islamaumaroc

الإمام البخاري والاقتصاد الإسلامي مذهبا ونظاما

  دعوة الحق

161 العدد

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد النبي المصطفى الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الأوفياء الصادقين، اللذين جاهدوا في الله حق جهاده، حربا وسلما، عملا وعلما، أدبا وفهما، فكانوا في الدنيا من الفائزين، وفي الآخرة من الناجين الراضين والمرضيين، وعلى كل من نهج نهجهم، في حفظ الدين والحفاظ على الوحدة والعزة للمسلمين، من الأئمة المجتهدين، والعلماء المخلصين، والعاملين المجددين.
أما بعد:
فلم تكن السنة في عصر الصحابة، وكبار التابعين مدونة في الجوامع، ولا مرتبة في الأسانيد، لأمور ثلاثة:
أولها: لأنهم كانو في بداية الأمر قد نهوا عن ذلك، خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن الكريم.
ثانيا: لسعة حفظهم، وسيلان أذهانهم، وحضور ذاكرتهم.
ثالثا: لأن أكثرهم كانوا لا يعرفون القراءة والكتابة.
ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار، وتبويب الأخبار، بعد أن انتشر العلماء في مختلف الأقطار والأمصار، واحتاج الأمر للرد على موجات الابتداع من الخوارج وغيرهم من منكري الأقدار.
فلما رأى البخاري (رضي الله عنه) التصانيف التي صنفت قبله في هذا المجال، وجدها بحسب الوضع- جامعة بين ما يدخل تحت الصحيح وغيره، بل وجد أن الكثير منها يشمله التضعيف.
ومن تم تحركت همته لجمع الحديث الصحيح، الذي لا يرتاب فيه. وقوى عزمه في ذلك ما سمعه من أستاذ إسحاق بن راهوبه عندما قال: " لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله (صلعم)...قال البخاري (رضي الله عنه) فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع الجامع الصحيح.
ويقول البخاري، أيضا، في أسباب انطلاقه لتصنيف جامعه الصحيح: رأيت النبي (صلعم) وكأنني بين يديه، وبيدي مروحة بها عنه، فسألت بعض المعبرين، فقال لي: أنت تذب الكذب عن رسول الله (صلعم) فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح.
وليس المقام التعريف بالبخاري أو بالجامع الصحيح، بصفة عامة، فبكل ذلك تفيض كتب السنة والرجال، وإنما المجال متعلق ببعض جوانبهما فقط على نحو ما تضمنته قائمة الموضوعات المطروحة للكلام في هذا الاحتفال العظيم، وهي ستة موضوعات، ثلاثة منها خاصة بالإمام البخاري، وثلاثة خاصة بالجامع الصحيح، وذلك كالآتي على نحو ما اطلعت عليه:
الجامع الصحيح للإمام البخاري منبع لا ينفد للفكر الإسلامي، والمرشد الحيوي للمسلمين في كل زمان، ومرجع لطلاب العلوم.
الإمام البخاري وطريقه في دراسة الأحاديث ودراسة التاريخ لإبداعية، وتنسيق الأفكار الإسلامية في العصر الحديث.
الإمام البخاري مهمة علماء الدين الإسلامي أمام شعبه، والإنسانية، والمبادئ الحديثة حول الاجتهاد في سبيل الحصول على العلوم المثل العليا، وحول وحدة المسلمين في الكفاح من أجل السلام والتقدم الاجتماعي.
الإمام البخاري ومشاكل التقدم الاجتماعي على ضوء تعاليم القرآن الكريم والأحاديث النبوية.
الجامع الصحيح وحصول المسلمين على العلوم والتقدم التكنيكي العلمي العصري.
الجامع الصحيح والمبادئ الإنسانية والكفاح من أجل العدالة والتساوي والصداقة بين الشعوب، وضد أي مظهر من مظاهر الاضطهاد والعدوان.
وإذا دعيت إلى المشاركة في هذا الحفل المبارك بمناسبة مرور ألف ومائتي عام على مولد ألإمام محمد ابن إسماعيل البخاري صاحب الجامع الصحيح من أحاديث رسول الله (صلعم)، فقد رأيتني مدفوعا إلى أن أدلو بدلوي إسهاما مني في إيضاح جوانب موضوع من تلك الموضوعات الستة، فاستعرضتها جميعا لا تخير من بينها ما أرى لدي قدرة على تناوله، فوجدت كلا منها يقترن بقضية اجتماعية وفكرية لا غنى عنها للأمة الإسلامية على طول التاريخ وتطور الأحداث وتجدد الأوضاع عبر الأزمنة المتوالية كلها.
ولا أكتم الحقيقة حينما أذكر أنني تساءلت عند النظرة العابرة الأولى على عناوين هذه الموضوعات فقلت ما للبخاري، وجامعه الصحيح، ولهذه القضايا التي لم تطرأ في عالم الواقع والفكر إلا بعد وفاة البخاري وتأليفه لجامعه الصحيح بقرون وقرون؟
غير أن ذاكرتي لم تلبث  - فور ذلك – أن أمدتني بالإجابة عن هذا التساؤل، وذلك من خلال تجربة لي مع البخاري وكتابه الجامع الصحيح، أثناء اعدادي لرسالتي عن : (الاقتصاد الإسلامي مذهبا ونظاما – دراسة مقارنة) التي حصلت بها على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة الأزهرالشريف بمصر، وتلك هي أنني – وأنا بصدد الكلام في تلك الرسالة عن عوائد الإنتاج التي يقرها الإسلام – تعرضت للكلام عن: "الأجر" عائدا للعمل من وجهة نظر الإسلام، حيث سطرت للكلام عن مجالات العمل: زراعة، وصناعة، وتجارة.
وفي كلامي عن " العمل" في مجال الزراعة ذكرت أن النبي (صلعم) لم يقتصر على مجرد بيان إباحة الزراعة، وإنما أمر بها في مثل قوله (صلعم):  " من كانت له أرض فليزرعها " (1) . بل وأغرى بها وشجع عليها، فقال: "ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير أو إنسان أوبهيمة، إلا كان له بها صدقــــــة" (2)، بيد اني وجدت – في نفس الوقت- أن النبي (صلعم)، حينما رأى "السكة" (3) ببعض دور الأنصار، قال: " ما دخلت هذه دار قوم إلا دخله الـــــذل" (4) وناهيك بهذا تنفيرا من الاشتغال بالزراعة.

وحينئذ الفيت نفسي أمام تعارض في النصوص النبوية – وكل منها صحيح – إذ بينما بعضها يأمر بالزراعة ويغري بها، إذا ببعض آخر يندد بىلة الزراعة بما ينفر منها.
 ولا أكتم الحقيقة، أيضا، إذا قلت أن وقفتي طالت كثيرا أمام هذا التعارض الى أن تقدم  الى الامام البخاري – في بصيرة العلماء التي تخترق حجب الغيب، وتجتاز أعناق القرون، عبر المستقبل البعيد مدركة ضرورة "كفاية" الأمة ، ذاتيا، في مجالات الاقتصاد الأساسية الثلاث، وهي الزراعة والصناعة والتجارة بما لا يحوجها إلى أعدائها في أي منها، فتكشف في عبارة أو عبارات قصيرة عن المنهج السوي في هذه المجالات حتى تبقى للأمة قوتها وتدوم لها عزتها.
اقول تقدم إلى الإمام البخاري- وأنا في حيرتي تلك – بما أخرجني من مأزقي، حينما وضع النقط على الحروف بعنونته للباب الذي ذكر حديث "السكة" المذكورة، ضمن أحاديثه بقوله: ( باب ما حذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع، وتجاوز الحد الذي أمر به)، فما يؤكد أنه استنبط من جملة أحاديث الأمر بالزراعة والتنديد بآلتها ما يأتي:
1) ان الأمر – في مجال الزراعة - ليس على إطلاقه، وإنما هو مقيد بعدم تجاوز الحد بما يجني على الصناعة والتجارة، إلا ووجه  للتحذير من الاشتغال بشيء صدر بخصوصه نفسه أمر وإغراء من ذات المحذر، إلا أن يكون المراد من التحذير هو عدم الاقتصار على المأمورية وحده، دون غيره من بقية الأنشطة الاقتصادية الأخرى ، التي تحتاجها الأمة الإسلامية، تحقيقا لاكتفائها واستقلالها الذاتي اقتصاديا، أو على الأقل عدم الزيادة في ممارسة الزراعة على نحو يجوز على زميلتها في القوائم الأساسية للاقتصاد، وهما الصناعة والتجارة بالقدر الواجب.
2) ان الأمر في بقية المجالات الاقتصادية – صناعة وتجارة -  يجب أن يكون كالزراعة تماما، ملتزما بما يحقق التوازن السليم بينها جميعا، فلا يجني الاشتغال بأحدهما على ما يجب أن يكون عليه بالنسبة للاشتغال بالآخر، بحيث تتحقق – بصفة دائمة ومنتظمة – "كفاية" حاجة الأمة الإسلامية من كل منها. ومن ثم لا يكون هناك مجال لتحكم أعدائها فيها – سلما أو حربا بسبب القصور أو تجاوز الحد في أي منها.
3) إن الأمر، بالنسبة لجميع المجالات الاقتصادية يعطي لولي الأمر اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث " السكة "، المشار إليه، حق التدخل بالتوجيه.. حظرا أو إباحة، ونقصا وزيادة، وتطويرا وتغيرا – إذا اختل التوازن السليم بينها – بما يحقق التوازن المطلوب فيها لصالح الأمة الإسلامية.
4) إن الأمر فيما يتعلق بتطبيق أحاديث الأمر بالزراعة والإغراء بها إنما يكون فقط عندما يكون التوازن السليم متحققا بين مجالات الاقتصاد الثلاثة، أما إذا كان مختلا، فيكون مجال التطبيق لحديث " السكة " المنفر من الاستكثار من الزراعة والإقبال عليها.
5) إن الأمر فيما يتعلق برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قد كشف عن معجزة ومعلم من معالم صدق تبوته صلى الله عليه وسلم، إذ أنه بحديث  " السكة " المذكورة – قد اخترق حجب المستقبل، وتخطى أحقاب الزمان المقبل، فرأى أن جميع الدول المتخلفة المستذلة، هي تلك التي اعتمدت على الزراعة وحدها، كنشاط أساسي لإقتصادياتها، واستكثرت منها، غير ملقية بالا إلى الصناعة والتجارة بالقدر الذي تحتاجه فعلا لكفايتها الذاتية اقتصاديا، أو على الأقل بالمقدار الذي لا يدع مجالا لتحكم الغير فيها، فهذا هو ما أكدته الأحداث فيما بعد، حينما اقتصر معظم جهد الأمة الإسلامية على الزراعة وحدها، مما كان سببا في تعطيل المجتمع الإسلامي، وتبديد طاقاته في مجال يقصر – بطبيعته -  عن أن يحقق " الكفاية " لجميع احتياجاته،  وأدى – تبعا لذلك -  إلى ما يعانيه حاليا، من التخلف في جميع المجالات، حتى المجال الزراعي نفسه.
وفي ضوء هذا الفهم الدقيق الملهم من الإمام البخاري (رضي الله عنه) لأحاديث الإغراء بالزراعة والتنفير منها، لو أننا تتبعنا حالة المجتمع الإسلامي الآن لوجدنا أن حاجته قد أصبحت تتمثل – أكثر وأكثر- في ضرورة توفير أكبر قدر من جهد الأمة الإسلامية، وأموالها، وتوجيهها إلى مجالي الصناعة والتجارة، حتي تتحقق لمجتمعها فرصة التغلب على عوامل تخلفه الحالية، والتمكن من اللحاق بركب الحضارة العالمية، وممارسة مستوى التقدم العالمي العام على الأقل، مما يستلزم الإقلال من الحوافز والعوامل التي كانت تغري الناس بالإقبال على استثمار أموالهم عن طريق تملك الأرض الزراعية فقط، واستغلالها، والإكثار من الحواجز التي تدفعهم  إلى استثمار طاقاتهم وجهودهم وأموالهم في مجالي الصناعة والتجارة، بما يحقق للأمة الإسلامية " كفايتها" في المجالات الثلاثة، وما يترتب على هذه الكفاية من قوة الأمة وعزتها ورفعتها، فلا تستغل حاجيتها في أي مجال منها لما يضر بوحدتها واستقلالها، أو عزتها وكرامتها.
ولعل من المفيد أن أشير هنا إلى أن  المجتمع المصري كان يحتوي فيما قبل سنة 1952 على طاقات جبارة، وأموال كثيرة، وجهود بشرية ضخمة، ولكنها كانت كلها، أو على الأقل معظمها – مركز في شراء الأرض وتأجيرها وبيعها، دون الالتفات إلى أهمية التجارة والصناعة، مما أدى إلى جعل المجتمع المصري متخلفا، كل جهده أن يكون مزرعة .
*****************
صورا صارخة لتحلل الاقتصاد في أمتنا الإسلامية.
ومن ثم  فلكي تتجه جهود المسلمين، وطاقاتهم، وثرواتهم، إلى ميادين الإنتاج جميعا، لا بد لنا من العودة إلى وصايا وأحاديث رسولنا عليه وآله الصلاة و السلام لتصبح الأرض لمن يزرعها فعلا، على أن تدفع التعويضات العادلة لملاكها غير العاملين في الزراعة، ليتمكنوا من توجيهها، بمعاونة الدولة، وبإرشادها لميادين إنتاجية أخرى. نحن في أشد الحاجة إليها، صناعة وتجارة، باعتبار ذلك ضرورة لتحقيق نهضتنا الشاملة، وسعادتنا الكاملة.
ولا أدل على صحة وجهة النظر هذه ، في هذا المجال، من أنه ما كادت تصدر في مصر قوانين الإصلاح الزراعي سنة 1952 وما بعدها – بما نصت عليه من تحديد الملكية الزراعية- حتى اتجه الناس نحو توظيف أموالهم في مجالات الاستثمار والإنتاج غير الزراعة، تصنيعا وتقدما تكنولوجيا، وتصريفا تجاريا، وما كان يمكن لهذه الأموال – وهي تقدر بالملايين الكبيرة – أن تجتدب إلى هذه المجالات لو أن الأمر استمر في مصر – بالنسبة لحرية استثمار أموال في الأرض الزراعية واستغلالها – على ما كان عليه قبل قوانين الإصلاح الزراعي.
والمبادئ الاقتصادية الإسلامية تمدنا في هذا المجال بأغرز مدد، فالاقتصاد الإسلامي يقر ببدء التخطيط والتوجيه، إنطلاقا من:
1- أن ملكية المال في الإسلام، وظيفة اجتماعية، وليست لمصلحة صاحبها وحده، ومن ثم فعلى مالك المال أن يستثمره في سد حاجاته وحاجات من حوله بما لا يتعارض مع مصلحة الجماعة. وعن طريق استثمار المال في المجتمع الإسلامي وتنمية الإنتاج فيه تدور عجلة الاقتصاد بما يعود بالخير على الأفراد، الذين تتاح لهم فرص العمل من جهة، ويتسير لهم ولباقي أفراد المجتمع الحصول على حاجاتهم من جهة ثالثة
2- ********* (5) صاحبه عن الاستثمار، اخذا من قول الله تعالى:" كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم (6) " وقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم  في تعطل الأرض المحجرة عن الاستثمار: " من أحيا أرضا فهي له، وليس لمحتجر  حق بعد ثلاث سنين".
3- ان رفع مستوى المعيشة وتعميم  الغنى بين أفراد الأمة هدف إسلامي أصيل، ولن يتأتى هذا إلا عن طريق تنظيم استثمار المال، وعدم تعطيله عن أداء وظيفته في تحقيق الخير للجميع. ومن ثم حارب الإسلام الاحتفاظ بالمال دون استثماره، وتوعد معطله بأشد أنواع الوعيد في الآخرة بقول الله تعالى: " والذين يكتنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم. هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقو ما كنتم تكتنزون  "(7) .
4- وبهذا يضمن الإسلام استمرارا استثمار  جميع الموارد الطبيعية والمالية في المجتمع. ومن ثم يكون على صاحب المال أن يستثمر ماله، وأن يعمل على تنميته وتشغيله، متبعا أرشد السبل في وجوه التنمية ومستخدما الأساليب العلمية الملائمة، مستفيدا من التقدم التكنولوجي، مطورا أساليب العمل، ومجددا في ميادينه، بما يساعد على تطور مجتمعه وازدهاره، حتى يؤتي المال والعمل خير الثمار بما يعود بالنفع على الفرد وعلى المجتمع، والا يكون من حق الحاكم – أي الدولة – أن يتدخل ليوجه المال لخدمة المجتمع وخيره، بحيث لا يتركز في فرع واحد من فروع النشاط الاقتصادي، كالزراعة فقط، أو صناعة فقط، أو التجارة فقط، أو اثنتين من هذه الثلاثة فقط، أو في جانب واحد من جوانب أي من هذه الفروع كصناعة الكماليات، والتركيز عليها، مع الحاجة لصناعة بعض الضروريات بما يكفي الحاجة الفعلية منها للمجتمع، فيوجه الاستثمارات إلى كل الميادين المختلفة التي يحتاجه إليها المجتمع، وبالنسبة التي تحتاجها هذه الميادين، سعيا وراء تحقيق التوازن السليم بين أوجه ومجالات النشاط الاقتصادي  وفقا لخطة شاملة قائمة على دراسة مصادر الإنتاج، وتقدير الاحتياجات بالنسبة لكل منها، زراعة وصناعة وتجارة، وهي مصادر الإنتاج التي تتوقف حاجة المجتمع المادية على ثلاثتها معا، ذلك أن المجتمع كما يحتاج إلى الزراعة للحصول على المواد الغذائية، فكذلك يحتاج إلى الصناعات المختلفة في شؤونه المتعددة من ملابس ومساكن ومرافق متنوعة، وبالأخص فيما يتعلق بحفظ كيان الدولة والدفاع عنها ولا سبيل إلى ذلك كله إلا بالصناعات، كما يحتاج في - نفس الوقت – إلى تبادل المواد الغذائية والمصنوعات من الأقاليم والبلاد الأخرى، مما يؤكد ضرورة الاحتفاظ بالصناعة والزراعة والتجارة على مستوى يحقق الاكتفاء الذاتي للمجتمع الإسلامي لكل منها، وخاصة أن ذلك يتفق مع المبدأ الإسلامي  الذي يوجبه الإسلام على أهله، وهو مبدأ: استقلال الجماعة الإسلامية ذاتيا، بالنسبة لتوفير كل ما تحتاج إليه من الضروريات والحاجيات لجميع أبنائها، لتظل محتفظة بكيانها وعزتها، ونظمها وتقاليدها، وخيرات بلادها. ومن ثم فإذا كان من قضايا العقل  والدين أن " ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب " وكانت " كفاية" الجماعة الإسلامية و "أمنها " أول ما يوجهه الإسلام على أهله، وكان ذلك متوقفا على هذه الأعمدة الثلاث، فإن كلا منها يكون واجبا كما أن تنسيقها وتهيئة الخبرة لها على الوجه الذي يحقق تلك الغاية منها، يكون واجبا كذلك، وبالتالي كان من واجب ولي الأمر في الجماعة الإسلامية المهيمن على مصالحها وتوجيهها، أن يعمل على تنسيقها بحيث لا يترك الأموال تتجه إلى تركيز نوع واحد منها دون سواه أو تركيز جانب من فرع تكون الحاجة إلى غيره أشد منه، كما عليه أن يحول بعضا منها إلى بعض آخر، وفقا لحاجة البلاد المبنية على تحقيق مصالحها، على الوجه الذي يجعلها غنية بنفسها من غيرها، فلا يجد الأجنبي بابا للتدخل في شؤونها.
أما بعد:
فعلى ما ذكرت أخذا من الإمام البخاري (رضي الله عنه) حينما عنون في جامعه الصحيح للباب الذي ضمن فيه حديث " السكة " المشار إليه بقوله: (باب ما حذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع، وتجاوز الحد الذي أمر به)، مستنبطا لهذا العنوان من مجموع الأحاديث النبوية في مجال الزراعة، قد جعل بهذا الاستنباط – وأمثاله كثيرة-  من جامعه  الصحيح منبعا صافيا للفكر الإسلامي، ومرشدا حيويا للمسلمين في كل زمان، ومرجعا فريدا لطلاب العلوم، ومركز إشعاع للمبادئ الإنسانية والكفاح من أجل العدالة والتساوي والصداقة بين الشعوب، وضد أي مظهر من مظاهر الاضطهاد والعدوان. وما ذلك إلا  نتيجة لطريقته الفذة في دراسة الأحاديث وتنسيق الأفكار الإسلامية، مما يسر مهمة رجال الدين الإسلامي في معالجة المبادئ الحديثة حول الاجتهاد في سبيل الحصول على العلوم والمثل العليا وحول واجب المسلمين في الكفاح من أجل السلام والتقدم الاجتماعي وتهيئهم لتحصيل كل ما يحقق لهم التقدم  التكنيكي العلمي العصري على مدى الأعصر المتوالية.
فرضي الله عن إمامنا البخاري، إماما في الحديث، وإماما في فهم الحديث، وإماما امتد نفسه وامتدت بصيرته منذ ألفي سنة، إلى ما شاء الله، بما يفيد الأمة الإسلامية في كل ما يحقق لها دوام النهضة والتقدم، والعزة والسؤدد، في جميع مجالات الأنشطة الإنسانية على ظهر هذا الكوكب الذي نعيش عليه منذ هبط عليه أبونا آدم وحواء ، عليهما السلام، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وسلام عليه يوم  ولد، وسلام عليه يوم مات، وسلام عليه كلما روى أو قرئ، حديث من مروياته الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

 

 1 أخرجه أحمد وأبو داوود والنسائي وابن ماجة ومسلم البخاري
 2 رواه أنس.
 3 السكة بكسر السين المهملة المشددة بالكسر، وتشديد الكاف مفتوحة تعني الحديدة التي يحرث بها الأرض
 4 رواه البخاري
 5 على سبيل المثال كانت تزرع القطن لتصدر أكبر كمية منه غلى مصانع الغزل في بوكتثير وأمثالها في إنجلترا.
 6 الآيتان رقم 34، 35 من سورة الحشر
 7 الآية رقم 7 من سورة الحشر

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here