islamaumaroc

الجامع الصحيح والمبادئ الإنسانية والكفاح من أجل السلام والعدالة وضد أي مظهر من مظاهر الاضطهاد والعدوان

  دعوة الحق

161 العدد

مدخـــل:
هناك ظاهرة ذات ملامح واضحة تدعو إلى التأمل و الاعتبار، وأثر كبير في الثقافة الإسلامية تستدعي الاهتمام في العصر الذي نبغ فيه الإمام البخاري، و قد تنبه لهذه الظاهرة العلامة الكبير عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الذي لاحظ في فصل هام عقده  في مقدمته تحت عنوان في أن " حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم العجم"، لا من العلوم الشرعية، ولا من العلوم العقلية إلا في القليل النادر و إن كان منهم العربي في نسبته، فهو عجمي في لغته ومرباه و مشيخته" لأن العلوم، كما ذكر ذلك في فصل آخر، من جملة الصناعات، و الصناعات من خصائص الحضر، و الحضر في ذلك العهد، هم العجم، و من معناهم من الموالي، ثم قال : فلما بعد النقل من لدن دولة الرشيد، فما بعد، احتج إلى وضع التفاسير القرآنية، و تقييد الحديث مخافة ضياعه، ثم احتيج إلى معرفة الأسانيد و ما دونه، ثم كثر استخراج أحكام الواقعات من الكتاب و السنة. و فسد مع ذلك اللسان، فاحتيج إلى وضع القوانين النحوية، و صارت العلوم الشرعية كلها ملكات في الاستنباطات والاستخراج والتنظير والقياس، واحتاجت إلى علوم أخرى، و هي وسائل لها من معرفة قوانين العربية، و قوانين ذلك الاستنباط و القياس، والذب من العقائد الإيمانية بالأدلة لكثرة البدع و الإلحاد، فصارت هذه العلوم كلها علوما ذات ملكات محتاجة إلى التعليم، فاندرجت في جملة الصنائع.. و من المعلوم أن ابن خلدون رحمه الله كان قدم في الفصل الحادي والعشرين من الباب الخامس: " أن الصنائع من منتحل الحضر، و أن العرب أبعد الناس عنها، فصارت العلوم لذلك حضرية، و بعد عنها العرب و من سوقها، قم قال ابن خلدون: و الحضر لذلك العهد هم العجم أو من في معناهم من الموالي و أهل الحواضر الذين هم يومئذ تبع للعجم في الحضارة و أحوالها من الصنائع و الحرف، لأنهم أقوم على ذلك للحضارة الراسخة فيهم منذ دولة الفرس ... فكان صاحب صناعة النحو سيبويه، و الفارسي من بعده، و الزجاج من بعدهما، و كلهم عجم في أنسابهم، و كذا حملة الحديث الذين حفظوه عن أهل الإسلام أكثرهم عجم، أو مستعجبون باللغة و المربى، و كان علماء أصول الفقه كلهم عجما كما يعرف ، و كذا حملة علم الكلام و كذا أكثر المفسرين، ثم قال، ولم يقم بحفظ العلم و تدوينه إلا الأعاجم، و ظهر مصداق قوله عليه الصلاة و السلام:" لو تعلق العلم بأكناف السماء لناله قوم من أهل فارس"هـ.
 و يؤكد دقة ملاحظة ابن خلدون من الحركة الفكرية في الثقافة العربية الإسلامية ما نواه من أن ............................................... الأخبار،وكتاب المعارف، و أبو عبيدة معمر بن المثنى العالم باللغة و الغريب أخبار العرب وأيامها، وذو النزعة الشعوبية، والفراء أبرع الكوفيين وأعلمهم بالنحو و اللغة  وفنون  الأدب، وسيبويه الإمام المقدم في النحو و تدوينه، و الكساني أحد الأئمة الأعلام في النحو واللغة و القراءات، وهو أحد القراء السبعة، و بشار بن يرد أحد المحدثين من الشعراء، و حماد الرواية جامع المعلقات العشر، وراوي كثير من الشعر الجاهلي، والإمام أبو حنيفة النعمان إمام المذهب، و أبو عمران و الشيباني و التبريزي والجرجاني،وواصل بن عطاء، و عمرو بن عبيد، و أبو الهذيل العلاف، و النظام، و الفارابي، و الرازي، و ابن سينا، و البن رشد و الطبري، و ابن مسكوبة، والبلاذري، و ابن خلكان كل هؤلاء، و كثير غيرهم ممن لا يأتي عليهم الإحصاء كانوا فرسا و كان لهم ثر كبير في الثقافة الإسلامية".
وقد كان العالم الكيمائي جابر بن حيان وهو من أعظم مفكري العرب في القرآن التاسع الميلادي يقول:" خلق الله للأبواب مفتاحين،وضع أحدهما عند العرب، ووضع لآخر عند العجم فإذا ضاعت المفاتيح بقيت الأبواب مقفلة.
ونحن لا نشاطر ابن خلدون الحكم في إطلاقه، و لا نسير معه في إرسال الكلام على عواهنه، و غلوه غلوا أبعده عن الصواب، فنقض الناس أقدارهم، و بخس العرب نصيبهم الأوفى في المشاركة: ذلك أن البلدان العجمية إذ ذاك كانت تزخر بالعرب الذين استقر لهم الأمر، و استدف لهم الحكم في ما وراء النهر، فأخذوا يمارسون الحياة الفكرية بنشاط وهمة أقدر و آباؤهم، فلما دخلوا في الإسلام وتعلموا العربية، كان تأليفهم بالعربية سهلا ميسورا، و غلو أن يدعي ابن خلدون أن هؤلاء العلماء العرب هم عجم بالمربى، فإن المربى كان مزيجا من عرب و عجم، فلئن كان سيبويه فارسيا، فشيخه الخليل ابن أحمد عربي، وكذلك اشتهر من العرب في العلوم اللغوية المازني و ابن دريد و المبرد و الأزهري و النضر بن شميل، بل أن الخليل بن أحمد العربي القح أول من دون كتابا في النحو أملاه على تلميذه سيبويه، و أول من استنبط أوزان الشعر العربي، و لئن كان.......................................  أصول الفقه عجما، كما يقول ابن خلدون، فواضعه، و أول من ألف فيه الشافعي وهو عربي كما هو معلوم.
بل أن حنيفة تلقى أكثر علومه على حماد بن سليمان، و حماد هذا ينتسب بالولاء إلى قبيلة " الشعر" اليمينية، و قد تلقى حماد على عربيين يمينين هما إبراهيم النخعي وعامر الشعبي... و أن أشهر تلامذة أبي حنيفة ثلاثة: أبو يوسف، و محمد وزفر، وليس من الإنصاف أن نتناسى مالك بن أنس وهو أول من ألف في الفقه الإسلامي من العرب... و من عجب أن بعض الباحثين شاطروا رأي ابن خلدون فيما ذهب إليه منهم " بروان" في قوله: "لو أنك نزعت من العلوم العربية نصيب علماء الفرس فيها لنزعت خير نصيب، و منهم " فون كريمر" إذ يقول:" لقد وضع النحو العربي أجانب من الآراميين والفرس لحاجتهم إلى تعلم العربية كتابة و قراءة، و غالـــــــــي " بول دي لاجارد" في زعمه أن المسلمين الذين برعوا في العلوم آريون كلهم، وليس من بينهم سامي واحد...
و من عجب أيضا أن هؤلاء المستشرقين الذين أخذوا عن ابن خلدون اعتمدوا على أساس قول مبتور له  في مقدمته حيث يقول:" إن العرب أعرق في البداوة و أبعد عن الصنائع" وقد تجاهل هؤلاء عن قصد بقية النص الذي يقول:" إن العرب عبر الفتوحات الإسلامية دفعت أولئك العرب من العصور الإسلامية الأولى إلى استخدام ملكاتهم  الفكرية لاستنباط أصناف الصنائع و مركباتها.
                                             -  *  -
و لعل الفضل يعود إلى العباسيين العرب الذين مكنوا للحركة الإسلامية العتيقة أن تمضي في سبيل نجاحها ليكتسب إقليم ما وراء النهر في مستهل القرن الثالث طابعا إسلاميا واضحا صريحا. و الحق أن العباسيين كان لهم دور  بارز في انتشار الإسلام و الثقافة العربية في بلاد ما وراء النهر...
وقد تبع الإسلام سير الثقافة في طريقها المرسوم، فلم تعد ثقافة الوافدين من العرب،و إنما توطنت بين أهل البلاد الذين بدأو بعد تعلم اللغة العربية يضيفون الكثير إلى الإنتاج الإسلامي...
وإذا كانت مدارس ما وراء النهر قد ازدهرت في عهد الظاهريين والساميين حينما برزت بخاري و سمر قند كمراكز للعلم و الثقافة، فليس من شك في أن الخطوات الأولى التي أدت إلى هذا التطور قد تمت في القرن الثاني و الثالث، فلم يكن ذلك الانبعاث  نتيجة انتفاضة طارئة، أو طفرة مفاجئة، بل كان نتاج تطور طبيعي تعاقب أجيالا، و ثمار بذور زكية غرستها أيد كثيرة مومنة مخلصة، ثم سهرت على رعايتها، وتعدها بالري و السقيا، فأتت أكلا شهيا..
وقد أنفق مسلمو ما وراء النهر جهودا كبرى يذلها أبناء هذه البلاد في نشر العلم والثقافة الإسلامية، ويكفي أن نشير إلى أن عطاء هذه المدن كان من الوفرة والغرازة ما حفل به التاريخ الإسلامي لهذه البلدان...
فبخاري أنجبت أعظم محدث في الإسلام، و صاحب أصح الكتب  بعد كتب الله تعالى، و هو الإمام محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، و نيسابور الجبث مسلم ابن الحجاج صاحب الصحيح، و ترمذ أعطتنا أبا عيسى الترمذي، و سجستان أعطتنا أبا داود صاحب السنن، و نسا أنجبت النسائي صاحب السنن أيضا، وقزوين أعطتنا ابن ماجة، كما جادت بلاد ما وراء النهر بالإمام الكبير محمد بن إسماعيل القفال صحاب محاسن الشريعة، وولده أبي القاسم الشاشي صاحب التهذيب، و نظام الدين الشاشي و ابن الهيثم ابن سعد الشاشي صاحب المسند في مجلدين، والمشهور بمحدث ما وراء النهر، و جار الله الزمخرشري و يوسف السكاكي، و عبد القاهر الجرجاني، وسعد الدين التفتزاني، والعلامة الشريف الجرجاني، وشمس الدين السرخسي صاحب المبسوط، وعلي ابن أبي بكر المرغيناني صاحب  الهداية، و عبد الله ابن أحمد ألنسفي صاحب التفسير، و ابن منصور الماتردي الذي كان يلقـــــــــــب " بإمام العدى" و " رئيس أهل السنة"، وأبي بكر الخوارزمي الكاتب الأديب، والشطرنجي الصولي الأديب المعروف، وأبي النصر الفارابي المعلم الثاني، و أبي زيد البلخي، و بني موسى ابن شاكر، وأبي................................................. وعلوما، و الجوهري الذي أهدى إلى الأمة العربية معجمه اللغوي... فظهر مما سقنا أن أولئك العظماء من أبناء العجم قد اصطنعوا العربية علمية لهم، و ألفوا في العلوم العربية نفسها و في العلوم الدينية، فهم أذن  عرب، عرب بلغتهم و مؤلفاتهم، فمن التعصب أن نعدهم غير عرب، و قد كان اليونان يحكمون على كل من يتكلم اليونانية بأنه يوناني... فلماذا لا نحكم على كل من يتكلم العربية لغة أصيلة له بأنه عربي.
                                             -  *  -
و إن الأمة التركستانية لتفخر بعلمائها الأفذاذ و أبطالها الأشاوش، ومجاهديها الأوفياء الذين فتحوا عذارى المماليك، و ابتسلوا نفوسهم للموت، و رفعوا رؤوسهم للحياة فسجلهم التاريخ على صفحات الخلود.. وقد حفل التاريخ بكثير من أعلام سمرقند المدينة المجاهدة التي قام فيها هذا الاحتفال الفخم الضخم لذكرى الإمام البخاري، لذكر من بينهم:  علاء الدين السمرقندي صاحب تحفة الفقهاء، و الذي  تشققت عليه ابنته فاطمة، فكانت الفتوى تخرج و عليها خط  أبيها، و أبا القاسم إسحاق بن محمد السمرقندي المأتوري مؤلف كتاب:" السواد الأعظم" و المتوفى سنة 342هـ، و شمس الدين محمد السمرقندي الفيلسوف الأديب الذي ألف نحو 1291 رسالة في آداب البحث المعروفة بآداب السمرقندي، و هي من أشهر الكتب في هذا الفن، و أبا محمد عبد الله بن عبد الرحمن التميم المعروف بالدرامي صاحب كتاب " السنن في الأحاديث" المتوفى عامك 255هـ، و نجيب الدين الطيب الشهير الذي كان من أهل القرن السابع معاصرا لفخر الدين الرازي، و الذي مات مقتولا في هراه لما دخلها النثر، له " الأسباب و العلامات في الطب" جمع فيه العلل و أنواع معالجتها، و عبد الرازق الكاشي السمرقندي مؤلف:" معجم في مصطلح الصوفية" المتوفى  عام 887هـ، و أبا سعيد عبد الله بن محمد المؤرخ الذي عاش إبان القرن الثالث الهجري، و نزح إلى سمرقند وصنف عنها تاريخا حافلا، وأبا الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي المشهور بإمام الهدى،.............
 
حفص السمرقندي النسقي الذي يعد من كبار فقهاء الحنفية و يلقب بمفتي الثقلين، والعالم بالتفسير و الأدب و التاريخ و الذي له نحو مائة مصنف، و الذي كان يقول: أروي الحديث عن خمسمائة و خمسين شيخا، وقد ولد بنسف نخشب ثم انتقل إلى شيخا،وقد ولد بنسف تخشب ثم انتقل إلى سمرقند هو أبو هارون الأغماتي المغربي الأديب الذي عاش في العصر المرابطي، و قال عنه:" قدم علينا أبو في هذا الكتاب عن عالم مغربي شهير قدم إلى سمرقند هو أبو هارون الأغماتي المغربي الأديب الذي عاش في العصر المرابطي، و قال عنه:" قدم علينا [و فقيه مناظر، بليغ شاعر، و محدث محاضر.."
وقد أعجب السمرقندي بنبوغ المغربي أبي هارون و ذكائه و عبقريته، و شفوفه في اللغة و الأدب حتى لقد قال فيه:
 لقد طلع الشمس من مغربها
                           على خافيقها، واوسطها
فقلت: القيامة قد أقبلت
                          و قد جاء أول  أشراطها
 و تحدث عنه السمرقندي أيضا في كتابه السالف الذكر بقوله:" و موسى ابن عبد الله الأغماتي قدم علينا سنة 519 هـ و بقي عندي أياما، و كتب عنه الكثير و لأجله جمعت كتابا سميته " عجالة النخشبي، لضيفه المغربي".
و من شعره يتحرق شوقا إلى وطنه، و يرسلها تحية حارة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب:
 لعمر الهوى أني، و إن شطت النوى
                                  لذو كبد حرى، و ذو مدمع سكب
فإن كنت في أقصى خراسان نازحا
                                 فجسمي في شرق، و قلبي في غرب
وقد انشد هذين البيتين أبا حفص  السمرقندي كما ذكر ذلك في كتابه " القند، في علماء سمرقند" كما أن  بخاري، و بصفة  خاصة ينسب إليها خلق كثير من أئمة المسلمين في فنون شتى كأبي زكرياء و عبد الرحيم بن أحمد بن نصر التميم البخاري الحافظ المتوفى عام 461هـ، كما أنجبت الشيخ الرئيس أبا علي سينا حكيم الإسلام البخاري المتوفى عام 482هـ، و أبا عبد الله الناتي، و إسماعيل الزاهد أستاذي الشيخ الرئيس، و محمد بن سلام البيكندي، و محمد بن يوسف، و عبد الله بن محمد المسندي، و هارون بن الأشعث، و هم من أساتيذ الإمام البخاري، و طاهر ابن أحمد ابن عبد الرشيد بن الحسين افتخار الدين البخاري الفقيه الذي يعد من كبار الأحتاف و صاحب " خلاصة الفتاوى" و " الواقعات" و "النصاب" توفي عام 542هـ و عبد العزيز بن أحمد بن محمد علاء الدين البخاري الفقيه الحنفي الذي كان من علماء الأصول، و له تصانيف منها:" شرح أصول البزدوي" في مجلدين،  و شرح المنتخب السامي" ومحمد ابن أحمد بن محمد بن خير الله البخاري من أعلم أهل الشام في عصره بالحديث، أصله من مدينة بخارى سكن نابلس بفلسطين، وتوفي فيها بالطاعون، له  " القول الجلي" في ترجمة ابن تميمة، ومحمد صالح الرضوي نسبا، السمرقندي أصلا و مولدا، البخاري طلبا للعلم، المدني مسكنا ومدفنا المتوفى بها عام 1263م و هو علامة كبير، زار المغرب أواسط القرن الثالث عشر، و ترجمته في فهرس الفهارس، ومحمد بهاء الدين التقشيندي الذي كان رئيس طريقة لها عدد من الأتباع غفير في تركيا، و امتدت حتى بلغت أندونيسيا، وألف كتاب " الحياة" و "دليل العشاق" و قد كان له كثير من الأتباع و المريدين، و لد في بخارى و قضى فيها معظم سني حياته إلى غيرهم من الأعلام..  
وإن هذا الانتشار العلمي الشامل ليس انتشارا للعقيدة الإسلامية فحسب، و ليس مجرد صراع بين الإسلام و بين الديانات الأخرى، و إنما هو انتشار لغة العربية و ثقافتها ذات الطابع الديني المعروف.
ولقد كان علماء العجم يعتزون بتعلمهم العربية وعلومها، ويفاخرون بإقبالهم على تراث العرب، وحضارتهم، و يحمدون الله الذي هدادهم إلى دين الإسلام، فهذا الإمام الزمخشري يقول مفتخرا:
" الله أحمد أن جعلني من علماء العربية، و جبلني على الغضب للعرب و العصبية، و أبي لي أن أنفرد عن صميمهم و امتاز، و انضوى إلى لفيف الشعوبية و أنحاز، و عصمني من مذهبهم الذي لم يجد عليهم إلا الرشق بالسنة اللاعنين، و المشق بأسنة الطاعنين"
                                             -  *  -
 و لما تولى الخلافة المتوكل كان كثير من تلك البلاد قد استقل عن سلطان الخليفة العباسي، فرأينا الدولة الإسلامية في بلاد ما وراء النهر، و الدولة الصفارية تضم فارس و خراسان وسجستان وكرمان، و الدولة  الزيدية العلوية في جرجان و طبرستان.
 ولم يستقل السمانيون بحكم بلاد ما وراء النهر إلا في سنة 361هـ، و كانوا قبل ذلك، ومنذ عهد المأمون يحكمون البلاد، خاضعين لسلطان الخليفة العباسي و في ظل الاستقلال أقام السامانيون في تلك المنطقة دولة عظيمة استمرت حتى سنة 389هـ، حيث انتهت على  أيدي سبكتكين من جهة، و الترك الخافانيين من جهة أخرى.
وقد قدم هؤلاء السامانيون أجل الخدمات للعلوم الإسلامية و اللغة العربية و آدابها.. فيقول المقدسي في ملوك السامنيين ووصف بلاد ما وراء النهر و خراسان:" أنه أجل الأقاليم، وأكثرها أجنة و علماء، و هو معدن الخير، و مستقر العلم، و ركن الإسلام المحكم، وحصنه الأعظم و ملكه خير الملوك، وجنده خير الجنود فيه يبلغ الفقهاء درجة الملوك(1)
وأما ملوك السامانية فكانوا سلاطين ما وراء النهر و خراسان و كانوا أحين الملوك سيرة و من ولي منهم كان يقال له  سلطان السلاطين لا ينعت إلا به، و صار كالعلم لهم، و كان يغلب عليهم العدل و العلم والدين.
 و كان للسامانيين فضل على الحركة الفكرية واسعة النطاق في  البلاد مما ساعد على أنداب عدد  يحصلا من العلماء المتخصصين في شتى مجالات العلم من تفسير و فقه و حديث و لغة و أدب.
لقد استقى نفوذ الدولة السامانية فيما وراء النهر أو في بلاد التركستان و أصبحت من أعظم الدول نظاما وأكثرها استقرارا،  وأوفرها ثروة في القرن الثالث  والرابع الهجري، وكان دورها في الإحياء  الفارسي أوضح الأدوار، فانطلقت من قصور أمرائهم أعظم القصائد، و حج إليهم كبار الشعراء، و حفل عهدهم بحركة أدبية عظيمة سواء باللغة العربية التي أفاض في الحديث عنها أبو منصور الثعالبي و المقدسي، أو باللغة الفارسية التي أفاض في شرحها المؤرخ  اللامع الأستاذ محمد عوفي، لأن ظهور الفارسية الحديثية إنما يرجع الفضل فيه إلى السامانيين، فقد بعثوا اللغة الجديدة مكتوبة بقلم عربي، و استخدموا لغة لبلاطهم و حكومتهم، بل نجد بعض أهل الفتيا في بلاطهم فتي بجواز الصلاة باللغة الفارسية كاللغة العربية..
 لقد كان من أولى ثمرات الاستقلال الساماني فيما وراء النهر، تمكن الحركة الاستقلالية من البلاد، وانتصارها انتصارا لا تقهر من بعده، و تمكن الثقافة العربية من البلاد، و صيرورة الإقليم مركز إشعاع ثقافي إسلامي عظيم امتد أثره شرقا حتى الصين و شمالا حتى  كأشقر، و غربا حتى حوض الفولجا..
يقول الثعالبي:
 كانت بخارى في الدولة السامانية مثابة المجد، و كعبة الملك، و مجمع أفراد الزمان، مطلع نجوم أدباء الأرض، و موسم فضلاء الدهر.."
 و يجمع مؤرخو هذه الفترة على أن الحركة الفكرية، و النهضة الإسلامية الكبرى انبعثت من مدارس ما وراء النهر، و لا سيما في بخارى.. و يجب التنبيه أن مستوى الرخاء، ومظاهر الثروة، و تشجيع العلماء، و رجال الفكر يساعد على تشجيع الحركة العلمية و نموها، و قد عمل إسماعيل بن أحمد الساماني الذي وزر له الرئيس ابن سينا على توطيد ملكه و سلطانه في بخارى بمعونة الفقهاء، بل إنه أعفاهم من تقبيل الأرض بين يديه، و كان يختار نخبة من فقهاء الحنفية، و رجال العلم في بخارى لأخذ رأيهم في المسائل الهامة..و في القرن الثالث بالذات نشطت حركة جمع الحديث ونقده، و تمييز الصحيح من الضعيف، وتشريح الرجال و الحكم لهم أو عليهم، فكان  بذلك خير العصور إذ فيه ألفت أهم كتب الحديث، و كانت الكتب المؤلفة بعده مسندة منه، و مينية عليه.. و شأن الحديث في ذلك شأن كثير غيره من العلوم..
ففي هذا العصر ألف الإمام البخاري الجامع الصحيح، و ألف صحيحه، و فيه ألفت سنن ابن ماجة، و سنن أبي ماجة، و سنن أبي داود، و جامع الترمذي، و سنن النسائي، وهي التي تسمى كما لا يخفى، عادة الكتب الستة، و التي عدت أصح كتب الحديث.
 
 لقد كان عطاء ما وراء النهر كثيرا و غزيرا و في شتى الميادين و في كثير من حقول المعرفة و الثقافة، و لعل أبرز هذا العطاء شخصية الإمام البخاري الذي اكتمل في هذا العام على ميلاده مرور 1200 عام. فقررت المنظمات الإسلامية بلدان في التحاد السوفياتي الشاهرة على إحياء التراث و الأمجاد،  وبعث الشخصيات الإسلامية التي قامت بأدوار فريدة في تاريخ البشرية، بما يليق بجلالهم و مكانتهم العلمية في التاريخ القديم و الحديث و إقامة احتفالاتهم العريقة.
                                             -  *  -
 و لقد خلف لنا الإمام البخاري كتابه الجامع الصحيح، و كله تفسير للقرآن ، و بيان  من السنة للآباء البينات التي تدعو إلى المحبة و التضامن الإنساني و تحديد العلاقات بين أفراد المجتمع البشري، و مقاومة مظاهر الاضطهاد و التخلف و العنت و الإرهاق
                                             -  *  -
 و إن الباحث الدارس في تاريخ الحضارة البشرية اليوم يجد آثارا جلية واضحة لحضارة الإسلام في الغرب، كما أنه يجد كثير من الدعوات الغربية التي تدعو إلى السلام، وحقوق الإنسان، و حرية الأفراد و الشعوب، قد جاء بها القرآن، و حث عليها دين الإسلام، و شرحتها سنة الرسول، و سجلها إمامنا البخاري في صحيحه، و لم تكن إلا أصداء تشمنه القرآن من حكم غالية، و مواعظ سامية، و دستور عظيم في السلوك الإنساني و القواعد الأخلاقية و القوانين الدولية..
لقد دعا الإسلام إلى الوحدة البشرية، و التضامن الإنساني، و المبادئ القويمة، والكفاح من أجل العدالة والتساوي و الصداقة بين الشعوب، و ضد أي مظهر من مظهر الاضطهاد و العدوان منذ ما يربو على أربعة عشر قرنا، فلم ينكر دينا من الأديان، أو يكذب نبيا من الأنبياء أو يفرق بين أحد من الرسل،  ولم يكن حريا على عقيدة من العقائد، و إنما أنكر ما فيها من تزييف و تشويه و تحريف، و رسول الإسلام يخبرنا بأنه من اللبنات التي ساهمت في تشييد صرح بأنه لبنة من اللبنات التي ساهمات في تشييد صرح الإيمان، و معالم الحضارة البشرية، ووضع اللمسات الأخيرة في بناء المجتمع الإنساني: أليس رسول السلام يقول:
 مثلي ومثل الأنبياء قبلي، كمثل رجل بنى بيتا، فأحسنه و أجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به، و يعجبون له، و يقولون له:" هلا وضعت هذه اللبنة"؟ فأنا تلك اللبنة، وأنا خاتم النبيئين.."
وهكذا جاء الإسلام  داعيا إلى دعوة لم يتقدم لها مثيل في تاريخ الرسل و المصلحين، و جاء محمد بختم الرسالة فلم يكن بدعا من الرسل، جاء بالعقيدة السامية و الأصول العامة التي جاءوا بها، و لكنه جاء مبشرا بالرشد الديني، و بختم النبوءة، فاشتملت دعوته على أشياء لا قبل للديانات بها من قبل، في مقدماتها تواحيد الإسلام..فقد نظر الإسلام إلى الكون و إلى البشر نظرة شمولية متكاملة عامة، مع الكون  و إلى البشر نظرة شمولية متكاملة عامة، و أراد أن تكون  هنالك وحدة كونية ينسجم بها الإنسان مع الكون و مع أخيه الإنسان و كيفما كان و في أي مكان وجد، فالعالم منتظم في وحدة واحدة، و الكون متحاب متجاذب ومتعاطف.
هو الحب إكسير الحياة بلا مرا
                              و لولاه ما كان الوجود كما ترى
 وصدق الله العظيم:" ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت، فارجع البصر هل ترى من فطور".
 وقد عقد الإمام البخاري بابا واسعا في مقدمة كتابه الجامع الصحيح ساق فيه عدة أحاديث كلها تؤول إلى شعب الإيمان و من أبرزها إفشاء السلام و إنه حق من حقوق المسلم على أخيه، ومن موجبات البشر، ومن دواعي المحبة و الألفة بين المسلمين، و هي أحاديث متواترة، رواها عن النبي (ص)  أبو هريرة وعبد الله بن عمر و الزبير بن العوام والبراء بن عازب و عبد الله بن سلام و أبو الدرداء و أبو إمامة وجابر و ابن سودة و أنس و عمران بن حصين و سهل بن حنيف و أبو الأشعري و مالك بن  التيهان والمقدام بن شريح عن أبيه عن جده، وشيبة الحدجي قد اخترنا منها حديثا اندرج تحت هذا الباب " كتاب الإيمان".

 باب الطعام من الإسلام
قال الإمام البخاري: حدثنا عمر بن خالد، قال لمخاطبة الجاهل السفيه الأثيم فقال في سورة الفرقان:" وإذا خاطبتم قالوا: سلاما.." و الجنة سميت" بدار السلام" في قوله تعالى:" و الله يدعو إلى دار الإسلام" و قوله: لهم دار السلام عند ربهم، و هو وليهم بما كانوا يعلمون".
ويلاحظ في جميع العبادات وأنواع الطاعات أنها تدريب عملي للمسلم على السلام، مع نفسه و مجتمعه والعالم الذي يعيش فيه باعتبار أن الإسلام دين عملي لا يكتفي بالدعوة النظرية، فهو  دائما يشفعها بالتطبيق و العمل، و قد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثا:" اللهم أنت السلام، و منك السلام، تباركت  يا ذا الجلال و الإكرام".
ونخاطب النبي أثناء التشهد في الصلاة بقولنا:" السلام عليك أيها النبي"، و هي تحية كريمة من الله عز وجل لعبده و رسوله المسلم المسالم الوديع الأمين الذي لم يقابل السيئة بل يعفو و يصفح، و قد اضطر صلى الله عليه وسلم إلى الحرب اضطروا، فكانت كلها سلاما، لأنها ما شبت إلا لردع أعداء السلام، والقضاء على كل معوقات الله فيها إلا لتغمرها على وجه الأرض التي ما استخلفنا الله فيها إلا لتغمرها لا لنفسد  فيها و نسفك الدماء فنحقق بذلك إرادته سبحانه و تعالى:
الحرب في حق لديك شريعة
                    و من السموم التاقعات دواء
 ثم ينطقنا الله بالسلام على أنفسنا و على جميع عباده الصالحين و بذلك يرد الله على تحيتنا له و سلامنا على رسوله صلى الله عليه وسلم..." فسلموا على أنفسهم تحية من عند الله مباركة طيبة، فيقول المصلي في التشهد:" السلام علينا و على عباد اله الصالحين"، و يقول الرسول (ص):" إذا قال العبد السلام علينا و على عباد الله الصالحين". أصابت كل عبد صالح في السماوات و الأرض".
وقد جاء في كتاب " روح الصلاة" للسيد..... طبارة: " و في النطق بالسلام عند انتهاء كل ..... تنويه وإكبار من الله لشأن السلام، و الحرص على غرسه في قلوب المؤمنين، فالإسلام مشتق من السلام، وهو يدعو إلى السلام لقوله تعالى:" و إن جنحوا للسلم فاجنح لها" و يأمر أتباعه أن يحيي بعضهم بعضا بلفظ" السلام عليكم " و ما ذلك إلا ليكون المسلمون دعاة سلم على الأرض".
 و لم يستخدم الإسلام في يوم من الأيام القوة و العنف لنشر مبادئه، بل لم يجعل الحرب ذريعة من ذرائع نشر الدعوة الإسلامية، فقال في كتابه العزيز: " وقل للذين أوتوا الكتاب و الأميين  أسلمتم، فإن اسلموا فقد اهتدوا، و إن تولوا فإنما عليك البلاغ.."
 فالله سبحانه إذن لم يجبر المسلمين على استخدام القوة في نشر دينهم، بل أمرهم أن يدعوا إلى سبيل ربهم بالحكمة و الموعظة الحسنة، و يجادلوا بالتي هي أحسن.. و لم يأمرهم باستخدام وسائل البطش و التدمير بمصداق قوله تعالى:" وما أنت عليهم بجبار، فذكر بالقرآن من يخاف و عيد".
بل أن المودة الموصولة لا يقطعها الحرب، و لا الاختلاف في الدين، و يروى أنه في مدة صلح الحديبية يبلغ النبي صلى الله عليه  وسلم أن قريشا أصابتهم جائحة، فأرسل عليه السلام أبي سفيان زعيم الشرك في مكة خمسمائة دينار ليشتري بها قمحا، و يوزعها على فقراء قريش.. وقد عقد ابن تميمة فصلا في رسالة القتال بحث فيه الباعث على القتال، أهو اعتداء الكفار على الإسلام، و رد اعتدائهم؟ أم الباعث على قتال الكفار كفرهم؟ و ذكر أن أئمة اختلافا بين الفقهاء، فقرر أن جمهور الفقهاء يقررون أن الباعث على القتال هو رد اعتداء على المسلمين، و نسب إلى بعض الشافعية أن الباعث على قتال الكفار مفرهم و التمكين للدعوة الإسلامية التي هي  في عنق المسلمين إذ أن عليهم أن يدعو إلى الإسلام حتى تستمر كلمة الله هي العليا..
وفي الحق أن النصوص القرآنية تستند ذلك الرأي الذي اختاره ابن تيمية و قرر أنه رأى جمهور الفقهاء، ذلك لأن الدعوة إلى السلام في القرآن مطلقة غير مقيدة، بينما أباحة القتال نجدها في كل نصوص القرآن مقيدة بأنها من مقابلة  الاعتداء بمثله، فالله سبحانه يدعو إلى السلام فيقول:" يا أيها الذين آمنوا اخجلوا في  السلم كافة، و لا تتبعوا خطوات الشيطان، أنه لكم عدو  مبين". و قال تعالى: " و إن جنحوا للسلم فاجنح لها و توكل على الله، ........ هو السميع العليم، و أن يريدوا أن يخدعوك فإن...... الله، هو الذي أيك بنصره وبالمؤمنين....... بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما..... بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم، إنه عزيز......"، و قال سبحانه :" و لا تقولوا لمن ألقى عليكم السلام لست مؤمنا تبغون عرض الحياة الدنيا...... الله مغانم كثيرة، كذلك كنتم من قبل فمن......." و يقول سبحانه:" فإن اعتزلوكم، فلم....... ، وألقوا إليكم السلم، فما جعل الله لكم إليهم سبيلا..." وقد وردت كلمة " السلام" في القران الكريم..... من مائة مرة، على حين أن كلمة الحرب لم تذكر.... في ست آيات فقط، في سورة البقرة 279، .... المائدة 33،6، و الأنفال57، و التوبة 107 و محمد .... السلام 4.
 و إن من مقاصد الإسلام العمل على نشر السلام.... العالم و القضاء على الاستعمار و التسلط و إيقاد ... الفتنة و الحروب، نعم، جاء الإسلام و في الدنيا......  من الحرب، فرحم الحرب في سبيل المال،....حرم الحرب لاستعباد الناس و استرقاقهم، و حرب.... لمجرد  إظهار الشجاعة و الاستعلاء، و حرم...... لأن تكون أمة هي أربى من أمة أو ما يعتبر عنه اليوم بالحرب التوسعية و خلق المجال الحيوي، كما..... للدفاع حينما يهدد أمن العقيدة ، و هذه الإباحة موقوتة و ضرورية تقدر بقدرها، بمعنى أنه إذا سنحت سائحة للسلام وجب الأخذ بها و المبادرة ... إلى تطبيقها لقوله تعالى:" و إن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله".
 و قد عجزت كثير من المنظمات الدولية التي تدعو للسلام في العصر الحاضر، وفشلت لأنها تحكمت فيها الأهواء و الأغراض، في القرن العشرين ..... المنظمات الدولية لنشر السلام، و تجنبت الحرب، و قامت وبلات الحرب، ففشلت الأولى  وأصبحت أداة في يد المنتصرين في الحرب العالمية الأولى لإرغام المقهورين على الرضوخ لشروط الصلح مما دفع ألمانيا إلى الانسحاب من العصبة عام 1923، كما عجزت عن حماية الصين من اعتداء اليابان عليها و أنشأتها إمبراطورية في منشوكو، كما عجزت عام1935 عن حماية الحبشية من  إغارة الإيطاليين عليها، ثم انتهى الأمر بها إلى الزوال، و ظهرت على مسرح السياسة الأمم المتحدة عقب اجتماع مؤتمر بالتا بين  3-11 فبراير 1945،  ثم مؤتمر سان فرانسيسكو في 25 إبريل1945، وقد استقر الرأي بعدئذ على إنشاء هيئة دولية عامة للمحافظة على السلم و الأمن لأن إنشاءها ضرورة لمنع الاعتداء أو لإزالة الأسباب السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية التي تؤدي إلى الحرب، و ذلك بالتعاون الوثيق المستمر بين الشعوب المحبة للسلام كافة..
ومما جاء في ديباجة ميثاق الأمم المتحدة:" شعوب الأمم المتحدة و قد آلينا على أنفسنا الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي جلبت على الإنسانية مرتين في خلال جيل واحد أحزانا يعجز عنها الوصف و أن نؤكد من جديد إيمانا بالحقوق الإنسانية للإنسان و بكرامة الفرد و قدره و بما للرجال و النساء و الأطفال و الأمم كبيرها و صغيرها من حقوق متساوية و أن نبين الأحوال التي يمكن في ظلها تحقيق العدالة و احترام الالتزامات الناشئة عن المعاهدات و غيرها من مصادر القانون الدولي وأن ندفع للرقي الاجتماعي قدما  و أن نرفع مستوى الحياة في جو من الحرية أفسح، و في سبيل هذه الغايات اعتزمنا  أن نأخذ أنفسنا بالتسامح و أن نعيش معا في سلام و حسن جوار و أن نضم قوانا كي نحتفظ بالأمن و السلم الدولتين"
وإن من يمعن النظر في هذه الديباجية يجد أن الإسلام قد سبق إلى هذا و أنه دين السلام لا يستخدم الحرب إلا للضرورة القصوى و قد كان من أول الأعمال التي قام بها النبي بعد الهجرة إلى المدينة أو آخى بين المهاجرين و الأنصار و أقام حسن الجوار بين المسلمين و من سالمهم ووقع الرسول بنفسه مع قريش في عام الحديبية معاهدة لحقن الدماء و صيانة الحرمات وحسن العلاقات بين الجانبين وقد أمر الله تعالى بحسن معاملة المسلمين فقال:" لا ينهاكم  الله عن  الذين لم يقاتلوا إليهم، أن الله يحب المقسطين". كما نهى عن الاعتداء و التشفي بالمثيل و التعذيب فقال:" و لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" و قال تعالى:" و من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل، إنه كان منصورا".
أيها السادة الأجلاء، أن المسلمين اليوم يعيشون في حاضر ملح، يتمخض عن حادث جلل ينتظره مستقبل الإسلام، و قد تمخضت الحركة  الإسلامية في هذا القرن عن دعوة صادقة في الرجوع إلى صفاء العقيدة التي تدعو إلا العمل، و طهارة الإيمان الذي بعث على الخلاص، و قواعد الحضارة و الثقافة العربية والإسلامية التي تدعو إلى الفوز و النجاة، و الحرية و الاستقلال، و المحبة و السلام..
و إن هذه الهزات النفسية التي يمر بها العالم اليوم و التي كان من آثارها أن زعزعت الإيمان،و استخفت بالأخلاق، و استهانت بالقيم و المثل العليا ليست إلا رعشة عارضة عابرة في كيان الإنسانية، رعشة القلب المبهور بكشوف العلم، و فتوحات العقل  المأخوذ بروعتها، و المشدوه بجلالها.
لقد بات عالمنا اليوم يعيش لحظة انبهار و ذهول بما حققته الحضارة الغربية من انتصارات باهرة في ميدان السيطرة على المادة، وأومض سناه إمام الإنسان، و تراقصت أمامه أضواء النظريات في عهد مزدحم بالتيارات الفكرية، والمبادئ المتباينة، كمما زخرت دنياه  بألوان معجبة زاهية استهوت الناس، واستمالت نفوسهم، و ملكت زمام أمرهم فأذهلتهم عن معاني الروح، و صرفتهم عن لذة  المحبة و السلام فغرقوا في الطريق المادية، و غشيتهم غاشية الزيغ، فضلوا الطريق القويم، و تنكبوا المنهج القاصد، و كفروا بفاطر الأرض، و منزل الوحي، وواهب الحياة..
إن الإسلام يرى في إنسان القرن الثالث عشر الهجري إنسانا نضجت مداركه و تفتحت ملكاته، و اتسعت آفاق نظرياته في ملكوت السماوات و الأرض، وما خلق الله من شيء، و كل هذا جدير بأن يبلغ به يوما مبلغ الإيمان الوثيق، و يصل به إلى درجات الإحسان، و يملأ قلبه بالمحبة و السلام.
وإذا وجهنا النظر اليوم إلى بعض التطورات لمتلاحقة في عالم الإسلام فإننا نلاحظ يقظة دينية فكرية وسياسية، كما نلمس نزعة طيبة ترمي إلى ........ إلى الإسلام، وتهدف إلى الرجوع إلى .......، حيث الدواء الناجع في حمى الدين، ..... المطمئنة في ظلال اليقين.. ومتى انتشرت هذه اليقظة.. واستعداد المسلمين إيمانهم بالله، و ثقتهم بمبادئ رسوله، و تمسكوا بالعروة الوثقى دحروا الاستعمار و دمروا أركان الظالمين . و أحلوا مبادئ المحبة و العدالة و التساوي و الصداقة و السلام بين الشعوب...
ولقد امتاز القرن العشرين، رغم ما أصاب المسلمين فيه من محن وضغوط، و استعباد ينبه وعي المسلمين الذي استيقظوا من سباتهم و غفلاتهم، و تحقيق استقلال البلدان الإسلامية العربية والإفريقية، والأسيوية التي فكت عنها قيود عقولها، و تحررت من أسارها، بفضل زعماء الإصلاح الذين أيقظوا راقد العزم، وأرصدوا الأهب للبعث والتطوير،والتحرير والتنوير، فكان لهم الفضل الأكبر فيما ظهر في هذا القرن من إصلاح ديني، وتجديد أخلاقي، وتطور اجتماعي.. وكذلك بفضل الدعوات المتكررة التي تدعو المسلمين إلى أن يتسلحوا بالتقنية والعلوم الحديثة، و الاعتماد على النفس، و الاستقلال التام لهضم مفاهيم الحياة المتطورة  المتجددة، و امتصاص ما تقتضيه متطلباتها و مستلزماتها في نطاق الأخلاق و الدين و الضمير مما يدفع إلى حياة حرة طليقة تتضرع بأريج السعادة الراضية، و تنتشي باستقلال تام ناجز.
إن العالم الإسلامي كما هو معلوم، يزخر بطاقات بشرية راقية و يفيض بثروات مادية كبرى في أرضه وسمائه و مائه إلى جانب ثرواته الروحية العظيمة التي تتم السعادة و الرخاء إلا بها.
 و ما أجدره بهذا كله أن يستعبد عزته و كرامته، و يتبوأ مكانته في المعمور اللائقة به، و عندئذ يشهد العالم كله نهضة العالم الإسلامي التحريرية الباعثة على الإعجاب و الإجلال حيث يكون لها تأثير حاسم في تقرير مصير العالم.

    

(1) أحسن التقاسيم للمقدسي ص294 ـ وفيات الأعيان ج4 ص245.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here