهة أخرى .
ومن المنطق أن تكون لهذه الحقائق آثار نسبية على تفكير المسؤولين في كثير من العواصم الغربية، إلا أن وضعية فرنسا داخل نظام الدفاع الغربي ، لم تكن لتساعد على ظهور اختلافات بارزة في وجهات النظر حول الموضوع، ولكن الأمر- مع ذلك – يستأثر في الولايات المتحدة بكثير من الاهتمام المشوب بمشاعر الحذر والقلق، وقد كانت الدورة الآخرة للأمم المتحدة مناسبة هامة انعكس عليها جانب من هذه المشاعر التي تزداد حدتها باطراد، فقد امتنع المندوب الأمريكي –لأول مرة –عن التصويت لصالح وجهة النظر الفرنسية، بعد أن كان يساندها في جميع الدورات السابقة. ولم يكن للحادث  أن يمر دون أن يخلف أصداء عميقة في أوساط الغلاة، وقد ذهب البعض منهم إلى حد اتهام السياسة الأمريكية بالعمل ضد مصالح فرنسا، ومستقبل «نفوذها» بمنطقة الشمال الأفريقي عامة.
على أن مشاعر «التأفف» الأمريكية هذه ليست إلا شيئا بسيطا جدا بالنسبة لآثار العميقة التي تخلفها المأساة الجزائرية في أوساط الرأي العام الدولي غير الأطلسي، وإذا كانت الكثير من الوحدات التي يتشكل منها هذا الرأي لم تقدم لحد الآن على الاعتراف الشرعي بالحكومة الجزائرية، فذلك لا يعكس – بالطبع – وكما سبق أن لحظناه- شعورا بعدم مشروعية القضية التي تجسمها هذه الحكومة، بل هو ناشئ – في كثير من جوانبه – عن اعتبارات سياسية مؤقتة، على أن هذه الاعتبارات نفسها لم تحل بين كثير من البلاد وبين التعبير عن المساندة السياسية والمادية لنضال الشعب الجزائري، ومن بين هذه البلاد ما ينتسب إلى القطاع الدولي للحياد الإيجابي، كما أن من بينها ما ينتسب إلى منطقة جنوب شرقي أسيا، أو الكتلة الاشتراكية أو غيرها.
بيد أنه من الحق الاعتراف بأن هذه الألوان من المساندة التي تمنحها البلاد المناصرة لا تعدو – في كثير من الحالات – نطاق المواساة والعطف السلبي، ولم تتخذ بعد أشكالا سياسية، دولية بعيدة المدى والفعالية.
وتلك ظاهرة سياسية غير سارة بالطبع، أما تبريرها فيؤول – حسب ما يبدو– إلى كون الوسائل الدعائية التي تتوفر عليها مصالح الحكومة الجزائرية محدودة، كما أنها تعود أيضا إلى ضيق النضال الدولي الرسمي، الذي تتهيأ أسبابه للديبلوماسية الجزائرية في وضعها الراهن.
وعلى هذا فإنه يبدو من الضروري أن تتبنى المصالح الخارجية العربية (في جو من التناسق والانسجام) مسؤولية ملء جوانب الفراغ الدولي الذي قد لا تتوافر أسباب مواجهته لحكومة السيد فرحات، وذلك بالطبع ضمن إطار التعاون مع وزارة الخارجية الجزائرية ومع مصالح وزارة الأنباء التابعة للحكومة المؤقتة الحالية، ومن الواضح أن بوادر تعاون عربي من هذا الصنف قد تفضي – في حالة نجاحها – إلى بعض النتائج الايجابية، وخاصة بالنسبة للقطاعات الدولية غير التوسعية كمنطقة شمال أوربا (دول البلطيق) وأميركا الجنوبية وغيرها .
وعلى كل حال فإن الرئيس فرحات لا يزال يوالي نشاطه الدائب في سبيل توسيع المجال الدولي والعالمي للقضية الجزائرية، وقد قام في غضون الشهر المنصرم بزيارة هامة جدا ليوغسلافيا لأريب أنها أسفرت عن كثير من الفوائد السياسية والدعائية الناجحة.
ولا ينبغي أن ننسى في هذا المجال المضمون السياسي للاستقبال الذي خصصته بلغراد للرئيس الجزائري، فإن ذلك لم يكن إلا تجسيما لما توليه الحكومة الشعبية اليوغسلافية من اعتبار لصفة الرئيس السياسية.
على أن البلاغ المشترك الذي انبثق عن المحادثات الجزائرية اليوغوسلافية – تلك التي تمت بين الرئيسين الكبيرين – كان في محتواه القانوني والسياسي أهم مما تقدم بكثير، وإذا وضعنا في الاعتبار مدى الأهمية التي تنطوي عليها مضامينه أدركنا مغزى التأثير العميق الذي خلفه في مختلف الأوساط السياسية بفرنسا وغيرها، ومن بين أهم هذه المضامين التي لها دلالتها:
1) الإشارة المتكررة إلى الحكومة الجزائرية وتقدير القوة التمثيلية التي تتوفر عليها.
2)  اعتبار صفة السيد فرحات الرئاسية.
3)  الاعتراف بان التفاوض مع الحكومة الجزائرية يشكل الأساس الوحيد لإنهاء وجود المشكلة القائمة.
4) تأكيد العزم على استمرار الإعانة اليوغسلافية للشعب الجزائري.
ولهذا فقد كان حتميا أن تشن الحكومة الفرنسية حملات صاخبة على هذه الزيارة التي كانت مرحلة من مراحل انتصار القضية الجزائرية في المجال الدولي، ولم تكن الحملة موجهة بالطبع ضد تلك الزيارة بالذات، بل أنها كانت – على التأكيد – رد فعل حتمته ظروف النجاح السياسي الذي تسفر عنه عادة رحلات الرئيس فرحات إلى مختلف القطاعات الدولية والعالمية.
أما مظاهر هذا النجاح فتتجسد فيما يلي:
1) إحباط المشاريع الديبلوماسية الموجهة لعزل الحكومة الجزائرية على الصعيد الدولي.
2)  النجاح في إقناع الحكومات والجماهير بعدالة القضية ومشروعيتها.
3) إمكانية استدراج بعض الأقطار إلى الاعتراف الشرعي بحكومة الرئيس فرحات.
4) تأثير ذلك على الوضع السيكولوجي داخل الجزائر .
على أن المسؤولين الفرنسيين، وان كانوا لم يخطئوا كثيرا في تقدير هذه الاعتبارات السياسية الناشئة عن الاتصالات اليوغسلافية الجزائرية، فإنهم – مع ذلك – لا يزالون  يتورطون في اعتبار القمع الوسيلة المثلى للحد من فاعلية النضال السياسي والوطني الجزائري، ومما يضاعف من خطورة الأمر إصرار المسؤولين الفرنسيين على إيثار هذه الطريقة والاعتماد عليها إلى أبعد الحدود الممكنة، ومن صور ذلك نشوء نظام مراكز التجميع، تلك التي أضحت تجسم أخطر فصول المأساة الجزائرية وأكثرها شناعة  وهو لا، والواقع أن هذه المراكز لا تزال تثير في كثير من الضمائر الواعية هنا وهناك المزيد من المشاعر القاتمة والانتفاضات الوجدانية العنيفة.
وقد أكدت التقارير الصحفية الفرنسية شبه الرسمية بأن ما يناهز ربع مليون قد أجبروا منذ سنة 1957 –بالأخص- على مغادرة مآويهم الخاصة، وذلك تحت تأثير الأساليب التي تعتمدها الإدارة الفرنسية في مثل هذه الأحوال. ويعيش هذا العدد الضخم من المجمعين في أوضاع متباينة ومختلفة، إلا أن القاسم المشترك بين هذه الأوضاع هم ما تتميز به من شذوذ وما تنفرد به من غرابة، ويوجد نحو المليون من هؤلاء على الأخص وهم يجترون حياة كاسفة داخل مركز للتجمع منبثة في مختلف أرجاء القطر.
وبالرغم مما تثيره هذه المراكز من ردود فعل عنيفة في مختلف الأوساط والمحافل، فإن المسؤولين الفرنسيين – مع ذلك – لم يبدوا من الاستعداد ما يوحي بإمكانية إنهاء مثل هذه الأوضاع الناشرة، ويزداد ذلك وضوحا عندما ندرك أن القيادة الفرنسية تعتبر نظام التجمع هذا ضرورة أساسية وأكيدة لإمكانية استمرار قدرتها على مواجهة الموقف العسكري الدقيق بالجزائر، فالقوات الوطنية – كما يرى على المسؤولون الفرنسيون – مع ذلك – لم يبدو من الاستعداد ما يوحي بإمكانية إنهاء مثل هذه الأوضاع الناشرة، ويزداد ذلك وضوحا عندما ندرك أن القيادة الفرنسية تعتبر نظام التجمع هذا ضرورة أساسية وأكيدة لإمكانية استمرار قدرتها على مواجهة الموقف العسكري الدقيق بالجزائر، فالقوات الوطنية – كما يرى المسؤولون  الفرنسيون – تعتمد في استعداد طاقتها المادية على مؤازرة السكان غير الحضريين، ولهذا فانه من الضروري – بالنتيجة – حجز مصدر هذا الاستعداد عن طريق الإجلاء الفعلي لسكان الأرياف، وحشدهم داخل مراكز التجميع التي تتم مراقبتها بصورة دقيقة ومنظمة، ويرى الاستراتيجيون الفرنسيون – كما يلوح – انه ذلك قد يكون من نتائجه التوصل إلى النتائج التالية:
1) عزل القوات الوطنية عن مصادر التزويد الأساسية.
2) الحيلولة دون تأثر السكان بالمزيد من الدعوة الوطنية والجهادية.
3) إمكانية اصطناع الأنصار من بين المجمعين.
4) احتمال استخدام هؤلاء الأنصار عند الاقتضاء وذلك بعد أن يتم تنظيمهم ضمن كتائب مطاردة خاصة.
وعلى ضوء هذه التقريرات فانه كان مقترضا أن يلعب هذا النظام دورا هاما في تعديل الوجه السياسي والعسكري للأوضاع في الجزائر، ولكن الواقع كان صورة مناقضة لكل ذلك، فمراكز التجميع لم يكن لها أن تضم في الواقع وفي غالب الأمر إلا العناصر العاجزة من السكان، ولهذا فقد بدا من العسير أن تفضي إلى النتائج المختلفة التي كان يتوخاها منها المسؤولون الفرنسيون، بل انهال على النقيض من ذلك أضحت بالإضافة إلى سلبية نتائجها العسكرية، عبثا باهظا يثقل هؤلاء المسؤولين بكثير من التبعات المادية والتنظيمية والنفسانية.
 على أنه بالرغم عن المصاعب الناشئة عن «نظام التجميع» فإن الحكومة الفرنسية مع ذلك لم تتردد في الأقدام على اتخاذ بادرة مسرحية مثيرة لم تكن متوقعة كثيرا، ذلك عندما أعربت أخيرا عن الرغبة في) تخويلها حق الإشراف على اللاجئين الجزائريين بتونس والمغرب بما في ذلك إكراههم على العودة للجزائر!. وقد استشارت هذه المطالبة كثيرا من مظاهر الامتعاض والاستهجان في المحافل الرسمية وغير الرسمية بالقطرين المعنيين، وقد ضاعفت من حدة الاستغراب أن البادرة الفرنسية كانت تكتسي صبغة الرد على ما يتم في مصالح الأمم المتحدة من محاولات لإسعاف هؤلاء اللاجئين وتقديم العون الدولي إليهم.
غير أن المنظمة الأممية بالذات كانت – في واقع الأمر– من بين العوامل الرئيسية التي حدت بالمسؤولين الفرنسيين إلى الإعراب عن مطالبات علنية من هذا النوع .
فقد بدا يدنو بالفعل الموعد السنوي لانعقاد الدورة العادية للأمم المتحدة، ومما لا يلابسه الريب أن القضية الجزائرية ستكون من أبرز الفصول الأساسية التي سيتشكل منها الجدول الرسمي العام، ومن الجلي أن الحكومة الفرنسية تدرك سلفا مدى ما يمكن أن يكون هناك من تأثير على الرأي العام الدولي نتيجة للأوضاع الناشزة التي تلابس حياة اللاجئين والظروف القائمة التي تكتنف وجودهم، وقد غدا متأكدا أكثر من أي وقت مضى أن القضية قد تتخذ – على الصعيد الدولي وفي الأمم المتحدة بالأخص – أساسا لحملات سياسية مركزة، تمتد على كثير من الاعتبارات الإنسانية والسياسية والاجتماعية، ولهذا فقد كان موضوع اللاجئين دائما محط عناية كبيرة من جانب المسؤولين الفرنسيين وذلك في سبيل الوصول إلى تصفية وجودهم بما يتفق ووجهات النظر التي يتبناها الغلاة.
وقد اجتازت المساعي الفرنسية – في هذا المقام – مراحل كثيرة كان من بينها:
1) تجنيد الشعور العام ضد وجودهم، وذلك عن طريق الوقيعة السياسية المحبوكة، ومن أمثلة ذلك: الإيحاء بأن اللاجئين قد يتخذون أداة لتحقيق أهداف الحركة اليوسفية المحظورة في تونس.
2) العمل على مضاعفة المصاعب المادية والتنظيمية الناشئة عن استمرار حالتهم المعقدة (مقاومة بوادر الإعانة الدولية أو غيرها).
3) الإغارة على مخيماتهم أحيانا.
بيد أن الديبلوماسية الفرنسية – مع ذلك – لم تتمكن من تحقيق خطوات إيجابية في هذا المضمار، بل أن الوضع المترتب عن حالة اللاجئين قد أخذ يثير مجددا المزيد من القلق في الأوساط الدولية وغيرها، ومن ذلك كانت البادرة الفرنسية الأخيرة في المطالبة بـ «استرداد» هؤلاء اللاجئين؛  ولكنها لم تفض إلا إلى إثارة عواصف أخرى من النقد والاستغراب والاستهجان.
ويبدو أن الإخفاق الذي يجب نمنى به المساعي الفرنسية في مثل هذه المجالات، هو ناشئ عن الخطأ في فهم الحل الذي يجب  لفض المشكلة من الأساس، فالحالة  المترتبة عن هجرة اللاجئين مثلا ليست إلا مظهرا عاديا أو نتيجة حتمية لاستمرار المعضلة الكبرى، تلك التي تتجسم في الصراع المرير بين الاستقلال والإدماج في الجزائر، فإذا كان من هم المسؤولين الفرنسيين أن يطالبوا بإخفاء معالم الصورة الكئيبة التي تمثلها حياة اللاجئين، فان عليهم أن يدركوا أن هذه الصورة ليست إلا حلقة في سلسلة الصور القائمة التي ترسم ملامحها جو الصراع العنيف بين الشعب الجزائري وبين القوات التوسعية.
فالحرب إذن هي قاعدة المأساة، وليس من سبيل لتدمير هذه القاعدة إلا بإزالة الأساس الذي تنهض عليه، وليس هذا الأساس – في الواقع – إلا الاستعمار .

آراء أجنبية:
جورج بوشان: الكاتب العام المساعد للاتحاد الديموقراطي الاشتراكي للمقاومة: (أن احتمال تطبيق برنامج قسنطينة مع مواصلة الحرب في نفس الوقت بالجزائر هو شيء غير معقول بالمرة، وأن ما يبدو أهم من ذلك كله هو أن دافعي الضرائب الفرنسيين قد يصبحون نتيجة للإرهاق الجبائي في وضع لا يسمح لهم بأية بادرة لتوظيف رؤوس الأموال في بلاد الجامعة.
إن مطالبة الشعب الفرنسي بمساندة سياسة النفوذ والعظمة، ليس مفهومها المبادرة إلى احتضان كل ما يرتبط بالنفوذ والعظمة في أي شكل من الأشكال، لان كل سياسة شاملة المدلول لم تكن تلاقي في الماضي أي ضرب من ضروب النجاح نتيجة للضغط العميق الذي كان يمارسه البرلمان منذ سنة 1954 لتحقيق إرادة الإقطاعية المالية بالجزائر.
والآن توجد الحرب في ذلك البلد وهي بالغة أوج حدتها وسورتها، وان النضال في سبيل السلام يعني أيضا الكفاح من أجل الديمقراطية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إن الإدماج لا يعدو – في الواقع – أن يكون صورة أسطورية، لقد كان في الحقيقة ممكنا تطبيقه غداة التحرير، بل أيضا في بداية نونبر 1954، أما الآن فقد انقضت فعلا أربع سنوات من صراع، ولم يكن لذلك من نتيجة إلا أن أعان على إيجاد هوة عميقة لم يعد ممكنا سداها، إن أولئك الذين يهيمون بالإدماج لا يفعلون ذلك إلا لاتخاذه تكأة لمواصلة الحرب في الجزائر، وذلك للحفاظ على الامتيازات الضخمة التي ينعمون بها على حساب الشعب الجزائري .
على أنه قد أصبح في إمكاننا الآن – مع ذلك- أن نلحظ وجود تعدل في الجو العام تظاهرة كثير من الجهات الاقتصادية المستنيرة، فقد بانت هذه الجهات تدرك بوضوح أن الحرب، وان كانت تنطوي على بعض المكاسب فإنها مع ذلك تحمل قدرا أكبر من المضار، الأمر الذي لم تكن له من نتيجة إلا تدمير الطاقة الاقتصادية الفرنسية بعد أن أصيبت سابقا بأخطر مظاهر الضعف والركود.
لكل هذا فإنه من الضروري تهيئ جو صالح لأجراء حوار ثنائي بين الفرنسيين والجزائريين؛ يجب إقرار الحريات الأساسية والعودة إلى احترام المشروعية الجمهورية، كما يتعين أن يتدخل الصليب الأحمر جديا لضمان معاملة الأسرى من الجانبين على أساس إنساني، أما الأكثر أهمية من كل ذلك فهو الاندماج في جو المفاوضات على قاعدة التجرد من كل النوايا السيئة، وذلك في سبيل التوصل إلى توقيف إطلاق النار ونشر أولية السلام.
إنني ارتاب جدا من قيمة العمل على إجراء الانتخابات في بلد يغمره جو الحرب والعنف، ويتولى فيه الجيش الإشراف على مراكز الاقتراع، والذي أخشاه كثيرا إلا يكون الممثلون المسلمون الذين تم انتخابهم في 30 نونبر الماضي – إلا نسخا جديدة من «باواداي » أو من يشابهه فهؤلاء «المنتخبون » لا يتوفرون على قوة تمثيلية تفوق ما كان لأبناء (وي، وي) من صنائع الجمهورية الرابعة الموءودة، أما الجمهورية الخامسة فإنها إذا كانت ترغب في خلق جو جديد حقا بالجزائر فعليها حينئذ أن تسارع إلى استخدام أساليب جديدة، أن من الواجب إلا يقع التلاعب بالانتخابات؛ فإن ذلك ينال – في الواقع – من سمعة فرنسا، لا في أقطار الجامعة فقط، بل أيضا في بقية بلاد العالم).

كاستون ديفير: شيخ اشتراكي – عميد بلدية مرسيليا:
بالرغم من أن الجنرال دوكول يمثل – في الحقل السياسي سلطة قوية على العسكريين لم ينعم بها أسلافه في الحكم، فإن الجيش – مع ذلك – يشكل في الجزائر قوة قد تصبح خطيرة على الحريات العامة.
إن استمرار الحرب في الجزائر ليس له في الواقع إلا أن يزيد هذا الخطر تركيزا ويضاعف من احتمالاته الجهنمية الرهيبة، ذلك أنه في حالة ما إذا كان الجنرال دوكول سيضطر إلى مغادرة الحكم لسبب من الأسباب، فإن مصير البلاد ستقع حينئذ – في أيدي رجال أقل ما يمكن أن يقال عنهم أنهم غير ديمقراطيين.
هذا ومن جانب آخر فإنه يبدوا أن المسلمين قد تزعزعت ثقتهم كثيرا، نتيجة لنوعية الأساليب التي احتذيت في إجراء الانتخابات التشريعية والبلدية بالجزائر.
أما إذا تم في المستقبل التصويت على تدابير إدماجية فسيكون مدلول ذلك إيصاد الباب أمام كل حل سياسي للمشكلة القائمة، بل أن الجنرال دوكول سيغدو ساعتئذ عاجزا عن وضع أي حد للصراع المستمر في البلاد.
أنني في وضع يجبرني على الاعتقاد بأن طبيعة ومعاني الأقوال التي قام بها الجنرال دوكول أخيرا قد بدأ عليها كثير من التغير بالنسبة لما كنا نعهده قبل عدة أسابيع...».
فهل يعني ذلك مزيدا من الوقوع تحت تأثير الغلاة؟؟

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here