islamaumaroc

الإمام البخاري في المغرب

  دعوة الحق

161 العدد

جدير بالعالم الإسلامي أن يعتز بالإمام البخاري ...يعتبر أمام المحدثين دون جدال. والذي يعتبر صحيحه الجامع لأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام ...الثاني في الإسلام....
وقد تسلق الإمام البخاري قمة المجد الديني ....عن جدارة واستحقاق لما أوتي من ذكاء حاد، ....متيقظ، وعلم واسع، ودراية شاملة، وإيمان ...، ونزاهة مثلى ...فكان بذلك أمام المحدثين، واضح المنهاج الحق لعلم الحديث وجامع أحاديث الرسول عليه السلام نعم، وجد الباحثون المسلمون علم الحديث مجالا للبحث لحر، والتفكير المتسع ذلك لأن القرآن الكريم كتاب مقدس لا يتناول إلا التفسير والاستفادة من نصوصه في حيطة ما بعدها ...، أما السنة فهي مجال المناقشة اللفظية ....العلمي. والاستنتاج بكل أبعاده والنقد ....، حيث يجد العلماء خللا في السند أو في ...ولهذا فقد كان علم الحديث ميدانا متسعا ...المعارف، ومجالا للمناقشة والتحليل، ...الاراء وتوافقها ولهذا نرى قدر احتفاء العلماء ...البخاري الذي وجدوا فيه ضالتهم المنشودة، استنتجوا القواعد الفقهية واستنبطوا الأحكام ....وهم من مختلف المذاهب والفرق، يجدون هذا الكتاب العظيم مادة خاما لعلمهم وتفكيرهم.
والموضوع الذي أتناوله هنا عن الإمام البخاري موضوع تربوي أكثر منه تاريخي، إذ يتناول الأسلوب الدراسي، والكتاب البخاري في المدرسة الحديثية بالمغرب دون استقصاء لهم عدرا ولا لعلمهم كيفا.
....ولعل من العسير أن يحيط الإنسان في مقالات أو في كتاب مجهود الإمام البخاري وإنتاجه بله أن يحيط فيما كتب المفكرون عنه. وهذا لا يمنع أبدا من إلقاء نظرة عن قيمة الإمام البخاري وأثره في المغرب بصفة خاصة.. وذلك لأن الإمام البخاري كان قدوة المدرسة الحديثية في المغرب، فقد شغف العلماء والفقهاء والمحثون بمنهاجه وجعلوه أمامهم في التدقيق والتنسيق كما شغف  المؤمنون به، فكانوا يحلفون بكتاب البخاري وما يزالون يقسمون به كلما دعاهم إلى ذلك سبيل... بل ان فيلقا كبيرا من الجيش المغربي في عهد المولى إسماعيل حلفوا بصحيح البخاري واتخذوا من صحيحه شعارا لهم فكانوا يحملون نسخته بين أيديهم في غزواتهم وعرفوا في التاريخ (بعبيد البخارى) وهم جند المولى اسماعيل الذين حرروا الشواطئ المغربية ودافعوا عن أرض الوطن مستبسلين.
واهتم العلماء المغاربة بعلم الحديث ودرسوه دراسة موضوعية عميقة، ويذكر ابن أبي زرع قصيدة الملزوزي التي تشير إلى الكتب الحديثية التي تدرس في عصره وتألق نجم اعلام الحديث بالمغرب وما أكثرهم وبعسر أن نتقصاهم واحدا واحدا، وإنما نلمع إلى ذكر بعضهم سبعا، وقد جمعت عددا منهم في أعلام الفكر المغربي ... وهم في مختلف الطبقات الحديثية، منهم المحدث الحجة، ومنهم الحافظ، ومنهم المتخصصون في الحفظ ومنهم المتخصصون في النسخ ومنهم الرجال، ومنهم النساء، ومنهم الأساتذة ومنهم الوعاظ، ومنهم المحدثون المختصون، ومنهم الفقهاء المحدثون، منهم المؤلفون، ومنهم غير المؤلفين ... منهم من كان يعتمد الإمام البخاري، ومنهم من يعتمد الإمام مسلم، كما فعل المازري الصقلي الذي شرح صحيح مسلم منهم من اهتم بالأصول الحديثية ومنهم من اهتم بالمستدركات والاصطلاحات والاربعينيات والسماعات وغير ذلك علم الحديث.
اهتم المغاربة بدراسة الحديث اهتماما بالغا وبالأخص بعد ظهور كتاب مسلم حيث فضلوه على البخاري وشرحه المازري الصقلي(1) ويذكر ابن زرع قصيدة الملزوزي(2) التي تشير إلى الكتب الحديثية التي كانت تدرس في عصره. ورغم شبعية الدولة الادريسية فقد غمرت فاس بفقهاء قرطبة والقيروان ذوي الاتجاه الحديثي الذي لم يخفف من حدته إلا استقواء الفقهاء المرابطين من بعد، مما أدى إلى رد فعل في عصر الموحدين الذين اهتموا بالحديث. بسبب أخذهم الظاهر، ويقول مؤلف كتاب بيوتات فاس أن ملوك الموحدين تخلوا بالمذهب المعروف من انكار الراي(3) وقد أمر عبد المومن سنة 555 بتحريق كتب الفروع، ورد الناس إلى قراءة الحديث، وكتب بذلك إلى طلبة المغرب والأندلس، والتاريخ لا يذكر تنفيذ ذلك إلا في عصر يعقوب المنصور حيث خافه الفقهاء، ويروي الحافظ أبو بكر بن الجدانة لما دخل على أمير المؤمنين يعقوب أول دخلة وجده وبين يديه كتاب ابن يونس فقال له يا أبا بكر إنما انظر إلى هذه الآراء المتشعبة التي أحدثت في دين الله، أرأيت يا أبا بكر المسئلة فيها أربعة أقوال أو خمسة، أو أكثر من هذا؟ في أي هذه الأحوال هو الحق؟ وأيها يجب أن يأخذ به المقلد، فافتتح أبو بكر ليبين له ما اشك عليه من ذلك فقال له وقطع كلامه، أبا بكر لي له ما أشكل عليه من ذلك فقال له وقطع كلامه، أبا بكر ليس هذا، واشار إلى المصحف أو هذا وأشار إلى كتاب سنن أبي داود، وكان عن يمينه أو السيف(4) وقد حمل الناس على هذا المذهب بالقوة، وشاهد المراكشي إحراق الكتب في شوارع فاس، وكذلك اعتنى الموحدون بطلبة الحديث، ويذكر المراكشي أنهم نالوا في عهد يعقوب المنصور ما لم ينالوه في أيام أبيه وجده(5) وكان يوسف الموحدي يحفظ أحد الصحيحين(6) كما كان المامون معدودا بين – حفاظ الحديث يسرد البخاري والوطأ وسنن أبي داود(7) وكذلك كان الأمير ابراهيم بن يوسف الذي قال عنه – المراكشي. لم أر في العلماء بعلم الأثر انقل منهم له(8) ويدل على العناية بدراسة الحديث قصة امتحان ابن عات ببيت الطلبة بمراكش وامتحان الواردين عليهم من أهله(9) وانتشرت في عهدهم بالخزائن المغربية من كتب الحديث الكتب الخمسة وهي صحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي ومسند البزار وموطأ ابن تومرت وأحاديث الجهاد التي أمر المنصور بجمعها(10) والشهاب للقضاعي المسمى بشهاب الأخبار في الحكم والأمثال والآداب من الأحاديث النبوية(11) وبظهور الفرق الصوفية ذات النزعة اللاهوتية أي الدراسة النظرية لا الأخلاق الصوفية، واستفحال أمرها، وجد المرينيون أنفسهم أمام واجب رعاية دراسة سنية منظمة فأسسوا المدارس في سائر المدن لتحقيق هذه الغاية والتزموا فيها دراسة الحديث كما في الرسالة المجازة في معرفة الإجازة لابن ميمون(12) وكانت مجالس أبي عنان وأبي الحسن(13) المريني حافلة بالدراسة الحديثية، واقتفى السعديون منهاجهم فكان بلاط المنصور السعدي حافلا بمجلس سنية لمناقشة موضوعات حديثية، ويذكر القادري أن بالقرويين بس خاص لكرسي يدرس عليه البخاري بابن حجر حيث كان الونشريشي أحد أعلامه وقتل عليه، ولا شك أن النزعة السنية بلغت مداها في العصر لعلوي حيث أطلق المولى اسماعيل على جيشه الخاص (عبيد البخارى) متمسكا بالنزعة السنية كما التزم المولى عبد الله 1134 بحضور دروس حديثية في قصره، وألف كتاب الفتوحات الإلهية وأصدر مرسوما لإصلاح التعليم على أساس الرجوع إلى القرآن والحديث(14) واقتفى سيرته المولى سليمان الذي كان زعيم الحركة السلفية في عصر، ونعثر في ديوان الحوات على قصائد ليغة الذي نشر عدة كتب حديثية والمولى يوسف وجلالة الملك المرحوم محمد الخامس رضي الله عنه حيث كانت تلقى في أمسيات رمضان أحاديث نبوية يناقشها كبار العلماء وخلفه جلالة الحسن الثاني نصره الله الذي يرعى الدراسات الحديثية، ومؤسس (دار الحديث الحسنية).
وكان من نتيجة العناية بالحدث أن يرع في علم الحديث في الأندلس أبو علي الصدفي(15) الذي كان يروي السنن لأبي داود، والدارقطني، وجامع الترمذي وتاريخ البخاري ورياض المتعلمين لابن نعيم ثم انفرد بعده الغساني(16) بقرطبة.
وبرز في هذا الميدان أيضا أبو العباس الخزرجي وأبو الوليد الباجي وأبو عامر ابن حبيب وأبو عمران بن أبي تليد وأبو بحر الأسدي وأبو العباس ابن ذروة، وكان محمد بن حيدرة المعافري خاتمة الحفاظ بالأندلس وأعرفهم بعلله وأكثر المبرزين في صناعته ومعرفة معانيه وحفظ أسمائه(17).
وتألق نجم الوزير أبو عبد الله محمود بن مسعود ابن فرج ابن الخضار الغافي(18) مؤلف منهج في معارضة المبهج، وكان الناس يروون جميع كتبه من منظوم ومنثور(19)، ومن كبار المحدثين بالمغرب ابن دحية السبتي الذي كان يحفظ صحيح مسلم(20) قد امتحنه علماء مصر حفظه الحديث فذكروا أحاديث بأسانيد حولوا متونها فأعاد المتون المحولة، وعرف تغييرها، ثم ذكر الأحديث على ما هي عليه من متونها الأصلية(21) وعبد الرحمن بن محمد من أهل تاسنا المعروف بالمكولي(22) وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الطاهر الحسني الشريف الصقلي وبو الحسين علي بن عبد الملك الكتامي الحميري الفاسي ويعرف بابن القطان كان من أبصر لناس بالحديث كما ذكر أبي سعيد في رسالته الذي ذيل بها رسالة ابن حزم في مفار الأندلس، ومنهم أبو إسحاق ابراهيم بن محمد المرادي الذي كان أحفظ أهل زمانه، واذكرهم للتاريخ وأبو عبد الله محمد بن يحيى ابن صاف المعروف بالمواق المراكشي الذي شرح مقدمة صحيح مسلم(23)، ولا يمكن استقصاء كبار المحدثين المشهورين في المغرب وتفصيل آثارهم وانما حسبي أن أذكر المشهورين فيهم كالإمام ابن غازي المتوفى سنة 919 من محدثي القرن العاشر هو أول من سن قراءة الحديث في رمضان بالمساجد، وكالمحدث سقين وابن القصار من نفس هذا العصر واشتهر (القرن الحادي عشر) بثلاثة محدثين كبار تفاوت تقدير نقاد الحديث لهم وهم المقري والفاسي والفيلالي حسب قولة محمد بن أبي بكر الدلائي المشهورة في المفاضلة بين هؤلء الثلاثة، ومن القرن الثاني عشر نذر أبا سالم العياشي صاحب للرحلةوابن عبد السلام بناني، وبعد هؤلاء تألق اسم المحدث الدراتي السلاوي والعربي الرباطي.
وكان من أشهر الحدثين في المشرق الإمام العبدوسي أحد أعلام الحديث في المغرب، زار المشرق وعلم به وبقدر الشوكاني طريقته ومهارته البيداغوجية حيث يستعمل أساليب المحدثين في تلقين العلوم الإسلامية فكان في التفسير يفتح الآية بما ناسبها من الأحاديث وأخبار السلف من الصحابة والتابعين واتباعهم ثم بعد ذلك يرجع إلى الآية، وبما يأخذ في نقل الأحاديث، فيقول الحدث الأول كذا والثاني كذا وإلى المئة ثم يبدأ الثانية حتى يختمها وسلك في المدونة نفس المسلك فتذكر المسئلة فرآى مالك، ثم ينزل طبقة حتى يصل إلى علماء الأمصار من المصريين والأفارقة والمغاربة والأندلسيين ويسلك في النحو نفس المسلك فبدأ بأصحاب سيبويه ثم السيرافي وطبقات النجاة كما اشتهر من بين كبار المحدثين في المغرب أبو بكر المولاني المتوفى سنة 1046 وأحمد الغري الرباطي المتوفى سنة 1178، والشيخ التاودي ابن سودة المتوفى سنة 1209 وابن عجيبة التطواني المتوفى سنة 1224.
على أن الندرسة الحديثية المغربية تبلورت في شخصتيتين (الأولى) في القرن لخامس، وهي شخصية أبي الفضل عياض اليحصبي المولود سنة 476، والمتوفى سنة 530 المعروف بالقاضي عياض، هذه العبقرية التي كيفت شؤون الحياة بما لها من جاه وثراء(24) فتفرغت لدراسة الحديث، واهتمت به اهتماما بليغا(25) فألف فيه عدة كتب قيمة ذكر الضبي منه في بغية الملتمس كتاب الالماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد الاسماع وبغية الرائد في معرفة ما في حديث أم زرع من الفوائد، وحدث الضبي به عنه أبي محمد بن عبد الله، ويروي عن الفقيه أبي عبد الله التميمي وأبي علي الصدفي وأبي عبد الله بن حمدين وأبي بكر بن العربي(26) كما ألف المشارق على الصحيحين والموطأ، وشرح مسلم وكتاب الغنية وترتيب المدارك في طبقات أصحاب مالك(27)، وقد أصبح القاضي عياض رأس علماء المغرب في الإسلام العقيدية والشرعية والسلوكية كما كان(28) يوضح من المعارف ما أشكل (حسب تعبير الفتح بن خاقان)(29) وأصبح القدوة التي يحتذيها علماء الإسلام في المشرق والمغرب من بعد بل نموذجا عاليا لعلماء الإسلام(30) وحسب قول عالم الهند الشيخ محمد بن مصطفى، فشخصية القاضي عياض كانت درسا لعلماء عصره الذين أصبحوا إلا الرسم، وقد خصص في دراسة شخصيته وآثاره وعصوره المحدث المغربي في كتابه القيم ازهار الرياض في أخبر القاضي عياض، وتصدى لشرح أقواله ….. والمدرسة الحديثية ضد الموحدين والظاهرية كثير من المؤرخين المعاصرين على أن اشهر ما عرف به عياض هو كتاب الشفا في التعريف ببعض حقوق المصطفى وهو تحليل لحياة الرسول في لأسلوب أدبي بليغ وقد ذاع في سائر الأقطار الإسلامية، حتى أصبح خير ما يتقرب به إلى الله، وطبع مرارا وشرح عدة شروح، ومن شروحه الفتح الفياض في شرح شفاء القاضي عياض لأبي لحسن علي الحريشي ومفتاح الشفا لعبد الرحمن الفاسي كما أن المع ما ألفه في فن التراجم هو ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، وقد نشر ابن شنب وصفا لهذا الكتاب، ويهتم بعض الباحثين بطبعه الآن.
والشخصية الثانية كانت في القرن الثاني عشر وهي شخصية أبي العلاء ادريس بن محمد العراقي (1120-1183 ) الذي كان شهر محدثي القرن الثاني عشر، ومن خلال ما كتب في علم الحديث تعرف على ما بذل من جهد في نشر هذا العلم وتدقيق مباحثه، فقد شرح شمائل الترمذي، ويقول علماء الحديث أن الترمذي لا يشرحه إلا رجل الفن القدير، وشرح قسما من المشارق للصاغاني وشرح أحياء الميت للسيوطي، وخرج الشهاب للقضاعي، وله : تكميل لمؤلف القاضي عياض، وله الدرر اللوامع في الكلام على أحاديث جمع الجوامع، وفتح البصير في التعريف بالرجال المخرج لهم في الجامع الصغير.
أما المدرسة الثانية فكانت في عهد الشيخ أبي شعيب الدكالي مهتما بالإجازات متبججا بكثرة أسماء الشيوخ والاطلاع على الفهارس والإثبات، وإنما كانت همته الدراسة، وقد كان له من إتقان لعربية إتقانا كبيرا يحفظ الشواهد والقصائد ما يساعده على الإملاء والاحتجاج بلغة الأدب واللغة، كما كان يجيد القراءات السبع، أما حفظ السنة فذلك ميدانه الرحب، فيملي ........
على أن المغرب يحتفظ بين أعلام الحديث المشهورين باسم الشيخ محمد بن جعفر الكتاني صاحب التآليف العديدة، والشيخ محمد السائح والشيخ المدني ابن الحسني والشيخ العربي العلوي وقد طبعوا جميعا الدراسة الحديثية بالطابع السلفي.
أما في السند فقد احتفظ المغاربة بسندهم الحديثي الخاص وذكروه في كتب الإثبات في الفهارس والتراجم، والسند المغربي يشمل السند الحديثي في القيروان عاصمة العلم في تونس وسند الحديث في بجاية، وسند الحديث في فاس ومراكش وفي كتاب المنح البادية(32) ذكر للأسانيد مغربية كما في فهرس الفهارس تفاصيل عن الأسانيد المغربية، وفي شرح البخاري لابن سودة ذكر لسند كما في فهرسته تفصيل لأسانيد المغاربة، ومما يقوي قيمة السند المغربي أن (الموطأ) لا يعرف إلا من رواية يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي رغم أن لها عدة رواة أكبرهم رواية عبد الله بن مسلم القصنبي(33).
وحقق موطأ مالك أبو عمر يوسف ابن عبد البر النمري القرطبي في كتاب التقصــي(34) الذي جمع ما فيه من الأحاديث المرفوعة موصولة كانت أو منقطعة مرتبة على شيوخ مالك، وذاعت شهرة المغاربة بتأليف الاسانيد الحديثية، ومن أشهرهم ابن بقي بن مخلد الاندلسي المتوفى سنة 270 وأبو ميمونة دراس المتوفى 357 الذي قال عنه عياض في المدارك أنه من حفاظ المغرب(35) ومن المشاهير محي الدين ابن العربي الحاتمي المتوفى سنة 638 مؤلف مشكاة الأنوار في الأحاديث القدسية، ولمحمد بن الطيب الشرقي المتوفى سنة 1170 كتاب في المسلسلات.
وفي غريب الحديث كتب ابن حزم السرقسطي المتوفى سنة 302 وأتمه أبوه بعد وفاة الابن.
وظهرت في علم الحديث تأليف في الجمع بين المسانيد وأشهر من ألف فيه من المغاربة الإمام محمد ابن سليمان الروداني مؤلف صلة الخلف بموصول السلف المتوفى سنة 1094 كتاب في الموضوع سماه جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد.
وألف ابن القطان المتوفى سنة 628 تعليقا على ما في كتاب الأحكام الشرعية لعبد الحق الأزدي الاشبيلي من الأوهام، وابن القطان من أعلم الناس بالحديث ويقول عنه السوداني : كان من أبصر الناس بصناعة الحديث وأحفظهم لرجاله وأشدهم عناية بالرواية، مع تفنن ومعرفة ودراسة كما ألف من بعده الخطيب ابن مرزوق التلمساني المتوفى سنة 781 كتابا في الجمع بين الصحيحين(36)، ومن مشاهير المسندين أبو القاسم عبد الله بن جزى الغرناطي المولود سنة 692 والمتوفى شهيدا في طريف سنة 741 وهو مؤلف كتاب الأنوار السنة في الألفاظ السنية.
وألف في نقد الرجال عبد الله بن خلف المستشهد في المرية سنة 542 كتاب الاعلام(37).
كما ألف ابن الفرضي القرطبي مؤلف تاريخ الأندلس الذي ذيل عليه ابن بشكوال بصلته المستشهد بقرطبة سنة 403، كتابا في مشتبه السنة.
وبعد ألف الحسن الغساني الجباني المتوفى سنة 498، كتابا فيما ائتلف خطه واختلف لفظه في أسماء رجال الصحيحين.
وذيل أبو العباس أحمد بن مفرج الأموي المعروف بابن الرومية المتوفى سنة 637 على كتاب الكامل في العلل والرجال، وبتأليف سماه الحافل في تكملة الكامل، كما اختصر الحافظ العراقي المشهور ميزان الحافظ الحلبي، وترك العياشي فهرسته الحديثية، وكذلك فعل التاجموعتي المتوفى سنة 118، وكتب الشيخ التاودي ابن سودة المتوفى سنة 1209 فهرسته الحديثية كما كتب المولى سليمان المتوفى سنة 1238 فهارس وأسانيد حديثية مشهورة، أما في السيرة النبوية فقد كتب عالمان مغربيان سبتيان (الأول) هو أبو العباس أحمد بن محمد العزفي اللخمي (557 – 633) الذي كتب الدر المنظم في مولد النبي المعظم وأكمله ولده أبو القاسم وذكر فيه ما خص الله به النبي (ص) وفضل، به وما امتن بهعليه وعلى امته(38).
و(الثاني) هو أبو الخطاب عمر بن حسن ابن دحية الكلبي المعروف بابن الجميـــــل (547-633) ألف كتاب التنوير في قول السراج المنير(39) وألف أبو عبد الله محمد بن قاسم بن عبد الرحمن بن عبد الكريم التميمي الفاسي 603 اللمعة في ذكر أزواج النبي وأولاده السبعة(40)، وألف أبو الخطاب بن دحية كما في نفح الطيب نهاية ....في خصائص الرسول، على أن كتاب الشفا أول من كتب في المغرب في السيرة النبوية، وقد انتقده الذهبي كما ألف الإمام السهيلي المتوفى بمراكش سنة 581 كتاب الروض الانف، وكتب (الكلاعي) البلنسي (634) كتاب الاكتفا في مغازي المصطفى شرحه محمد بناني المتوفى سنة 1163، ونظم أبو الفضل العراقي الفية رجرية الدرر السنية في السيرة النبوية شرحها كثير من المشارقة وأشهرهم من المغاربة محمد الطيب ابن كيران المتوفى سنة 1220.
وقد درس المغاربة السيرة بكتاب ابن اسحاق، وألف فيها سليمان الروداني ومحمد بن مبارك الافاوى وأحمد الصوابي والحضيكي(41) وترجم نور اليقين إلى (الشلخة) في سفرين(42) وكانت بالسوس نساء تعرض السيرة النبوية بالشلحة. على أن المغاربة لهم الفضل في نظم حياة الرسول فقد أعجب الشعراء المغاربة بسيرة الرسول حيث وجدوا فيها النموذج  فنظموا القصائد ونثروا الكلمات تعبيرا عن هيامهم ببطولة النبي (ص). وتناقلت الجماهير هذه القصائد النبوية فرددت في المساجد في حفلات عيد المولد.
ولعل أقدم أثر نعرفه هو قصيدة عبد الله الشقراطيسي، تلك القصيدة العصماء التي جعل الشاعر موضوعها (سيرة الرسول) فشغلت النقاد والدباء بشرحها والتعليق عليها كما تتردد في قصور الأمراء وأكواخ الفقراء والشقراطيسية قصيدة طويلة تصل إلى مائة وخمسة وثلاثين بيتا فهي دون الملحمة في عدد أبياتها ولكنها بالشرح والتعليق خليقة بأن تكون ملحمة تواكب أبياتها حياة الرسول في مولده إلى حياته الحافلة بالكفاح البطولي ثم إلى التحاقه بالرفيق الأعلى، ألفها أبو محمد عبد الله بن أبي زكرياء الشقراطيسي نسبة إلى (شقراطيس) وهو حصن روماني قديم قرب ففصة، ولد بمدينة توزر ودرس بالقيروان على أبي عمران الفاسي والسيوري والعطار وتوفي سنة 466، والشقراطيسية خمسها ابن الشباط المولود سنة 618 والمتوفى سنة 681 كما في نفح الطيب في ترجمة ابن عظيمة الاشبيلي.
كما خمسها أبو بكر محمد بن الحسن بن يوسف جبيش وأبو عمر عثمان ابن عتيق كما في رحلة التجاني وشرحها ابن الشباط في ثلاث شروح كبير ومتوسط وصغير ويسمى الشرح الكبير صلة السمط توجد نسخة منه بخزانة تمكرورت (ميكروفلم) له بخزانة الرباط، ويذكر الزرقاني في المواهب اللدنية أن ابن شامة شرحها كما شرحها ابن جماعة في جزء واحد، والعلامة المغربي الكبير ابن غازي في عشرة مجلدات، وذكر ابن ناجي في معالم الايمان أن ابراهيم ابن عبد الملك بن عوانه وضع تأليفا على الشقراطيسية(43)، كما أن ابن مرزوق التلمساني المتوفى سنة 842 شرحها في كتاب المفاتيح القرطاسية.
وتخصص ابن الشباط في هذه القصيدة حيث اشتغل بها زهاء عشرون سنة وقال عنها يئست من معارضتها الاطماع، وانعقد على تفضيلها الاجماع فطبقت أرجاء الأرض، وأشرقت منها في الطول والعرض، والعجيب أن ابن الشباط لم يعرف أن في نفس الشهور لذي كان يقضيها بشرح هذه القصيدة كان في مصر شاعر معاصر ينسج على منواله قصيدة لتنافس الشقراطيسية ...بل وتحل محلها، فقد عارضها البوصيري المتوفى سنة 681 ونسج على منوالها بردته التي كتب لها أن تغزوا (الشقراطيسية) في عقر دارها وتحل محلها ثم تعفى عليها إلى يومنا هذا، ليكن هذا تنافسا أدبيا أو مبادلة أدبية، ولكن الواقع أن (الشقراطيسية) لا تقل عن البردة في روعتها....
ولنرو بعض أبيات (الشقراطيسية) لنرى مدى أثرها في البردة التي هي (ترديد) لإنتاج افريقيا العربية:
خير البرية من بدو ومن حضر
وأكرم الخلق من حاف ومنتعل
ضاءت لمولده الافاق واتصلت واتصلت
بشرى الهواتف في الاشراق والطفل
وصرح كسرى تداعى من قوائمه
فانقض منكسر الارجاء ذاميل
خرت لبعثته الاوثان وانبعثت
ثواقب الشهب ترمي الجن بالشعل
وفي سراقة آيات مبينه
إذ ساخت الحجر من وحل بلا وحل
عرجت تخترق السبع الطباق إلى
مقام زلفى كريم قمت فيه على
دعوت للخلق عام المحل مبتهلا
افديك بالخلق من داع ومبتهل
اعجزت بالوحي أرباب البلاغة في
عصر البيان فضلت أوجه الحبل
بريت من دين قوم لاقوام لهم
عقولهم من وثاق العري في عقل
يستخرجون خفي الغيب من حجر
صلد ويرجون غرث النصر من هبل

نحلتك الحب على اذ نحلتكه
احظى بحبك منك افضل النحل
فما لجلدي بنضج النار من جلد
وما لقلبي لهذا الحشر عن قبل
أذنبت لكن عسى والفضل منك عسى
حب النبي وحب الصحب يشفع لي

واختص المغاربة بأدب الرسائل النبوية، وهي رسائل تكتب بأسلوب منمق وتبعث إلى مقام الرسول لتقرأ في روضته كما فعل ابن الخطيب وغيره، مما يدخل في هذا الموضوع الذي خصصته بدراسة.

طريقة دراسة البخاري :
ان أول الكتب الحديثية التي يعتمدها المختص هي الكتب الخمسة وهي البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، وبإضافة ابن باجة تصبح الكتب الحديثية سنة، وشروحها المشهورة كابن حجر والقسطلاني والعيني، وسأنقل من مصادر كتب الحديث، طريقة تقسيم تقسيم كتب الخزانة الحديثية حيث جمعت الكثير من هذه الكتب للاستفادة منها قصد تحقيق الحديث وضبطه والكشف عن جوانبه الفقهية والاجتماعية والتشريعية، ومن حسن الحظ أن المحدثين اهتموا كذلك بالخزانة الحديثية وتركوا لنا تفاصيل عنها وعن طريقة الاستفادة منها، وتختلف هذه الكتب حسب الموضوعات، حيث ساروي عنهم تفاصيلها، فقد تكون هذه الكتب في دراسة شيوخ الحديث من الحفاظ المشهورين المكثير، كأحاديث سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي مولاهم الملقب بالأعمش لأبي بكر الاسماعيلي وأحاديث الفضل بن عياض التميمي اليربوعي المروزي للنسائي وأحاديث محمد بن مسلم بن شهاب الزهري لأبي عبد الله محمد ابن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الذهلي النيسابوري أحد الحفاظ الأعيان وأمير المؤمنين في الحديث المتوفى سنة ثمان وقيل سنة اثنين وقبل سنة سبع وخمسين ومائتين وتسمى أيضا (بالزهريات) جمع فيها حديث ابن شهاب عليه وكان من أعلم الناس بحديثه.
وتوجد كتب في رواة بعض أئمة الحديث أو غرائب حديثهم ككتاب تراجم رواة مالك للخطيب البغدادي ذكر فيه من روى عن مالك الإمام فبلغ بهم ألفا إلا سبعة، وزاد عليه غيره كثيرا، والتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لأبي عمر بن عبد البر، فإنه ترجم فيه لرواة مالك في الموطأ على حروف المعجم، مع الكلام على متونها وإخراج الأحاديث المتعلقة بها بأسانيده وهو كتاب كبير الحجم في سبعين جزءا غزير العلم لم يؤلف في الموضوع أحد قبله، ومن المشهور عند المحدثين ما قاله فيه ابن حزم : (لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله فكيف أحسن منه؟) وكذلك كتاب غرائب مالك في الأحاديث الغرائب التي ليس في الموطأ، للدارقطني، قال ابن عبد الهادي عنه : انه كتاب ضخم عامر .. ومنها كتب في تواريخ الرجال وأحوالهم كتاريخ البخاري الكبير جمع فيه أسامي من روى عنه الحديث من زمن الصحابة إلى زمانه فبلغ عددهم نحوا من أربعين ألفا من رجل وامرأة وضعيف وثقة ثم جمع الحاكم من ظهر جرحه من الأربعين ألفا، فلم يزيدوا على مائة وستة وعشرين رجلا وقد ألفه وهو ابن ثمان عشرة سنة تجاه قبر الرسول في الليالي المقمرة كما يقولون، وقال الإمام السبكي عنه : إنه لم يسبق إليه، ومن ألف بعده في التاريخ أو الأسماء والكنى فعيال عليه. كما يذكر ذلك مؤرخو الكتب الحديثية، أما كتب المعاجم، أي التي تذكر الأحاديث على ترتيب الصحابة أو الشيوخ أو البلدان أو غير ذلك، وغالبا ما تكون مرتبة على حروف المعجم كمعجم الطبراني الكبير المؤلف في أسماء الصحابة ما عدا مسند أبي هريرة فقد خصه بتأليف قال عنه : (انه أورد فيه ستين ألف حديث في اثني عشر مجلدا، وقال فيه ابن دحية : هو أكبر معاجم الدنيا وهو (المعجم) عند المحدثين فإذا أطلقوا (المعجم) فهم يعنونه، أما الأوسط فقد ألفه في أسماء شيوخه وهو قريب من ألفي رجل حتى أنه روى عمن عاش بعده لسعة روايته وكثرة شيوخه.
ومنها كتب الطبقات وهي التي تشتمل على ذكر الشيوخ وأحوالهم ورواياتهم طبقة بعد طبقة إلى زمن المؤلف كالإصابة ومنها كتب المشيخات، وهي التي تشتمل على ذكر الشيوخ الذين لقبهم المؤلف واحد عنهم أو الذين اتصل بهم وأجازه بمروياتهم كمشيخة الحافظ ابن يعلى الخليلي، ومن بين الكتب الحديثية ذات التخصص، كتب الأمالي، وكتب الأمالي يراد بها ما كان يلقيه المحدث على طلابه من محاضرات فهي جمع إملاء، وقد كان الحفاظ في القديم يخصصون يوما في الأسبوع أن يكون يوم الثلاثاء أو الجمعة، ويختارون لقائلها مكانا محترما وهو المسجد الأعظم في الغالب ويملي الحافظ الأحاديث فتلتقط عنه بطريقة خاصة وهي أن يكتب المستملي في أول الإملاء هذا مجلس املاء شيخنا بجامع كذا يوم كذا ثم يورد بعد ذلك المحلى بأسانيد الأحاديث والآثر فيفسر الغريب ويعلق على ذلك باستطرادات والسرد للمتعلقات ويذكر مؤرخو علم الحديث أن الاملاات قلت بعد موت كثير من حفاظ الحديث المشهورين، ثم جدد ذلك الحافظ السيوطي الذي أخذ يملي املااته بمصر سنة ثمانمائة واثنين وسبعين، وفي كتب الحديث ذات التخصص كتب الموالي، ككتاب عوالي الأعمش لأبي الحجاج يوسف ابن خليل الدمشقي ومنها كتب الأطراف التي يقتصر فيها على ذلك طرف الحديث الدال على بقية جمع لأسانيده، وهذا الجمع أما بطريق التقييد أو بطريق الحصر، والاستيعاب.
ومنها كتب الزوائد كزوائد سنن ابن ماجة للشهاب البصيري المسمى مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجة، ومنها فوائد لزوائد البيهقي الذي يضم زوائد البيهقي في سننه الكبرى على الكتب الست.
ومن كتب التخصص كتب الجمع في بعض الكتب الحديثية كالجمع بين الصحيحين للصاغاني المسمى بمشارق الأنوار النبوية في صحاح الأخبار المصطفوية، ومن كتب التخصص كتب لأحاديث الأفراد وهي إما عن فرد مطلق أي ما انفرد به كل واحد من الثقات بحيث لم يرو تلك الأحاديث أحد غيره، وأما عن الفرد النسبي أي لم يروه إلا أهل بلدة كعلماء البصرة مثلا أو انفرد به رواية عن راو مخصوص بأن لم يروه عن الراوي المعروف إلا راو آخر معروف مثله وقد يكون مروبا من وجوه أخرى كما ذكر ذلك في كتب الحديث.
إن مختلف هذه الكتب لا بد منها بعد أن تكون أساس الكتب الحديثية بيد المتخصص، واساس هذه الكتب هو كتب الصحاح الست كما ذكرت وهي صحيح البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة واهم الشروح كفتح الباري والقسطلاني والعيني ويسمى المحدثون كتبا لحديث المرتبة على الأبواب الفقهية بالسنن، حيث تبدأ بالإيمان والطهارة إلى آخره وليس فيها الموقوف لأن الموقوف لا يسمى سنة وإنما يسمى حديثا، والسنن المشهورة هي كتب السنن الأربع وسنن الشافعي، وكتاب السنن للإمام أحمد.
وكذلك توجد كتب المسانيد وهي كتب تجعل حديث كل صحابي على حدة سواء كان صحيحا أو حسنا أو ضعيفا ويرتب حسب حروف الهجاء بأسماء الصحابة حسب أسمائهم أو قبائلهم أو أسبقيتهم إلى الإسلام أو شرفهم، وفيها من تقتصر على حديث واحد كمسندات أبي بكر أو أحاديث جماعة كمسند الأربعة، أو مسند المقلين، أو العشرة، أو مسند المكثرين أو من الذين نزلوا بمصر. وبجانب كتب الحديث لن يستغني الطالب عن كتب اصطلاح الحديث أو (مصطلح الحديث) كما يسمونه، وهو مقدمة إلى دراسة هذا الفن، وكما كان على طالب النحو أن يحفظ الألفية لابن مالك فإن على طالب الحديث أن يحفظ عن ظهر قلب ألفية السيوطي، وألفية العراقي، وأن يكون على المام بمقدمة ابن حجر في مصطلح الحديث وقد جمعت في الألفيتين قواعد لا سبيل للاستفتاء عنها على أنه يمكن مناقشتها في مستوى التخصص وقد أصبحت اصطلاحات الحديث من صحيح وحسن و.....ومسلسل وغير ذلك من اصطلاحات هذا الفن عند شعراء المحدثين لا تقل عن اصطلاحات في أشعار شعراء التصوف، وبالإضافة إلى الخزانة الحديثية كان لا بد من معرفة أساليب المحدثين في كتبهم فما يختاره البخاري في المسألة يؤخذ من الإشارة التي يودعها في التجربة كما إذا أطلق البخاري سفيان بعد الحميدي أو غلي بن المدني، فالمراد ابن عيينة أما إذا ذكر سفيان بعد قبيصة بن عقبة فالمراد به النوري ثم على المحدث أن يختار نسخة البخاري المصححة ومن المعروف عن المحدثين أن البونينية نسخة مقابلة على نسخة الحفاظ والشرف البونيني المعمول عليه في ضبط روايات البخاري، وكان عليه أيضا أن يعرف شيوخ أئمة الحديث كأشياخ البخاري، وشيوخ معلميه وأساتذته وكتب الحديث واصطلاحاتهم والرواية بالنسخة وهي عند المحدثين أن يروا الراوي عن نسخة بسند واحد جملة أحاديث ولا يذكر فيها من قيد عليه السند إلا في الأول منها، ومن الاصطلاحات معرفة أمراء المومنين في الحديث هو أبو الزناد وشعبة بن الحجاج ومالك بن أنس وأبو عبد الله البخاري، وكان على الطالب أيضا أن يعرف عادة البخاري في صحيحه إذا أراد أن يفضل أمثله عن أخرى حيث يأتي بباب عن المترجم به أتى ما يعين به غيره بمناسبة لما قبله يفسر إليه بباب خاليا عن المترجم له وكان لا بد من معرفة نقاد الحديث المعروفون بنقاد التعديل والتجريح كيحيى بن سعيد القطان الذي قال فيه ابن حنبل كل حديث لا يعرفه بحي فليس بحديث، وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين ومالك بن أنس وأبو عبد الله البخاري وأبو حاتم والدارقني وأن يعرف أسلوب تجريح الرجال، فمن جرح عدل الرواية لا بد أن يبين السبب ولو كان من أهل الحديث ضبطا وتحقيقا للمتن.
ولا بد من معرفة طريقة رواية الرواة فأبو اليمان الحكم بن نافع لا يرى إلا عن شعيب ابن أبي حمزة وشعيب لا يروي إلا عن الزهري وأبي الزناد.

رواية الصحيح :
اعتمد المغاربة رواية البونيني كما فعل المشارقة، والبونيني حنبلي المذهب فلا عجب أن يتحول المغاربة وهم مالكيون إلى رواية الصدفي (المولود بسرقسطة سنة 454 ) ورحل إلى المشرق 481 ....ونظرا لأن الصدفي كان من المدققين المنتسخين لأمهات الكتب بعناية فائقة، ولدرايته بعلم الحديث ولكون روايته عن البخاري، ولأنه كانت لديه نسخة من الصحيح مقرؤة على أبي ذر الهروي .. وقد ترجم للصدفي وعرف بمكانته القاضي عياض في المعجم وابن الآبار في مغجمه كذلك حيث تتضح مكانة الصدفي التعليمية والعلمية فقد كان أستاذا وحافظا ... أخذ عن أعلام المحدثين الأندلسيين كأبي داود المقري وغيره وكان قاضيا بمرسية في عهد علي بن يوسف المرابطي وأستاذا لإبراهيم بن يوسف ابن تاعياشت (عائشة) المرابطي، وصديق ابن العربي .. وأخذ عنه مفخرة المغرب القاضي عياض أمهات الكتب الحديثية كالصحيحين، والشهاب والجامع للترمذي ورياضة المتعلمين والاستدراكات على البخاري ومسلم والتشبع، والالزامات للدارقطني والأربعين للاصبهاني وأوهام الحاكم في المدخل لابن سعيد، ومشتبه النسبة والمؤتلف والمختلف، والإشارة للباجي...
والجرح والتعديل له أيضا، والعلل، والسنن للدارقطني وكتاب التاريخ للبخاري – كما ذكر ذلك القاضي عياض في (الغنية).
ونظرا لدقة نسخة الصدفي ولما عليها من سماعات فقد اعتمدها ابن حجر في شرحه فتح الباري كما ذكر ابن حجر السخاوي. ورغم الطريقة الأندلسية في النسخ حيث أن خط الصدفي رقيق غير منقوط – كما ذكر ان جماعة فان ابن حجر اعتمد عليها، لأن الصدفي يشكل بالعلامات الإعرابية الكلمات الصعبة.
وعن نسخة الصدفي أخد ابن سعادة وهو صهر الصدفي وتلميذه وقد زكى لصدفي نسخة ابن سعادة بالكتابة عليها ... واهتم المغاربة اهتماما كبيرا بها فنسخ عنها المحدثون المغاربة وكتبوا عنها كثيرا وخصها الكتاني لمؤلفه ... التنويه والإشادة بمقام رواية ابن سعادة وظلت نسخة الصدفي معروفة في المغرب إلى أن افتقدت فيه ووجدها بليبيا كثير من المحدثين كالعلامة محمد الناصري والعلامة أحمد الفاسي، ورغم خروجها من المغرب فقد ظلت معتمدة في المغرب، ومحتسبة بخزانة القرويين إلى أن ضاع الخمس الأول منها، حيث ظهر أن ضياعها كان في القرن الثالث عشر الهجري كما يستفاد ذلك من الظهير الذي صدر بتاريخ 20 جمادى الأولى سنة 1288 والذي ينص على الأمر باعتماد النسخة (الشيخة) التي نقلت بأمانة عن نسخة ابن سعادة.
وزعم ليفي بروفنصال أنه اكتشف المجلد الأول للخمس الثاني من الأصل للجمع الصحيح ... وكعادة المستشرقين الغرباء عن معرفة ..........والمتبججين بمثل هذه الادعاءات فإنه في الواقع لم يكتشف وإنما عثر فقط....أما سبب اختفاء نسخة ابن سعادة ثم ظهورها بعد ذلك فمن الإسرار التي لا يعرفها إلا المتمكنون من تاريخ التراث الإسلامي.

(1)  قصة الأدب في الأندلس (ص102).
(2)  الملزوزي نشرة المطبعة الملكية.
(3)  العلوم والآداب والفنون لمحمد الهادي المنوني (51).
(4)  المعجب (ص185).
(5)  المعجب (ص 188).
(6)  المعجب (ص155).
(7)  القرطاس (ص161).
(8)  المعجب (ص207)
(9)  عنوان الدراية (ص161 ونفح الطيب 369).
(10)  المعجب (ص167).
(11)  التكملة لابن الابار (ص1608).
(12)  ولد ابن ميمون سنة 854.
(13) نيل الابتهاج ترجمة المعري الكبير.
(14)  مفاخر العلويين لابن زيدان.
(15)  التكملة لابن الابار (ج1 ص 89).
(16)  ابن الابار (ج 1 ص 78).
(17)  التكملة لابن الابار ( ج 1 ص 94).
(18)  قيام دولة المرابطين للدكتور حسن أحمد محمود.
(19)  فهرست ابن خير ص 386 و 450.
(20)  الشذرات (ج5 ص 160).
(21)  عنوان الدراية ( ص 161).
(22)  التكملة (ص1657).
(23)  الاعلام (ج3ص 242)
(24)  كان القاضي عياض متمولا (تاريخ قضاة الأندلس للنباهي) تحقيق ليفي بروفنصال ص 101).
(25)  جذوة الاقتباس لأبي القاضي (ص225).
(26)  بغية الملتمس للضبي (ص225).
(27)  الفكر السامي (ص59).
(28)  الفكر السامي نفس الصفحة.
(29)  قلائد العقبان (ص232).
(30)  مفتاح السعادة (ج2 ص 19).
(32)  انظر مخطوطة الخزانة ك 1249.
(33)  الرسالة المستظرفة ص 14 طـ، دمشق.
(34)  نفس المصدر 85.
(35)  السلوة ج 1 ص 176
(36)  نفس المصدر (ص15).
(37)  نفس المصدر (ص85).
(38)  أزهار الرياض.
(39)  وفيات الأعيان 483. ونفح الطيب ج 1 ص 371.
(40)  السلوة ج 3 ص 269.
(41)  تاريخ الأدب العربي بروكلمان ج 2 ص 265.
(42)  سوس العالمة ص 36 ج 1.
(43)  معالم الايمان ص 104.
       

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here