islamaumaroc

القصة التاريخية في الأدب العربي

  هنري ببريس تعريب أحمد المكناسي

22 العدد

نشر في المجلد الخامس عشر من مجلة «حوليات معهد الدراسات الشرقية »(1) التي تصدر عن كلية الآداب بجامعة الجزائر، بحث أدبي تحليلي هام بقلم الأستاذ هنري بيريس، أستاذ الآداب بالجامعة المذكورة تحث عنوان «القصة التاريخية في الأدب العربي ».
وبعد هذا البحث من الأبحاث الأدبية التاريخية  المهمة ضمن البحوث التي تظهر من حين إلى حين في بيبلوغرافية الأدب العربي، التي تنشرها المؤسسات الثقافية الأجنبية. وتكون صرحاء إذا قلنا أن دراسة الأدب العربي المعاصر مفتقرة جدا إلى مثل هذه البحوث والدراسات في الشكل الذي يقدمها لنا هذا الأستاذ.
فهانري بيريس من المستشرقين البحاث، المختصين في دراسة الشعر العربي الأندلسي، والأدب العربي على العموم، إلى جانب اهتمامه بالدراسات الأدبية النقدية، وقد أطلعنا على مجموعة من أبحاثه التي تبرهن على عمق دراسته وخبرته الواسعة في ميدان البحث الأدبي .
ويتعرض الأستاذ بيريس في بحثه الطريف هذا، إلى القصة التاريخية في الأدب العربي بأسلوب واضح ومعلومات تاريخية مرتبة، حسب سير التاريخ مما يجعل المثقف يقراه بدون جهد ولا عناء.
وأنا بدوري أريد أن أقدمه إلى القارئ العربي مع إيضاحات، وتلخيص بعض نصوصه، الشيء الذي جعلني أراجع مراجع شاملة جميع المصادر الأدبية والتاريخية التي مر بها الباحث في دراسته وأنا أترك الفرصة للقارئ ليرد على الآراء التي جاءت في هذا البحث، منها تلك الأفكار التي تؤكد أن النهضة الأدبية الشرقية يرجع الفضل فيها إلى المؤسسات التبشيرية الدينية الغربية التي استقرت في البلدان العربية.
                                                    *
يقول الكاتب في مستهل بحثه أن التاريخ المعروض بشكله القصصي لم يشاهد القرنين التاسع عشر والعشرين ليكسب حق الاستيطان في الأدب العربي، ففي الماضي نجد مثلا قصصا لعنترة، ولسيف بن ذي يزن ولبنى هلال وللجزية، وقصة البطال وذات الهمة وغيرها، ويتسائل الكاتب هل لدينا ضمن هذه القصص المذكورة قصص«تاريخية» بهذا المعنى الدقيق؟ فيجيب: يصعب علينا أن نرد على هذا السؤال بالإيجاب، كل ما هناك هو عبارة عن «أناشيد المفاخرة»  فإبطال هذه القصص أو أناشيد المفاخرة موجودون حقيقة في التاريخ، ولكن كتابها سمحوا لأنفسهم بالحرية لقلب حقائقها! وزيادة على قلبهم لها أضافوا إلى قصصهم مجموعة من القصائد الشعرية، حتى جعلوا منها ملاحم لا قصصا تاريخية بمعناها الحقيقي .
إذا فيجب علينا أن نبحث عن أصول القصة التاريخية في (السير) لان بهذا الاسم تعرف أحيانا القصص المذكورة، وأما من ناحية القدم فإن كلمة السيرة التي تجمع على سير، أقدم بكثير من كلمة قصة، الجمع قصص فنجد مثلا في «رسائل» عبد الحميد الكاتب المتوفى سنة(132هـ –750م) ذكر كلمة السيرة، كما أن ابن هشام البصري المتوفى سنة (218 هـ - 833 م) عنون كتابه المشهور بـ «سيرة الرسول »، أما كلمة القصة فلا نجدها إلا في كتاب «المعارف » لابن قتيبة، المتوفى سنة (276 هـ 889 م) بمعنى «أخبار نبوية »
ولم يذكرها ابن النديم في فهرسته (أواخر القرن الرابع الهجري) ونجدها بعد ذلك ببضع سنين مذكورة في كتاب تحث هذا العنوان «قصص الأنبياء» لأبي إسحاق الثعالبي، المتوفى سنة (427 هـ - 1035 م)، وهل يمكننا أن نبحث عن المنشأ الحقيقي للقصص التاريخية في «أيام العرب» ؟ (2)2، وقد نجد في كتاب «مروج الذهب» للمسعودي، المتوفى سنة ( 346 هـ - 957 م) معلومات واضحة في هذا الموضوع، تبين لنا كيف كان الخليفة معاوية يقضي بعض أوقاته الليلية في سماع أخبار العرب وأيامهم فيقول المسعودي: «... ويستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب (أي معاوية) وأيامها والعجم وملوكها وسياستها لرعيتها وسائر ملوك الأمم وحروبها ومكايدها وسياستها لرعايتها، وغير ذلك من أخبار الأمم السالفة، ثم تأتيه الطرف الغريبة من عند نسأله من الحلوى وغيرها من المآكل اللطيفة، ثم يدخل فينام ثلث الليل ثم يقوم فيقعد فيحضر الدفاتر فيها سير الملوك وأخبارها والحروب والمكايد، فيقرأ ذلك عليه غلمان له مرتبون، وقد وكلوا بحفظها وقراءتها، فتمر بسمعه كل ليلة جمل من الأخبار والسير والآثار وأنواع السياسات، ثم يخرج فيصلي الصبح، ثم يعود فيفعل ما وصفنا في كل يوم.»(3).
فأيام العرب التي كانت موضوع اهتمام، منذ القديم، من طرف اللغويين والنحاة مثل أبي الأسود الدؤالي، والخليل بن أحمد، والأصمعي قد جمعها ورتبها ثم لخصها الكاتب الأندلسي المعروف ابن عبد ربه المتوفى سنة (328 هـ - 939 م) في كتابه العقد الفريد،  فمن أيام العرب ومن كتاب الأغاني لأبى الفرج الأصفهاني، استقى المستشرقون الأوربيون وخصوصا منهم فرنسل وكوسل دو بير سفال جميع معلوماتهم عن تاريخ العرب قبل الإسلام.
بعد هذا يأتي بيريس بآراء وملاحظات حول أيام العرب والسير والقصص ويؤكد بأن كل هذا يعتبر من جانب اللغويين والنحاة والمحدثين وشراح القرآن والسنة .
أن القصة التاريخية لم توجد في الأدب العربي في القرون الوسطى، وقد كان من اللازم أن ننتظر القرن التاسع عشر التي ظهرت فيه القصة التاريخية بفضل الحركات الثقافية والعلمية التي عملت على انبثاقها المؤسسات الدينية التبشيرية من البروتستانت والكاثوليك الأمريكية والبريطانية والفرنسية في سوريا. وقد اتخذت هذه المؤسسات الدينية الغربية اللغة العربية لنشر الثقافة والمعرفة الأوروبية بواسطة مؤسساتها التربوية .
ففي أوائل القرن التاسع عشر بدأت أعمال المبشرين الأمريكيين، إذ بعد مجيئهم من جزيرة مالطة استقروا في بيروت وفتحوا أول مدرستهم البروتستانية ثم انتشروا شيئا فشيئا في ربوع سوريا ولبنان وفلسطين حيث أسسوا المعابد والمدارس والمكتبات والمطابع والمستشفيات حتى ظهر الكاثوليكيون الفرنسيون في هذا الوسط التبشيري، ومن بينهم اليسوعيون والعزاريون الذين انضم إليهم فيما بعد الآباء الدمينكان والآباء البيض، أما المدارس التي أسسها المبشرون الأمريكيون نذكر بالخصوص منها كليتهم الطبية  فالمطبعة والمرصد والمستشفى ومؤسسات أخرى علمية كانت تقوم بنشر المعرفة بين الطبقة السورية واللبنانية، المسيحيين منهم على الخصوص .
ولهذا فالنهضة الأدبية العربية وتجديد كلمات المعجم من طرف اللبنانيين يرجع الفضل فيها إلى الأثر الذي خلفته تلك المدارس والمؤسسات الغربية الدينية.
كما أن أحسن مظاهر هذه الحركة نجدها ضمن التراث الفكري الذي خلفه لنا ناصف اليازجي وأحمد فارس الشدياق اللذان تكونا وأعينا من الناحية المادية والفكرية والخلفية في هذه المؤسسات.
أما مناهج التعليم لهذه المدارس فكانت تشمل اللغة الإنجليزية والفرنسية، زيادة على اللغة الإنجليزية و الفرنسية، زيادة على اللغة العربية وآدابها، ودراسة هاتين اللغتين الأجنبيتين كانت تلقن مباشرة بواسطة مطالعة النصوص الأصلية لأدباء غربيين مثل سوبفت و والتر سكوت وشكسبير من الجهة الانجليزية، وكورنيي وفيكتور هجو ودوماس من الجهة الفرنسية، أضف إلى هذا أن بعض المعلومات عن الأدب الإغريقي واللاتيني كانت تعطى بواسطة اللغتين الانجليزية والفرنسية.
ومن هؤلاء العرب الذين كانوا ثقافتهم في هذا الوسط أيضا نجد الكاتب المعروف جميل نخلة مدور الذي اظهر إعجابه بكتابي «التيلماك» للراهب الفرنسي فينيلون (4)و «رحلة الشاب أنا شرسيس» الذي كتبه الراهب بارتيلمي (5)وهذا الكتاب الأخير هو عبارة عن رحلة قام بها المسمى أنا شرسيس في اليونان قبل موت الاسكندر الأكبر ببضع سنين، وقد لاحظ هذا الرحالة في جميع الجهات التي زارها عوائد أهلها وحياتهم الاجتماعية وطبيعة حكومتهم ونفسيتهم وبه مقدمة تشمل كل ما يمكن أن يعرف عن اليونان من حروب وعوائد وفنون من العصور الغابرة إلى عصر فليب المقدوني والد الاسكندر الأكبر، وقد كلف هذا الكتاب لمؤلفه ثلاثين سنة في البحث والتأليف، وظهر في نفس السنة التي اندلعت فيها الثورة الفرنسية.
فجميل نخلة مدور كان من الأدباء  العرب الذين كان لهم إلمام باللغة الفرنسية، اظهر هذا الاستعداد عندما قام بتعريب قصة «أتلا» للكاتب الفرنسي المشهور شاتوبريان، وطبعت في بيروت سنة 1882 حين كان سنه بقرب من العشرين.
أما رحلة «الشاب أنا شرسيس» فقد أثرت فيه تأثيرا عجيبا لأسلوبها الرفيع وموضوعها الطريف مما جعله يقتبس منها الفكرة ليكشف لنا عن عصر من عصور التاريخ الإسلامي متبعا في ذلك منهاج الكاتب الفرنسي المذكور، وإذا كان الكاتب بارتيليمي قد اختار لكتابه عصر الاسكندر الأكبر، فكاتبنا العربي اختار هو كذلك عصرا مشرقا من عصور الإسلام وهو عصر الخليفة هارون الرشيد الذي رفع الإمبراطورية الإسلامية إلى أعلى أوجها.
وقد سمى كتابه بـ «حضارة الإسلام في دار السلام» وهو عبارة عن مجموعة رسائل وصف فيها عصرا من عصور الإسلام «قد أشرق به نور العلم. وحرت فيه أعمال عظيمة قام بها رجال كبراء ملاوا العالم بآثار جمالهم. وجعلت الكلام فيها لرحالة فارسي (6)طوقته مناصب الدولة برعاية البرامكة إلى أن نكبهم الرشيد كما تراه في موضعه من الكتاب...»(7)
ويقول جميل مدور في آخر مقدمة الطبعة الثانية لكتابه: «.. قد عقدت النية إجابة لرغبة علماء المسلمين ممن تفضلوا باستحسان هذا الكتاب على متابعة سرد التاريخ الإسلامي في شكل هذه السلسلة من الروايات. وتنسبقها في مثل هذا السمط من درر الآيات البينات»(8) .
وحضارة الإسلام في دار السلام تحتوي على عشر رسائل:
الرسالة الأولى كتبها الرحالة فم النهروان سنة 175ه / 773م في نهاية أمرة الخليفة العباسي ابي جعفر المنصور (136 – 158ه / 753 – 775م)
يبدأ حديثه فيها بذكر قدومه إلى العراق، ولقائه لبعض علمائها، ثم يتحدث عن البصرة وأماكنها المشهورة ووصف عمرانها، وصبر أهلها على طلب العلم، وكما يتكلم عن العرب البادية ويأتي بنتف من أخبارهم ويمضي متكلما عن انفصاله عن البصرة حتى يأتي بلمحة عن أخبار الحجاج، وأخيرا يتحدث عن مروره بمدائن كسرى انو شروان، ويتضمن وصف إيوان كسرى وتخطئة الخليفة أبي جعفر في تخريبه، وان حفظ الأثر الجميل لجميل اثر للمموك الغالبين.
الرسالة الثانية كتبها في بغداد سنة 157 هـ 774 م ويذكر الرحالة قدومه إلى بغداد والتقائه بالخليفة في بعض المساجد مصليا ونزوله ضيفا على القاضي أبي يوسف. ثم يصف بغداد وإقليمها وعمرانها وبلوغ أهلها من السعة ما لم تبلغه الأمم المترفة من قبلهم، ثم يتكلم عن النصرانية في الإسلام وفيه صفاء المسلمين مع النصارى وأن استخدامهم في الدولة لا يضر الإسلام. ثم تقربه من البرامكة وآل المهلب وأمراء شيبان، ودخوله على معن بن زائدة، وما جرى من الحديث بحضرته عن أبي مسلم الخراساني وأنه ما نكب أبا مسلم إلا ميله مع أهل البيت، ثم يأتي بالمعة من أخبار أبي جعفر وأن العدل هو الذي فتح الدنيا للمسلمين وأن النصارى كانوا يشاركونهم ببعض غزواتهم.
الرسالة الثالثة كتبها أيضا في بغداد سنة 158 هـ -775 م ويذكر فيها لقاءه ولي العهد وحظوته لديه يذكر الرحالة السبب الذي قربه من المهدي وأنعام هذا عليه بضيعة في السواد ودار في بغداد تشرف على دجلة وأن المهدي أقامه على ولديه موسى وهرون مؤدبا ثم يأتي ببقية من أخبار أبي جعفر وسهر الخليفة على تدبير المملكة وصلاح الدولة بخالد البرمكي وأن قتله العلويين ظلم واقع عليه وعلى آله من بعده عاره وجزاؤه، ويصف بعد ذلك ركوب الخليفة إلى الحج وفيه وصف موكبه وركوبه في البردة والخاتم والقضيب ومصير الأمر بغيابه إلى المهدي ابنه، ثم ينهي هذه الرسالة بذكر من لقيه من الشعراء وفيه طرف من أخبار بشار ومروان ابن أبي حفصة وأبي العتاهية وأبي دلامة وابن المولى والسيد الحميري وأشجع السلمي وذكر شيء من أبياتهم.
الرسالة الرابعة من بغداد سنة 161 هـ - 778 م وكان الرحالة على أهبة السفر إلى خرسان ويذكر فيها جلوس المهدي على دست الخلافة وسياسته وخلعه عيسى ابن عمه عن الولاية وذكر مآثره وحمله ووضعه في ديوان المظالم ورفعه الكسور والمون واستمالة الناس بالإحسان إليهم ورده الضياع المقبوضة عنهم، ثم يتكلم الرحالة عن ظهور المهدي بمناصرة العلم واتخاذه لأهل الأدب مجالس يعرضون فيها بضاعتهم من فن أو علم أو صناعة ثم يجيزهم على ذلك بما وسعت يده من الكرم. وتنتهي هذه الرسالة بولوع المهدي بمزاولة الصيد وذكر حجه وبنائه الكعبة وفتح يده في عطاء أهل الحرمين وسياسته مع أهل البيت ثم ظهور المقنع في خرسان يدعى الربوبية ويستغوي الخلق، وبعثة الرحالة إلى مرو لمقاومة دعوته.
الرسالة الخامسة كتبت في بغداد سنة 181هـ 8 – 797 م وفيها طرف من أخبار المهدي والهادي، ويذكر الرحالة عودة إلى بغداد بعد طول الغيبة عنها وما حدث من أخبار المهدي والهادي إلى أن صارت الخلافة إلى الرشيد 170هـ - 786م. ثم يأتي جمال بغداد بالرشيد والبرامكة وترف البغاددة وانغماسهم بطيبات العيش، ثم يصف دخوله على هارون الرشيد ويذكر الرحالة ما لقي من أنس الرشيد به وما وجد بنفسه من الاضطراب في تقديم المأمون على الأمين بالولاية مع أن بني هشام مائلون إلى الأمين.
ثم يأتي الكلام عن الرشيد ويصفه بأنه من فضلاء الملوك وأنه أصلح من جده المتصور سياسة ويتكلم عن البرامكة ويقول أن الدولة قائمة بيحيى البرمكي، وان التواد الذي بين الرشيد وجعفر لم يكن مثله بين أخوين، ثم يتعرض للتجارة والمعاملة وما وجب على الرشيد من تقدير السكة بعد أن تفاحش الغش في التجارة، وما كان في نيته من فتح البحر عند السويس لوصل البحر الرومي يبحر القلزم وتعرض جعفر لهذا المشروع.
وتنتهي الرسالة بوصف محاسن دولة الرشيد وأنه اجتمع ببابه من العلماء والأدباء والشعراء ما لم يجتمع على باب خليفة غيره قط وأن زينة مجالسه ثلاثة أبو نواس والأصمعي وأسحق النديم. كلهم أمام في الأدب ولكن غلب على أبي نواس الشعر وعلى أسحق الغناء وعلى الأصمعي النوادر والأخبار.
الرسالة السادسة كتبت في بغداد سنة 185هـ 801م، تصف بيت الرشيد، صلاح الرشيد وتقواه وذكر مواليه وجواربه وترف ذويه، وذكاء المأمون من أولاده وتعلق أمور بيته بمسرور العبد وصنع زبيدة زوجه أعماله يتباها بها الملوك. ثم يأتي الكلام عن جمال البرامكة وانفجارهم بالكرم ثم وصف الدولة في خلافة الرشيد ثم عمران بيت المال ثم مجلس الغناء بدار الرشيد وفيه خبر الخلاف الذي وقع بين إبراهيم بن المهدي واسحق النديم في صناعة الأصوات وان هذه المناضرة داعية إلى الإجادة في الغناء.
الرسالة السابعة كتبت في بغداد سنة 185هـ 801م ويذكر فيها آداب العرب وتعريب البرامكة.
كتب الفلاسفة من قوم اليونان وبلوغ العرب الغاية التي يرمونها من علم أو أدب أو صناعة في أقصر مدة من الزمن تم يأتي الكلام عن الطب والأطباء والنجامة وعلم الأفلاك ثم الحديث وعلوم الشرع ثم تدوين اللغة ثم الشعر في البداوة والحضارة ثم الغناء وتحريره وإصلاحه ثم لمعة في علوم الفلسفة عند العرب وتنتهي الرسالة بالكلام عن السير والحكايات وفيه ثناء جميل على كتاب كليلة ودمنة ونظرة في كتاب ألف ليلة وليلة وتعريبه عن الفارسية، وتدوين الأخبار وأيام الناس .
الرسالة الثامنة كتبت في بحر تونس سنة 186هـ- 802م، بعد انصراف الرحالة من بلاد الروم، ذكر فيها الرحالة ألطاف الرشيد إلى قيصر الروم وأنه هو الذي حمل الرسالة، وبلغه ما يريد الرشيد من موافقته على بني أمية لينتزع الأندلس من أيديهم.
ثم ذكر مروره بالكوفة وبلاد الشام ووصف دمشق بأنها بهجة البلدان ثم أتى بنتف من أخبار بني أمية حدث بها مغنية كانت للوليد بن يزيد(126هـ 744م)، ثم يذكر زيارته لجامع الوليد المعروف بالجامع الأموي ومروره ببعلبك مع وصف لها وأنها من آثار الروم لا من بناء سليمان ثم ركوبه البحر من بيروت وتنتهي هذه الرسالة بذكر لقائه للقيصر (شارلمان) مع بيان عادات الفرنج واندثار علومهم في ذلك الوقت إلا ما حفظه الرهبان في ديورتهم وذكر أن خاطر القيصر يتوافق مع خاطر جعفر البرمكي في العدول عن مناجزة الأمويين.
الرسالة التاسعة، كتبها في المشاعر المباركة سنة 186هـ - 802م، ذكر فيها مروره بتونس من بلاد المغرب، وخبر الاغالبة واستقواء أهل البيت في المغرب (الادارسة)، ثم يتكلم عن الإسكندرية ومصر والنيل والأهرام ثم يصل سفره إلى البلد الحرام فيصف مكة المكرمة فمناء فالمدينة المنورة، وتنتهي هذه الرسالة بالكلام عن الرشيد والبرامكة فيذكر تحول الرشيد على البرامكة بحيلة الفضل بن الربيع الذي أوغر صدر الخليفة عليهم من العداوة.
الرسالة العاشرة، كتبت في بغداد سنة 187هـ 803م، وفيها يصف الرحالة رجوعه متخفيا إلى بغداد، وقتل جعفر البرمكي وطلب الرشيد الرحالة لينكب به، ثم يذكر الرحالة ما دار على السنة الناس من سبب نكبة البرامكة وأن خبر العباسة أخت الرشيد مع جعفر لا صحة له، ويذكر انه ما نكب البرامكة إلا ميلهم مع أهل البيت .
ثم في الأخير يأتي خاتمة الكتاب، يختم الرحالة حديثه بنظرة عامة في الإسلام وانحيازه إلى دول ثلاث كبيرة «العلوية والعباسية والأموية»، ثم ينظر في أحوال العباسيين ويذكر حيلهم ومكايدهم إلى خلافة الرشيد ويقول أن دولتهم تحتاج إلى رجال عقلاء يديرون سياستها ويدبرون أمرها، وأنها إذا سقطت في يد خليفة قليل الخبرة بأمور الملك لا تقوم لها قائمة بعد ذلك .
                                                      *
إن هانري بيريس يلاحظ على جميل نخلة مدور إهماله للمراجع الأجنبية في تأليف كتابه واكتفى بالمراجع الإسلامية فقط التي «أسند إليها رواية الرحالة » وهذه المراجع معظمها مطبوع أما في الشرق أو في أوروبا، فنجد مثلا مطبوعات باريس، وروما، وكوتننجين، وبون، وليدن، ولايبزيك، ولندن، وأكسفورد، أما المطبوعات الشرقية فأغلبها وارد من مطابع بولاق سوى بعض النسخ طبعت في القسطنطينية.
ويستعرب المستشرق من هذا الإهمال حيث أن الكاتب العربي كان يتقن اللغتين الانجليزية والفرنسية ولم يستعن بهما في تأليفه المذكور، ففي الوصف الذي يقدمه عن الشرق من جميع نواحيه أجاد فيه وأتقن عمله، ونسق جميع معلوماته التي استقاها من المراجع العربية المختلفة تنسيقا بارعا واضحا لخبرته وإلمامه بطريقة التأليف، ولكنه حين يتكلم عن مدينتي مرسيليا وروما يرتكب أخطاء يرجع السبب فيها إلى عدم مراجعته للكتب الأجنبية واعتماده بالخصوص على كتاب «تقويم البلدان» لأبي الفداء طبعة باريس سنة 1940م)، أما معلوماته حول إمبراطورية شارلمان التي أوردها في مؤلفه فقد اقتبسها من السيوطي، وابن خلدون، والمسعودي، والمارودي، والابشيهي وابن عون.
ولهذا فلا يمكننا أن نعد كتاب جميل مدور من القصص، لان حوادث العقدة القصصية غير موجودة فيه، فهو قبل كل شيء عبارة عن أخبار وحوادث تعرض أمامنا بحذق بارع.

«فحضارة الإسلام في دار السلام» طبع لأول مرة في بيروت سنة 1888 وبعد هذا التاريخ بثلاث سنين ظهرت قصة «المملوك الشارد» التي تعد أول قصة تاريخية لجورجي زيدان.
ولد جورجي زيدان في بيرون سنة 1861 وتوفي في القاهرة سنة 1914م، وهو مؤسس ومدير مجلة «الهلال» الشهيرة، ينتمي إلى عائلة لبنانية فقيرة، وبعد دراسته الابتدائية التحق بالجامعة الأمريكية ببيروت – وذلك بفضل عزيمته القوية – دخلها كمستمع ليدرس فيها الطب، وبسبب خلاف وقع بين الطلبة وأستاذ في الجامعة غادر بيروت وتوجه إلى مصر بقصد إتمام دراسته هناك، فالتحق بمدرسة الطب في قصر العيني، إلا انه لم يكمل دراسته فيها، وتفرغ للاشتغال بالأدب، فترأس تحرير جريدة الزمان، وفي سنة 1884 رافق الحملة التي ذهبت إلى السودان مترجما في قلم المخابرات، ثم عاد إلى بيروت وتلقن هناك اللغات العبرانية والسريانية وإخوانها مدة عشرة أشهر، ووضع على أثر ذلك كتابه المسمى «الفلسفة اللغوية والألفاظ العربية» (سنة 1886)، وبعد عودته من رحلة قام بها إلى لندن انضم إلى هيئة تحرير مجلة «المقتطف» وانفصل عنها في سنة 1888، حيث أسس مجلته المشهورة «الهلال» (1892) التي كتب فيها موضوعات مختلفة في الأدب واللغة والعلوم حتى أدركته المنية فجأة في القاهرة سنة 1914.
أما روايته «المملوك الشارد» (بيروت 1891) فتبرهن على ذوقه وميولاته التاريخية، ومعظم مؤلفاته نقل في اللغات الإفرنجية والتركية والفارسية والهندية وغيرها وهذه هي أسماء مؤلفاته:
مؤلفاته التاريخية
1) تاريخ مصر الحديث مزين بالرسوم، جزءان.
2) تاريخ التمدن الإسلامي مزين بالرسوم 5 أجزاء.
3) العرب قبل الإسلام مزين بالرسوم جزء واحد .
4) تاريخ الماسونية العام مزين بالرسوم جزء واحد.
5) تراجم مشاهير الشرق مزين بالرسوم جزآن .
6) التاريخ العام، الجزء الأول مزين بالرسوم.
7) تاريخ انجلترا مزين بالرسوم.
8) تاريخ اليونان والرومان (منتصر)
مؤلفاته العلمية وغيرها
1) مجلة الهلال، وهي مجلة علمية تاريخية أدبية، تصدر مرة في الشهر وعدد مجلداتها حتى الآن (سنة 1914) 22 مجلد الاثنتين وعشرين سنة.
2) الفلسفة اللغوية.
3) تاريخ اللغة العربية .
4) تاريخ أدب اللغة العربية 4 أجزاء .
5) أنساب العرب القدماء .
6) علم الفراسة الحديث، مزين بالرسوم.
7) طبقات الأمم، مزين بالرسوم.
8) عجائب الخلق، مزين بالرسوم.
سلسلة روايته التاريخية الإسلامية
1) فتاة غسان جزآن
2) ارمانوسة المصرية.
3) عذراء قريش.
4) 17 رمضان.
5) غادة كربلاء.
6) الحجاج بن يوسف.
7) فتح الأندلس.
8) شارل وعبد الرحمن.
9) أبو مسلم الخراساني.
10) العباسة أخت الرشيد
11) الأمين والمأمون
12) عروس فرغانة.
13) احمد بن طولون.
14) عبد الرحمن الناصر.
15) الانقلاب العثماني.
16) فتاة القيروان.
17) صلاح الدين ومكايد الحشاشين.
18) شجرة الدر.
رواية أخرى
1) المملوك الشارد.
2) أسير المتمهدي.
3) استبداد الممالك.
4) جهاد المحبين.
وبعد وفاة هذا الكاتب العبقري خلف وراءه اثنين وعشرين قصة كلها في موضوع التاريخ تنقسم إلى قسمين أساسيين، قسم متعلق بالتاريخ الحديث للإسلام وقسم ثاني في موضوع التاريخ القديم للإسلام في الشرق والغرب.
فالقصص التي تدخل في القسم الأول هي:
1 _ «استبداد المماليك» (1893)، التي تصف حوادث أواخر القرن الثاني عشر في مصر تحت حكم آخر سلاطين المماليك.
2 _ «المملوك الشارد» (1891)، تصف أعمال محمد علي باشا مؤسس مصر الجديدة، وأمير سوريا الشهير بشير الشهابي (9)، والحديث الرئيسي في هذه القصة يدور حول فرار أحد المماليك من الأسر من قلعة القاهرة حيث دفع بنفسه في الفضاء من أعلى سور القلعة ممتطيا صهوة جواده، فسقط على الأرض فمات الفرس، وفر هو سالما، بمعجزة، فتوجه اثر ذلك إلى سوريا ليقاوم هناك عدوه الأكبر محمد علي.
3 _ «أسير المتمهدي» (1892)، اختصت هذه القصة بعرابي باشا والمهدي السوداني، حوالي
1880– 1882.
4 _ «الانقلاب العثماني» تصف هذه القصة حالة المتحررين الأتراك في عهد عبد الحميد، وجمعياتهم السرية، ومساعيهم لنيل الدستور الذي حققته ثورة سنة 1908، وتجد في هذه القصة كذلك وصفا لقصر الديز وبساتنه، ومعلومات عن السلطان عبد الحميد العثماني وعن جواسيسه ومستأجريه، وقد نقلت هذه القصة إلى الفرنسية بهذا العنوان «الله يسهر !... قصة الثورة التركية»(10)
أما القسم الثاني من قصص زيدان فتنقسم كذلك إلى مجموعتين، المجموعة الأولى في القصص الشرقية المحضة، والمجموعة الثانية في القصص الإسلامية الغربية، وكلا المجموعتين تطرق موضوعا واحدا وهو التاريخ الإسلامي منذ عصر الفتوحات الكبرى إلى نهاية الخلافة العباسية، 656 هـ _ 1258 م
واليك القصص الشرقية مرتبة الترتيب الزمني لعصورها التاريخية:
1 - «فتاة غسان» (1903)، تعرض هذه القصة حالة الإسلام من ظهوره إلى عصر الفتوحات العراقية والشامية.
2 - «ارمانوسة المصرية» (1911) تروي هذه القصة فتح مصر على يد عمرو بن العاص كما تكشف لنا عن لمحات بعض عوائد العرب، والأقباط، والرومان في ذلك العهد.
3 - «عذراء قريش» _1899)، تصف مقتل الخليفة عثمان وتاريخ خلافة علي.
4 - «سبعة عشر رمضان» (1900)، تتحدث عن مقتل علي وتتكلم عن وضعية الخوارج والفتن الداخلية واستيلاء الأمويين على الحكم.
5 - «عذراء كربلاء» (1901)، تدور حوادث هذه القصة على تاريخ الخليفة اليزيد بن معاوية ومصرع الحسين في كربلاء.
6 -  «الحجاج بن يوسف» (1902) تقص حصار مكة المكرمة من طرف الحجاج بن يوسف، ومقاومة عبد الله بن الزبير لهذا الحصار، كما تصف استيلاء الحجاج على مكة وقتل عبد الله بن الزبير وتثبيت الحكم في يد عبد الملك بن مروان.
7 - «أبو مسلم الخرساني» (1911)، حوادث هذه القصة تتعرض إلى سقوط دولة الأمويين وظهور العباسيين بفضل القائد أبي مسلم الذي ضحى بنفسه في سبيل قضيتهم.
8 - «العباسة أخت الرشيد» (1906)، تروي هذه القصة تاريخ هارون الرشيد ونكبة البرامكة، وقد
لعبت أخت الرشيد العباسة دورا هاما في هذه النكبة، وترجمت هذه القصة إلىالفرنسية(11?.
9 - «الأمين والمأمون» (1907)، تتكلم عن انفصال هذين الأميرتين وعن تغلب المأمون على أخيه وقتل هذا الأخير بمعونة الفرس.
10 - «عروس فرغانة» (1908)، تتعرض هذه القصة لحكم العباسيين في عهد المعتصم بالله ولقيام الفرس واستيلائهم على الحكم وزحف البيزنطيين على الممالك الإسلامية.
11 - «أحمد بن طولون» (1909)، وهذه القصة تصف مصر ونوبة في عهد الطولونيين .
12 - «صلاح الدين ومكائد الحشاشين» (1913)، تروي كيف تحولت مصر من حكم الفاطميين إلى حكم الأيوبيين ويرجع الفضل في ذلك إلى صرامة صلاح الدين، كما تروي دسائس الفرقة الإسماعيلية المعروفة باسم الحشاشين.
13 - «شجرة الدر» (1914)، وهي عبارة عن تاريخ هذه الأميرة القوية التي استطاعت أن تجلس على عرش مصر، وماتت مقتولة سنة 655هـ - 1257م، وتتضمن كذلك الكلام عن الأمير ركن الدولة بيريس.
هذه هي القصص التاريخية الشرقية أما القصص التي تتعرض لموضوعات التاريخ الإسلامي في الغرب فهي قليلة بالنسبة إلى القصص المذكورة .
1 - «فتح الأندلس» (1903)، تشمل حوادث فتح الأندلس على يد طارق بن زياد والمعركة الشهيرة التي قتل فيها الملك  القوطي لذر يق.
2 - «شارل وعبد الرحمن» (1904)، تصف الفتوحات الإسلامية في فرنسا ووصول المسلمين إلى بواتي كما تصف المعركة التي تحمل اسم بواتيي (بلاط الشهداء) سنة (732م)، إلى جانب الأسباب التي جعلت شارل مرتيل ينتصر على العرب في هذه المعركة الحاسمة.
3 - «عبد الرحمن الناصر» (1910)، نجد في هذه القصة وصفا شاملا للأندلس في عهد الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر الذي امتدت خلافته من سنة 300 إلى 350هـ (912 – 961م).
4 - «فتاة القيروان» (1919)، تتكلم هذه القصة عن تاريخ العبد يين والفاطميين في إفريقيا وغزو مصر من طرف قائدهم جوهر.
                                                      *
وعندما يستعرض القارئ هذا الاستنتاج القصصي الضخم المدهش يفكر في الحين في بلزاك أو في الكسندر دو ماس (الأب)، فإذا قرأت مثلا صفحات من «العباسة» تجد تشابها بين هذا الكتاب الفرنسي المذكور أخيرا وبين كاتبنا العربي.

إن قصص جورجي زيدان التاريخية قد اكتسبت شهرة عظيمة في الشرق كله، ولهذا فقد أعيد طبعها مرات عديدة، وترجمت إلى اللغات الأسيوية والاروبية المختلفة، ولهذا فان شهرة هذا الكاتب  جاوزت حدود العالم العربي.
ومما يؤسف له أن هذه القصص لم تجد حتى الآن نقدا متينا في الشرق لأمن الوجهة التاريخية فحسب بل حتى من الوجهة الأدبية، فإبراهيم اليازجي المتوفى سنة 1906 قدم بعض ملاحظاته حول أسلوب كتابتها، كما أن يوسف الطبشي أوضح من جهته، سنة 1900، بعض الآراء الإسلامية فيما يخص قصة «عذراء قريش». هذا مجمل ما كتب عن قصص زيدان.
ويتساءل هانري بيريس عن ما هي المصادر التاريخية للقصص العديدة التي خلفها لنا هذا الكتاب العربي، لنأخذ مثلا قصة «شارل وعبد الرحمن» فمشهدها الرئيسي في معركة بواتبي، فنجد زيدان يذكر غالبا المصادر، التي استقى منها معلوماته التاريخية، بأسماء مؤلفيها لا بعناوينها، وفي بعض الأحيان يذكر رقم الجزء فقط في أسفل الصحيفة، إذا كان المصدر يشتمل على أجزاء عديدة، أما رقم الصفحة فلم يذكر قط، ومما يلفت نظرنا هو أن أسماء المقري والجاحظ وابن الأثير وأبي الفداء وبار هيبراوس ذكرت في هذه القصة مرتين فقط في حين نجد اسمي رينو وشارل رومي مذكورين في جميع فصول القصة بالتقريب.
ولهذا فيغلب على الظن أن زيدان اقتبس أغلب معلوماته التاريخية عن هذه الفترة الإسلامية من كتابين فرنسيين هما: «غزوات العرب في فرنسا» لرينو أو «تاريخ اسبانيا، من العصور الأولى إلى أيامنا هذه»الجزء الثالث، لشارل روميي.
وإذا كان زيدان لم يتعمق في المصادر التاريخية لكتابة قصصه فإنه لم يفصد تأليف كتب في البحوث التاريخية. أنه أراد قبل كل شيء أن يقدم لنا تراجم في أسلوب قصصي فحسب، واليك مثلا في كتابه «تاريخ التمدن الإسلامي» فهو يبرهن عن عمقه ومعرفته وإلمامه بالبحث التاريخي والأدبي ويمكن أن يقارن بمؤلفات كولدزبير وكرمير، ولهذا فزيدان كان يتعمق في البحث وفقا لطبيعة الموضوع الذي يبحث فيه، إذا، فلا يمكن أن نقول فيه بأنه كاتب سطحي، فبراعة قصصه لا نجدها في القريحة التي يعرض بها الأحوال الطبيعية ذات الصبغة الدراماتيكية في الإسلام.
وقبل أن نتابع دراستنا عن القصص التاريخية بعد وفاة جرجي زيدان يجب أن نشير إلى قصة ظهرت في نفس السنة التي صدرت فيها قصة «شارل وعبد الرحمن» (1904) وهي «أورشليم الجديد» لفرح أنطوان (1874 – 1922) فهذا الكاتب من أصل لبناني درس في معهد بقفطين، وتكون فيه تكوينا ثقافيا متينا، فكان من الذين مهدوا للدراسات الفلسفية بالنسبة لأوضاع المجتمع الجديد في الشرق الأدنى، وقد نشر هذه الدراسات في مجلته «الجامعة» التي تعتبر هي المجلة الثالثة في الشرق حسب الأهمية بعد مجلتي «الهلال» و«المقتطف»، وقد أظهر فرح انطون براعة في كتابة القصص الاجتماعية والتاريخية، ونشاطا كبيرا كمؤلف دراماتكي؛ وكبعض الكتاب الفرنسيين والروسيين، جعل من مؤلفاته منبرا لنشر أفكاره السياسية والدينية والاجتماعية.
فقصة «أرشليم الجديدة» التي طبعت لأول مرة في الإسكندرية سنة 1904، والتي تروي لنا غزو العرب لفلسطين سنة 636م، هي قصة تاريخية وفلسفية واجتماعية وغرامية، فتصف زحف العرب لسوريا وحصارهم لمدينة القدس التي كانت أكبر عاصمة دينية للمسيحية في ذلك العهد، كما تتكلم عن رحلة الخليفة عمر بن الخطاب إلى الشام للاستيلاء على المدينة المذكورة بطلب من بطريرك سوفرونيوس، وبناء المسجد الأقصى فوق خرائب معبد سليمان، بالإضافة إلى معلومات عن حالة اليهود والمسلمين والمسيحيين في ذلك العصر، وعن الأفكار الدينية والسياسية التي كانت تقلق خواطرهم.
وبعد وفاة جرجي زيدان لم تعد القصة التاريخية تجدب أدباء العرب، وذلك لان الحرب العالمية الأولى التي مست جهة من العالم العربي في الشرق، أوقفت مدة 15 سنة كل إنتاج ثقافي، وبعد ما أصبحت الحياة تسير سيرها الطبيعي اتجهت الأنظار من جديد إلى القديم.
ففي سنة 1341هـ / 1923م، ظهر في القاهرة كتاب «حضارة العرب في الأندلس» لعبد الرحمن البرقوقي صاحب مجلة  «البيان»، فعنوان هذا الكتاب يتشابه بعنوان كتاب «حضارة الإسلام في دار السلام» لجميل مدور المذكور سابقا، فبدون شك قد تأثر البرقوقي  بمطالعة كتاب جميل مدور، ويحكي هو كذلك، بواسطة الرسائل، عن لسان رحالة مصري ركب البحر سنة 345هـ / 956م، من الإسكندرية متوجها إلى ميناء المريا بالأندلس ومنها واصل سفره برا إلى قرطبة عاصمة الخلافة الأموية في نهاية أمرة عبد الرحمن الناصر (300 – 350هـ /912 – 961)، واثر رحلته في البحر تعرف على العالم اللغوي أبي علي القالي، الذي استقدمه الخليفة الأموي ليضمه إلى بلاطه الثقافي .
ففي الرسالة الأولى يصف الرحالة كيف أن الباخرة التي كانت ملكا للخليفة مرت بجزيرة كريد التي وجد بها جماعة من المسلمين الأندلسيين الذين التجأوا إليها بعد ثورة أرباض قرطبة ( سنة 202هـ / 817 م) ومرورها كذلك بمضيق مسين وريجيو وبليرمو.
وقد خص الرسالة الثانية بالكلام عن قرطبة وفيها بصف رحلته في البر حينما توجه من المريا إلى عاصمة الأندلس، ويقول عن المريا بأنها مدينة صناعية و «مرسى للسفن القادمة إلى الأندلس وفيها يربض الجانب الأكبر من أسطول الأندلس» مع معلومات موسعة عن الأسطول الإسلامي في ذلك العصربقيادة الأمير عبد الرحمن بن رماحس «قائد أساطيل الأندلس الأكبر الذي أمره الحكم بن عبد الرحمن الناصر أن يتلقاهم ويجيء معهم إلى قرطبة تكرمة من الأمير لهم، ولأبي علي القالي»، وكان يضم هذا الوفد جماعة من الشعراء والأدباء، وكذلك يصف الرحالة كيف توجهوا إلى عاصمة الخلافة في «ركب فخم نبيل، وكان في طليعة الركب أمير البحر عبد الرحمن ابن رماحس المذكور مع وفد من وجوه الأندلسيين وفي طريقهم كانوا يتذاكرون في الأدب ومفاضلة الشعراء والأدباء المشارقة والأندلسيين»، وعلى اثر هذه المذاكرة أورد المؤلف البرقوقي في ثمان صفحات، على التقريب، حول الشعوبية في الشرق والغرب وتنتهي هذه الرسالة الثانية بذكر حكاية عن الغزال، الشاعر الأندلسي الظريف، «وهو يحيى بن حكم البكري الجياني، الملقب بالغزال لجماله، وجهه الأمير عبد الله بن الحكم المرواني إلى ملك الروم فأعجبه حديثه وخف على قلبه، وطلب منه أن ينادمه فتأبى ذلك واعتذر عنه لتحرير الخمر».
وكان البرقوقي قد أعلن في مقدمة كتابه المذكور وفي تعليق أتى به في صفحة 177 عن نشر رسالتين ليكمل بها تأليفه وهما الرسالة الثالثة والرابعة مختصين بالكلام  على مجد حضارة قرطبة، ولكنه لم يوف بوعده ولهذا فإن كتاب «حضارة الإسلام في الأندلس» يعد دائما كتابا ناقصا.
                                                   *
إن القصة التاريخية يظهر أنها أهملت من جانب كتاب العرب بعد سنة 1924، رغم التاريخ الإسلامي بقي دائما مصدرا غنيا للأفكار، فنجد أن الشعراء هم الذين استأنفوا البحث لإحداث نهضة جديدة في هذا الصدد بواسطة أشعارهم الغنائية ولكن هذه النهضة لم تكن حية وواقعية، فحافظ إبراهيم صاحب ديوان شعر كلاسيكي و «ليالي سطيح» حاول كتابة ملحمة عن عمر بن الخطاب بعنوان «العمرية» (1918). وحوالي سنة 1932 طبعت بعض المسرحيات لأحمد شوقي في المطبعة الملكية بالقاهرة، في موضوعات تاريخية كـ «كليو بطرا» و«قمبيز» و «علي باي الكبير» و «عنترة» و «أمير الأندلس» ولكن كل هذه المسرحيات لا تعد بأي حال قصصا تاريخية، ومنذ سنة 1930 بدا يظهر اتجاه جديد عند كتاب الشرق الأدنى، خصوصا في مصر وسوريا حيث صدرت التراجم العديدة لأشهر الإعلام، وكثرت تراجم حياة الرسول، عليه الصلاة والسلام، وشخصيات إسلامية بارزة(12)وهذا الاتجاه جديد في القصة التاريخية، يستحق هو وحده دراسة خاصة.
وأخيرا بقي لنا أن نقول إذا كان نوع القصة التاريخية قد انتهى تماما، فجرجي زيدان بعد في هذا النهج كاتبا فريدا في نوعه ومن الممكن أن لا يقلد.

(1)-
(2) – أنظر مقال ميتيوش في دائرة المعارف الإسلامية، ج 1، ص3 – 222.
(3) – كتاب مروج الذهب، ج 2، ص 332، مط، دار الرجاء، سنة 1357 هـ.
(4) كتاب Félémaque  هو عبارة عن مغامرات قصصية كتبها الراهب الفرنسي Fénelon وطبع لأول مرة سنة 1699م. أما المؤلف فينتمي إلى عائلة نبيلة فرنسية ولد ببوغود سنة 1651 ومات في كمبراغ العربية في القرن الماضي. سنة 1715م. وقد ترجمه الشيخ رفاعة الطهطاوي إلى
(5) من الكتاب الفرنسيين، عاش في القرن الثامن عشر ومات سنة 17
(6) شاب فارسي مسلم من هرمز بالخليج الفارسي، خرج من مسقط رأسه سنة 156ه / 773م منوجها إلى بغداد لطلب العلم. ومنذ بداية رحلته اعتاد أن يكتب إلى صديق له في فارس.
(7) انظر مقدمة الطبعة الأولى للكتاب.
(8) انظر طبعة جريدة المؤيد للكتاب، مصر 1323ه / 1905م.
(9) أنظر في بشير الشهابي ما كتبه هانري بيريس عن ناصف اليازجي في «حوليات معهد الدراسات الشرقية»، ج 1 ، (1934 – 1935)، ص 237.
(10) ترجمة م . ى. بيطار وتيبري ساندرا ( باريس فلامريون سنة 1924)
(11)  ترجمة م . ى . بيطار وشارل موليي وقدم لها كلود فرير، باريس 1912.
(12)  نفكر بالخصوص في مؤلفاته معروف الأرناءوط وهي: سيد قريش (1931)، عمر بن الخطاب، طارق بن زياد (1941)، فاطمة البتول (1942)، العباس محمود العقاد، عبقرية محمد، عبقرية عمر، عبقرية الصديق الخ..(1943 – 1944،طه حسين على هامش السيرة (1933،1938،1946)، الفتنة الكبرى: عثمان (1947)، محمد حسين هيكل، حياة محمد (1935) محمد أحمد جاد المولي، محمد المثل الكامل (1934)، عمر أبو النصر، محمد النبي العربي، خلفاء محمد، فاطمة بنت محمد، الحسين بن علي، خالد بن الوليد، معاوية ابن أبي سفيان الخ..(من سنة 1935)، محمد لطفي، ثورة الإسلام وبطل الأجنبية، أبو القاسم محمد بن عبد الله 01939)، محمد رضي، محمد رسول الله (1939)، مصطفى فهمي، محمد رسول الله (1945)، محمد عزت دروزة، سيرة الرسول (1948)، أضف إلى هذه القائمة الطويلة الترجمة العربية لكتاب حياة محمد، للكاتب الفرنسي أميل دير منغم (باريس 1929) لعادل زعيتر (القاهرة 1364 هـ / 1945)

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here