islamaumaroc

الإسلام والتأميم -12-: التأميم والتعويض في ضوء الشرع الإسلامي

  دعوة الحق

161 العدد

يغيب عن البعض أن التأميم، سواء كان أجزاء عقائديا كما هو الحال في التجارب الاشتراكية، أو إجراء اقتصاديا خالصا يقصد به علاج مساوئ الرأسمالية، لا يفرق بين الحلال و الحرام، و لا يفرق بين الملكية المشروعة و غير المشروعة في نظر القانون الإسلامي.
و من هنا فإن التأميم الذي يقصد به البعض استرداد الدولة لملكيات مغتصبة أو مكتسبة بوسائل غير مشروعة، تطبيقا لقواعد الشرع الإسلامي، ليس تأميما بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة. وليس إلا افتنانا بالمصطلحات التي تعارفت عليها مجتمعات لا تدين بالإسلام، و لا تطبق شريعة الإسلام.
على أن هذا الخلاف في حقيقة الأمور لا يتعدى رفه اللافتة الإسلامية، لأن الاقتباس لا يقتصر على رفع كلمة تستهوي الناس في هذه الأيام، و لكن يتجاوز ذلك وضع خط واضح بين التأميم بمفهومه الصحيح و بين التأميم كما يفهمه بعض المنتسبين للإسلام.بل و نتج عن هذا التفاعل، وجود نظريات تختلف حول مدى التأميم، و حول وجوب التعويض أو عدم وجوبه.
وقد حاولنا في مقال سابق(1) بيان هذه الحقيقة من الوجهة القانونية البحتة، باعتبار التأميم نزعا للملكية، و انتهينا إلى أن الشرع الإسلامي له مفهوم خاص لنزع الملكية لا تعرفه القوانين الوضعية.
و سنحاول الآن من خلال مناقشة الآراء المختلفة حول استحقاق التعويض أو عدم استحقاقه، مواصلة هذه الدراسة  من وجهة قانونية اقتصادية، بهدف استخلاص مؤيدات جديدة.

أسباب الخلاف حول التعويض:
جميع الفقهاء القدامى، كانوا متفقين على اعتبار كل نزع للملكية،دون تعويض، من قبيل الغضب، استنادا إلى نصوص قاطعة من الكتاب  و السنة، كما لم تتوفر فيه شروط معينة، بمثابة البيع الباطل،و لذا، لم يكن التعويض يشكل أية مشكلة في الفقه الإسلامي، تتضارب حولها الآراء، و تتعدد النظريات، فالشرع بفصل بين النزع المشروع، و يشترط فيه إلزاما أن يكون مصحوبا بالتعويض العادل، و بين النزع غير المشروع، وهو حرام سواء كان بتعويض عادل أو بدون تعويض.
و من الناحية العلمية، يشهد التاريخ الإسلامي بأن المسلمين لم يعرفوا خرقا لهذا النهج في بلادهم الإسلامية، إلا على يد القرامطة في أول الأمر، و حين فرضت عليهم القوانين الوضعية في آخر الأمر، فالقرامطة أقاموا دولة لهم في البحرين في أواخر القرن الثالث الهجري كان من أهم ما تميزت به من الناحية الاقتصادية، الاستيلاء على ملكية
الأرض والمشاريع التجارية بدون تعويض،وقد زعموا أنهم سيحررون الموالي من سلطة العرب، فاستعبدوا الناس، و نهبوا الأموال، و أشاعوا الفاحشة، و هدموا الكعبة، و قتلوا الحجاج، متبعين تعاليم مآني و مزدك الداعية لشيوعية الأموال والنساء و هتك الحرمات، وهكذا كانت دعوتهم ردة عن الإسلام، و ثورة على شريعة الإسلام، لا يجوز اعتبارها مثالا يحتدى به(2).
و مع المد الاستعماري، فرضت الدول الاستعمارية بصفة مباشرة أو بواسطة مأجوريها، قوانينها ذات الطابع الرأسمالي في البلدان الإسلامية و حتى الحرب العلمية الثانية، باستثناء الجمهوريات الإسلامية لأسيا الوسطى التي ظلت خاضعة للاستعمار الروسي، كانت قوانين البلاد الاستعمارية، التي فرضها الاستعمار بطريقة أو أخرى، نسخة مطابقة ، أو على الأقل مشابهة للقوانين المعمول بها في البلدان الرأسمالية.
و ما ينبغي الانتباه إليه، هو أن الصراع الفكري و المذهبي الذي كان قائما في أوروبا في القرن التاسع عشر حول مبدأ نزع الملكية، و بالتالي حول وجوب التعويض أو عدم وجوبه، انتقل عمليا إلى البلدان الإسلامية منذ أوائل القرن العشرين، و خاصة بعد نجاح الثورة الشيوعية في روسيا، لكن هذه الصراع لم يصبح من ناحية أخرى، بنفس الضرارة التي استمر بها في أوروبا ، إلا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.
والواقع أن هذا الصراع، ابتداء من الحرب العالمية الثانية، اتخذ أبعادا جديدة، لأن الرأسمالية التي لم تكن تقبل نزع الملكية بالتعويض أو بدون تعويض، في أول الأمر، قبلت منذ ذلك التاريخ فكرة التأميم الجزئي لذلك طابعا يميز العديد من الدول الرأسمالية، و العديد من الدول شبه الرأسمالية إن صح التعبير.
وهكذا برزت فكرة التأميم المصحوبة بالتعويض العادل، كتجربة جديدة، إلى جانب التأميم بدون تعويض الذي سبقت إليه التجربة الاشتراكية في روسيا. و من هنا يمكن القول بأن التعويض عن التأميم فكرة حديثة نسبيا، ترتبط في تطبيقاتها بأخذ بعض الدول الرأسمالية بالتأميم الجزئي كعلاج لمساوئ الرأسمالية، أو كأجزاء اقتصادي تفرضه المصالح العليا للمجتمع.
و الحقيقة أن هذه التجربة الجديدة في الدول الٍرأسمالية، لم تؤيد إلى القضاء على المجالات الحيوية للملكية الخاصة، و لم تعرقل المبادرات الفردية، بل أدت إلى إنشاء قطاع عام يخدم الدولة و القطاع الخاص في آن واحد، بدليل أن القطاعين يعملان في اتساق وتعاون و انسجام داخل إطار النظام الرأسمالي، وتحت هيئة العقلية الرأسمالية.
لكن التأميم عن الاشتراكيين، على اختلاف درجة اشتراكيتهم، ليس إجراء اقتصاديا خالصا كما هو الحال في بعض الدول الرأسمالية، و لكن إجراء مذهبي، ووسيلة لتحقيق غاية عقائدية، هي تحقيق المساواة الاقتصادية بين الناس، و القضاء على التفاوت في الثورة بين أفراد المجتمع، و لهذا يشترط الاشتراكيون في التأميم أن يكون شموليا، حتى يلقى الفوارق بين طبقة الأقلية التي تملك، وطبقة الأغلبية التي لا تملك، ومن البديهي أن هذه المساواة المنشودة لا يمكن أن تتحقق بإعطاء تعويض عادل لمن أممت أملاكهم، لذلك لا تعطي الدول الاشتراكية أي تعويض، أو تعطي رمزيا أو صوريا.
على أنه لابد من الإشارة هنا إلى الخلاف الموجود بين الاشتراكيين حول التأميم التدريجي و التأميم الكامل، فأنصار سياسة التأميم التدريجي يرون أن يتم تأميم وسائل الإنتاج بطريقة مرحلية، مع التعويض العادل، لأن الدولة، لاسيما إذا كانت نامية، لا تكون متوفرة على الإمكانيات المؤممة. أما الاتجاه الآخر فيبرر تأميم وسائل الإنتاج كلها دفعة واحدة بالمخاطر التي تحيط بالثورة الاشتراكية في الداخل والخارج، و هكذا ما أخذت به فعلا أكثر التجارب الاشتراكية الملتزمة بالأخذ الماركسي ـ اللينين، و في مقدمتها التجربة الروسية.
وتأثير هاتين التجربتين، الرأسمالية و الاشتراكية، يلمس فيما كتبه بعض المنكرين و الباحثين و الفقهاء المسلمين المعاصرين، بل  إن  بعض آرائهم و نظرياتهم لا تعدو أن تكون انعكاسا لأحدى التجربتين، أو من تأثيراتها النظرية و التطبيقية، و يكفي دليلا على ذلك، اختلاف أنصار التأميم، بين تأييد التأميم الجزئي و التأميم الشامل، بالإضافة إلى تعدد الاشتراكيات التي ترفع اللافتة الإسلامية بحماسة متفاوتة.
 فإذا ربطنا بين هذه الحقيقة، و بين الحقيقة التي ذكرناها من قبل، و هي أن نزع الملكية بشكله المعاصر ، لا تقره الشريعة الإسلامية، و لم يعرفه التاريخ الإسلامي، سلمنا بأن الدعوة إلى التأميم كأجزاء لتمكين الرأسمالية  من الاستمرار، أو كوسيلة لتحقيق الاشتراكية، ليست من الوجهة التاريخية إلا استمرارا للنزاع الفكري الذي شهدته أوروبا في القرن التاسع عشر حول مبدأ نزع الملكية، و ليست من الوجهة  العلمية إلا مجاراة للقوانين التي فرضت  على البلدان الإسلامية، و ليست من الوجهة العقائدية إلا تأييدا للسياسات التي رسمتها حكومات البلدان الإسلامية بعيدا عن الشريعة الإسلامية.
و لهذه الأسباب، نجد أنصار التأميم في البلاد الإسلامية، كما هو الشأن في دول العالم كلها، ينقسمون بين اتجاهين فيما يخص مسألة التعويض:
الاتجاه الأول يرى أنه يجوز للدولة الإسلامية، بما لها من ولاية و سيادة أن تؤمم كل ما ترى مصلحة في تأميمه، شريطة أن يكون التأميم مصحوبا بتعويض عادل.
و الاتجاه الثاني يرى أنه يجوز للدولة الإسلامية، بحجة المساواة الاقتصادية و إعادة توزيع الثورة، أن تأخذ بالتأميم دون أن أي تعويض، لأن في إعطاء التعويض أبقاء على اللامساواة، و إبقاء على التفاوت بين أفراد المجتمع.
ولو أن أصحاب هذين الاتجاهين اقتصروا على مناصرة التأميم بالحجج التي يقدمها أنصار التأميم بنوعيه الجزئي و الشامل بشأن مشكلة التعويض، و هي بدون شك لا تمت للإسلام بصلة، لقليل بحق أن لكل مذهب حجته و أسانيده، و لكل نهج مبرراته و غاياته، و لكل شخص حريته في الاختيار بين التيارات العقائدية المتصارعة، لكنهم يرتكزون على النصوص الإسلامية، و يدعمون آراءهم  المتناقضة ببعض الوقائع الإسلامية، الأمر الذي يستوجب مراجعة هذه الحجج التي يستندون عليها، ووضعها على محك النقد و التمحيص.

الاتجاه القائل بالتعويض:
 و أول ما يلحظه المرء عند الاتجاه القائل بالتعويض، هو إخفاء الصفة الشرعية على التأميم عن طريق قياسه ببعض الوقائع الإسلامية، و عن طريق البحث عن نصوص يتوهمون أنها تجيز لهم الأخذ بآخرها تبنته التشريعات الحديثة من نظريات و آراء.
فقد ذهب الدكتور السباعي، رحمه الله إلى أنه :" إذا لجأت الدولة  إلى التأميم لضرورة اجتماعية، وجب عليها أن تعوض من  انتزعت ملكيتهم تعويضا عادلا، إذا كانت ملكيتهم لذلك المال عن طريق مشروع، و خاصة إذا كانت ما أممته ستبيعه للناس، أو ستأخذ على انتزاعهم منه نصيبا مقدرا و ذلك قياسا على الاحتكار، و عملا بالقاعدة " الضرورة تقدر بقدرها"(3)
ويتضح من تحليل هذا النص:
أولا: أن الدكتور السباعي يشترط في التأميم أن يكون لضرورة اجتماعية، و بتعويض عادل، ويسلم ضمنيا بقيام الدولة بدور التاجر، و إذا كان من السهل العثور على نصوص إسلامية تحث المسلمين على كسب الثورة من النشاط التجاري، فإنه ليس هنالك أي نص يمكن الاعتماد عليه في إسناد هذا الدور للدولة.
ثانيا: أن الدكتور السباعي يعتبر التأميم حالة مستجدة، حين يقيسها على حالة أجبار المحتكر على البيع، والحقيقة أن حلول الدولة محل الأفراد بالإكراه   في تملك المشاريع الاقتصادية سواء كانت تجارية أو صناعية أو زراعية، هي من مستحدثات العصر، إلا إذا كان هنالك من يعتبر عمليات النهب التي قام بها القرامطة و أمثالهم من قبيل التأميم
و الواقع أن اشتراط الدكتور السباعي للتعويض العادل، يجعل من التأميم الذي ينادي به بيعا إجباريا، و لولا إلحاحه على مصطلح التأميم، لكان لنظريته و جهاته الفقهية، باعتبارها تدعو إلى تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية للمسلمين عن طريق البيع الإجباري، و مع ذلك فإن هذه النظرية بدعة سبقت إليها الرأسمالية الحديثة، و ليس لها أي سند غير القياس الفاسد.
 فإجبار المحتكر على البيع، لا يخول في حد ذاته، إكراه جميع المالكين، أو فئة  معينة منهم، على بيع أملاكهم للدولة، و لو بمقابل تعويض عادل فهو إجراء استثنائي دو طابع شخصي، يتخذ ضد التاجر الذي يمتنع عن بيع أشياء ضرورية بقصد تحقيق الأرباح الاحتكارية، مما يعني من ناحية أخرى ، أن التاجر الممثل لأوامر الشرع، الذي لا يحتكر لا يكون عرضة لأي إكراه، ولا تكون هنالك ضرورة تبيع للدولة أن تحل محله في عملية البيع و الشراء.
و على هذا الأساس، يكون قياس التأميم على أجبار المحتكر على البيع، قياسا فاسدا من عدة وجوه،  أولها أن الإكراه المذكور يتم شرعا  بالنسبة للتاجر المحتكر، و لا يتم بالنسبة للتاجر  غير المحتكر، رغم أنعهما يمارسان نفس التجارة، و بنفس رأس المال، لكن التأميم لا تراعى فيه هذه اللامساواة، و لا ينظر فيه إلى امتثال التاجر، أو المالك بصفة عامة، للشريعة و تطبيق أحكامها أو عدم امتثاله و تطبيقه لها، و لكن يقرر وينفذ بالنظرية إلى الغاية المتوخاة مكنه، و هي أن تحل الدولة محل الأفراد.
و ثانيهما أن إكراه المحتكر على البيع يتطلب شرطا معينا، هو الاحتكار ، لكن التأميم لا يتطلب مثل هذا الشرط، فلا ينظر عند تقريره إلى توافر الصفة الاحتكارية أو عدم توافرها، و إنما ينظر إلى شرط موضوعي، وهو وجود ثروة ينبغي نقلها إلى الدولة، علاجا للاحتكار، أو علاجا لغيره من الأمراض الرأسمالية.
وثالثهما أن الشرع الإسلامي حين أقر إكراه المحتكر على البيع، إنما أقر في الواقع، حقبة الإنسان في أن يكتسب الثورة، مهما كبر حجمها. شريطة أن يحترم أحكام الشرع الإسلامي، و يلتزم بها، فتملك شخص لمشروع صغير أو كبير، لا يؤثر على هذه الحقيقة، بدليل أن الشرع الإسلامي لا يعلق الإكراه على حجم التجارة، أو على امتدادها في الداخل أو الخارج، و لكن بعلقه على الاحتكار، و بعكس ذلك، فالتأميم إجراء يضع حدا للمشاريع تركزها جزئيا أو كليا، و يهدف إلى القضاء على أصله رد فعل على التفاوت الرأسمالي الذي يقوم بالدرجة الأولى على الاحتكار.
 و هنا نصل إلى الحقيقة التي تطمس معالمها رواسب الفكر المعاصر، و هي أن الإسلام لا يعالج الاحتكار ينقل الثورة إلى الدولة، لأن هذه العملية ليست سوى تغيير في شخص المحتكر، تنقل حق الاحتكار من الرأسمالي الفرد إلى الجهاز القسري في الدولة، و لكن بإبقاء الثورة لصاحبها مع إجباره على التقيد بأحكام الشرع أن لم يتقيد بها بمحض إرادته.ومن البديهي أن هذا  الدواء الإسلامي يتطلب قبل كل شيء إقامة مجتمع يتحكم إلى الشريعة الإسلامية.و الأولى بفقهاء المسلمين في هذه العصر أن يدعوا إلى إقامة هذا المجتمع، عوض البحث عن أسس إسلامية لمصطلحات و النظريات التي فتنوا بها.
وعلى ضوء هذا التحليل، ننتهي إلى أن التعويض العادل، لا يبرر في حد ذاته تأميم المشاريع الاقتصادية، ما دامت الدولة الإسلامية يحق لها ، بموجب الشرع الإسلامي، أن تلزم المالكين باحترام قواعد الشرع الإسلامي، لتنتفي بذلك جميع الشرور و الأمراض الرأسمالية التي يراد علاجها بواسطة التأميم، و يقوم نظام للتوزيع لا يضاهيه أي نظام آخر في العدالة و التكافل...
والملاحظ أن بعض أساتذة القانون الوضعي أنفسهم، تأثروا برأي الدكتور السباعي، فقال أحدهم، و هو الدكتور عبد الحميد متولي:" كما يشترط في حالة التأميم أو نزع الملكية أن يعوض من نزعت ملكيتهم أو جرى تأميمها، تعويضا عادلا فالتعويض العادل هو ما تقضي به مبادئ العدالة و المساواة في التكاليف العامة بين الأفراد. و لذلك ما فعله عمر من أجل العمل على توسعه المسجد الحرام، إذ سلم أصحابها قيمتها، و مما تجدر ملاحظته أن مبدأ عدم تعويض أصحاب الأملاك الذين أممت   ممتلكاتهم، أو تعويضهم مجرد تعويض رمزي أو صوري، إنما تأخذ به بعض الديمقراطيات الشعبية، أي بعض البلاد الشيوعية"(4)
واشتراط الدكتور متولي، بدوره، للتعويض العادلّ، امتثالا لأوامر الشرع الإسلامي الذي يحرم الغضب، يجعل من نقل الملكية من الفرد إلى الدولة بهذا الأسلوب، عملية بيع إجباري، لا تختلف في جوهرها عن التأميم بالطريقة الرأسمالية، لكن البيع الإجباري في الشرع الإسلامي كما قلنا سابقا، حالة استثنائية لا يجوز تعميمها، لأن التعميم يسقط عنها صفة الاستثنائية، و لأنها قبل كل شيء لا تستهدف حجم الثورة أو الشخص المالك للعثور للمشروع الاقتصادي لكونه مالكا.
و انطلاقا من هذه الحقيقة، يكون الاحتجاج بتوسعه المسجد الحرام، احتجاج باستثناء لا يسقط القاعدة العامة، كما أنه في نفس الوقت، احتجاج في غير محله، لأن  ذلك النزع اقتضته مصلحة عامة غير اقتصادية، و من ثمة لا يجوز بأي حال الارتكاز عليه للقول بجواز نزع المشاريع الاقتصادية من أربابها، و لو بتعويض عادل، لاسيما إذا كانت هذه المشاريع قد آلت إليهم بوسائل يبحثها الشرع الإسلامي.
والوقع أن الدكتور متولي ليس وحده الذي وقع في شباك التعويض العادل، معتبرا إياه القاسم المشترك بين التأميم و حادثة توسيع المسجد الحرام في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فهنالك كثيرون يتبعون هذا الظن، و ينساقون تبعا لذلك إلى إغفال مطبق، و أن  المجتمع الإسلامي غير موجود، و أن الحلول العاجلة للمسلمين ليست في اقتباس الحلول العصرية للمشكلة الاقتصادية، و لكن في استئناف الحياة الإسلامية، حتى ينتفي التفاوت الرأسمالي، و حتى تختفي الأمراض الرأسمالية و حتى يقوم نظام التوزيع الإسلامي كنتيجة لتطبيق الشريعة الإسلامية.
و بتعبير آخر، أن واجب الفقهاء و المفكرين المسلمين، ليس هو البحث عن تبريرات خاطئة لما تأخذ به التجارب المعاصرة، و تحميل النصوص الإسلامية ما لا تحمله، و لكنه الدعوة إلى إقامة مجتمع إسلامي تطبق فيه شريعة الإسلام وحدها، و إن ظهر بعد هذا التطبيق أن التوزيع لا يزال رأسماليا، حينذاك فقط يجوز لهؤلاء المجتهدين قبل الأوان، أن يقتبسوا ما طاب لهم، و يتبعوا ما تهواه أنفسهم.
والثانية: إن التأميم إذا كان مصحوبا بتعويض عادل، يعطي للمنزوع ملكيتهم فرصة استثمار هذا التعويض في نشاط اقتصادي آخر، و هذا بالطبع لا يحدث أي توزيع جديد للثورة، لأنه ينقلها إلى الدولة ف ميدان، و يعوضها للأفراد في ميدان آخر. و إلى جانب ذلك فالتأميم مع إعطاء التعويض المناسب، لا تعرفه سوى بعض الدول الرأسمالية التي لجأت إلى أسلوب التأميم الجزئي مع الاحتفاظ بحياتها الرأسمالية، و لذا فإن  يدعو إلى التأميم المصحوب بالتعويض العادل، مع إبقاء الأوضاع الراهنة في البلاد الإسلامية، على ما هي عليه، ليس إلا عادية لذلك الأسلوب الرأسمالي المبتدع ، أحب أم كره.
                                             -  *  -
الاتجاه القائل بعدم التعويض:
و إن كان الاتجاه السابق يشترط التعويض العادل  عن التأميم، قياسا على البيع الإجباري الذي أباحه الشرع الإسلامي في بعض الحالات، فإن هنالك اتجاه آخر يقول بعدم التعويض، و يعطي لولي الأمر حق النزع دون قيد أو شرط حتى يقضي على التفاوت بين الناس، و هذا هو التأميم بالمعنى الصحيح، أو بالمعنى  الاشتراكي، و غصب بالمعنى الإسلامي.
والواقع أني لم أجد بين الفقهاء المسلمين من يؤيد صراحة فكرة عدم التعويض، انطلاقا من النصوص والوقائع الإسلامية، غير الشيخ الخفيف. فقد ذهب هذا الفقيه الكبير في دراسة قدمها إلى مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة سنة 1964، إلى أنه ما زاد على الحد الذي رسمه دون تعويض " فلا سبيل إلى ترك هذه الزيادة لأصحابها لأن تحديد الملكية الثورة في أيدي فئة قليلة... و في ترك هذه الزيادة في أيدي أصحابها إبقاء على ثورتهم و فيه إهمال و ترك لهذا الواجب "(5)

ويضيف الشيخ الخفيف في هذه الدراسة، التي جاءت بعد صدور قوانين يوليوز 1961 الاشتراكية في مصر، بأن " أخذ الزيادة بالدبل إبقاء على مقدار ثروة صاحبها، و ليس يعد هذا اعتداء على ملك محترم، لأنه لا ملك بعد الحد منها، ووجوب نفاذ ذلك مثل المال الذي يؤخذ في تجهيز الجيوش و أعداد العدة للدفاع عن البلاد ضد المعتدين عليها، و الأخذ في الحالتين سواء فهو تقضي به الضرورة في كل منهما".
و لا يزيد الآن مناقشة رأي الشيخ الخفيف حول تحديد الملكية، فهذا موضوع يخرج عن نطاق هذا البحث، و لذا سنكتفي بمناقشة رأيه حول حق ولي الأمر في تأميم كل ما زاد على الحد الذي يرسمه دون أي تعويض.
فالشيخ الخفيف بعد أن يؤكد في البداية على أنه لا يجوز لولي الأمر " أن يتعدى على ملك فرد من الأفراد، فليس له أن يجعله في منفعة عامة مملوكا لجماعة المسلمين إلا إذا تطلبت مصلحة المسلمين ذلك، فيأخذه الإمام عن رضا أو قهر ببدله دون غبن على صاحبه، و ذلك لأن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة"، يضيف: " وليس يجوز أن يأخذ ملك إنسان بلا عوض لمصلحة عامة"، ليعود بعد ذلك إلى القول بأن:" الشريعة كانت بقدر الحاجة إليها" و يلاحظ " أن الثروة العامة للمسلمين يومئذ كانت ضيقة الحدود ضئيلة المقدار"، و إلى أن " توزيع الثورة كان متعادلا"، كانت متسقة بعد رحلته  المتناقضة إلى أن إباحة التملك " كانت متسقة مع النظام المتفشي  في المجتمعات يوم ظهور الإسلام"، و إنه ليس هنالك ما يمنع من تحديد الملكية، و أخذ ما زاد على الحد المرسوم دون تعويض.
و هكذا يكون الخطأ الأصيل في نظرية الشيخ الخفيف، متمثلا في علاج الداء الرأسمالي، الذي تعاني البشرية من أعراضه، بدواء غير إسلامي. و بتعبير أدق، يكون الشيخ الخفيف بذلك، قد دعا إلى الأخذ بأسلوب ذي نزعة اشتراكية في معالجة التفاوت الرأسمالي، عوض الدعوة إلى تفاوت على الطريقة الإسلامية، و ذلك بالتطبيق الجدي للشريعة الإسلامية.
و النتيجة الأولى لهذا الخطأ، هو الاتفاق مع الاشتراكيين الماركسيين حول مسألة التعويض، فهم يرون بدورهم، في إعطاء التعويض ، إبقاء على اللامساواة بين أفراد المجتمع، و إبقاء على الثورة في أيدي فئة قليلة، بل أن موقف الشيخ الخفيف جعله أكثر تطرفا، و أكثر اشتراكية، مكن قوانين يوليوز 1961 الاشتراكية في بلاده، لأن مشرعي هذه القوانين، قرروا إعطاء تعويضات لمن نزعت أملاكهم، تدفع لهم على شكل سندات اسمية على الدولة نسحب بعد فترة طويلة من الزمن.
 و النتيجة الثانية، الأكثر خطورة، هي أنه لا مانع من إقامة نظام جديد غير ذلك النظام الذي عرفه المجتمع الإسلامي الأول، و هو نظام يقول عنه الشيخ الخفيف أنه كان موجودا في وقت كان فيه " توزيع الثروة بين المسلمين لضآلتها قريبا لأن يكون متعادلا" ، و في وقت كانت فيه إباحة التملك دون حدود، هي النظام الذي تأخذ به سائر المجتمعات أما اليوم حيث تجمعت الثورة في أيدي  فئة قليلة، و أدى ذلك إلى الفتن و الاضطرابات، فإن الضرورة تستدعي تحديد الملكية، و تستدعي عدم إعطاء أي تعويض عما يتم نزعه، حتى يتم القضاء على التفاوت و الفروق بين أفراد المجتمع، و هذا ما يضمنه النظام الاشتراكي، الذي يتفشى الآن في المجتمعات المعاصرة، ويستهوي الجهلاء و المثقفين و الفقهاء على السواء، و يعوض النظام الرأسمالي الذي كان متفشيا إلى أمد قريب.
وهذا يعني من ناحية أخرى، أن النظام الاقتصادي لمسلمين يتغير بتغير " النظام المتفشي في المجتمعات". فيتلون بالصفات الإقطاعية في عصر الإقطاع، و بالصفات الرأسمالية في العصر الذهبي للرأسمالية وبالصفات الاشتراكية في العصر الحديث حيث طغت الفكرة الاشتراكية على ما سواها(6).
و مثل هذا التعبير بالإضافة إلى أنه يؤكد نظرية الماركسيين القائلة بأن الملكية الاشتراكية هي آخر مرحلة تاريخية للملكية، و يقتضي تغيير التشريع المعمول به من مرحلة" الملكية ذات الطابع الشخصي البسيط" إلى المرحلة الإقطاعية، إلى المحلة الرأسمالية لصبح في النهاية اشتراكيا أو ذو نزعة اشتراكية، و مثل هذا التغيير المرحلي لم تشهده البلاد الإسلامية، أو على الأقل أغلبها، و يحصر دون شك إمكانية تطبيق التشريع الإسلامي في مرحلة " الملكية ذات الطابع الشخصي البسيط"
و يبدو أن الشيخ الخفيف لم ينظر إلى النتائج التي تترتب على الأخذ بنظريته، و لو فعل ذلك لما قال بتحديد الملكية تجاوب مع تطورات العصر، و لما قال بعدم التعويض، فمصلحة المسلمين هي في تطبيق شرع اله، كما أنزله الله، و كما بلغه عنه رسول الله، و إذا بدأ للبشر ذات يوم، أو للفقهاء و المفكرين، أن مصلحتهم في مخالفة ما شرع الله لهم، فهم واهمون فيما بدأ لهم، و لا يتبعون إلا الظن، و ما تهواه أنفسهم.


(1) التأميم و نزع في الشرع الإسلامي، دعوة الحق، العدد  السادس، ربيع الثاني 1394 ماي 1974.
(2)  المفكر  الفرنسي روجيه جارودي، أحد أقطاب الحزب الشيوعي الفرنسي سابقا، قدم القرامطة لمستمعين في محاضرة له ألقاها  بالقاهرة في رمضان 1389، كإحدى التجارب الناجحة لما أسماه " التقاليد السامية التي تملكها الثقافة الإسلامية و التي تستطيع أن تلعب دورا في الاشتراكية العلمية بها"، فتلك الحركة المناوبة للإسلام، في نظره، مثال الاشتراكية الطوباوية و لا عجب في هذه النصيحة، فشيوعية القرامطة لم تستطع تحقيقها أكثر التجارب الماركسية تطرفا.
(3) اشتراكية الإسلام ص164.
(4) مبادئ نظام الحكم في الإسلام ص 773.
(5) مجلة الأزهر عدد جمادى الآخرة 1384 نونبر1964 ص 473 و474.(5)
(6) هذه الفكرة كانت أساس مقال  نشر لهذه المجلة في عدد 1394 غشت 1974 تحت عنوان" قضية الملكية موقف الإسلام منها قديما و حديثا" للأستاذ أحمد ولد سيدي، و الملاحظ أن هذا الكاتب المحترم اعتمد تحليلا مماثلا للتحليل الماركسي في معالجة قضية الملكية، و هي أيضا الفكرة التي يدافع عنها بحرارة غريبة بعض المفكرين الماركسيين، و في مقدمتهم مكسبهم رودنسون في كتابه الإسلام و الرأسمالية. و الواقع أم مثل هذه الأفكار لا تخدم الإسلام بقدر ما تخدم الماركسية، و لا تعدوا أن تكون دعابة مجانية أو مأجورة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here