islamaumaroc

في عيد العرش العلوي المجيد وعلى هدى النبوة

  دعوة الحق

168 العدد


عناصر الموضوع:

1- في عيد العرش نعتز بأمجادنا.
2- كلمة العرش: ومعناها من اللغة والكتاب.
3- شروط الإمامة- كما أجمع عليها العلماء.
4- وعلى هدي النبوة: اليقين بالله.
5- الحكمة والحزم في استخلاص الحق.
6- وعلى هدي النبوة: (وقل جاء الحق وزهق الباطل).
7- نزول الآية.. والتوجيه بعدها.
8- وعلى هدي النبوة: مسيرة الفتح.
9- ثم عادت الصحراء إلى الوطن.
10- أما بعد، فنسأل الله دوام النصر والتأييد.

عيد العرش:
1- في الذكرى الخامسة عشرة لتربع جلالة الملك الحسن الثاني مولانا أمير المؤمنين على عرش أسلافه المنعمين- نعتز بأمجادنا. ونتخذ هذا اليوم عيدا للعرش عيدا للشعب المخلص للعرش والمتعلق بأهدابه والمستظل بلوائه- ونعلن أفراحنا. ونظهر ابتهاجنا. ونشكر الله على جزيل نعمته وقد مكن لنا في أرضنا، وهيأ لنا عرشا وطيد الأركان مؤسسا على العدل والإحسان.

إنه العرش العلوي الشريف النسب، الطاهر الأصل، الوافر الحسب، لسليل بيت النبوة، وأزكى فروع الدوحة المباركة، وأعطر أغصان العترة النبوية.
أول مظاهره القوة والأمانة والحزم وحسن التدبير. والملك العادل في مشورة.
وكل آمالنا في الله أن يعود هذا العيد أعيادا متوالية بالأمن والأمان. وبسعادة الشعب المغربي وسيادته. وبوحدة الكلمة والاتحاد والسمع والطاعة فيما يرضي الله.
2- إن كلمة (العرش) في اللغة: مكان التدبير المحكم والتسيير المنظم والهيمنة الكاملة.
ومن قديم التاريخ يحكي القرآن عن عرش لنبي الله يوسف: (ورفع أبويه على العرش..) وفي سنة ألف قبل الميلاد كان هناك عرش في اليمن: (ولها عرش عظيم..)
فجدير بالشعب المغربي أن يفرح ويعتز بعيد العرش العلوي، وأن يبتهج ويتباهى بهذا اليوم السعيد، لأنهم فازوا بنعمة كبرى لم يحظ بها أحد من المعاصرين.  
وجدير بالعالم الإسلامي أن يشاركنا السرور بعيد العرش العلوي، الذي ظل أمنية الأئمة المجتهدين، ودعوة الأولياء الصالحين من يوم أن اغتصبه أولاد الطلقاء. 
وقد تحقق الأمل، واستجاب الله الدعاء بالعرش العلوي في المغرب السعيد الحظ من مئات السنين، فكان عرشا على منهاج الراشدين، يتبع الهدي النبوي، ويحافظ على القرآن الكريم قولا وتطبيقا، وينصر السنة النبوية: دراسة وتحقيقا، ويشجع الصالحين ويحترمهم، ويقرب العاملين بإخلاص ويعرف قدرهم، ويتواضعون في عز، ويعالجون الأمور بالحكمة والحلم. فكانت ميراثا دائما.
ومن كتاب الأحكام السلطانية للماوردي- قال: ص 3 –
3- الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا- وعقد الإمامة لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع. وبالعقل. وبالشرع: أما الإجماع فهو ما اتفق عليه المسلمون بعد وفاة الرسول- في بيعة أبي بكر ومن بعده من الخلفاء الراشدين- وارتضى الجميع ذلك. وساروا عليه. ورأوه واجبا دينيا. 
وأما بالعقل: فلما في طباع العقلاء من التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم، ويفصل بينهم في التنازع والتخاصم، ولولا الولاة لكان الناس فوضى مهملين. وكما قال الأفوه الأودي- الشاعر الجاهلي:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
            ولا سراة إذا جهالهم سادوا!

وأما شرعا: ففي الآية من سورة النساء: ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم..) –  قال الماوردي: ويشترط فيمن يختار الإمام: العدل، والعلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة. والرأي المؤدي إلى حسن اختيار من هو أصلح للإمامة.
ويشترط في الإمام: العدالة، والعلم، وسلامة الحواس، وحسن الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح. والشجاعة والنجدة لحماية الأمة وجهاد العدو. والنسب: يكون قرشيا- لورود الحديث الصحيح في ذلك: الأئمة من قريش. وانعقد الإجماع على ذلك من الصحابة. فلا اعتبار لشذوذ من شذ من الخوارج المارقين. 
فما بالكم بمن اجتمعت فيه كل الشروط. بامتياز في علم السياسة. ومن أذكى فروع قريش: من سبط الرسول الحسن بن علي الذي قال فيه الرسول: إن ابني هذا سيد.؟؟
وبصورة فريدة من نوعها في جميع البلاد الإسلامية- قامت الإمامة في المملكة المغربية إمامة شرعية بجميع شروطها: فالعرش العلوي قام دائما على بيعة اختيارية من الشعب: شفوية وكتابية على يد العدول- فهي بيعة شرعية على منهج الراشدين.
وبإجماع تام من جميع أفراد الشعب اعتزوا بالعرش العلوي المجيد لا يرضون به بديلا.
واستمر الاهتمام بالشعائر الدينية في مظهر كريم يرضي كل مؤمن غيور على دينه. واستمرت المحافظة على الدين والدعوة إلى الله أصلا أصيلا في هذه الأسرة المباركة وميراثا من جدهم- عليه الصلاة والسلام- ودستورهم: هو تحقيق العدالة وجعلها أساسا للحكم. وإتقان السياسة في لباقة وفن وحكمة وحسن التوجيه.
وقد كان النبي- صلى الله عليه وسلم- وخلفاؤه الراشدون يسوسون الناس في دينهم ودنياهم، ويتتبعون تنفيذ العدالة في جميع الأقاليم. ويولون على الناس القوي الأمين: أخرج ابن سعد. والبيهقي- عن الحسن البصري قال: إن أول خطبة خطبها عمر بن الخطاب لما تولى الخلافة: حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فقد ابتليت بكم. وابتليتم بي. وخلفت فيكم بعد صاحبي. فمن كان منكم بحضرتنا باشرناه بأنفسنا، ومن غاب عنا وليناه أهل القوة والأمانة. فمن يحسن نزده حسنا، ومن يسيء نعاقبه، ويغفر الله لنا ولكم.
من كتاب حياة الصحابة لمحمد بن يوسف- جـ 2 ص 212- وكتاب الكنز جـ 3 ص 143.
إن اجتماع القوة والأمانة في شخص دليل الكمال والامتياز. ومؤهل للرياسة العادلة الحازمة. ولهذا وصف الله موسى بأنه قوي أمين (إن خير من استأجرت القوي الأمين) من سورة القصص.
ووصف الله يوسف- كما قال له الملك- (إنك اليوم لدينا مكين أمين).
ووصف الله جبريل بالقوة والأمانة فقال- في سورة التكوير: (إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين. مطاع ثم أمين).

وحسبنا الله ونعم الوكيل فيمن يعتدي علينا. اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب سريع الحساب
أهزم الأحزاب وزلزلهم وأنصرنا عليهم- كما نصرت الرسول في غزوة الأحزاب- (وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويا عزيزا).

وعلى هدي النبوة اليقين بالله:
4- في المواقف الهامة نسمع كثيرا جلالة الملك الحسن الثاني- أدام الله نصره- يقول: (وإن يقيننا في الله كبير. وقد عودنا الله الجميل. وتجلى علينا بالجمال والجلال- فنسأل الله أن يحقق لنا كل ما نرجوه من خير).

فهو يدعو ربه- وكله أمل في الله. ويقين في كرم الله وفضله. واثقا بمعونة الله.
وقد كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يلجأ إلى الدعاء كثيرا في المواقف الهامة ويناشد ربه أن ينجز له ما وعده.. حتى يشفق عليه أبو بكر من كثرة تضرعه لربه.
إنه الإيمان بالله. والثقة في فضل الله. والاستعانة بالله. والاعتصام بالله ( واعتصموا بالله هو مولاكم، فنعم المولى ونعم النصير).

الحكمة في استخلاص الحق:
5- وتم الاستقلال بعد التضحية والفداء والثمن الغالي، وتحررت أرض المملكة المغربية وبقيت أجزاء في الشمال والجنوب، وتحفز المخلصون من الرجال أولي البأس الشديد والقوة- لتحرير باقي الأرض بالقوة- في وقت كانت تنقصنا فيه الاستعدادات الحربية أمام خصم أكثر منا عدة- وإن كنا أكثر منه إيمانا بالله. وأشد يقينا بحقنا. فكانت الحكمة تقتضي أن نطالب بحقنا بقوة الحجة- في محاولات مستمرة- لا نمل ولا نيأس، ولو احتاج ذلك إلى الصبر سنوات معدودات. واعترض المعترضون من أهل الحماسة وقالوا: نموت فداء للوطن. فأقنعهم جلالة الملك بضرورة الصبر حتى تتهيأ الفرصة.. ويبقى الرجال مستعدين- ولنقف على أرض صلبة بأقدام ثابتة، ولن يضيع حق وراءه طالب، ووعدهم بأنهم سيكونون في الصف الأول يوم البدء في تحرير الصحراء- وفعلا- قد كان ذلك: كان رجال المقاومة وجيش التحرير في الصفوف الأولى يوم المسيرة السلمية- التي كانت فتحا مبينا.
وبدأ جلالة الملك الحسن الثاني بتهييئ الرأي العام للاقتناع بحقنا. ثم زادت الحجة قوة بحكم محكمة العدل الدولية- كل ذلك في دراسة واعية وتخطيط محكم. وقد نجح ذلك التخطيط بقوة الفكر. وغزارة العلم. وعميق الفهم لقواعد العلوم السياسية.
أما رصيد القوة المادية فهو مذخر لوقت الحاجة. وعلى أتم استعداد.
وكان افتتاح الإعلان على بدء المسيرة السلمية بالآية الكريمة (وقل جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا)- من سورة الإسراء-.
وهو اختيار يدل على منتهى العمق في فهم السيرة النبوية. وفي فقه القرآن الكريم.
إن العرش العلوي على منهاج الراشدين. ويسير على هدي النبوة: وخير الهدي هدي محمد- صلى الله عليه وسلم-
والرسول- صلى الله عليه وسلم- كان موقنا بوعد الله- وكان حريصا كل الحرص على هداية قومه. ويتلهف على اليوم الذي يترك الناس فيه عبادة الأصنام ويعبدون الله وحده لا شريك له. ومع ذلك كان يكافح ويجاهد بالحجة والموعظة الحسنة، ويبذل كل ما أمكنه من وسيلة للإقناع.
وفي كل مرحلة من مراحل حياته في مكة يأتيه الخبر الصادق من الله بيوم النصر فكانت محطات أنس يأوي إليها المسافر المتعب، ويستريح إليها المجهد:
أ- روى البخاري- عن عروة بن الزبير- عن السيدة عائشة قالت: والله ما وعد الله رسوله من شيء قط إلا علم أنه كائن قبل أن يموت. ولكن لم يزل البلاء بالرسل حتى خافوا أن يكون من معهم يكذبونهم.. الخ- تفسير سورة البقرة- جـ 6 ص 35
ب- وروى ابن سعد- في كتابه الطبقات الكبرى- عن عثمان بن طلحة قال: كنا نفتح الكعبة في الجاهلية يوم الاثنين والخميس.. فأقبل النبي- صلى الله عليه وسلم- يريد أن يدخل الكعبة مع الناس. فأغلظت له. ونلت منه، فحلم عني. ثم قال: يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي  أضعه حيث شئت. فقلت: لقد هلكت قريش يومئذ وذلت. فقال: بل عمرت وعزت يومئذ- ودخل الكعبة فوقعت كلمة مني موقعا ظننت يومئذ أن الأمر سيصير إلى ما قال. فلما كان يوم الفتح قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: يا عثمان ائتني بالمفتاح، فأتيته به فأخذه مني، ثم دفعه إلي وقال: خذوها خالدة تالدة. لا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان: إن الله استأمنكم على بيته، فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف- قال عثمان: فلما وليت ناداني. فرجعت إليه فقال: ألم يكن الذي قلت لك؟ فتذكرت قوله لي بمكة قبل الهجرة: لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت. فقلت: بلى، أشهد أنك رسول الله- من كتاب المواهب اللدنية، جـ 1 ص 158-.
وأصل القصة- في البخاري- كتاب المغازي- وفي مسلم- كتاب الحج-.
جـ- من سورة الأنعام (قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل. فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار) فهو يحيلهم على المستقبل في صدق وعد الله لرسوله بنصره- والمراد حسن العاقبة في الدار الدنيا- بقيام دولة إسلامية- في زمن الرسول (ص): وقد شملت جزيرة العرب كلها.. وقد كان الرسول على يقين من ذلك بوعد الله له: أي فسوف تعلمون من هو على الحق ومن هو على الباطل- والعاقبة المحمودة التي يحمد صاحبها عليها: أي فسوف تعلمون من له النصر في دار الدنيا ومن له وراثة الأرض- ومن له الدار الآخرة أيضا- فاعملوا على مقدار تمكنكم من أمركم- وإني عامل على مقدار تمكني، والعاقبة للمتقين.
د- ومن سورة القصص (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد):
روى البخاري- في كتاب التفسير- عن ابن عباس قال (لرادك إلى معاد): إلى مكة.

وروى ابن مزدويه- عن علي بن الحسين بن واقد قال: أنزلت بالجحفة- عند رابغ حين خرج النبي- صلى الله عليه وسلم- مهاجرا إلى المدينة- من كتاب فيض القدير. للشوكاني-
وحتى وهو في الطريق إلى المدينة مهاجرا يطمئنه الله أنه سيعود إلى مكة فاتحا منصورا- وقد تحقق وعد الله له.   

وعلى هدي النبوة:
6- (وقل جاء الحق وزهق الباطل. إن الباطل كان زهوقا): نزلت هذه الآية بعد معجزة الإسراء- في السنة العاشرة من النبوة، في مكة- وفي ظرف عصيب: بعد موت أبي طالب عم الرسول. وقد ذهب الرسول إلى الطائف، يدعوهم إلى الله فصدوه وأخرجوه من ديارهم، فعاد إلى مكة ودخلها في جوار المطعم بن عدي- النوفلي- القرشي-.
وبدا المشركون يجترئون على الرسول باليد- بعد بذاءة اللسان- وساوموه مساومة مغرية ليفتنوه عن بعض ما أنزل الله إليه، واستفزوه ليخرجوه من وطنه- بالمضايقات الكثيرة- وتجمدت الدعوة ووقفت عند مائتي شخص- نصفهم في الحبشة مهاجرون فرارا بدينهم من الفتن: في هذا الظرف العصيب نزلت الآية ليعلن الرسول: هذا الإعلان: جاء الحق وزهق الباطل، فجهر به، وسخر منه المشركون.
أعلن جلالة الملك الحسن الثاني بدء المسيرة. وقرأ الآية (جاء الحق وزهق الباطل) فقال بعض الناس- في خارج المملكة المغربية: مسيرة سلمية خضراء؟ ؟- كيف هذا؟ وكثر الاعتراض حتى صارت كلمة المسيرة عندهم نكتة يتفكهون بها في صحافتهم، ويقولون: مسيرة! أمام طيارات العدو وقنابله ودباباته، وخنادقه؟ ؟ ؟
وأمسك بعض المواطنين أنفاسهم يخشون العاقبة- ولكن القافلة تسير- 
لما نزلت الآية على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقرأها على الناس، وبلغها، وأعلن هذا الإعلان بكل يقين قال المشركون: وأين مدلول هذا؟ أين تحقيقه عمليا؟
وتلاحظ معي في ألفاظ الآية: جاء الحق: كلمة جاء يتحقق معناها بالحصول الفعلي. وكلمة زهق: يقولون زهقت نفس فلان: أي خرجت روحه أسفا على شيء فاته.
مع أن الباطل يومئذ كان يتمثل في المشركين.- وهم أقوياء- يعتدون بلا سبب، ويسطون بلا مبرر وأوصدوا أبواب التفاهم: (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه. وفي آذاننا وقر. ومن بيننا وبينك حجاب، فاعمل إننا عاملون)- من سورة فصلت-. فأين زهوق الباطل واندحاره؟- ولكن الرسول- صلى الله عليه وسلم- قرأ الآية واثقا بوعد الله الصادق، وبلغها لأصحابه فتقبلوها مصدقين بكلمات الله.
(جاء الحق): كلمة صادقة، لها مدلولها المبدئي. ومدلولها النهائي. 
أما مدلولها المبدئي، في وقت نزولها: جاء الحق في صورة من صوره، جاء الحق في الرسالة الخاتمة الخالدة، جاء الحق في القرآن والتشريع الدائم الصالح لكل زمان ومكان، جاء الحق في المنهج السليم الذي شرعه الله لصالح العباد، جاء الحق في الإسلام دين الأنبياء- طلع الصباح، وانقشع الظلام. وجاء فجر الإسلام.. ولكل شيء أبان. ولنضوج الزرع أوان. وقد بدأ السير، والنصر قريب. 
وأما مدلولها النهائي: فقد جاء الحق فعلا في بعض مظاهره، ولكنه سيتحقق عملا بكل مظاهره بعد عشر سنوات من نزول الآية- في يوم فتح مكة سنة 8 هجرية.
(وقل رب أدخلني مدخل صدق، وأخرجني مخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا- وقل جاء الحق وزهق الباطل- إن الباطل كان زهوقا).- سورة الإسراء-. 
الصدق هنا بمعنى الكرامة والشرف والاستقامة وحسن الدخول في الأمور، وحسن الخروج منها. وجاءت الآيتان: لتطمين النبي وتثبيته أمام مكايد الكفار وعنادهم ومساواتهم وإغرائهم- فأمره الله أن يلجأ إلى الدعاء لييسر له الكرامة، والسلامة، والثبات، والنصر، والتأييد في مواقفه حتى تقر عينه بالعاقبة المحمودة.
وفي الآية الأولى تلميح بما سيكون من الهجرة إلى المدينة: روى الترمذي- عن ابن عباس قال: كان النبي- صلى الله عليه وسلم- بمكة ثم أمر بالهجرة، فنزلت عليه (وقل رب أدخلني مدخل صدق).
قال الترمذي: حديث حسن صحيح- جـ 4 ص 365- تفسير سورة الإسراء. 
وفي الآية الثانية: أمره الله أن يهتف بالناس أن الحق قد جاء بذاته. وأن الباطل قد اضمحل. كطبيعته- لأن الباطل لا يثبت أمام الحق- وهذه حقيقة مستمرة المدى في جميع العصور. وهي بشرى لكل الذين يتمسكون بالحق ويعملون على نصرته، لأن الحق يحتاج إلى رجال.
إنه الإعلان الصادق. وليس شعارا أجوف. ولا هتافا للتضليل، بل جاء الإسلام وذهب الشرك، ويتبع هذا الإعلان أن يمضي الرسول في طريقه ويصلي لربه ويدعوه بأن يدخله مدخل صدق في أموره كلها، ويخرجه مخرج صدق في كل أموره. وأن يجعل له سلطانا نصيرا بالحجة القوية، وبالقوة المادية، فاستجاب الله له.
أعلن الرسول مجيء الحق بقوته وصدقه وثباته. فطبيعة الحق أن يحيا ويثبت. وطبيعة الباطل أن يتوارى ويزهق- وأكد الله ذلك بصيغة التأكيد (إن الباطل كان زهوقا). وما دام ذلك آتيا من طبيعته كان زهوقا في الماضي، والحاضر، والمستقبل- وكلما رفع الباطل رأسه قيض الله له من يزهقه- وإن بدا للنظرة الأولى أن للباطل صولة، فإنه في أنفاسه الأخيرة- ورقصة مذبوح، وانتفاخ مغرور ثم يحبط. 
7- واستمر التوجيه من الله لرسوله- لتأكيد موقفه فنزلت آيات في نصرة الحق. وآيات في الصبر:
أ- من سورة سبأ (قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب- قل جاء الحق، وما يبدئ الباطل وما يعيد).
القذف: الرمي من بعيد- إنها القذفة من علام الغيوب الذي يعلم كيف. ومتى. وأين يصيب الهدف.

إن الحق قد جاء جليا واضحا. وإن الباطل لا يخلق شيئا أصلا، ولا يعيد شيئا ثانية، إنه عاجز عن عمل أي شيء، ومهما يقع من غلبة مادية من الباطل في بعض الأحوال والظروف فهي ليست غلبة على الحق في ذاته. وليست غلبة على المبادئ القويمة. وإنما قد يكون ذلك لنقص في إعدادنا. فلنفتش في أنفسنا ونستدرك ما فاتنا. ونكمل استعدادنا ونتحفز للوثبة الموفقة. وقد جاءت الآية بمثابة إنهاء لموقف الجدال بينهم وبين الرسول- بعد أن تكررت في  السورة كلمة (قل) خمس عشرة مرة لإثبات الحق، وللرد عليهم في جدالهم.
فأعلن الرسول أن الحق قد جاء- وصدع بهذا النبأ- وقرر هذا الأمر في صوت مرتفع: جاء الحق بقوته وسيطرته. وانتهى أمر الجدال. وما بقي للباطل مجال. فقد استقر منهج الحق واتضح. ولم يبق للباطل إلا مماحكة ومماحلة أمام الحق الواضح الجازم الحاسم.
ب- ومن سورة الأنبياء (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق) يدمغه: يكسر دماغه. 
إن سنة الله في الكون أن الحق ينتصر على الباطل- فكأنما الحق قذيفة في يد القدرة يصوبها ضد الباطل فيكسر بها دماغه- فلا حياة للباطل بعدها- وهل يبقى شيء بعد ما يقذفه الله القذفة الصائبة؟
فإذا قلت: وأين هذا؟ ونحن نرى الباطل منتصرا؟ قلت: إنها فترة محدودة. وسيقيض الله للحق رجالا يجاهدون لنصرته بعد كفاح شديد- ولا يضر اللؤلؤ في قاع المحيط أن الزبد فوق سطح الماء- سيتعب الغواص بأثقاله ويخرج اللؤلؤ.. إلى عنق الحسناء- ولا يضر الذهب في البوتقة أن علته رغوة الزبد (فأما الزبد فيذهب جفاء. وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)- هكذا يعلمنا الله مثل الحق والباطل، إن الحق أصيل، وفي كل جيل يقيم الله حجته ويظهر برهانه وينصر الحق برجال أقوياء لإقامة الحجة، ويبعث الله من يجدد للأمة أمر دينها كما رأينا في المسيرة السلمية- وعلى هدي النبوة. 
وفي المدة ما بين نزول آية الإسراء- وما بين الهجرة إلى المدينة نزلت عشر آيات. فيها الأمر بالصبر موجها إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم- أولا- ثم للمؤمنين الذين اتبعوه:
1- من سورة يونس (واتبع ما يوحى إليك، واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين).
2- من سورة هود (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك. ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين).
3- من سورة هود (واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين).
4- من سورة النحل (واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون)
5- 7 في سورة الروم- وسورة غافر- ثلاث آيات (فاصبر إن وعد الله حق).
8- من سورة الأحقاب (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل).
9- من سورة الطور (واصبر لحكم ربك فأنت بأعيننا).
10- من سورة المعارج (فاصبر صبرا جميلا).
ثم نزلت إحدى وعشرون آية- في تلك المدة- تحكي صبر الأنبياء- وتنوه بالصابرين تجدها في السور: هود- يوسف- الأنعام- لقمان- الزمر- فصلت- الشورى- النحل- إبراهيم- الأنبياء- المؤمنون- السجدة- العنكبوت.
كل هذا الدوام تطمين النبي- صلى الله عليه وسلم- على نصرة الإسلام ودخول الناس في دين الله.
وأخيرا: جاء يوم فتح مكة بعشرة آلاف جندي، وقال الرسول: (جاء الحق وزهق الباطل):
روى الشيخان، والترمذي، والإمام أحمد- عن عبد الله بن مسعود قال: دخل النبي- صلى الله عليه وسلم- مكة يوم الفتح- وحول الكعبة ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: (جاء الحق وزهق الباطل. إن الباطل كان زهوقا- جاء الحق. وما يبدئ الباطل وما يعيد).
البخاري- كتاب المغازي- باب رقم 50- ومسلم- كتاب الجهاد- حديث رقم 87-
الترمذي- تفسير سورة الإسراء- الإمام أحمد جـ 1 ص 377.

8- مسيرة الفتح: من هدي النبوة:
1- روى البخاري- عن أنس بن مالك قال في الآية (إنا فتحنا لك فتحا مبينا): هي الحديبية.

البخاري- تفسير سورة الفتح/ وكتاب المغازي- باب 37.
2- روى البخاري- عن البراء بن عازب قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة؟ وقد كان فتح مكة فتحا،
ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع الرسول- صلى الله عليه وسلم- أربع عشرة مائة.. الخ= البخاري- كتاب المغازي- باب 37.
3- روى أبو داود. والإمام أحمد- عن مجمع بن جارية الأنصاري قال: شهدنا الحديبية مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلما انصرف عنها إذا الناس يهزون الأباعر (يسرعون السير بالجمال) فقال بعض الناس لبعض: ما للناس؟ قالوا: أوحي إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: فخرجنا مع الناس نوجف: (نسرع) فوجدنا النبي واقفا على راحلته عند كراع الغميم، فلما اجتمع عليه الناس قرأ عليهم (إنا فتحنا لك فتحا مبينا). فقال رجل: يا رسول الله أفتح هو: قال نعم، والذي نفس محمد بيده إنه لفتح.. الخ= أبو داود- كتاب الجهاد- أحمد جـ 3 ص 420/ 486- جـ 5 ص 54.
4- روى الشيخان- عن أبي وائل قال: قام سهل ابن حنيف يوم صفين فقال: أيها الناس اتهموا أنفسكم- لقد كنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم الحديبية. ولو نرى قتالا لقاتلنا. وذلك في الصلح الذي كان بين رسول الله وبين المشركين. فجاء عمر بن الخطاب فأتى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال بلى.. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال بلى. قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا؟ فقال الرسول: يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدا- ثم انطلق عمر متغيظا- فلم يصبر (فأتى أبا بكر فسأله نفس الأسئلة وأجابه أبو بكر بنفس أجوبة الرسول). قال سهل: فنزل القرآن على رسول الله بالفتح فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه. فقال عمر: أو فتح هو؟ قال نعم، فطابت نفس عمر ورجع.
البخاري- كتاب الجزية باب 18- واللفظ لمسلم- كتاب الجهاد- حديث رقم 94.
وقد جاء في الصحيحين أن الرسول قرأ سورة الفتح يوم فتح مكة- ولكن ذلك كان لبيان تمام النعمة، وتمام الفتح- كما أن الحديبية كانت أول الفتح- حيث كانت الهدنة واختلط المسلمون بأهلهم وأصدقائهم وأقنعوهم بصدق الرسول وأحقية الإسلام.
9- وبعد مسيرة الفتح: السلمية الخضراء جرت المفاوضات في تفاهم وتواد- وكما كان ذلك في مفاوضات صلح الحديبية- وعادت الصحراء إلى أرض الوطن الأم- جزءا لا يتجزأ من الأصل، والتأمت الأعضاء في الجسم السليم، وتحقق نداء جلالة الملك حين قال:
جاء الحق وزهق الباطل. إن الباطل كان زهوقا.
واهتمت حكومة جلالة الملك بإصلاح إقليم الصحراء ماديا ومعنويا. وسافر إليها الرجال الأقوياء الأمناء.. وبدأ الإصلاح للشؤون الدينية والدنيوية: وقام رجال الإدارة بواجبهم. وقام رجال القوة المسلحة الملكية بحراسة الجزء الغالي من الوطن في يقظة تامة ونشاط كامل.
واهتم رجال التعليم بتأدية رسالتهم، وهيئت الأرض للزراعة والسقي بكل وسيلة ممكنة، وبدأت نهضة الصناعة تنشط بعد القيود التي كانت مفروضة عليها. وتبادل الزملاء في كل فن: الخبرة والمران والتكوين والتوجيه السليم وانتشر الأمن، وظهرت إمارات الأمان، وهم في الطريق إلى إصلاح شامل.
أما بعد فإن ربان السفينة ماهر، والقائد حازم، والراعي واع، والرائد بصير، فإذا لعبت الأمواج بالسفينة لا نيأس، وإذا اضطربت الأمواج لا نجزع، فكم من مرة ظننا أن لا نجاة- فإذا بالتدبير المحكم وعناية الله توصل السفينة إلى شاطئ النجاة، وقد عودنا الله الجميل- ووعدنا حسن العاقبة، ولن يخلف الله وعده. (ومن أوفى بعهده من الله)؟
نسأل الله دوام النصر.
بارك الله في جلالة الملك الحسن الثاني وحفظه وقواه، وأمد الله في عمره، وأقر الله عينه بولي عهده المحبوب الأمير سيدي محمد، وبصنوه مولاي الرشيد وبأسرته المباركة. وبشعبه الوفي الأمين. وأتيمن بدعاء الرسول: اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا، وعذاب الآخرة- آمين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here