islamaumaroc

البخاري واهتمام أهل المغرب به وبالجامع الصحيح

  دعوة الحق

161 العدد

جدير بالمسلمين في كل زمان أن يذكروا للإمام الكبير العالم الحجة أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري فضله على أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
وجدير بهم أن يقيموا مثل هذا الاحتفال في مكان من العالم الإسلامي تعظيما و إكبارا للجهود الخالدة التي قدمها صاحب كتاب الجامع الصحيح فحفظ به الأمة السنة الثابتة و الحجة البالغة.
وجدير بأحفاد الإمام البخاري أهل سمرقند وبخاري و طشقند أن يشيدوا بهذه الشمس التي أشرقت على هذه الربوع فأضاءت دنيا الإسلام منذ ألف و مائتي فلم يزل نورها يشع و يضيء الطريق لكل باحث و يهدي السبيل لكل ضال.
وفعلا فقد شاءت  الإدارة الدينية لملئ آسيا الوسطى و قازاقستان أن تسبق هيئات العالم الإسلامي فتنظم بهذه المناسبة الكريمة هذا اللقاء الإسلامي العظيم على أعتاب ضريح خادم الملة و إمام المحدثين وها نحن أعتاب أولاء نستلهم من بركات هذه الذكرى أسمى العبر و نتقدم لشباب العالم الإسلامي بما سينجم عن هذا اللقاء الكريم من آراء صائبة و بحوث قيمة و توجيه مفيد.
و لا يفوتني أن أشيد بالجهود المباركة التي بذلها العالم الكبير وائد المسلمين في هذه الديار الشيخ ضياء الدين خان ابن بابا الذي أظهر من سمو التفكير وحسن التوجيه ما نال به إعجاب كل من عرفه وشهد نشاطه و تحمسه للثقافة الإسلامية.
أيها السادة:
 لقد حاولت في كلمتي هذه أن أتناول بعض الجوانب من حياة البخاري و أن أتعرض بجانب ذلك إلى مدى اهتمام البلاد التونسية بهذا العالم.
 ذلك مدى اهتمام البخاري من الأسماء اللامعة في محيطك الثقافة الإسلامية حتى أنه إذا ذكر في مجال العلم و التأليف لا يتصرف إلا إلى مؤلف كتاب الجامع الصحيح...

الإمام البخاري
لقد نشأ البخاري في أخريات عهد المأمون الذهبي حين قامت الحركة العلمية على ساقها و نفقت سوقها وبرز العلماء في مختلف أنواع المعرفة و نشطت على الأخص حركة جمع الأحاديث وتقدمها و تتميز الصحيح من الضعيف و تجريح الرجال و الحكم لهم أو عليهم وإنما تنافس رجال الدين في حفظ السنة والذود عنها حتى تكون بأمن من التدليس والكذب لأنها لم تدون في عصر النبي صلى الله عليه وسلم خوف الالتباس بالقرآن لأنها قد تكون مستقلة لتشريع الأحكام وهي كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام وفقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:م " ألا و إني قد أويت القرآن ومثله معه".

ولم يكن البخاري أول من جمع الحديث و لكن خطأ جديدة في هذا الميدان فمالك بن أنس جمع أحاديث الحجاز و خاصة أهل المدينة، و ابن جريح أحاديث الحجاز و خاصة أهل مكة و الأوزغاني جمع أحاديث الشام و لكن البخاري سن سنة لمن يمده من المحدثين هي الرحلة في طلب العلم و بالأحرى لطلب الحديث فبعد أن سمع حديث أهل بلده ذهب إلى بلخ وسمع محدثيها و رحل إلى مرو، ونيسابور، وبغداد،وبالبصرة، والكوفة، ومكة، والمدينة، و مصر، ودمشق،وقيسرية،وعسقلان،وحمص، فجمع بذلك ما تفرق من الأحاديث في الأمصار واستطاع عن مالك بن أنس وعن حماد بن زيد و أحمد يبن سهل و يحيى بن معين و إسماعيل بن إدريس المدني و ابن راهوية و غيرهم.
وعدد مشايخه الذين خرج معهم في الصحيح 289 شيخا.
ويقول عبد الله بن محمد البخاري: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: لقيت أكثر من ألف رجل من أهل الحجاز العراق و الشام و مصر، فما رأيت واحدا يختلف في هذه الأشياء أن الدين قول وعمل وأن القرآن كلام الله ( طبقات الشافعية ـ 2 ـ 217). 
وقال مرة أخرى كتبت عن ألف و ثمانين نفس ليس منهم إلا صاحب حديث ( هدى الساري 194 ـ 2).
و لا غرابة في ذلك فقد صرح بنفسه قال كنت إسحاق ابن راهوية فقال لنا بعض أصحابنا لو جمعتم كتابا مختصرا لسنن النبي صلى الله عليه وسلم فوقع ذلك في قلبي فأخذت أجمع هذا الكتاب و جمعته من ستمائة ألف حديث.
ولا عجب أن يمكث في جمع ما تفرق من أحاديث الرسول ست  عشرة سنة بعد أن عزم متابعة الأحاديث و الرواة في أي بلاد إسلامية وجدوا فيها فقد روى عنه أنه قال:" دخلت إلى الشام و مصر و الجزيرة مرتين، و إلى  البصرة أربع مرات و أقمت  بالحجاز سنة أعوام و أحصى كم دخل إلى الكوفة و بغداد من التعرف على أكثر عدد من الأحاديث و اختار الصحيح منها.
فقد خطا بالحديث خطوة ثانية موفقة عندما جد في التمييز بين الحديث الصحيح و غيره و كان الأئمة قبل البخاري لا يقصرون مؤلفاتهم على الأحاديث الصحيحة بل كانوا يجمعون بين الصحيح و الحسن والضعيف و سن بذبك لمن بعده من المحدثين قواعد البحث العلمي التي أعانته على الوقوف على الأحاديث الصحيحة.
وهو أن بالغ في التحري عن الرجال و التوثق بصحة المرويات مع اشتراطه في جمعه للأحاديث يصححها شروطا تسمى شروط البخاري فقد دفعه بحثه العلمي إلى تتبع حتى مذاهب الرواة ونزعاتهم من خارجي ومعتزل ومرجئي، وشيعي،ليتبين منها مقدار ما يحمل عليه مذهب كل واحد من القول بحديث غير صحيح أو تأويل له غير راجح و بعد كل هذا التحري و التمحيص استلهم الجانب الروحي من نفسه حتى قال الفربري (وهو تلميذه) سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: صنفت كتاب الجامع الصحيح في المسجد الحرام و ما أدخلت فيه حديثا إلا استخرت اله، و صليت ركعتين و تبين صحته.
ثم بيض تراجم جامعة  و أصوله في الروضة بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره ثم صار بجمع الأحاديث و يضعها في تراجمها بين الحرمين و غيرها من البلاد التي ارتحل إليها.
فلا عجب بعد ذلك أن أجمع العلماء على صحة كتاب الجامع الصحيح و تلقته الأمة الإسلامية بالقبول و استحق أن يطلق عليه أنه " أصح كتاب بعد كتاب الله عز و جل".
أما طريقة البخاري في تآليف الجامع الصحيح فإننا نكتفي فيها بما قاله الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي في كتاب جواب المتعنت:"اعلم أن البخاري رحمه الله كان يذكر الحديث في آخر و يستخرج منه بحسن استنباطه و غزارة فقهه حديثا في موضعين بإسناد واحد و لفظ واحد و إنما يورده بمعان متعددة".
وقد برهن بهذه الطريقة على أنه يفرغ جهده في الاستنباط في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستنبط من كل حديث مسائل كثيرة  ويودع في تراجم الأبواب سر الاستنباط و هذا أمر لم يسبقه إليه غيره من المحدثين كما اعتنى في كتابه بأبيات الأحكام فانتزع منها أحكام بعض الفروع حتى قال الإمام النووي رحمه الله :" ليس مقصود البخاري الاقتصار على الأحاديث فقط بل مراده الاستنباط منها و الاستدلال لأبواب أدراها". و لهذا ذكروه في عداد المفسرين و منهم المرحوم الشيخ الفاضل بن عاشور في كتابه التفسير ورجاله، واعتقادي أن موضوع البخاري المفسر يحتاج إلى دراسة خاصة و تأليف منفرد.
وقد ذكروا أن البخاري كان في أول الأمر شافعيا وقد عده السبكي شافعيا في كتابه، ( طبقات الشافعية).
والحق أنه كان مجتهدا و بذلك جزم أكثر من كتب عن الإمام البخاري إذ كانت له استنباطات تفرد بها في هذا الكتاب و له آراء تدل على رسوخ قدمه في العلم و تأهله لمرتبة الاجتهاد حتى أنه لا يكترث أوافقت آراءه بعض المذاهب أم لا توافقها.
عناية المغاربة بالبخاري وصحيحه
وقد  تعرض بعض نقاد الحديث و منهم ابن صلاح إلى أن أبا علي الحافظ النيسابوري و بعض شيوخ المغاربة تفضل صحيح مسلم على صحيح البخاري و يشهد ما صرح به ابن حزم في كتبه أنه كان يفضل مسلما لأن الإمام مسلم كان يحتز في الألفاظ و يتحرى في السياق و لا يقطع الحديث كما يفعل البخاري بل يسوق الحديث تاما بأسانيده المختلفة في موضع واحد ليرقبه إلى الأذهان و ليسهل معرفة ما بين متون الحديث و بين أسانيده من فرق.
وتفضيل بعض المغاربة هذا لم يضعف مكانة البخاري في نفوسهم لأن تفضيل هؤلاء لصحيح مسلم إنما كان لحسن التبويب و حسن الترتيب فهم لا ينكرون أن البخاري أصح متنا و سندا من الجامع الصحيح لا يقل عن اهتمام المشارقة بهذا العالم الجليل رواية و حفظا و تأليفا.
لئن اشتغل علماء إفريقيا في أول  الأمر في حلهم وترحالهم بنقل أحكام الفروع و التثبيت في السائل الفقهية من مختلف رجال الفقه و الحديث شرقا و غربا و توجهوا بكليتهم إلى نقل موطأ إمام دار الهجرة مالك بن أنس رواية و شرحا و إجازة فإنه لم يحل القرن الرابع الهجري حتى انتهوا من تركيز مذهب مالك، فتوجهت أنظارهم بالخصوص إلى بقية كتب الحديث الصحيحة فتناولهم بالدرس و التمحيص و سافروا إلى الشرق للأخذ و السماع من رواتها.
فقد ثبت أن العالم التونسي أبا الحسن علي بن محمد ابن خف المعارفي المعروف بالقابسي حج سنة 352 وسمع من حمزة بن محمد الكتاني الحافظ و القاضي بن أحمد الجرجاني و هما عن الإمام الفربوي عن البخاري.
و القابسي هو أول من أدخل رواية البخاري إلى إفريقيا و سنده أبو ذر الهروي و سند من أخذ عنهما مذكور في أوائل فتح الباري على البخاري حسبما أثبته الشيخ  مخلوف في كتابه"  شجرة النور الزكية في طبقات المالكية". و قد توفي بالقيروان سنة 403هـ.
وجاء  بعده أبو عبد الله المالكي القيرواني الذي رحل إلى مكة في أواخر القرن الرابع و لقي أبا ذر الهروي و أخذ عنه كتاب البخاري و ألف كتابا في مناقب الإمام البخاري و توفي سنة 483هـ.
ثم جاء بعده أبو عمرو و عثمان بن أبي بكر حمود الصفاقسي المعروف بابن الضابط في أوائل القرن الخامس فرحل إلى الشرق و أخذ البخاري عن أبي ذر الهروي ثم رحل إلى الأندلس سنة 436هـ، و هنالك عرف أهل الأندلس بكتاب غريب الحديث للخطابي.
ثم جاء من بعده أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي فكان له كتاب في شرح البخاري سماه النصيحة توفي سنة 440هـ.
و في أواخر القرن السادس قام العلامة المحدث الرواية المفسر الشيخ أبو محمد بن عبد الواحد بن التين الصفاقسي فشرح صحيح البخاري و سمى شرحه هذا " المخبر الفصيح في شرح البخاري الصحيح" وقد اعتمد هذا الشرح كثير ممن شرحوا البخاري بعده كابن حجر وهو لم يطبع إلى الآن وتوجد  نسخة منه بالمكتبة الوطنية بتونس و توفي بصفاقس سنة 611هـ.
ومن ذلك التاريخ انتشرت رواية البخاري في إفريقيا وتناقلها العلماء، و تنافسوا في أحضر الأسانيد وأقربها اتصالا بالإمام البخاري.
هذا وقد حافظ علماء تونس على رواية البخاري سماعا أو إجازة بالكتابة أو المناولة أو الشرح و تنافسوا في حفظ الجامع الصحيح و قراءته و سماعه والتبرك به جيلا بعد جيل و طبقة بعد طبقة إلى يومنا هذا.
و من الإجازات المشهورة في تونس إجازة الأستاذ الإمام العلامة المرحوم الشيخ محمد الطاهر عاشور المتوفى سنة 1394 في صحيح البخاري ومسلم عن طريق الحافظ  الجليل الشيخ محمد صالح الرضوي البخاري السمرقندي وعن عمر بن عبد الكريم عن محمد بن سنة عن أحمد بن موسى بن عجين اليفاني عن محمد الرهواني عن محمد الطاوسي عن باب يوسف الهروي عن محمد بن شاذ بخت الفرغاني عن يحيى الختلاني عن محمد بن يوسف الفربوي عن الإمام محمد بن إسماعيل البخاري و عن الإمام مسلم الحجاج القشيري بما في صحيحهما. و لا يعرف سند غير هذا السند يتصل بالإمامين البخاري ومسلم رضي الله عنهما.
وبهذا السند يكون بين الشيوخ محمد الطاهر ابن عاشور و بين رسول الله خمسة عشر راويا. وقد أجاز الشيخ بسنده هذا مئات من علماء تونس و الجزائر و المغرب الأقصى و هي عادة العلماء عندنا في تونس.
أما السند الثاني للإمام البخاري المشهور عندنا في تونس فواسطة عقده المرحوم العلامة الشيخ الطيب النفير المتوفى سنة 1345هـ.وقد رواه عن الشيخ إبراهيم الرياحي عن الأمير محمد الصغير عن الأمير محمد الكبير عن الشيخ علي العجمي عن أحمد بن محمد العجل اليمني عن يحيى بن مكرم الطبري عن جده محيي الدين بن محمد الطبري عن البرهان إبراهيم بن محمد ابن صدقة عن عبد الرحمن ابن عبد الأول الفرغاني عن أبي لقمان يحيى بن عمار بن عقيل الختلاني عن محمد بن يوسف الفربوي عن محمد بن إسماعيل البخاري.
وكان لي الشرف بنيل الإجازة بهذين السندين عن طريق فضيلة الشيخ محمد الشاذلي النفير.
أما السند الأول فمباشرة من الشيخ محمد الظاهر بن عاشور وأما السند الثاني فبواسطة أبيه الشيخ العلامة المرحوم الشيخ محمد الصادق النفير.
كما حصلت على إجازة عامة بما في ذلك رواية البخاري من فضيلة مفتي الجمهورية التونسية العلامة الشيخ محمد الهادي ابن القاضي و إجازة أخرى من فضيلة محمد الهادي ابن القاضي و إجازة أخرى من فضيلة العلامة الشيخ محمد الزغواني حفظهما الله.وللمرحوم الإمام الشيخ محمد الطاهر بن عاشور سند آخر غير هذا السند روى به أحاديث الجامع الصحيح للإمام البخاري يعرف بسند المحمدين وهو إسناد عزيز رواه عن جده الشيخ محمد العزيز بوعتور.
عن الشيخ الإسلام محمد ابن الخوجة، عن الشيخ  محمد بن التهامي الرباطي عن محمد بن عبد السلام الناصري عن محمد بن الحسن التطواني عن محمد بن عبد العزيز الحنفي عن محمد بن علاء الدين البابلي عن الشيخ بن محمد حجازي عن الشيخ محمد الخيطي عن محمد بن محمد الزنجي عن محمد الخضيري عن محمد المراغي عن فخر الأئمة محمد الحنبلي القرقشندي عن محمد بن فديج عن محمد بن مسلم المقدسي، عن محمد بن عبد الواحد بن محمد بن أبي المقدسي، عن محمد بن عبد الواحد بن محمد بن أبي القاسم القطان عن محمد ابن محمد الحفيد عن محمد بن طاهر المقدسي عن محمد بن عبد الواحد البراز، عن محمد لن أحمد بن حمدان، عن محمد مكي، عن محمد بن يوسف الفربوي، عن الإمام محمد بن إسماعيل البخاري.
وليس غريبا بعد ذلك أن تكون من سنن تونس إقامة الاحتفالات بأختام الحديث الشريف المستمدة من أحاديث صحيح البخاري. فقد عرفت هذه السنة الحميدة منذ عدة قرون حيث يحتفل التونسيون في شهر رمضان المعظم بالخصوص في غالب الجوامع و المساجد بإقامة الحديث و يستغلون بها عن كل ما سواها و نادي فيهم، إلا أن الختم لجامع البخاري سيكون في موضع كذا.
ويقول في ذلك المؤرخ التونسي الكبير الأستاذ المرحوم محمد بالخوجة في كتابه معالم التوحيد  "وقد وجه العلماء كامل عنايتهم لتلاوة أحاديث البخاري فهما و تفهيما قاصدين بذلك تدعيم أصول الدين و توثيق عرى حبله المتين حتى ينتفع الخاصة بفهم أسراره و يتيمن العامة ببركة أنواره.
وعلى هذه القاعدة درج أئمة السلف واقتدى بهم علماء الخلف فكانوا السابقين اللاحقين للكرع من مناهل رياضة و الارتواء من سلسبيل حياضه ولم تزل بفضل الله قائمة بهذه الديار".
و يظهر أن هذه العادة أخذت صبغتها الرسمية في عهد الدولة الحفصية حيث أقيمت احتفالات فاخرة بحضرها الملك بجامع أبي محمد المرادي خارج باب سويقة بالعاصمة.
أما العناية بصحيح البخاري و إقامة هذه الأختام الحديثية فلا تزال قائمة إلى اليوم و على الأخص في مسجد تونس الكبير جامع الزيتونة عمره الله و زاده مهابة و إجلالا.
وقد صدر أخيرا كتاب " مجالس العرفان" للعلامة المرحوم عبد العزيز جعيط شيخ الإسلام بتونس المتوفى سنة 1389 هـ =1970م، يحتوي أختام الحديث الشريف للإمام البخار التي قام بها فضيلته في أحد مساجد تونس العاصمة ود حوت هذه المجالس في مختلف الأبحاث و التحقيقات و من شتى المعاني اللغوية و البلاغية و التاريخية و الأصولية و الفقهية و من الآراء القيمة لا يمكن أن يستغنى معه عن الكتاب ذاته راغب في الاطلاع كي يقدر هذا التأليف وصاحبه.
و ما حدث في تونس حدث نظيره في الأندلس و المغرب الأقصى إذ اهتم العلماء في أول الأمر بأحاديث الأحكام بموطأ الإمام مالك رواية و شرحا و إجازة ثم توجهوا بعد ذلك إلى أحاديث الجامع الصحيح للإمام البخاري.
وأول من سمع البخاري رواية من أهل الأندلس عن أبي المروزي هو القاضي أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي المتوفى سنة 353هـ.
ثم القاضي أبو الوليد عبد الله بن محمد المعروف بابن الفرضي القرطبي سنة 403هـ.
ثم أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد ابن رشيق حج سنة 367هـ و سمع عن أبي ذر الهروي.
وتولى شرح صحيح البخاري أبو الحسن بن عبد الملك ين بطال شرحا اعتمده أهل الفقه و الحديث  ونقل عنه غالب من جاء بعده و توفي سنة 447هـ. ثم أبو جعفر أحمد بن محمد بن مغيث الصدفي الذي سمع عن أبي ذر الهروي سنة 459هـ. ثم جاء القاضي أبو علي الصدفي و يعتبر معلمة من معاليم رواة الحديث و حفاظه  في العصور الأولى للإسلام وقد كان مما حرره بخطه صحيح الإمام محمود مقروءة علي أبي ذر الهروي وعليها خطة وعلى النسخة اعتمد الشيخ ابن سعادة في تصحيح نسخته على صحيح البخاري.
وهذه النسخة بعينها موجودة في مكتبة جغبوب بليبيا حسبما أثبته العلامة المرحوم الشيخ محمد الفاضل بن عاشور،وقد استجلبها إلى تونس فصحح عليها نسخة والده من المكتبة العاشورية.
و يروي الدكتور عبد الهادي التازي أنه اطلع على نسخة الصدفي بالبيضاء و أنها موجودة إلى الآن بخزانة الأوقاف بطبرق.
وعناية أهل المغرب الأقصى بحفظ صحيح الإمام البخاري وشرحه و الكتابة عليه لا تقل عن عنايته أهل إفريقيا و الأندلس فقد برز في هذا الميدان عدد كبير من علمائهم في مختلف العصور، و لمعت فطاحل المحدثين يوفق عددهم الثلاثين تعرض إليهم بالتفصيل صاحب  كتاب شجرة النور الزكية في طبقات المالكية و بروكلمان و كشف الظنون و الأعلام للمراكشي و معجم العزيز بنعبد الله.
ولا يفوتني بهذه المناسبة أن أتعرض إلى المخطوط الذي حققه الدكتور محمد الحبيب بالخوجة عميد كلية أصول الدين و الشريعة بتونس وهو " إفادة الصحيح بالتعريف بسند الجامع الصحيح" لشيخ المحدثين محيي الدين ابن عبد الله بن عمران ابن محمد بن رشيد السبتي الفهري الأندلسي.
فقد روى ابن رشيد صحيح البخاري بسندين صحيحين وأراد بهذه الرسالة أن  يميز قيمة رجال هذين السندين لاعتقاده أن قرب الإسناد إلى الله عز وجل كما قال عبد الرحمن الطوسي و كان بينه و بين البخاري سبعة رجال في السند الأول وهو  سلسلة السماع، و خمسة رجال في السند الثاني بالكتابة بالأجازة، ويقول ابن رشيد في آخر هذه الرسالة " ذلك لأن الرواية بالكتابة جائزة عند المحققين من العلماء معمول بها معتمد عليها، وقال أبو نعيم الأصفهاني فيما رويناه عنه الإجازة على الإجازة  صحيحة قوية جائزة). وقال الحافظ السلفي رحمه الله." أعلم أن الإجازة عند فقهاء الشرع المتصرفين في الأصل منه و الفرع و علماء الحديث في القديم منه.و الحديث، قرنا فقرنا، و عصرا، فعصرا، إلى زماننا هذا يبيحون بها الحديث و يخالفون فيها المعاند المبتدع الخبيث".
كما علي أن أشيد بالرسالة القيمة التي ألفها العلامة المرحوم الذي لقي ربه منذ قلائل الشيخ المحدث محمد البشير النيفر جمع في هذه الرسالة التي لم تطبع عددا كبيرا من شراح البخاري من علماء المغرب و الأندلس.
أيها السادة:
هذه لمحة قصيرة عن حياة البخاري العلمية و عن عناية التونسيين به رضي الله عنه، وبجامعة الصحيح الذي كان و ما زال حتى اليوم معروفا في تونس بين الخاصة والعامة بتبرك به بعد كتاب الله الحكيم ويستسقي الغمام بتلاوة تيمنا بما حواه من سنة سيد المرسلين عليه أفضل الصلوات و أزكى التسليم.
وموضوع موفق أهل المغرب بكتاب الجامع الصحيح و صاحبه، موضوع متسع الجوانب تقل فيه المؤلفات و الأسفار و لا تعبر الكلمات الموجزة العابرة.
كيف، فضل الإمام البخاري على المسلمين حيثما كانوا من المشرقين و المغربين عظيم جدير يمتد فيه القول و تكثر فيه الكتب و الكتابات و تتجدد اللقاءات حتى تتعدد جوانب النظر إلى الرجل و كتابه و عنون السنة النبوية المطهرة التي عني بها عناية تذكر فتشكر.
وإذا كنا قد سجلنا بكلمتنا فضل البخاري على هذه الرقعة المغربية من دنيا الإسلام الفسيحة لأرجاء فما قصدنا بها الدراسة المستوعبة و لكن مجرد الإسهام في مهرجانه العظيم هذا، بقسط متواضع هو " جهد المقل" و "لقطة العجلان" وقد قيل منذ القدم: " ما لا يدرك كله، لا يترك قله" و " لكل مقام مقال".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here