islamaumaroc

الدبلوماسية الإسماعيلية

  دعوة الحق

العددان 156 و157

بموت المنصور الذهبي، دخلت البلاد المغربية لمرحلة دقيقة في تاريخ المغرب تتسم بالانحلال السياسي، و عاناة البلاد للامركزية، و ذلك لاسباب كثيرة بسطها المؤرخون لهذه الحقبة من تاريخ المغرب بتفصيل و تحليل لا فائدة في ذكره من جديد.. و قد تكررت ماساة الطائفية بالاندلس بعد سقوط بني امية فيها، فظهرت في المغرب بعد ثورة السعديين الناجحة بفضل عبقرية المنصور الذهبي عدة ولايات يستقل بعضها عن بعض، و يحارب البعض كولاية الدلائيين، و مقاطعة شاطئ ابي رقراق، وولاية الريسوني و مقاطعة العياشي في سلا و مقاطعة السملالي في سوس وولاية غيلان في الشمال، ثم بزوغ نواة الدولة العلوية في تافيلالت .. وقد استغلت البلاد الاوربية التي كانت تخوض عصر نهاية الاقطاع و نشوء المماليك القوية و ما يتطلب ذلك من تكريس سياسي للسيطرة على البحار، و امتصاص الثروة المعدنية و الفلاحية من افريقيا و اسيا.. استغلت هذا الانحلال السياسي لتقيم علاقات ثنائية مع كل مقاطعة تعجل بضعف الحكومة المركزية ثم بتصفيتها.. و لا شك ان انجلترا كانت احرص الدول الاوربية على تمتين مركزها الاقتصادي و البحري، و لذلك فقد وجهت سفيرها (هوادمون) سنة 1577 ليقيم صلاة اقتصادية و اوفاق عسكرية مع المولى عبد الملك العدي الذي حاول من جهته ان يظهر سلطته السياسية و تفرده بالحكم فخصه باقتبال فخم شاركت فيه الجالية البرتغالية و الاسبانية و اقيمت فيه حفلات متنوعة، و يذكر السفير مشاهدته لالعاب الكلاب الانجليزية و الثيران، و الصيد في البرك مما يظهر مدى صلة الملك السعدي بالذوق الانجليزي و معرفته بالحضارة الاوربية، و لا غرابة ان تسعى انجلترا لخطب ود عبد الملك السعدي بعد ما اشتدت الصلات مع والده الذي كان حليفا عظيما لها و الذي كان يتمتع بصيت ذائع في اوربا بعد انتصاره في وادي المخازن حتى ان الاسبانيين انفسهم لم يتأخروا عن تهنئته بوفد يتكون من ستين اسبانيا لابسين حللا مطعمة بالجواهر و الذهب و يحملون اليه هدايا عظيمة منها (ياقوتة) في حجم الكف، علقت بها جوهرة بقدر جوز مع زمردة طولها اصبع، مع عقد انتظمت به اثنتا عشرة ياقوتة تشملها ست و ثلاثون جوهرة، و مائة و عشرين اوقية من الجوهر ... و كذلك هنأه ملك فرنسا بواسطة سفيره كيوم بيرار الذي وثق صلته بالمنصور مذكرا بصلات فرنسا مع مولاي عبد الملك السعدي و اثار تحرير الاسرى و فتح المراسي للسفن الفرنسية لاستيراد ملح البارود.. اما المنصور فقد كانت صلاته بانجلترا تعتبر جزءا من سياسته الهادفة لتحرير الاندلس، لذلك وجه الى (اليزابيث) 1.6000 وقد كان الظاهر من تحركاته الابحار في مركب انجليزي الى الاسكندرية، و كان هدفه هو القيام بمأمورية سرية وهي تحقيق تحالف سياسي و عسكري ضد الدول المهددة للسيادة المغربية..
و لهذا فقد نشطت الدبلوماسية الاوربية بعد موت المنصور و ظهور (الطائفية) لتستفيد من الوضع المؤلم الذي عاشته بلادنا في هذه الحقبة..
كما كان التطور الاقتصادي في اوربا و البحث عن المادة الخام من الاسباب التي اثرت التجربة الدبلوماسية في اوربا و المغرب، و منذ اكتشاف امريكا الجنوبية و استيلاء البرتغال و الانجليز على عدة سواحل و جزر في افريقيا و اسيا و الصلات تشتد في الدول الغربية و المغرب – اذ ان طريق السفن و المواصلات و حفظ توازن القوى الاقتصادية كان يرتكز على اسس سياسية تنمو باستمرار في المغرب و الدول التي يهمها الامر... و لاشك ان الصادرات المغربية الى الخارج كانت في حاجة الى تنظيم اسواق و فتح مجالات و لبحث عن الزبناء بالاضافة الى الصادرات التقليدية من جلود و لحوم و ثمار و فواكه و عسل و سمن و ريش كما ان القطن و الزرابي كانت صادرات اخرى ظهرت في عصر السعديين كالسكر الذي كان يصنع في شيشاوة و مراكش و تارودانت.
لذلك ظهر عامل جديد في ميدان الدبلوماسية المغربية وهو الصلات التي تربط بين زعماء الطوائف، و بين ممالك اوربا منذ بداية انهيار الدولة السعدية، حيث كان في هذا الترابط ما يضمن لهؤلاء صداقة تمدهم بالعون المادي كشراء الاسلحة و العون المعنوي كاستنادهم الى دولة من الدول الكبرى.. و لذلك لا بدع ان نرى صلات دبلوماسية بين السعديين و الاندلسيين الدلائيين. اما مع السعديين فيذكر دوكاستر في الجزء الثاني ص 106 من السلسلة الاولى من هولاندة ان زيدان السعدي حين انتصر عليه ابو محلى اضطر الى مغادرة اسفي و التجأ الى مرسى اكادير "سانت كروا" فاكترى في شهر جوان – 1612 باخرة القبطان جان فيلبي دوكاستيلان، (ليذهب الى فرنسا و يلتجئ الى ملكها لويس 13 ليمده بالاسلحة (و كانت وردت المغرب و حملت اليه رسائل من لويس الثالث عشر و الذوق دوكين) بحملها امتعته و لكن الباخرة فرت بسرعة في الشاطئ الى فرنسا وقد سرقت السفينة ايضا من طرف اسبانيين فحمل ما فيها الى اسبانيا و من جملة ذلك خزانة كتبه التي كان عددها يتجاوز ثلاثة الاف مجلد فاهداها الملك فيليب الثالث الى خزانة اسكوريال، وضعفت من اجل ذلك ثقة السعديين في فرنسا فاكترى المولى زيدان باخرة هولندية من مرسى اسفي و حملها اهله و عددهم مائتان الى اكادير و المهم ان المولى زيدان كتب رسالة الى حكومة هولندة بتاريخ 27 ربيع الثاني عام 1020 يذكر ان سفينة فرنسية وردت الى المغرب و عليها سفير فرنسا القبطان جوهان فيليب، الذي اوقع اتفاقية صلح بين فرنسا و المغرب و بمقتضاها فكت الاسرى الفرنسيين. و استعملت الباخرة لنقل امتعة السلطان السعدي الى فرنسا و لكن ربانيها فرا دون سبب معقول، و لذلك اوفد زيدان السعدي سفيريه القائد احمد الجزولي و ناصر قرطة ليذهبا الى فرنسا عن طريق هولندة.
و السفير الجزولي هو احمد الجزولي قاضي تارودانت و سوس كما يذكر دوكاستر مذكرة من القائد يوسف بيكاستر سفير المولى زيدان الى حكومة هولندا بتاريخ 31 يوليوز 1624 في موضوع خيانة جام ابوت الذي باع سلعة للمغرب ثم غادر البلاد دون ان يدفع السلعة التي اخذ ثمنها. و كان ممثل المغرب في هولندا (صامويل بلاش) وهو يهودي من اسرة معروفة بالمغرب و كتب الى المولى زيدان اقتراحات على هولندا وردت عند دوكاستر ص 55 ج الثاني، السلسلة الاولى و في نفس السلسلة ج 3 ص 290 مذكرات (رووبل الهولندي 15 ابريل 1623) يذكر فيها بيع التاجر النيرلندي لاسلحة الى اصحاب بودمعة و في نفس السلسلة ص 4 و 5 ج 4) سرد ليوميات التاجر الهولندي ادريان ماتان الذي جاء الى المغرب في 1646 على ظهر الباخرة (جينلورلاند) و كان بها السفير الهولندي لابي دميعة (انطوان ليدركيك) ليفاوض في اطلاق سراح النصارى المأسورين بسوس – و صاحب اليوميات يتكلم عن سوء معاملة الاسرى ناسيا ما يلاقيه المسلمون في بلاد اوربا من محن الاسر و التعذيبو الاسترقاق.. و الغريب ان السفير الانجليزي (هريسون) يتحدث في مذكرته المؤرخة في اكتوبر سنة 1630 على ما ينعم به تجار النصارى من حرية و امن في بلاد سوس. و في نفس السلسلة ص 575 ج 5 يروي عن البحار هو دولوستر (الهولندي) الذي كان يعمل في البحرية الهولندية في سفينة (سالاماندر) حياة الاسرى و افتداءهم لستة عبيد هولنديين كانوا في طريقهم الى البرازيل. و يروي في نفس السلسلة ص 571 ج 5 حكايات عن رحلة لوتير مقتبسة من حياة لوتير بقلم جرار براند وهي مطبوعة بامستردام سنة 1698. و في نفس السلسلة ايضا ص 470 ج 4 قرار من حكومة هولندا ولاهاي في موضوع الباخرة اراسموس التي تحطمت بشاطئ المغرب بسوس فوجهت الحكومة الهولندية رسالة الى سيدي علي بتاريخ 21 ماي 1639 اعتمادا على الاقتراح الذي قدمه السفير اسحاق بلاش الى حكومة هولندة الذي يرى ضرورة احياء علائق هولندة مع المغرب و نفوذ المغرب على غينية التي بها شركة الهند الغربية، و فيها ما يشعر بان الحكومة المغربية كانت تعرف مدى تلاغب اليهود بالعلاقات مع اوربا و دفاع اليهود عن مصالحهم.
اما عن علائق هؤلاء مع انجلترا، ففي السلسلة الاولى في رسالة من وليام باحي الى ملك انجلترا هنر الرابع بتاريخ 1543 ان الفرنسيين يفكرون في اخذ المعدن من المغرب لصنع المدافع.
و في ص 17 ج 1 نقل عن رحلة جامس طوماس الى المغرب بتاريخ 1552 و بها ذكر للتجارة و نقل البضائع و زراعة قصب السكر. و في السلسلة بالجزء الاول ذكر للمراسي التي تتعامل معها انجلترا و علاقة البرتغال و انجلترا بالمراسي المغربية و المواد التي يشتريها المغرب و في مقدمتها الاسلحة.
و في الجزء الاول نقل عن رحلة الانجليزي هنري روبير بتاريخ غشت 1585 و تمثله للملكو اليزابيط في المغرب و مفاوضته مع السلطان السعدي ووزيره ابراهيم السفياني و توجه السفير المغربي (مرزوق) الى ملكة انجلترا. و في الجزء الثالث في السلسلة الاولى من رسالة من سيدي علي الى شارل الاول ملك انجلترا في موضوع الاسرى بتاريخ صفر سنة 1040 موافق 1630.
و في ص 235 ج 3 عريضة للتجار الانجليز القاطنين بالمغرب الى حكومتهم في موضوع احتجاج هؤلاء على اعتبار سيدي علي ، ثائرا على السعديين، و به تقرير ايضا من (بينو) الانجليزي في موضوع التجارة الانجليزية مع المغرب، ثم تقرير اخر كتبه (سكوت) في نفس الموضوع.
و تحدث دوكاستر عن العلائق مع فرنسا فجاء في السلسلة الاولى ص 303 ج 1) نص اتفاق تجاري بين روان الفرنسية في شان باخرة سمسون الفرنسية التي تحمل السلع و تاتي بالسكر... و (في ص 544 ج 3) نقل عن رحلة مارج الفرنسي و يذكر هذا الرحالة انه حضر مقابلة السفير المغربي جوذر بن عبد الملك انجلترا صحبة (روبير بلاك).
و يذكر دوكاتر في السلسلة الاولى (ص 414 ج 3) معاهدة لويز الثالث عشر و السلطان الوليد الزيداني بتاريخ 1631 في موضوع عدم تفاوض فرنسا مع الثائربن على الملك.
و في صفحة 358 ج 3 ذكر لبيعه المولى عبد الملك السعدي من مراكش و فاس و سوس و كاكو، ووادي النيجر.
و ظلت السياسة الخارجية المغربية على هذا النمط حتى اذا جاء المولى اسماعيل كان البطل الذي وحد المغرب شمالا و جنوبا شرقا و غربا على اساس شبكة من القلاع و الحصون و نقل القبائل من جهة الى اخرى لخضد شوكتها، بما سماه الزرهوني في رحلته (باللف) و تكوين جيش مغربي تعتمد عليه الدولة لمواجهة الغزو الخارجي، و الفتن الداخلية بدل الاعتماد على القبائل. و كان من نتائج هذا الاستقرار خلق حوار دبلوماسي مع مختلف الدول و تبادل سفراء معتمدين مع المغرب .. و ساعرض باختصار الى الدبلوماسية المغربية من وجهة المغرب فقط حتى تكون النظرة الموجزة متكاملة على الاقل، و قد يكون المولى اسماعيل، في الذين ركزوا الدبلوماسية المغربية على اسس علايقة، فقد بسط له في العمر ، و اتيح له ان يحكم مدة طويلة، و في عصر حافل بالاحداث سواء في فرنسا حيث لويس الرابع عشر – 1715 – 1643 – او في انجلترا ، حيث الخلافات المستفحلة بين البرتستانت و الكاثوليك او في روسيا القيصرية حيث عصر كاترين (1729 – 1786 ) او في الدولة العثمانية التي كانت في اوج عظمتها و عزها و رغبتها في السيطرة على الشمال الافريقي كله...
و اذا كان الاستعمار بمفهومه التقليدي الصليبي و بمفهومه الاستغلالي للارض و سكانها، و الاتجار في انتاج القارات اخذ يستهدف بعنف كلا من افريقيا و اسيا، فان عدة بلدان اخذت في التحرر بالقوة، و كان من جملتها امريكا التي اعلنت الانفصال عن انجلترا، و اخذ الامريكيون يقاومون الاستعمار و بدأت المقاومة وم اعلنوا الاضراب عن الشاي، و عقدوا اول مؤتمر في مدينة فيلاديلفيا سنة 1774 ليقرروا فيه الصمود ضد المستعمرين و الاستعداد للحرب، و في المؤتمر الثاني المنعقد في نفس المدينة سنة 1775 انتخبت واشنطن قائدا عاما و اعلن عن ميثاق الانسان... و كان العالم الاسلامي و ضمنه المغرب يتطلع الى تحرير المستعمرات، ليتحرر من تربصات الكنيسة و حنقها على العالم الاسلامي بعد هزيمتها في الحروب الصليبية، و لهذا كان المغرب في طليعة المؤيدين لتحرير الانسان و اعلان ميثاق حقوق الانسان التي اعلنت في الواقع منذ عهد الخليفة عمر رضي الله عنه الذي قال "متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم امهاتهم احرارا"؟ و بدا الغرب يتطلع الى الشرق و افريقيا بعد هزيمته في الحروب الصليبية، و يمكن ان نعتبر سنة 1534 في عهد فرانسوا الاول بالنسبة لفرنسا اول محاولة حكومية رسمية لارتياد العالم بحثا عن مجال اقتصادي. حتى اذا كانت سنة 1604 بدا لاستعمار الفرنسي على يد شامبلان  الذي انشأ مستعمرة سماها (اكاديا) المعروفة الان (توفا سكوشيا) ثم سنة 1608 مستعمرة (كوبيك).. ثم انشأ  مستعمرات اخرى في خليج المكسيك سنة 1682 المسماة بلويزيانا نسبة الى الملك لويس الرابع عشر ثم وقعت حرب السنين السبع سنة 1756 و اشتركت فيها فرنسا ضد روسيا محاولة تركيز جهودها بين سياستها في اوربا، و سياستها في المستعمرات، فأضاعتهما معا على يد (بت) الذي كان يسعى لقهر الاسطول الفرنسي.. و في هذا العهد العصيب كانت فرنسا تخطب ود المولى اسماعيل الذي عرف كيف يحتفظ بالصداقة بين فرنسا و انجلترا ليبني لبلاده مجدا سياسيا و مكانة اقتصادية كبرى.. فقد كانت (اوربا) على عتبة نهضتها الكبرى، مستفيدة من التجربة الاسلامية و من الثقافة العربية المنتشرة انذاك في اكسفورد و السربون و سلامانكا و سالرنو، و كانت نهضة اوربا مدينة للمفكرين الاحرار المعارضين لتوجيه الكنيسة و المتاثرين بالفلسفة اليونانية المترجمة و المشروحة بواسطة العرب، حيث كان منهم فولتير، وروسو، و بيكون، و العالم الانجليزي (نيوتن) للمولى اسماعيل معاصرة مطابقة تماما لمولده ووفاته ، أي سنة 1643 – 1727 قائد الفكر التجريبي التحرري في اوربا، وهو فكر استفاد من اراء التجريبيين العرب وكان (لابلاس)  العلامة الفرنسي الفيزيائي المشهور من اساطين تحرر الفكر الغربي 1759 – 1827  la palace )
و اطلاعه على حضارة الشرق كما كان منهم منتسكيو الذي كانت له جولات في كتب ابن خلدون، و كان لهذا التحرر الفكري تأثير على السياسة و اساليب الحكم في اوربا فعاشت انجلترا سنواتها الاولى في التجربة البرلمانية ضد شارل الاول 1625 -1649 ثم جاء جيمس الثاني سنة 1687 فاصدر لائحة التسامح الديني على حساب البروتستانتية و تدخل السلطان المولى اسماعيل في الموضوع معلنا ان البروتستانية اكثر تقربا للاسلام من الكاثوليكية.
و لاشك ان الخلاف في انجلترا من جهة و في فرنسا و اسبانيا من جهة اخرى اثر في المستعمرات الامريكية، مما ادى الى استقلال امريكا و اعتراف المغرب بهذا الاستقلال ليخضد شوكة الاستعمار الانجليزي و الفرنسي، و البرتغالي و بينما كان الغرب المسيحي يبحث عن مجالات للتوسع الاستعماري، و يعيش في تناقض مع المبادئ الحرة التي اعلن عنها كتاب القرن السابع عشر ، و يحاول تحقيق الانظمة البرلمانية في نهاية عصر لويس الرابع عشر الذي كان يعيش قمة عهد التفويض و في نفس هذه الحقبة كان المغرب يعيش عهد اسماعيل الاول باحثا عن اداء رسالة انسانية، و تحقيق وحدة داخلية، و مقاومة الغزو الاستعماري الجديد .. اما من وجهة النظم التشريعية و الحكم فقد كان المولى اسماعيل – وهو اعظم حاكم طبع عصره – لا يصدر في ارائه الا عن فتاوي الفقهاء و العلماء صيانة لدينه، فكان المجاصي و اليوسي و غيرهما من اقرب العلماء اليه، يبذلان النصح و يقيمان الحكم على اساس اسلامي، و كان المولى اسماعيل يحاول دائما ان يقنع الغرب برسالة الاسلام فقد بنى قلعة خاصة لمن يسلم من اسرى المسيحيين في المغرب ليحتفظ سكانها بتقاليدهم، ووجه رسالة الى ملك انجلترا ينتقد المسيحية و يرى ان البروتستانتية احسن من لكاثوليكية على أي حال، و قد اهتم الكتاب المسلمون في عصره بالمقارنة بين المسيحية و الاسلام مبدين سماحة الدين الاسلامي و اخذين على المسيحية نزعة التقليد و الاستسلام و الخرافة و انظمة الكهنوت.
و شهد السفراء الذين وردوا على المغرب امثال استيورت و الكومندار استيفار (كما نقل ذلك جون وندوسون في رحلته المغربية) ما كان يتمتع به عصر المولى اسماعيل من استقرار و تفتح و عمران، حتى اذا جاز ان نقارن بين عصر لويس الرابع عشر و عصر المولى اسماعيل نرى انهما طبعا عصرهما بطابع القوة و الفن ، فكانت قصور مكناس ببساطة فنها المعماري لا تقل مكانة عن قصور فريساي و عبقرية الفنان الفرنسي مع اختلاف مشرب الفنيين.

و اذا كان المولى اسماعيل اسس للمغرب داخليا فقد كانت قضايا الحدود الشرقية مما يثير المشاكل السياسية و لذلك كاتب ابراهيم الشريف في تونس ليضيف على الاجانب الذين اخذوا يتسربون الى الشمال الافريقي و يقيمون خلافات مع جيران المغرب.
و في سنة  1103 هجرية ارسل لحاكم الجزائر سفارة لعقد الهدنة و كان من اعضاء الوفد المغربي المولى عبد الملك و كاتبه. فارست معاهدة صلح و حسن جوار ، وقد كانت معركة العرائش التي خاضها المغرب ضد الاسبان اعظم اعلان عن سياسة الحكم الجديد الذي لا يهادن في قضية الوحدة المغربية و لذلك ارسل اليه كارلوس الثاني وفدا سفاريا فيه (منديل) للمفاوضة في قضية اسرى العرائش و كان رده ان بعث اليهم سنة 1109 عمر بن عبد الوهاب الغساني لتحرير اسرى المسلمين من جهة ، و اخذ الوثائق الاسلامية التي بقيت بالاندلس بعد نهاية حكم العرب بها، اما مع انجلترا فقد وجه الى المولى اسماعيل شارلس الثاني لعقد تحالف يضايق به فرنسا و يقطع الطريق على منافسه جيمس الثاني وقد وقف المولى اسماعيل مع جيمس الثاني و دعاه الى الاسلام، و يوجد نص هذا الكتاب بعدة مصادر مغربية و غيرها، كما توجد وثيقة سياسية توضح السياسة الاسماعيلية في الخلاف بين فرنسا و انجلترا رغم ان علاقته مع لويس الرابع عشر كانت اقوى من اية علاقة مع دول اخرى ، لان لويس الرابع عشر كان راغبا في الاتصال مع الدول الافريقية محاولا بذلك سد الطريق امام الانجليز حسب المناهج التقليدية للسياسة الفرنسية و لذلك تردد كثير من سفراء المغرب على فرنسا كعلي الريفي و محمد تميم و عبد الله بن عائشة، الذي اشتهر في بلاط لويس الرابع عشر بذكائه و دعابته و خفة دمه حتى ليقال انه خطب ابنة لويس الرابع عشر للمولى اسماعيل تمشيا للصلات بين المغرب و فرنسا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here