islamaumaroc

في شعرنا المعاصر -6-

  محمد الأمري المصمودي

22 العدد

هناك حقيقة نستخلصها بعد الوقوف على مضامين الإنتاج الشعري لهذه القطاعة، ونعني بها طغيان الجانب الذاتي على الجانب النضالي؛ فأكثر القصائد المنشورة خلالها – باستثناء حوليات العرش – تدور في محيط ذاتي بعيد عن واقع الشعب المغربي في فترة حاسمة من تاريخه، عكس القطاعة السابقة لها، وقد رأينا أن الشعر النضالي كان من أبرز مضامين إنتاجها، وسوف لا نجافي الحقيقة إذا نحن عددناها الإسهامة الكبرى للشعر المغربي في إذكاء الثورة ضد الاستعمار؛ أما التعليل الجذري لطغيان الجانب الذاتي فنراه ممثلا في التأثر بهذه النزعة عند شعراء المشرق، إنها الانفصال عن الشعب وآلامه، وهو انفصال ساهمت في تكوينه عوامل مختلفة أبرزها: احتكاك الأمة العربية بالدول الغربية سياسيا واقتصاديا وثقافيا، وبلبلة الاتجاه السياسي للحكومات العربية والجامعة العربية نفسها آنذاك، مما بذر في نفوس الشعوب العربية عقدا كان من أثرها على الشعراء دورانهم في المحيط الداخلي لذواتهم؛ وصحيح أن الاحتكاك حصل في المغرب بجميع وجوهه كذلك، لكن الاتجاه هنا كان واضحا، وهو استرجاع السيادة المغتصبة أولا، ومن ثم كان التأثر غير المتمثل هو الذي خط السبيل دون أن يعادله في ذلك عامل الرقابة الاستعمارية، وكانت حقا تجهز على كل إنتاج ينبض بالروح الوطنية، ومع ذلك لا ننكر أن ذلك الإجهاز كان يختلف بين الآونة وأخرى تشددا وتغاضيا، كما لا ننكر أن الكتاب كانوا دائما يجرءون على قول ما لم يجترئ عليه الشعراء أحيانا، ويحتفظ التاريخ الأدبي للأستاذ أحمد زياد بمقالات كان ينشرها بجريدة «العلم» و«رسالة المغرب» يندد في أكثرها بانفصال شعرائنا عن بيئتهم؛ نذكر منها على سبيل المثال مقال «نريد أدبا يمثلنا» وفيه يقول «وقد قلت مرارا وكررت القول بأن، إنتاجنا الثقافي يجب أن يكون قطعة لا تتجزأ من حياتنا العامة، وأنه من الخير للأدب ومن مكامن البيئة المغربية».
وإذا كان علينا إلا نتغاضى عن نشاط النقد في هذه القطاعة فلا يفوتنا أن نشير إلى أنه كان في معظم حالاته فقهيا يعني بالناحية اللغوية والعروضية أكثر مما يعني بالناحية الفنية، وكان من البارزين في ذلك الأستاذان عبد الرحمن الفاسي وأحمد زياد، وقبلهما قرأنا نقد الحاج إدريس الغماري لقصيدة الشاعر عبد الغني سكيرج «الأدب والعرش» التي يقول في مطلعها:

ما شاءت الأقدار لا ما يوعد        وحي من الرحمن لا يتقيد?1?.

كما قرأنا نقد الخلوي في جريدة «الأسبوع» التونسية لإحدى قصائد المرحوم عمر البارودي، وقد استهلها بهذا البيت:
رمتك الحياة يا أخت الحياة       في صحراء مقفرة خالية

وفي هذه القطاعة طرق الشعر المغربي – أول مرة على ما أعلم – الرواية التمثيلية، فلقد قدم لنا علال ابن الهاشمي «ربة شاعر» التي كان ينشرها متسلسلة في رسالة المغرب، لكن الذي يعاب عليه فيها اعتماده على قصة جاهزة للمرحوم علي الجارم هي «هاتف من الأندلس» ذلك أن شخوص هذه القصة هم نفس الأشخاص في «ربة الشاعر» بدون استثناء حتى ما كان منها مختلفا كعائشة الجاسوسة الاسبانية؛ فموضوع الرواية إذن ليس مبتكرا، فلا يبقى للشاعر بعد هذا سوى الحوار الشعري، وجو يبدو أقوى عندما ينطق الشاعر احد شخوص الرواية في أبيات تطول أو تقصر، فإذا انطق أكثر من شخص واحد في البيت الواحد، بدأ على الحوار شيء من الوهن والهلهلة وتداخل البحور كما في قوله:
«ابن زيدون مناديا»: علي
علي الخادم: أجل
ابن زيدون: ناد أمي لنأتي
   وحين تنادي اعد الفرس
علي الخادم: سأفعل ما تبتغيه سريعا
ابن زيدون:  فإنك عندي أوفى الحرس?2?
 وكانت نهاية هذه القطاعة البارزة ضمن فترة الحماية بعد العيد الفضي للعرش المغربي، فلقد جن جنون الاستعمار  لما رأى الشعب المغربي يحتفل أروع احتفال بالذكرى الخامسة والعشرين لتربع جلالة محمد الخامس على العرش العلوي المجيد، فاهتبل فرصة تضامن المغاربة مع الشقيقة تونس لمقتل الزعيم النقابي فرحات حشاد، فأصدر أوامره بإلقاء القبض على الوطنيين الأحرار استعدادا لتنفيذ خطته الجهنمية المدبرة في عشرين غشت 1953 ظنا منه أن مجرد إبعاد الوطنيين سيتيح له الفرصة لذلك، لكن الظروف كشفت أن تقديره خاب، وأن الوطنية المغربية ظهرت بنوع من الكفاح لم تكن قد استخدمته قبل ذلك الوقت، انه وميض النار يندلع بين الشعاب والجبال، والمدن والقرى، انه المقاومة المسلحة تحصد غلاة المستعمرين والخونة والمتعاونين، وانبرى الشعر يذكي هذه المقاومة في مثل هذه الأبيات الملتهبة:

بك يا ابن يوسف يا سليل محمد      نحيا كراما أو نموت كراما
تا الله لا ترضى بغيرك               قد أسلمتك قيادة وزماما
زمن الفرنسيون قبح زعمهم         أنا سنؤثر بعدك استسلاما
القتل ما لم يرجعوك سبيلنا           سيرون أنا لا نهاب زؤاما
والثورة الحمراء في أوطاننا         سيزيدها إصرارهم إضراما
يا حامل الآلام في منفاك لا          تيأس، فشعبك في الفداء تسامى
الشعب شعبك حاضرا أو غائبا      والأمر أمرك أين كنت دواما
سنرد بالدم كل ما سلبوه من          أوطاننا لا نرتضي استذمام
زمن التفاوض والتفاهم قد مضى    والشعب مل جميعه الأوهاما

هي أبيات مقتطفة من قصيدة طويلة لشاعر القصر الأستاذ عبد الرحمن الدكالي، وقد نظمها بعد مرور عام على نفي جلالة الملك، ونشرتها جريدة «الأمة» وطبعت في تطوان، ثم وزعت منها عدة آلاف نسخة نقلها من الشمال أحد الوطنيين.
3) فترة الاستقلال: ولم ذهب دماء الشعب المغربي هدرا، فلقد انتصر الحق على الباطل، وانهزم الطغيان أمام قوة الإيمان، وعاد الملك المظفر يحمل معه بشارة الإنعتاق والتحرر، وانطلق الشعر يخلد هذا الحدث العظيم:

أمة حرة تهز الوجودا              ما تراه ترتل التمجيدا 
أمم الأرض حينا، حي شعبنا      ظهر اليوم في الحياة جديدا
طأطئ الرأس يا زمان احترام     إننا أمة تذل القيودا
ما غلبنا بقوة منذ كنا                أو رضينا بأن نكون عبيدا
قد بذلنا دماءنا بسخاء               وبرزنا إلى الجهاد أسودا
خلد اليوم في جبينك يا دهـ         -ر عظيما بالبشريات مجيدا
يا ملاذ البلاد أي ثناء               قد يوفي ثناءك المقصودا
طهر الأرض من جراثيم تؤذي    كادت الأرض من أذى أن تميدا
أي عفو عن خائن لبلاد             كرر الجرم مبدنا ومعيدا
اقطع الغش والخديعة والبغـ       ـضاء والظلم والهوى والشذوذا
ألفوا- قبحوا- حياة عبيد            واحتقارا وذلة وجمودا                                

والأبيات من قصيدة «اليوم الخالد» للشاعر عبد الرحمن الدكالي، وقد ألقيت من الإذاعة الوطنية بمناسبة إعلان الاستقلال، ويصف الشاعر عبد المجيد ابن جلون كفاح الشعب من أجل رجوع ملكه في قصيدة «عودة محمد الخامس» في مثل هذه الأبيات:
فلا كنا إذا اختطفوك يوما             أبى أن يستباح ويستضاما
وكافح واستمات مدى قرون          وطارد كل مقتحم وحامى
أما خبر الدخيل كفاح شعب           ذاقوا بعد جراتهم سلام
وما ذاقوا سوى مر الدموع           ولا عرفوا سوى فاني النجيع
أتاهم أمرنا قدرا مبيدا                 فلم يجدوا هنالك من شفيع3

عادت بعض الصحف الوطنية إلى الظهور من جديد، وأقبل عيد العرش فظهرت حوليات العيد وليس فيها من جديد، من حيث الصياغة غير أنها امتازت بتسجيل كفاح الملك والشعب، نذكر منها قصيدة الشاعر الحسن البونعماني ومنها الأبيات التالية:
اليوم تسترجع الأشبال مجدهم           على يدي ملك أحيا العلا فينا
الفضل يرجع للمولي ابن يوسف من    قد سالمته لدى الدجى ليالينا
لقد بنى دولة حتى قيل هل ملك          وانجد العائرين العلم والدنيا
ضحى وغامر حتى قيل هل ملك        مثل ابن يوسف قد بذ السلاطينا
                          

كما نذكر للحلوي قصيدة «تحية العيد»4                   
يا سلسل الملوك موقفك الخا           لدهر الدنا وأبلى الزمانا
موقف طارت النفوس شعاعا          من صداه وروع الشجعانا 
لو وعاه الملوك هان عليهم            أن يضحوا العروش والتيجانا
                 

وتمضي أيام العيد، ونحس فراغا هائلا في الميدان الأدبي على العموم، وكانت خيبة الأمل شديدة عندما لم تعد رسالة المغرب والثقافة المغربية إلى الظهور، لتحملا رسالة الأدب بهذه الديار، ولتسدا هذا الفراغ الهائل الذي كان الجميع يستحسه ويشكوا منه؛ على أننا يجب ألا ننسى ما قامت به الصفحة الأدبية في جريدة «العلم» من استنهاض للقرائح وإيقاظ للهمم، ولم تقع محاولة جدية لإصدار مجلة أدبية تكون المجال الواسع لإثراء الأدب العربي بهذا الجناح الغربي من بلاد العروبة، لقد كنا هنا نعاني مركبات معقدة، نشأت عن شعورنا بالهوة السحيقة التي تفصل بيننا وبين الوضع الأدبي بالمشرق العربي، فلقد استجدت هناك مفاهيم جديدة، وكثرت الدعوة للالتزام بعد ما أصبحت فكرة القومية العربية هدفا يسعى لتحقيقه جميع المخلصين من أبناء العروبة؛ وقد أخذ الزيف الذي كان يجثم على السياسة العربية في الانقراض، وكان الأدباء على رأس الداعين لفكرة القومية العربية بمختلف ألوان الأدب، ونشطت الأقصوصة والقصة والرواية، وترجمت شوامخ الفكر الإنساني، كما أخذت حركة الشعر الحر تجد لها دعاة وأنصارا، وكل ذلك أشعرنا هنا ببعد الشقة، وكانت الضرورة الملحة تدعو لإيجاد مجال للنشاط الأدبي تنزل إليه أقلام لامعة، وتترعرع فيه كفاءات ناشئة، ولم تستطع بعض المجلات أن تضطلع بهذا العبء على النحو الذي كان الجميع ينتظره، ومع ذلك لا ننسى لها تقديم بعض النماذج لشعراء ناشئين لمسنا في بعضها جد المحاولة التي جعلت نقطة انطلاقها هذا الاتجاه الجديد في الشعر.
قسمنا بمغربنا.. بأرض الخصب تزخر بالغلال قسمن بأطلسنا الذي سكنت به أسد النضال الشامخ.. الجبار.. يعيق بالمهابة والجلال لن نستكين.. وأرضنا نهبى تهدد بالزوال5
في كثير من المحاولات نلحظ ضعف التوجيه الأدبي الصحيح، ونقصا في استقلال شخصيات ذويها، وفهما منحرفا لحركة الشعر الحر في الشرق؛ ومن ثم كنا نقع على كلام لا هو بالشعر ولا بالنثر، وهو كذلك لأنه لا يعتمد على خطة مرسومة واضحة تنبئ عن وعي عميق بهذه التجربة الجديدة، ولابد من الإشارة إلى أصحاب القوالب من المتشاعرين وأعني بهم أولئك الذين يعمدون إلى بعض القصائد السيارة ليضعوا مقابل كل كلمة لفظة على وزنها فيأتي في النهاية ما رصفوه مما لا أجد له أسما، خاليا من الروح والذوق والفن، ول أكلف نفسي مشتقة الاستشهاد لهذا الهراء
وطلعت علينا مجلة «دعوة الحق» في يوليوز 1957 وأشعرنا العدد الأول منها أن حظ الأدب فيه ضعيف، ورأينا في كثير من الأعداد التالية شعراء من مثل الأساتذة المختار السوسي وعبد الله كنون ومحمد الحلوي، وعبد الكريم التواتي يشاركون في المجلة لا شعراء كما عرفناهم، ولكن ككتاب جندوا أفلامهم للإصلاح الديني، وهو ما لم يخطر ببالنا أن نعيبه  عليهم، لأننا محتاجون أشد الاحتياج إلى من ينير السبيل أمام الناشئة المغربية التي تقبل على قراءة كتب أجنبية يشيع فيها التساؤل والحيرة والشك، لكن الذي أقلقنا هو ما كنا نخشاه من تخلي شعراء كمن  ذكرنا عن رسالتهم الشعرية، غير أن قلقنا سرعان ما بدا يتبدد، وظهر لنا الحلوي شاعرا- كما عرفناه – في قصيدة «نداء » التي ترتقي إلى مضمون من الصعيد الإنساني العام:
يا أخي نحن في الحياة على رغم هوانا وأنفنا إخوان.
فعلا ما نعيش في هذه الدنيا ذئابا في صورة الإنسان6
وعاد إلينا الشاعر علال الفاسي في مثل قصيدته «ثورة الصحراء» التي يثير إعجابنا بها هذا الربط المحكم بين الصحراء كمصدر لمقوماتنا الروحية كعرب مسلمين وكقضية وطنية تقرر مصيرنا السياسي والاقتصادي في الإطار العربي العام، وفي زاوية الإقليمية المغربية، وعبد المجيد بن جلون في مثل قصيدته «خلف الحقيقة» وهي تصور أصدق تصوير هذا التأزم الذي يعانيه الشباب، والأستاذ عبد كنون في قصيدة تعبر عن مناورة جوان ضد العرش، وعلي الصقلي في قصيدة،«شعب وعرش»
قل للطغاة من المستعمرين: غدا               يرون ما لم يكن في خاطر يقع
 إن أملوا.. فغدا تبدو لأعينهم                  آمالهم كسراب ظل يلتمع
وان هم أمنا... فالخوف عاقبة                 للغاضبين بما جاؤوه والهلع
أي «ماكس» يا حامي الصحراء: نحن هنا  إن كنت دئبا فقد أودى بك السبع      

وأبو بكر اللمتوني في قصيدة «أمنا الصحراء»
وطني تقاسمه اللصوص وصيروا   من حسنه وجماله أشلاء
فليرجعوا عما أتوه ويعلموا          أنا نهضنا نجمع الأجزاء 
ولتجف أطياف الرقاد عيونهم        أن آثروا غير السلام لقاء

وعبد الكريم بن ثابت في «ليل والصباح» التي لم نستفد من نشرها في «دعوة الحق» إلا بيتين كانت الرقابة حذفتهما من رسالة المغرب العدد السابع من السنة السابعة، وهما:
ونادى المنادي الكفاح الكفاح        وداووا به يأسكم تسلموا
فما من سلام وما من نجاح          بغير الجهاد فلا تسأموا
                                
ولم تكد «دعوة الحق» تدخل سنتها الثانية حتى كانت قد استطاعت أن تجمع من حولها كثيرا من ذوي الأفلام اللامعة والكفاءات الناشئة على السواء، وأصبح نصيب الأدب فيها غير مغبون، ورأينا الشاعر المختار السوسي يفيض علينا من قصائده التي تسجل بعض فترات الكفاح الوطني، كما رأينا الشاعر عبد الرحمن الدكالي يسارع إلى نشر إنتاجه، وعاد إلينا صاحب «أحلام الفجر» الشاعر عبد القادر حسن الذي أسفنا كثيرا لصمته الطويل، وأتاحت لنا هذه المجلة أن نقرأ لشعراء يضربون في مجاهل الاتجاه الجديد في الشعر، هذا الاتجاه الذي نعتقد أنه لم يستطع أن يرسخ قدمه إلا عند شعراء قليلين في الشرق، من مثل نزار قباني وشاكر السياب، ونازك الملائكة وصلاح عبد الصبور وكاظم جواد، وهم يعالجون هذه التجربة عن وعي عميق بها، محاذرين الانزلاق إلى ما وقع فيه غيرهم كثير، من فوضى في النغم الموسيقي، وتقعر وإسفاف مضحك أحيانا، ويمثل هذا الاتجاه عندنا مصطفى المعداوي، ومحمد الطنجاوي، وأحمد البقالي، وأحمد المجاطي، ويصعب علينا جدا أن نعترف بنضوج جميع محاولات هؤلاء، وان كنا لا نفقد بعض النماذج التي تدعو إلى بعض التفاؤل والذي يمكن أن نعيبه على بعض هؤلاء، هو فقدان شخصياتهم في أكثر ما ينتجون، فالمعداوي مثلا في قصيدة «أقول» نحس بتقمصه لروح نزار قباني، ومن ثم كانت قصيدة طبعة ثانية لنفثات نزار... إننا بحاجة إلى روح المعداوي وتجربته هو نفسه، وطابعه الشخصي في تلميع الكلمات وتنجيزيها ليستطيع أن يثير إعجابنا، وما على القراء ليدركوا صدق ما ندعي إلا أن يقراوا القصيدة التي نسوق منها هذا المقطع:
 أنسيت، هلا تذكرين؟7
في ليلة العيد السعيد
في ليلة البعث الجديد
كان الرفاق يدندنون كنت أبدو متعبا
فجذبتني وهمست لي لحنا لدي محببا
وعيونك الزرقاء كانت للسماء
مرفوعة تخفي البكاء
وأنا مصيخ والدموع
حرى تتأثر في خشوع
كما نعيب هذه الفوضى في الوزن، لان الشعر الحر عند رواده الواعين لا يعني أبدا التحلل من كل وزن وقيد، وإنما هو التماس أوزان مطواعة أن لم نعتمد على كامل البحر أو مجزوئه أو مشطوره أو منهوكه، فهي تعتمد على تفعيلات ليست غريبة على الشعر العربي، وان كانت غير منوعة لتكون أكثر طواعية، ومن مجموعها يتكون ما أسمته نازك الملائكة بالتشكيلات المنسجمة.
فالطنجاوي مثلا نراه في قصيدة «على الحدود»8 يقع في أخطاء عروضية لا يسمح بها حتى الشعر الحر نفسه، فالذي يفهم لأول مرة أن الشاعر اختار لقصيدته مجزؤ الرمل، ويعتمد عليه كثيرا من التشكيلات التي تخرج تفعيلتها عن نطاق التفعيلة المختارة، ولنسق هذه التشكيلة:
تحترق الأوجه بالشمس وتبلى
ولا يمكن لنا وزنها إلا إذ صح لنا أن نحول «فاعلاتن» لا إلى «فعلاتن» ولكن إلى «فاعلتن» فيكون وزن التشكيلة هكذا:
تحترق الـ. أوجه بالشـ. شمس وتبلى
فـاعلـتن فـاعلتـن فـاعلتـن فـا
ولم نسمع «بفاعلتن» هذه وحتى لو فرضنا وجودها فهي ليست مما يسمح به الشعر الحر الذي يرى من العيوب الخروج على وحدة التفعيلة، لان هذا الخروج معناه فقدان مبررات البعد عن نظام التفاعيل في البيت العربي القديم، وفي المطلع حيث يبتدئ هكذا:
صاعدا...
صاعدا في أكمة
والعتمة
فقد بقيت التفعيلة ( فاعلاتن) هذا فاعلا... إلا إذا تصورنا أن النقط تقابل ما بقي من التفعيلة أو تقوم مقام «في» التي سيكسبها  تكرار الكلمة التي قبلها (صاعدا) صفة الانقطاع والاختناق، ومثل هذا نلحظه في كثير من نماذج هذا الاتجاه، والذي نقوله لهؤلاء، عليكم أن تدركوا أولا وقبل كل شيء أن الشعر الحر ليس تحررا نهائيا من كل قيد، وإنما هو تصرف في اختيار التفعيلات القديمة تقتضيه مختلف المعاني التي تزخر بها قريحة الشاعر.
وفقدان الانسجام الموسيقي في القصيدة يخرجها عن نطاق الشعر الذي لا نتصوره بدون ذلك الانسجام، وليس عليهم إلا أن يتتبعوا حركة هذا الشعر بدهنية متفتحة عند رواده الواعين الذين لا يعجزهم أن ينتجوا شعرا على الطراز التقليدي لا عند أولائك الذين يتحللون من كل قيد، ويضربون على غير هدى، وليسوا أبدا بقادرين على إنتاج سعر من الطراز الأول...
بعد هذا العرض الطويل نعود فتثير نفس الأسئلة التي كنا أثرناها في أول مقال من هذه الدراسة، هل كانت نشأة الشعر المغربي الحديث سليمة أم كسيحة؟ وإذا كانت واحدة منهما فما السبب في ذلك؟ ما هي العوامل التي تضافرت لجعله على هذه الحالة أو تلك؟ وهل هناك خصائص تميز الشعر المغربي عن غيره؟ وما مدى تأثر شعرائنا بزملائهم في الشرق العربي؟ وما موقفهم إزاء موجة التحرر الشعري في الشرق؟ وما مدى تجاوب شعرائنا مع الأحداث والرجات الاجتماعية في الداخل والخارج؟ وسنحاول الإجابة عنها هنا بشيء من الاختصار على ضوء العرض السابق.
لم تكن نشأة الشعر المغربي المعاصر سليمة على العموم، وذلك في نظري راجع إلى عامل أساسي هو ضعف حركة النشر في المغرب، فالمجلات المغربية التي ظهرت قليلة إذا قورنت بما كانت تصدره بعض الأقطار العربية من مجلات شهرية وأسبوعية، ثم أنها على قلتها لم تكن تستطيع أن تواصل سيرتها دائما، فكثيرا ما كانت تحتجب لسبب مادي، أو لإلقاء القبض على مصدريها والمشرفين عليها، لذلك تبقى نشأة الشعر عندنا مرتبطة بحركة النشر، فعندما تزدهر هذه الحركة يزدهر ويترعرع.
ولا تكاد هذه الحركة تصاب بشلل حتى يكون ذلك من أهم عوامل كساحته، والأدب بجميع فنونه لا يزدهر إلا بازدهار حركة النشر، فإذا أصيبت هذه بركود كان معنى ذلك ركود الأدب، وغنى عن البيان أن حركة النشر مرتبطة بتوافر القراء، ومدى انتشار الثقافة في الأمة .
والواقع أنه من الصعوبة بمكان، أن نجد للشعر المغربي خصائص تميزه عن غيره، لأنه على العموم ينزع إلى التأثر بمختلف التيارات الشعرية في الشرق وأن كان أكثر تشبثا بالأسس القديمة لروح القصيدة عند أكثرية شعرائنا، وهذا يعني أن موقف الكثير منهم إزاء موجة التحرر الشعري بالشرق موقف تنقصه الحماسة وحسن الاستعداد، وهو موقف ناسف له حقا، لان تطوير الشعر العربي وتجديد أداته أمران ضروريان تقتضيهما متطلبات العصر المعقدة والبيئة الجديدة التي يحياها الشعراء، غير أن هذا التطوير وذلك التجديد يجب أن يكونا في دائرة لا يفقد معها كل مميزاته كشعر عربي أولا وأخيرا، وألا فستكون جناية عليه وإجهازا على الروح العربية فيه، ولن تستطيع الاحتفاظ بهذه الروح لمجرد استعمال اللغة العربية كأداة للتعبير فيه، بل لابد من الاعتماد على تفاعيل ليست غريبة على الشعر والذوق العربيين، ومن حسن الحظ فإن بعض تفاعيل الأوزان العربية تساعد على التطوير بشكل يذلل تلك الصعوبة التي تنشأ عن تعدد تفاعيل البحور، لكن أكثرية الذين يتوفرون على الحماسة لهذا التطوير عندنا تنقصهم الخبرة بالأوزان العربية وما تنطوي عليه من إمكانيات ثرة يستطيع الشاعر الخبير بها استغلالها لمصالح تجديد الشعر وتطويره، وعندما يقبل الفريق الأول مبدأ هذا التطوير، وعندما يدرك الفريق الثاني أن التجديد ليس معناه التحلل من كل القيود ولو كان ذلك على حساب الانسجام الموسيقي، عند ذلك سيستطيع  شعراؤنا أن يسهموا بحظهم في التطوير والتجديد، وسيسجلون بذلك انتصارا في خط سيرنا الأدبي.
أما عن موقف شعراؤنا ومدى تجاوبهم مع الأحداث والرجات الاجتماعية في الداخل والخارج، فإننا إذا كنا لا ننكر لهم هذه الاستجابة بالنسبة لبعض الأحداث، فمن الإنصاف للحقيقة أن ننمي عليهم تقاعسهم حيال أحداث أخرى، فقد رأينا أن فريقا من الطائفة الأولى والثانية لم يتوان  كثيرا منهم عن تسجيل بعض الأحداث داخل فترة الحماية نفسها في حدود مهما تكن ضيقة فهي ليست منعدمة على الإطلاق، وان لم تكن في نفس الوقت على النحو الذي يدعو إلى التنويه والإكبار؛ هذا في الداخل أما بالنسبة للخارج فهناك أحداث تتصل بالصعيد العربي العام كمأساة فلسطين الجريحة ومشكلة الجزائر المكافحة، وحادث الاعتداء الثلاثي على مصر وميلاد فكرة القومية العربية، وفكرة توحيد المغرب العربي لم تلاق من شعرائنا ذلك الاهتمام الذي كان يجب أن تلاقيه لاتصالها بكياننا ووضعنا السياسي والاقتصادي.
أما ما يمكن أن نسميه بتيارات الشعر المغربي، فنستطيع أن ندرك من تضاعيف ما سبق أن هناك ثلاث تيارات: تيار تقليدي وهو الغالب، وتيار يجنح إلى الاتجاه الجديد ولم يستطع رواده بعد أن يرسخوا أقدامهم فيه، ولا يزالون في ميدان التجربة والمحاولة غير الناضجة أحيانا، وتيار ثالث يتأرجح أصحابه بين هذا وذاك، ونبقى بعد هذا حقيقة لن يستطيع أن يمارى فيها ممار مهما بلغ من التشاؤم الذي نعده من أكبر عوامل الهدم، وهي أننا إذا كنا نشكو نقصا فاضحا مخجلا في فن من فنون الأدب فلن يكون الشعر ولا المقالة بحال من الأحوال، وإنما نشكو ذلك في الرواية والقصة بنوعيها على أن هذا يجب ألا يشعرنا بأننا في مقدمة الركب في الفنين الأولين أو أننا نستطيع أن نقف فيهما إلى جانب كثير من الدول الشقيقة، وإنما الذي تقصده أن نقصنا فيهما لا يقارن بشكل من الأشكال بتخلفنا في ميداني القصة والرواية، فهل آن لنا أن ندرك أن مجرد تأسفنا على أننا في مؤخر القافلة الأدبية لن يفيدنا ولا الأدب في شيء، لأننا جميعا متفقون على أن وضعنا الأدبي على العموم ليس مما يرضينا، وما دمنا جميعا متفقين على ذلك فأي معنى يبقى لان نقول ونعبد القول، بأننا في مؤخر القافلة، أنه قول يبقى متلبسا بالسلبية مهما تلاعبنا بالألفاظ، وتفننا في صوغه بمختلف الأساليب والكلمات الرنانة..
إن الذي نحتاج إليه هو البحث عن أسباب تخلفنا هذا وكيف نقوى على تفاديه، وفي نفس الوقت ننتج أدبا؛ شعرا أو قصة أو رواية، فإن ذلك سيعطي لغيرتنا على الوضع الأدبي ببلادنا مدلولا إيجابيا بناء نحن أحوج ما نكون إليه في هذه الظروف لانقاد سمعتنا الأدبية..

                                 
                                 ضرورة العناية في نقل النصوص
                                                                      بقلم: محمد محمد الداودي
من أهم صفات الناقد دقته في نقل النصوص التي يعرضها للقراء ناقدا إياها أو معلقا عليها أو مستشهدا بها فلا يمكن أن يطمئن القراء إلى صحة دعوى الناقد إلا إذا تبثت أمانته في النقل.
وأحيانا قد يتحرى الأمانة هذه ناقد ولكن تعوزه الوسائل التي تمكنه من معرفة حقيقة النص ومطابقته للأصل الذي وضعه المنشئ، لذا فإن ثقافة الناقد لابد من أن تكون واسعة وشاملة.
والقارئ النابه المطلع قلما تفلت منه زلة الكاتب أو الناقد، وهذا ما يجعل الكتاب والناقدين حذرين فيما يكتبون من الزلل والغفلة، وإذا خفيت بعض هفوات الكتاب في نقل نصوص نثرية قد لا يكلف كثير من القراء أنفسهم عناء الرجوع إلى أصولها، فإن هفوات النقل للأبيات الشعرية قلما نقلت من متذوقي الآداب وذوي الآذان الموسيقية، فموسيقى الوزن دقيقة ومحكمة، وأي خلل يحصل فيها تتلقفه الأذن وتقف عنده لأنه أفسد النشوة التي تحصل عند القارئ حين ترنمه بالشعر.
سقت هذه المقدمة لأني وجدت وأنا أطالع (العدد الثامن من مجلة «دعوة الحق» لهذا العام بعض الهفوات في نقل أبيات شعرية حرت في معرفة المسؤول عنها، أهو مرتب الحروف أو كاتب المقال أم كلاهما.
فهذا مقال للناقد الأستاذ الفاضل محمد المصمودي، يتكلم فيه عن الشعر المغربي المعاصر، وهو حين يعرض للشاعر عبد المالك البلغيثي ويروي له أبياتا من قصيدة  عنوانها (ارجيكم بني وطني) نجد في روايته خللا  في الوزن لا أشك في براءة الشاعر منه، وها أندا أذكر الأبيات مع وضع خط تحت ما فيه خلل:
مضت في المغرب الأقصى   سنون تعد كالعمر
 ولم تر بيننا فئـة               بنور علمها تسري
محام أو مهندس أو            طبيب شارح الصدر
وطيار يطير بنا                لنرقى مع الغـــير
وغواص يغوص بنا           وهل كصنائع الشعب مــ 
على قطع الـــدر              -ــن قاض على الفقر

ولا نظن أن هذا الخلل قد صدر عن الشاعر لذا أقول: من المسؤول؟.
وإذا جاز لي وأنا أمام هذا النص المظلوم أن أنصفه ولعلي أقترب من الصواب أو أبلغه، فإني أروي الأبيات بالصورة الآتية:

مضت في المغرب الأقصى   سنون تعد كالعمر
 ولم تر بيننا فئـة               بنور علمها تسري
محام أو مهندس أو            طبيب شارح الصدر
وطيار يطير بنا                لنرقى مع الغـــير
وغواص يغوص بنا           وهل كصنائع الشعب مــ 
على قطع الـــدر              -ــن قاض على الفقر

وهناك بيت يذكره الكاتب الفاضل للشاعر الغزلي عبد الرحمن حجي وهو ثاني البيتين الآتين:
قد راق لي في هواك الذل والأرق          يا من له الأسودان الخال والحدق
الله في كبدي وما تكابده                      يا من له المشرقان الثغر والعنق

ولا شك في أن البيت الثاني غير مستقيم الوزن وصوابه:
الله في كبدي مما تكابده      يا من له المشرقان الثغر والعنق

ثم أن لي ملاحظة على بيت لشوقي دواه الأستاذ الشاب الأديب محمد بن تاويت في مقاله «سحر القافية» وقد رواه على الصورة التالية:
كذاك الناس بالأخلاق يبقى صلاحهم      ويذهب عنهم أمرهم حيث تذهب

ولا حاجة بنا إلى التنويه بان الشطر الأول غير مستقيم الوزن، وان صواب البيت هو:
كذا الناس بالأخلاق يبقى صلاحهم       ويذهب عنهم أمرهم حين تذهب


                                                   *
هذه كلمة موجزة سقتها لا أبغي بها سوى بيان ضرورة الأمانة في نقل النصوص من أصولها ومن الله السداد.

                                             إصلاح الميزان

لقد نشرت بالعدد الثامن من السنة الثانية من مجلة «دعوة الحق» حديثا تحث عنوان «لغة القرآن والقومية العربية» وعلق عليه في العدد التاسع في باب «العدد الماضي في الميزان» الأستاذ رباح عضو البعثة التعليمية المصرية، وقد سبق وهمه إلى فهم غلط في معنى كلمة (الحظوظ) الواردة في حديثي المذكور، فقال في مجال نقده: لا يا أخي إن الله لم يختر اللغة العربية للقرآن على سبيل الصدفة أو ما أسميته أنت (حظوظا) فقولني بذلك ما لم أقله، بناء على فهم  خاطئ ترده عليه لغة القرآن نفسها، فالحظ ليس هو الشيء الحاصل على سبيل الاتفاق من غير قصد إليه كما يقع في القرعة أو اليانصيب، كما سبق إلى وهم الأستاذ الناقد، بل الحظ في لغة القرآن هو النصيب المقدر، وقد يطلق على بعض كتب الله المنزلة المقدسة، قال أبو القاسم الراغب في مفردات القرآن: الحظ النصيب المقدر،قال الله تعالى: فنسوا حضا مما ذكروا به، وقال تعالى:للذكر مثل حظ الأنثيين.
والعبارة التي قلتها ففهمها الأستاذ رباح هذا الفهم العجيب هي: أن الله سبحانه وتعالى هيأ للغة العربية خير الحظوظ، حيث انزل بها كتابه المحفوظ بوعده الصادق على لسان الوحي الناطق، فإذا فهمنا الحظوظ على لغة القرآن، يكون المعنى أن الله هيأ للغة العربية خير الانصباء المقدرة، وإذا كان التهيييء الذي هو إعداد هذه الحالة الخاصة للغة العربية وقع إسناده إلى المقدر العظيم لكل الأشياء، يصير المعنى إلى الوضوح الذي لا يختلف فيه، وهذا التهيييء هو المطلوب من الإلاه العظيم في كل الأحوال: «ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا»
وكذلك حصل اشتباه للأستاذ رباح فيما يستفاد من عنوان كلمتي (لغة القرآن والقومية العربية) ففهم أني أتناول بالبحث موضوعين: نفس اللغة العربية، وأهداف مرامي القومية العربية، فرآني مقصرا، وحجة فهمه هذا أنه رجا أن أعود إلى الموضوع ليكون لي شرف توضيح القومية العربية ولغة القرآن.
وما كان الشأن لكتاب الأبحاث أن يتناولوا موضوعات متعددة في المقالة الواحدة، بل العنوان اشتمل على جزأين مبتدأ ومعطوف عليه بواو المعية، والخبر الذي هو الجزء المتم للفائدة محذوف للعلم به، فهو من باب ما ذكره ابن مالك في الفينه وكافيته بقوله فيما يحذف خبره:
وبعد واو عينت مفهوم مع؛ كمثل كل صانع وما صنع، ومثل له بقوله: كل صانع وصنعته، وكل رجل وضيعته، أي مقترنان أو معلومان أو مصطحبان.
وكذلك نقول هنا: كل لغة وقومها ، أي مقترنان، وقد وفيت بهذا المعنى حيث ذكرت أن لغة القرآن رافقت الأمة العربية في مختلف أطوارها وتقدمها، فكانت لغة أدبهم في الجاهلية، ولغة عقيدتهم وشريعتهم في أول الإسلام، ولغة إدارتهم وعلومهم وفلسفتهم وحضارتهم وجميع ما تعبر عنه لغة حية عند كل قوم. أما أهداف القومية العربية ومراميها فما التزمت التعرض لها على الإطلاق.
وعلى هذا فما قولنيه الأستاذ رباح أولا، وما الزمني التعرض له ثانيا في غير محله، أما تلخيص الأستاذ لبعض فصول المقالة في شكل برقيات ترسل للصحف ويجاب عنها ببرقيات أخرى، فهو ابتكار في النقد يشكر عليه الناقد، ونرجو أن يكون في ذلك قدوة لغيره حتى يصبح تلخيص الأبحاث في شكل برقيات يجاب عنها طريقة متبعة مثل طريقة السؤال والجواب في البحث التي اتبعها سقراط حكيم اليونان القديم.
                                                                                 محمد الطنجي

يفهم من التعليق القصير الذي أورده (الأستاذ محمد رباح) عضو البعثة التعليمية المصرية على مقال «في شعرنا المعاصر» في باب العدد الماضي في الميزان، أن الأستاذ رباح اقتصر على قراءة المقال المنشور في العدد المراد نقده من مجلة دعوة الحق الغراء، وقد نشرت متسلسلة في أعداد سابقة ولاحقة، ومن ثم كانت ملاحظته غير صحيحة بالنظر لمجموع الأقسام، ولو أنه أطلع بالخصوص على العدديين 4 و6 من هذه المجلة لكان بوسعه أن يقف على الخطة المرسومة بشيء من العناية والتي وقع اتباعها في باقي الأقسام وسوف لا يفتقد فيها ما نفاه عن هده الدراسة من الوضوح في التخطيط...
سيرى مثلا تقسيم أطوار الشعر المغربي المعاصر إلى فترات هي فترة ما قبيل الحماية، وفترة الحماية نفسها وفترة الاستقلال، مع التماس بعض القطاعات المختلفة داخل كل فترة، وكان الحرص فيها شديدا على إبراز مميزاتها وخصائصها جهد الإمكان، ولم يقع إغفال تحليل بعض العلل التي استدعت ظهور بعض السمات والاتجاهات في الشعر المغربي، وإذا كان ذلك التقسيم تاريخيا في أساسه فلان هذا التقسيم نفسه مجهول لدينا، لان تاريخ الأدب المغربي لم يقع تسجيله بعناية بعد.
أما عن سوق كثير من الشواهد فلغرض التعريف بالشعر المغربي الذي ليس مجهولا لدى الأقطار العربية الشقيقة فحسب، بل وفي المغرب العربي ذاته، وهو نفس السبب الذي من أجله لم يناقش الأستاذ الأحكام الكثيرة الواردة في المقال، ولكي تتاح الفرصة كذلك لإخواننا بالشرق أن يقولوا شيئا عن شعرنا الذي لم يعرض له إلا قليل مهم بشيء من التسرع والاختصار.
والى الأخ العربي الأستاذ رباح خالص التقدير والاحترام.

1)العدد الثالث من رسالة المغرب السنة 1(نونبر 1942) ونشر النقد بالعدد السابع من نفس السنة.
2) السنة 11(غشت 1952) ص:53143  العدد
3 ) نشرتها فيما بعد «مجلة دعوة الحق» العددان الرابع والخامس
4 ) نشرت القصيدتان معا في جريدة «العلم»
5)  من قصيدة للشاعر الناشئ أحمد المجاطي«رسالة ثائر» نشرت بمجلة الشباب العدد 9 السنة 1
6  ) «دعوة الحق» العددان الرابع والخامس السنة الأولى
7 ) دعوة الحق عدد 11 السنة الأولى
8 ) نفس المجلة عدد 5 السنة الثانية

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here