islamaumaroc

الدولة العلوية وإقطاعية ابن مشعل

  عبد الهادي التازي

21 العدد

إن الزائر لمدينة فاس يلاحظ أول ما يلاحظ إذا قام بجولة عبر دائرتها، يلاحظ وجود قلعتين محصنتين تتقابلان على أبنيتها المزدحمة المتراصة، هاتان القلعتان اللتان تختصان باسم باستيون باب الفتوح، وباستيون باب الجيسة كا منهما شيد على عهد السعديين . . . ويتساءل المرء هل أن السعديين قاموا بهذا العمل رغبة منهم في المحافظة على المدينة من شن الغارات الأجنبية أم أنهم قاموا بذلك استعدادا لغارات أهل فاس أنفسهم؟ وأن المتتبع لتاريخ المغرب على هاتيك العصور لا يسعه إلا أن يطمئن إلى الفكرة الثانية . . . فإن السعديين لم تكن علاقتهم على ما يرام مع أهل فاس، ويرجع السبب في هذه "الجفوة" التي لاحظها المؤرخون جميعا لكون السعديين عندما حاولوا بسط نفوذهم على مدينة فاس كان هؤلاء يتشبثون هؤلاء دائما ببيعة العاهل الو طاسي الأسبق لأنهم لا يرون هناك من مبرر لنبذ التأييد الذي منحوه منذ زمان لأبي العباس، وبما أن السعديين كانوا على علم من أن الذي يتزعم فيهم هذه الفكرة هو العلامة الونشريسي فقد دأبوا على الوصول إليه بشتى الوسائل . . . أغروه بالمال . . . أغروه بالجاه . . . هددوه أخيرا ولكنه كان قول دائما : "أن بيعة أبي العباس في عنقي ولا يمكن لي بحال أن أنبذها دون أن أرى ما يسيغ ذلك من الوجهة الشرعية" وكان إن سلط السعديون قراصنتهم على هذا الشيخ الجليل الذي استشهد على عتبة باب الشماعين بجامعة القرويين . . . بعد أن قطعت يمناه التي رفضت أن توقع على بيعة الأمراء الطارئين. . . وأن الذي يعلم مركز العلماء الاجتماعي بالمغرب لا يمكنه أن ينبأ بمصير الحالة التي تصبح عليها البلاد وخاصة فاس ونواحي فاس.
 وهكذا لم تمر أيام حتى أخذت الثورات الداخلية تتوالى . . . وأصبحت الحالة من الحرج بمكان  مما أدى دون شك إلى إقامة الحصون على " المدينة المتمردة" فاس، ومما أذى كذلك إلى تسليط بعض العناصر المشاغبة على بعض البيوتات . . . ويكفي لأن تعرف الدرجة المزرية التي وصلت إليها الحالة الداخلية بفاس أن صلاة الجمعة ألغيت في القرويين نفسها اتقاء للاصطدامات التي كانت شوارع فاس مسرحا لها . . . وشيء آخر فإن بعض الرعاع ممن كانوا يناصرون السعديين اقتحم أحد البيوت وحاول الاعتداء على شرف سيدة كانت تقوم إذ ذاك بتقلية " القديد" المعروف عند أهل فاس باسم "الخليع" فلما استعصت عليه بعد أن اعتصمت بإحدى الغرف هدده بإلقاء رضيعها في الطنجير . . . وتمنعت فكان أن رمى الطفل في النار وانصرف، فماذا كانت أصداء هذه الوقائع سواء داخل فاس أو خارجها؟ لقد بلغ الامتعاض ببعض الناس مبلغا عظيما وأصبحت عواطفهم أسود من أي وقت مضى حيال أولئك الذين نالوا من كبيرهم وصغيرهم وكانوا سببا في تعطيل شعيرة هامة من شعائر الإسلام . . . وحتما ستكون هذه الفتن من دواعي إغراء بعض المتزعمين على القيام بالدعوة إلى تأسيس ممالك بهذا البلد المتداعي، وبهذا نفسر وجود كثير من الدعاة أواخر دولة السعديين فلقد كنا نسمع شرقا وغربا وشمالا وجنوبا عن ناس نصبوا أنفسهم لحماية البلاد من شرور الفوضى والآثام . . . وأن المتتبع لتاريخ المغرب. ذلك التاريخ الذي يشهد بأن الملوك المغاربة كانوا يعاملون المواطنين اليهود بنفس المعاملة التي يحضى بها المواطنين المسلمون أقول أن الذي يتتبع ذلك التاريخ سوف يقف من دون ريب على وزراء ومستشارين وأمناء إسرائيليين سواء على عهد المرينيين أو الوطاسيين أو السعديين كذلك... و سيسهل علينا بعد هذا أن نرى في جملة أولئك الإقطاعيين الذين لم يروا من يأس في الدعوة لأنفسهم أقول في جملتهم هرون ابن مشعل اليهودي في قصبته التي لا تبعد عن تازة إلا بنحو إثنى عشر كيلو مترا ، وهكذا كان من الجائز أن توقع تلك المظالم المتوالية وتلك الاضطرابات التي استعصى على المسؤولين أن يجعلوا حدا صريحا لها، كان من الجائز أن تسلم البلاد إلى " دولة إسرائيلية" في ذلك الوقت المضطرب، وكان من الجائز أن ينوب المغرب عن فلسطين! نعم، أن دولة إسرائيل كانت بالفعل على وشك أن تقتحم تازة، ثم تعم فاسا لتنساب منها إلى البلاد الأخرى وأن السلطة التي كان يتمتع بها ابن مشعل سواء من حيث المال أو العدة كما أن السمعة التي خلقها لنفسه والتي كان يضيفها على شخصه كانت تتلخص في أنه يريد بالكبار خيرا وبالضعفاء برورا والبلاد استقرارا أقول هذه الأصداء كانت إلى جانب سلطته مما قد تدفع المظلومين أو الحائرين إلى الثقة به، ولكن حادثة وقعت في منطقة ابن مشعل أثارت أنباه هؤلاء " المترددين" ذلك أن ابن مشعل كان مارا ذات يوم وإذا به يقف على امرأة تحمل طفلا صغيرا وبيدها جرة ماء طلب إليها أن تسقيه وهو يختبر ــ على ما يظهر ــ مدى شعورها نحوه ــ لكنها رفضت، وهنا طوح بصغيرها . . . ! وجمعت الأم أشلاء الطفل ورجعت إلى القرية لتلهب الناس ضد ابن مشعل . . .وفي هذا الوقت بالذات كان الشرفاء العلويون بتافيلالت أخذوا على أنفسهم العهد لتطهير البلاد والمحافظة على أمنها وسلامها . . . وكان المولى الرشيد أحد أعضاء هذه الأسرة طالبا إذ ذاك من طلاب جامعة القرويين . . . فكان يعيش في " الواقع المغربي" وتحكي كتب التاريخ أنه تأثر من تصرفات ابن مشعل بناحية الشرق . . . وأنه قرر أن ينزل ضربته بإقطاعية إسرائيل الفنية، ومن دون ما أن انتشر في الحديث أصل إلى " القولة" التي أجمع عليها المؤرخون وهي أن المولى الرشيد توصل إلى أن ابن مشعل عن طريق " الحيلة" هذه الحيلة التي سكت المؤرخون عن إفاضة الحديث في تفصيلها . . . فماذا كانت هذه الحيلة؟ ها تنكر المولى الرشيد هو نفسه في زي فتاة مهداة  لابن مشعل، هل أن أصدقاءه الخمسمائة طالب كانوا مختبئين في صناديق أو أزيار؟ هنا تختلف الحكايات وتتعدد الفروض . . . وفي المؤرخين الإفرنج من راح يصف حكاياتنا بأنها أقرب إلى قصص ألف ليلة وليلة ! وفيهم من غدا يبحث عن مدى صحة أسطورة ابن مشعل فانطلق يستقصي البقاع ويكلف نفسه عناء الوصول إلى الحالة المدنية لهذا اليهودي . . . نحن لا نربد في هذه الكلمة القصيرة أن نسافر بكم إلى بسيط أنكاد وجبال بني يزناسن ولا أن نرجع بكم في التاريخ إلى زمن موسى ابن أبي العافية لنقف على جد ابن مشعل. . ولكن الشيء الوحيد الذي نتفق عليه جميعا هو أن المولى الرشيد وصل فعلا إلى جعل حد لنشاط الإقطاعية في شرق المغرب عن طريق الحيلة . .  . وأن الطلبة من القرويين هم الذين شاركوه في هذه الميرة، ترى بماذا كافأ به المولى الرشيد رفاقه الطلبة؟ كانت مكافأته، لشهامتهم تتجلى في ثلاثة أمور : أولا : شيد لهم مدرسة داخلية أقامها إلى جانب المدارس المرينية العتيقة وكانت بحق من أروع المدارس وهي ما تزال إلى الآن تعرف بالمدرسة الرشيدية برأس الشراطين جوار مسجد القرويين . . . ثانيا : سن عطلة الربيع بالجامعة بعد أن كانت القرويين منذ أيامها الأولى لا توفر إلا على عطلة الصيف والأعياد الشرعية كما يذكر ذلك المؤرخ الحسن بن محمد الوزان المعروف لدى الغربيين تحت اسم ليون الإفريقي . . . ثالثا: نظم هذه العطلة على شكل بديع ومغري . . . ذلك أنه أراد أن يرمز دائما إلى تلك الأيام التي تمكن فيها من السيطرة على الشرق فنصب عليهم سلطانا كل عطلة ربيع حسب فلو لكور خاص يعرفه من عاش بهذه الديار، تقدم فيه الجالية الإسرائيلية هداياها المضحكة، وتشارك السلطة المركزية العليا على الدوام زفي إقامته بل وفي الحضور فيه، وكان المولى الرشيد والملوك العلويون من بعد، يحرصون على أن تضل العائلة المالكة دائما على صلة بهؤلاء الطلبة الذين ضمتهم القرويين من مختلف جهات المغرب إحياء لتلك الصلة القديمة التي مكنت من الانتصار على البغي والاضطراب ولقد ظل التاريخ ينقل أن العاهل أو نائبه كان في هذه المناسبة يباسط الطلبة وينزل معهم إلى ميدان الفكاهة والمرح . . . وإذا كانت الحفلات الجامعية في أوربا مثلا تشهد نوعا من التسليات المصطنعة فإنها محرومة دون شك من الطهارة والعفة التي تطبع هذه التسليات في حفلات سلطان الطلبة على مختلف العصور، فهي تظل محتفظة بروح من المرح البريء الذي لا يتعرض له الحي اللاتيني في حفلات كهذه . . .
 وبعد فإن هذه " الحيلة" التي ظل " التاريخ المكتوب" محتفظا بسرها والتي ظل "التاريخ الشفوي" ينقلها من الأجداد إلى الأحفاد،أقول أن هذه الحيلة كانت مثار انتباه المستشرقين والأجانب قالوا فيها تارة بالإعجاب والتحبيذ، وأخرى بالتعليق والتحليل، وتارة بالنقد والتزييف... أريد أن أقول أنه إذا كانت المصادر التاريخية العربية كسلت عن الحديث عن هذا الفولكلور فإننا لم نعدم الحديث عنه في المصادر الأجنبية أو سمعتم عن موضوع كهذا تناولته بالحديث أزيد من ثلاثين مؤلفا ما بين الفرنسي والانجليزي والاسباني والعبري كذلك !
 حقا لقد أحسن مولانا صاحب الجلالة صنعا إذ أذن بإحياء هذه العادة الكريمة التي كانت تسير إلى الفناء فإننا نرى اليوم الدولة الراقية المتحضرة تعهد إلى لجان خاصة بالبحث عن العادات القديمة في حياتها ومتى لم تجدها فإنها تنيط بآخرين أمر " خلق" عادات من شأنها أن تميز تلك البلاد عن غيرها ولنا نحن المغاربة عادات نبيلة وممتعة أحيانا وترمز في بعض الأوقات إلى تاريخ مجيد فخير إذن أن تتضافر الجهود على الاحتفاظ بالتراث وخير جدا أن لا تتنكر لهذا التراث بالخصوص فنجعل منه درسا لجيلنا الطالع!
  

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here